النص المفهرس

صفحات 281-300

القدر
٢٨١.
تحاج آدم وموسى
[٨] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ لقره قال:
تحاج آدم وموسى، قال له موسى: انت آدم الذي اغويت الناس. واخرجتهم
من الجنة؟ قال آدم: انت موسى الذي اعطاه الله علم كل شيء، واصطفاه
على الناس برسالته وبكلامه؟ قال: نعم، قال: افتلومني على أمر قد قدر
علي قبل أن اخلق(١).
إلى ههنا انتهى حديث مالك عند جميع رواته لهذا الحدیث، وزاد
فيه ابن عيينة عن أبي الزناد باسناده: قبل ان اخلق بأربعين سنة.
وكذلك قال طاوس، عن ابي هريرة:
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن عمر، حدثنا علي ابن
حرب، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، سمع أبا هريرة يقول:
قال رسول الله وَجلاء : حاج آدم موسى، فقال موسى: يا آدم، انت
أبونا اخرجتنا من الجنة، قال آدم: يا موسى، انت الذي اصطفاك الله
بكلامه، وخط لك التوراة بيده؛ اتلومني على امر قدره علي قبل
يخلقني بأربعين سنة (٢) وهذا حديث صحيح ثابت من جهة الاسناد،
لا يختلفون في ثبوته، رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين، وروي
عن وجوه عن النبي وَل من رواية الثقات، الأئمة الأثبات.
(١) خ (٦٦١٤/٦١٨/١١). م (٢٠٤٣/٤/ ٢٦٥٢).
(٢) حم (٢٤٨/٢). خ (٦٦١٤/٦١٨/١١). م (٢٦٥٢/٢٠٤٢/٤).
د (٥/ ٧٦ / ٤٧٠١). جه (٣١/١/ ٨٠).
عد السلسلة الذهبية

فتح البر
٢٨٢
حدثنا احمد بن فتح بن عبد الله، حدثنا ابو عمرو عثمان بن محمد
ابن ابراهيم، حدثنا ابو محمد عبد الله بن سلم المقدسي، حدثنا
عبد الرحمن بن ابراهيم، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الاوزاعي:
حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، ، عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله وَجل: لقي آدم موسى، فقال له موسى: انت ابو
الناس الذي اغويتهم واخرجتهم من الجنة؟ فقال له آدم: انت موسى
الذي كلمك الله واصطفاك برسالته، فكيف تلومني على عمل كتب
الله علي ان اعمله قبل ان اخلق ؟ قال: فحج آدم موسى(١)؛ ورواه
الزهري فاختلف اصحابه عليه في اسناده: فرواه ابراهيم بن سعد،
وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن
ابي هريرة؛ ورواه عمر بن سعيد، عن الزهري، عن الأعرج، عن ابي
هريرة، ورواه معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي
هريرة؛ ومنهم من يجعله عن معمر، عن أبي سلمة. عن أبي هريرة
ومنهم من يرويه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة وكلهم يرفعه؛
وهي كلها صحاح، للقاء الزهري جماعة من أصحاب أبي هريرة، وقد
روي هذا الحديث عن عمر، عن النبي وَُّلّ مسندا باتم الفاظ واحسن
سياقة :
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال حدثنا علي بن محمد، قال
حدثنا احمد بن داود، قال حدثنا سحنون، قال حدثنا عبد الله بن
وهب، قال أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن اسلم، عن أبيه، ان
عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ◌َّل: إن موسى عليه السلام،
قال: يا رب، ابونا آدم اخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله آدم، فقال
له: انت آدم؟ قال آدم: نعم، قال: انت الذي نفخ الله فيك من
(١) حم (٢٦٨/٢). م (٤/ ٢٠٤٤/ ٢٦٥٢). ت (٤ / ٢١٣٤/٣٨٠).

القدر
٢٨٣
روحه، وعلمك الاسماء كلها، وأمر ملائكته فسجدوا لك؟ قال:
نعم، قال فما حملك على ان اخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال له آدم
ومن انت؟ قال: انا موسى، قال: انت نبي بني اسرائيل الذي كلمك
الله من وراء حجاب، لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال:
نعم، قال: اما وجدت في كتاب الله الذي انزل عليك: ان ذلك كان
في كتاب الله قبل ان اخلق؟ قال: نعم، قال: افتلومني في شيء سبق
من الله فيه القضاء قبل؟ قال عند ذلك رسول الله وَله: فحج آدم
موسی(١).
في هذا الحديث من الفقه: اثبات الحجاج والمناظرة، واباحة ذلك اذا
كان طلبا للحق وظهوره، وقد افردنا لهذا المعنى بابا كاملا اوضحناه
فيه بالحجج والبرهان، والبسط والبيان، في كتابنا كتاب العلم، فأغنى
ذلك عن اعادته ههنا .
وفيه: إباحة التقرير والتعريض في معنى التوبيخ في درج الحجاج
حتى تقر الحجة مقرها، وفيه: دليل على ان من علم وطالع العلوم،
فالحجة له الزم، وتوبيخه على الغفلة اعظم وفيه: اباحة مناظرة الصغير
للكبير، والاصغر للاسن اذاكان ذلك طلبا للازدياد من العلم، وتقريرا
للحق وابتغاء له. وفيه: الاصل الجسيم الذي اجمع عليه اهل الحق،
وهوان الله عزوجل قد فرغ من اعمال العباد، فكل يجري فيما قدر له
وسبق في علم الله تبارك اسمه .
واما قوله: افتلومني على امر قد قدر علي؟ فهذا عندي مخصوص
به آدم؛ لان ذلك انما كان منه ومن موسى عليهما السلام بعد ان تيب
على آدم، وبعد ان تلقى من ربه كلمات تاب بها عليه، فحسن منه ان
(١) د (٤٧٠٢/٧٨/٥). وقد حسنه ابن تيمية في أول رسالة (القدر))

فتح البر
٢٨٤
يقول ذلك لموسى، لانه قد كان تيب عليه من ذلك الذنب، وهذا غير
جائز ان يقوله اليوم احد اذا اتى ما نهاه الله عنه، ويحتج بمثل هذا
فيقول اتلومني على ان قتلت او زنيت او سرقت وذلك قد سبق في
علم الله وقدره علي قبل ان اخلق؟ هذا ما لا يسوغ لاحد ان يقوله،
وقد اجمتعت الامة ان من أتى مايستحق الذم عليه فلا بأس بذمه، ولا
حرج في لومه؛ ومن أتى ما يحمد له، فلا بأس بمدحه عليه وحمده،
وقد حكى مالك عن يحيى بن سعيد - معنى ما ذكرنا: ان ذلك انما
كان من آدم عليه السلام بعد ان تيب عليه، ذكره ابن وهب عن
مالك، وهذا صحيح لان روحه لم يجتمع بروح موسى ولم يلتقيا
والله أعلم الا بعد الوفاة، وبعد رفع أرواحهما في عليين، فكان
التقاؤهما كنحو التقاء نبينا وَ خلاله بمن لقيه في المعراج من الانبياء على
ماجاء في الأثر الصحيح . - وان كان ذلك عندي لا يحتمل تكييفا،
وانما فیه التسلیم، لانا لم نؤت من جنس هذا العلم الا قليلا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن اصبغ حدثنا احمد
ابن زهير حدثنا موسى بن اسماعيل ، حدثنا حماد بن سلمة، عن
عمار بن ابي عمار، قال: سمعت ابا هريرة يحدث عن النبي
قال حماد: واخبرنا حميد، عن الحسن، عن جندب، عن النبي
وسِلاً
صَلى الله
صَارى
قال لقي آدم موسی، فحج آدم موسی(١).
قال أبو عمر: معنى حجه: غلبه وظهر عليه في الحجة، وفي ذلك
دليل على فضل من ادلى عند التنازع بحجته.
(١) حم (٢/ ٤٦٤). ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٧/ ١٩١) وقال: ((رواه أبو يعلى وأحمد بنحوه
والطبراني ورجالهم رجال الصحيح.))
وفي الباب من حديث أبي هريرة وعمر سبق تخريجهما.

القدر
٢٨٥ .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن اصبغ، حدثنا
الحارث بن ابي اسامة، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد، عن
محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ قال:
لقي آدم موسی، فقال له موسى: يا آدم، انت الذي خلقك الله بيده،
واسكنك جنته، واسجد لك ملائكته، ونفخ فيك من روحه، فعلت
مافعلت، فاخرجت ذريتك من الجنة؟ قال آدم: يا موسى، انت الذي
اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وقربك نجيا، وآتاك التوراة، فبكم تجد
الذنب الذي عملته مكتوبا علي قبل ان اخلق؟ قال: بأربعين سنة، قال:
فلم تلومني؟ قال النبي ◌ُّ فحج آدم موسى، يقولها ثلاثا(١).
قال أبو عمر: هذا الحديث من اوضح ما روي عن النبي وَلَّ في
اثبات القدر ودفع قول القدرية، وبالله التوفيق والعصمة.
وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن البصري: ان الله لا
يطالب خلقه بما قضى عليهم وقدر، ولكن يطالبهم بما نهاهم عنه
وامر: فطالب نفسك من حيث يطالبك ربك والسلام. وروينا ان
الناس لما خاضوا في القدر بالبصرة، اجتمع مسلم بن يسار، ورفيع ابو
العالية، فقال احدهما لصاحبه: تعال حتى ننظر فيما خاض الناس فيه
هذا الامر؟ قال: فقعدا ففكرا، فاتفق رأيهما انه يكفي المؤمن من هذا
الأمر ان يعلم انه لن يصيبه الاما كتب الله له، وانه مجزي بعمله.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

٢٨٦
فتح البر
إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه
[٩] مالك، عن زيد بن ابي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن
الخطاب، أنه أخبره عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب سئل
عن هذه الآية: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم،
وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) الآية. فقال عمر بن
الخطاب: سمعت رسول الله پ﴾ يسأل عنها، فقال رسول الله پار :ان الله
تبارك وتعالى خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال:
خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون؛ ثم مسح ظهره فاستخرج
منه ذرية، فقال : خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون. فقال
رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال: فقال رسول الله وَل ـ : ان الله تبارك
وتعالى اذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على
عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، واذا خلق العبد للنار، استعمله
بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به
النار(١).
قال ابو عمر :
هذا الحديث منقطع بهذا الاسناد، لان مسلم بن يسار هذا، لم يلق
عمر بن الخطاب، وبينهما في هذا الحديث نعيم بن ربيعة؛ وهو أيضا
(١) حم (٤٤/١-٤٥). د (٤٧٠٣/٧٩/٥). ت (٣٠٧٥/٢٤٨/٥) وقال: «هذا حديث حسن.
ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر. وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار
وبين عمر رجلا مجهولا». ك (٢٨/١) وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم
يخرجاه. وقال الذهبي: فيه إرسال.

القدر
٢٨٧
مع هذا الاسناد لا تقوم به حجة، ومسلم بن يسار هذا مجهول ،
وقيل أنه مدني ، وليس بمسلم بن يسار البصري.
حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أحمد بن زهير، قال قرأت على يحيى بن معين حديث مالك
هذا، عن زيد بن ابي أنيسة، فكتب بيده على مسلم بن يسار : لا
يعرف .
أخبرنا ابوعبدالله عبيد بن محمد ، ومحمد بن عبدالملك، قالا:
حدثنا عبدالله بن مسرور، قال: حدثنا عيسى بن مسكين، وأخبرنا
قاسم بن محمد، قال: حدثنا خالد بن سعد، قال : حدثنا أحمد بن
عمرو بن منصور، قالا جمیعا: حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر،
قال حدثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد، قال: حدثنا محمد بن
سلمة، عن ابي عبد الرحيم عن زيد يعني ابن ابي أنيسة، عن عبد
الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة
الأزدي.
وأخبرني عبد الرحمن بن يحيى، واحمد بن فتح، وخلف بن
القاسم، قالوا: حدثنا حمزة بن محمد، حدثنا احمد بن شعيب،
قال: أخبرنا محمد بن وهب، قال: حدثنا محمد بن سلمة، قال:
حدثني أبو عبد الرحيم، قال : حدثني زيد وهو ابن ابي أنيسة، عن
عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة،
قال: كنت عند عمر بن الخطاب اذ جاءه رجل، فسأله عن هذه الآية:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِّرْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ [الأعراف: (١٧٢)].
قال: فقال عمر: كنت عند النبي وَخُلّ اذ جاءه رجل فسأله عنها، فقال
النبي وَلُله: خلق الله آدم ، ثم استخرج منه ذرية من هو كائن منهم
الى يوم القيامة؛ فقال لطائفة منهم: هؤلاء للجنة خلقتهم، وقال

فتح البر
٢٨٨
لطائفة : هؤلاء للنار خلقتهم؛ فمن خلقه الله للجنة، استعمله بعمل
أهل الجنة، حتى يميته على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به
الجنة، ومن خلقه للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى يميته على
عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار(١).
قال ابو عمر:
زيادة من زاد في هذا الحديث نعيم بن ربيعة ليست حجة، لأن
الذي لم يذكره أحفظ، وإنما تقبل الزيادة من الحافظ المتقن. وجملة
القول في هذا الحديث، أنه حديث ليس اسناده بالقائم؛ لأن مسلم بن
يسار ونعيم بن ربيعة جميعا، غير معروفين بحمل العلم، ولكن معنى
هذا الحديث، قد صح عن النبي وَ لاّ من وجوه كثيرة ثابتة يطول
ذكرها ، من حديث عمر بن الخطاب وغيره جماعة يطول ذكرهم:
حدثنا عبدالله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا ابو
داود ، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى بن عثمان بن غياث، قال:
حدثني عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر ، وحميد بن
عبد الرحمن، لقيا عبد الله بن عمر، فذكرا له القدر وما يقولون فيه،
فذكر الحديث عن ابيه عن النبي وَّ بطوله. وقال في آخره: وسأله
رجل من مزينة أو جهينة، فقال: يا رسول الله ففيم نعمل في شيء قد
خلا ومضى، أو في شيء مستأنف الآن؟ فقال في شيء قد خلا
ومضى ، فقال الرجل أو بعض القوم: ففيم العمل؟ فقال : ان أهل
(١) انظر الذي قبله، .

القدر
٢٨٩
الجنة بيسرون لعمل أهل الجنة، وأن أهل النار بيسرون لعمل أهل
النار (١).
وروى هذا المعنى عن عمر عن النبي بَخُلّ من طرق، وممن روى هذا
المعنى في القدر عن النبي رَ له علي بن أبي طالب (٢) وأبي بن
كعب(٣)، وابن عباس(٤)، وابن عمرو(٥)، وأبو هريرة(٦)، وابو سعيد
الخدري(٧)، وأبو سريحة الغفاري(٨)، وعبد الله بن مسعود(٩)،
وعبد الله بن عمر (١٠)، وذو اللحية الكلابي (١١)، وعمران بن
حصين (١٢)، وعائشة (١٣) وأنس بن مالك (١٤)، وسراقة بن جعثم (١٥)
وأبو موسى الأشعري(١٦)، وعبادة بن الصامت (١٧)، وأكثر أحاديث
هؤلاء، لها طرق شتى.
(١) و(١٠) حم (٢٧/١). د (٥ /٧٣ /٤٦٩٦).
(٢) خ (٤٩٤٩/٩١٩/٥). م (٢٦٤٧/٢٠٣٩/٤).
(٣) د (٥ / ٧٥ /٤٦٩٩).
(٤) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٩٥/٧) وعزاه للطبراني والبزار. ورجال الطبراني ثقات.
(٥) سبق تخريجه في الباب قبله.
(٦) م (٤ / ٢٠٤٢ / ٢٦٥١).
(٧) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٨٧/٧) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير نمر بن
هلال. وثقه أبو حاتم.
(٨) م (٤ / ٢٠٣٧ / ٢٦٤٥).
(٩) خ (٦٥٩٤/٥٨٣/١١). م (٢٦٤٣/٢٠٣٦/٤). د (٤٧٠٨/٨٢/٥).
ت (٢١٣٧/٣٨٨/٤)
(١١) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٩٥/٧) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات.
(١٢) سبق تخريجه في الباب قبله.
(١٣) م (٤ / ٢٠٥٠ / ٢٦٦٢).
(١٤) خ (٦٥٩٥/٥٨٣/٥).
(١٥) م (١٤ / ٢٠٤٠/ ٢٦٤٨) من رواية جابر بن عبد الله عنه.
(١٦) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٨٦/٧) وعزاه للطبراني في الكبير والأوسط. وفيه روح بن
المسيب. قال ابن معين : صويلح. وضعفه غيره.
(١٧) حم (٣١٧/٥). د (٤٧٠٠/٧٦/٥). ت (٢١٥٥/٣٩٨/٤). وقال: حديث حسن
صحیح غريب .

فتح البر
٢٩٠
حدثنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال:
حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال
حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن
ابي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن ابي طالب: قال كنا في جنازة
في بقيع الغرقد، قال: فأتي رسول الله وَل فقعد، وقعدنا حوله ومعه
مخصرة، فنكس رأسه وجعل ينكت بمخصرته؛ ثم قال: ما منكم من
أحد من نفس منفوسة، الا وقد كتب مكانها من الجنة والنار، والا قد
كتبت شقية أو سعيدة؛ فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على
كتابنا، وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة، فسيصير الى
عمل أهل السعادة ومن كان منا من أهل الشقاء، فسيصير إلى عمل
أهل الشقاء؟ فقال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له؛ أما أهل السعادة،
فييسرون لعمل أهل السعادة؛ وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
الشقاوة؛ ثم قرأ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى
٦
قَسناسِرُ
٩
وَكَذَّبَ بِالْمُسْنَى
فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَىِ ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى
ـأمــ
لِلْمُسْرَى
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، واحمد بن فتح، قالا: حدثنا حمزة
ابن محمد، قال حدثنا سليمان بن الحسن البصري بالبصرة، قال حدثنا
عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا ابي، قال: حدثنا سليمان بن حيان،
عن يزيد الرشك، عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن حصين،
قال: قال رجل: يارسول الله ، أعلم أهل الجنة من أهل النار؟
قال: نعم، قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له(٢).
(١) و(٢) تقدم تخريجهما في الباب نفسه.

القدر
٢٩١
قال حمزة: وهذا حديث صحيح، رواه جماعة عن يزيد الرشك،
منهم شعبة بن الحجاج، وعبد الوارث بن سعید.
قال ابو عمر :
وقد رواه حماد بن زيد أيضا عن يزيد الرشك: حدثناه عبد الوارث
ابن سفیان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا بکر بن حماد،
قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يزيد الرشك، عن
مطرف، عن عمران بن حصين. قال قاسم: وحدثنا مضر بن محمد
الأسدي، قال: حدثنا شيبان بن فروخ الايلي، قال: حدثنا عبد
الوارث عن يزيد، قال: حدثنا مطرف عن عمران بن حصين، قال :
قلت: يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال :
ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له(١).
ورواه حجاج بن منهال، عن حماد بن يزيد، عن يزيد الضبعي-
وهو يزيد الرشك: حدثناه خلف بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن
محمد ، قال: حدثنا حماد بن خالد، قال: حدثنا علي بن
عبد العزيز، قال : حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال:
حدثنا يزيد الضبعي، عن مطرف - يعني ابن عبدالله بن الشخير، عن
عمران بن حصين، قال: قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل
النار؟ قال: نعم، قال: ففيم العمل إذا؟ قال: كل ميسر لما خلق
له(٢).
وقد روى من حديث يحيى بن يعمر أيضا عن عمران بن حصين،
عن النبي ◌َّخلال مثله: حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان،
قالا: حدثنا قاسم، قال حدثنا عبد الله بن روح، قال حدثنا شبابة بن
-
(١)و(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٢٩٢
سوار، قال : حدثنا المغيرة بن مسلم، عن أبي عمر، عن يحيى بن
يمعر، أنه كان مع عمران بن حصين، وأبي الأسود الدئلي في مسجد
البصرة، فقال عمران : يا أبا الأسود، أرأيت ما يعمل العباد: يعملون
فيما سبق في علم الله السابق، أو يستأنفون العمل؟ قال: لا، بل
يعملون فيما سبق في علم الله، قال: أخشى أن یکون ذلك جورا،
[الأنبياء: (٢٣)]. فقال عمران
٢٣
قال: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
ثبتك الله، إنما أردت أن أحزرك إن رجلا سأل النبي وَلا عما سألتك،
فقال رسول الله وَ له كما قلت(١).
حدثنا ابراهيم بن شاکر، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان،
قال: حدثنا سعيد بن عثمان، وسعيد بن خمير، قالا: حدثنا احمد
ابن عبد الله بن صالح، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال اخبرنا عزرة
ابن ثابت، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود
الدئلي، قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس
ويكدحون فيه، أشيء قضى عليهم ومضى عليهم، أو فيما يستقبلون
مما أتاهم به نبيهم وَله، واتخذت به عليهم الحجة؟ قلت : لا، بل
شيء قضى عليهم ومضى عليهم، قال: فهل يكون شيء من ذلك
ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت : أنه ليس بشيء
الا خلق الله وملك يده، فلا يسأل عما يفعل: وهم يسألون؛ فقال
سددك الله، إني والله ما سألتك الا لأحزر عقلك، أن رجلا من مزينة
أتى النبي وَله، فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس
ويكدحون؟ أشيء قضي عليهم ومضى عليهم؟ أو فيما يستقبلون مما
أتاهم به نبيهم، واتخذت عليهم به الحجة؟ قال: لا، بل شيء قضي
(١) م (٤ / ٠٤١ ٢ / ٢٦٥٠).

القدر
٢٩٣
عليهم ومضى عليهم،. قال: فلم نعمل اذا؟ قال: من خلقه الله
لواحدة من المنزلتين، فهو يستعمل لها، وتصديق ذلك في كتاب الله
﴿ وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنِهَا ◌ِجَفَأَلْهَمَهَا فُرَهَا وَتَقْوَنُهَا!
٨
قال ابو عمر:
قد أكثر الناس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من
الكلام فيه، وأهل السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار واعتقادها
وترك المجادلة فيها، وبالله العصمة والتوفيق.
حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا احمد بن سعيد، قال حدثنا
أحمد بن خالد، قال: حدثنا مروان بن عبد الملك، قال: حدثنا محمد
ابن بشار، حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا سفيان، عن محمد بن
جحادة، عن قتادة، عن ابي السوار العدوي، عن الحسن بن علي،
قال: رفع الكتاب، وجف القلم، وأمور تقضى في كتاب قد خلا؛
قال: وحدثنا مروان بن عبد الملك، قال: حدثنا أبو حاتم، قال: حدثنا
الأصمعي، قال حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: أما والله لو
كشف الغطاء، لعلمت القدرية أن الله ليس بظلام للعبيد، قال:
وحدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا روح بن عبادة، قال حدثنا حبيب
ابن الشهيد، عن محمد بن سيرين، قال: ما ينكر هؤلاء أن يكون الله
عز وجل قد علم علما، فجعله كتابا .
قال ابو عمر :
[القمر: (٤٩)]. وقال :
٤٩
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
﴾ [التكوير: (٢٩)]. فليس لأحد
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
مشيئة تنفذ، الا أن تنفذ منها مشيئة الله تعالى؛ وإنما يجرى الخلق فيما
(١) انظر الذي قبله.

فتح البر
٢٩٤
سبق من علم الله. والقدر سر الله لا يدرك بجدال، ولا يشفى منه
مقال؛ والحجاج فيه مرتجة، لا يفتح شيء منها الا بكسر شيء وغلقه؛
وقد تظاهرت الآثار، وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار،
الطيبين الأبرار، بالاستسلام والانقياد والاقرار؛ بأن علم الله سابق،
﴾ [فصلت: (٤٦)].
٤٦
ولا يكون في ملكه إلاَّ ما يريد، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ
حدثنا ابراهیم بن شاکر، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان،
قال: حدثنا سعيد بن عثمان، وسعيد بن خمير، قالا: حدثنا احمد
ابن عبد الله بن صالح، قال: حدثنا محمد بن زرعة الرعيني، قال:
حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، قال: من الله تعالى التنزيل،
وعلى رسوله التبليغ، وعلينا التسليم- وبالله التوفيق.

القدر
٢٩٥
ما جاء في من أوصى أن يحرق بعد موته
خوفا من عذاب الله
[١٠] مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله والقر قال:
قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله : إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه
في البر، ونصفه في البحر ، فوالله - لئن قدر الله - عليه ليعذبنه عذابا لا
يعذبه أحداً من العالمين ؛ فلما مات الرجل ، فعلوا ما أمرهم به ، فأمر الله
البر فجمع ما فيه ، وامر البحر فجمع ما فيه ؛ ثم قال : لم فعلت هذا ؟
قال : من خشیتك يا رب - وأنت أعلم - فغفر له (١) .
قال ابو عمر : تابع يحيى على رفع هذا الحديث عن مالك بهذا
الاسناد - اكثر رواة الموطأ ، ووقفه مصعب بن عبد الله الزبيري
وعبد الله بن مسلمة القعنبي ، فجعلاه من قول ابي هريرة - ولم
يرفعاه؛ وقد روي عن القعنبي - مرفوعا كرواية سائر الرواة عن مالك،
وممن رواه مرفوعا عن مالك - عبدالله بن وهب ، وابن القاسم وابن
بكير وابو المصعب ومطرف وروح بن عبادة وجماعة.
أخبرنا ابو القاسم خلف بن القاسم بن سهل ، قال : حدثنا ابو
الفوارس أحمد بن محمد بن الحسين بن السندي العسكري ، حدثنا
يونس بن عبدالاعلى والربيع بن سليمان قالا حدثنا عبدالله بن وهب
قال اخبرني ابن أبي الزناد ، ومالك بن انس عن أبي الزناد عن
الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لاه قال: قال رجل لم يعمل
خيرا قط لأهله : إذا مات فأحرقوه واذروا نصفه في البر ، ونصفه في
-
(١) خ (١٣/ ٧٥٠٦/٥٧٠). م (٢١٠٩/٤[٢٤]). من طريق مالك بهذا الإسناد.

فتح البر
٢٩٦
البحر؛ فوالله - لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه احدا من
العالمين ؛ فلما مات فعلوا به ؛ فأمر الله - البحر فجمع ما فيه وامر
البر فجمع ما فيه ؛ ثم قال : لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك يا
رب۔۔ وانت اعلم - فغفر له (١).
قال ابو عمر : روي من حديث الزهري عن حميد بن عبدالرحمن
ابن عوف عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - وَظله -
يقول: أسرف رجل على نفسه حتى إذا حضرته الوفاة ، قال لاهله :
إذا أنا مت فأحرقوني(٢) - الحديث ، كحديث مالك عن أبي الزناد
سواء ؛ وروي من حدیث ابي سعيد الخدري هذا المعنى ايضا : حدثنا
عبدالوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن اصبغ قال حدثنا احمد بن
زهير قال : حدثنا موسى بن اسماعيل قال حدثنا ابو هلال قال :
حدثنا قتادة عن عقبة بن عبدالغافر عن أبي سعيد الخدري قال : كان
فيمن كان قبلكم رجل من الأمم السالفة ، أفاده الله مالا وولدا ؛ فلما
- ذهب - يعني اكثر عمره - قال لولده : لا أدع لكم مالا او تفعلون ما
اقول ؛ قالوا : يا ابانا لا تأمر بشيء إلا فعلناه قال : إذا انا مت
فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في يوم ريح عاصف لعلي أضل
الله ؛ ففعلوا ذلك به . فقال الله له : كن ، فإذا هو رجل قائم؛ قال
: ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : مخافتك فما تلافاه غيرها ،
فغفر له (٣) . - قال : احمد بن زهير : كذا قال ابو هلال اوقف
الحديث على ابي سعيد ورفعه سليمان التيمي : حدثنا موسى
(١) انظر الذي قبله.
(٢) حم (٢٦٩/٢). خ (٣٤٨١/٦٣٨/٦). م (٤ / ٢١١٠/ ٢٧٥٦ [٢٥ و٢٦]).
ن (٤١٨/٤ / ٢٠٧٨). جه (٢ / ١٤٢١ / ٥٥ ٤٢).
(٣) خ (٦٤٨١/٣٧٨/١١). م (٢١١١/٤/ ٢٧٥٧ [٢٧]).

القدر
٢٩٧.
ابن إسماعيل قال حدثنا معتمر بن سليمان قال : اخبرني ابي قال :
حدثنا قتادة عن عقبة بن عبدالغافر عن أبي سعيد الخدري عن النبي
وَ خلال انه ذكر رجلا فیمن کان سلف ثم ذكر نحوه (١).
قال ابو عمر :
روي من حديث أبي رافع عن أبي هريرة في هذا الحديث انه قال :
قال رجل لم يعمل خيرا قط الا التوحيد ، وهذه اللفظة إن صحت
رفعت الاشكال في ايمان هذا الرجل ؛ وإن لم تصح من جهة النقل،
فهي صحيحة من جهة المعنى ؛ والاصول كلها تعضدها والنظر
يوجبها؛ لا نه محال غير جائز ان يغفر للذين يموتون وهم كفار لأن
الله عزوجل قد أخبر أنه لا يغفر ان يشرك به لمن مات كافرا ، وهذا ما
لا مدفع له ، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة ؛ وفي هذا الاصل ما
يدلك على ان قوله في هذا الحديث ؛ لم يعمل حسنة قط او لم يعمل
خيرا قط لم يعذبه - إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير ؛ وهذا
سائغ في لسان العرب ، جائز في لغتها ان يؤتى بلفظ الكل ، والمراد
البعض؛ والدليل على ان الرجل كان مؤمنا ، قوله حين قيل له : لم
فعلت هذا ؟ فقال : من خشيتك يا رب ؛ والخشية لا تكون الا لمؤمن
مصدق بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم - كما قال الله عز وجل - :
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: (٢٨)]. قالوا: كل من خاف
الله فقد آمن به وعرفه ، ومستحيل ان يخافه من لا يؤمن به وهذا
واضح لمن فهم وألهم رشده .
ومثل هذا الحديث في المعنى : ما حدثناه عبدالوارث بن سفيان ،
حدثنا قاسم بن اصبغ حدثنا محمد بن اسماعيل حدثنا ابو صالح
(١) انظر الذي قبله.

فتح البر
٢٩٨٠
حدثني الليث عن ابن العجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن
أبي هريرة عن رسول الله وَخُلّ قال: إن رجلا لم يعمل خيرا قط وكان
يداين الناس فيقول لرسوله : خذ ما يسر واترك ما عسر وتجاوز ، لعل
الله يتجاوز عنا : فلما هلك قال الله : هل عملت خيرا قط ؟ قال :
لا - إلا انه كان لي غلام فكنت أداين الناس فإذا بعثته يتقاضى ، قلت
له : خذ ما يسر ، واترك ما عسر وتجاوز ، لعل الله يتجاوز عنا ؛ قال
الله : قد تجاوزت عنك(١)
قال أبو عمر: فقول هذا الرجل الذي لم يعمل خيرا قط غير تجاوزه
عن غرمائه: لعل الله يتجاوز عنا، إيمان واقرار بالرب ومجازاته،
وكذلك قوله الآخر: خشيتك يا رب، إيمان بالله، واعتراف له
بالربوبية- والله أعلم -. وأما قوله: لئن قدر الله علي، فقد اختلف
العلماء في معناه، فقال منهم قائلون: هذا رجل جهل بعض صفات
الله - عزوجل- وهي القدرة، فلم يعلم أن الله على كل شيء قدير،
قالوا: ومن جهل صفة من صفات الله - عز وجل-، وآمن
بسائر صفاته وعرفها، لم يكن بجهله بعض صفات الله كافرا، قالوا:
وإنما الكافر من عائد الحق، لا من جهله، وهذا قول المتقدمين من
العلماء، ومن سلك سبيلهم من المتأخرين. وقال آخرون: أراد بقوله:
لئن قدر الله عليه، من القدر الذي هو القضاء، وليس من باب القدرة
والاستطاعة في شيء، قالوا: وهو مثل قول الله - عزوجل-في ذي
النون: ﴿إِذذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: (٨٧)].
(١) حم (٣٦١/٢). ن (٧/ ٤٧٠٨/٣٦٤). ك (٢٨/٢) وقال حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. والحديث أصله في الصحيحين عن أبي هريرة أيضا
لكن من غير هذا الطريق. خ (٦٣٨/٦/٢/ ٣٤٨٠). م (١١٩٦/٣ / ١٥٦٢).

القدر
٢٩٩
وللعلماء في تأويل هذه اللفظة قولان، أحدهما: أنها من التقدير
والقضاء، والآخر أنها من التقتير والتضييق، وكل ما قاله العلماء في
تأويل هذه الآية، فهو جائز في تأويل هذا الحديث في قوله: لئن قدر
الله علي، فأحد الوجهين تقديره: كان الرجل قال: لئن كان قد سبق
في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه، ليعذبني الله
على إجرامي وذنوبي عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين غيري. والوجه-
الآخر تقديره والله لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزائي على
ذنوبي، ليكونن ذلك، ثم أمر بأن يحرق بعد موته من إفراط خوفه،
قال ابن قتيبة: بلغني عن الكسائي أنه قال: يقال هذا قدر الله وقدره،
قال ولو قرئت: ﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: (١٧)]. مخففاً، أو قرئت وما
◌ْ قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِهِ﴾ - [الأنعام: (٩١)]. مثقلاً جاز، وأنشد:
وما صب رجلي في حديد مجاشع
مع القدر إلا حاجة لي أريدها
أراد القدر. قال: ويقال هذا على قدر هذا وقدره، قال الاصمعي:
أنشدني عیسی بن عمر- البدوي:
كل شيء حتى أراك متاع
وبقدر تفرق واجتماع
ومن هذا حديث ابن عمر، عن النبي - رَّ- في الهلال: فإن غم
عليكم فاقدروا له. وقد ذكرته في بابه- وموضعه من هذا الكتاب(١).
وقد روينا عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب أنه قال في قول
الله - عز وجل، ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَعَلَيْهِ﴾، - قال: هو من التقتیر لیس
من القدرة، يقال منه: قدر الله لك الخير يقدره قدرا- بمعنى قدر الله
لك الخير، وأنشد ثعلب:
(١) خ (٤/ ١٩٠٠/١٤٢). م (٧٥٩/٢ /١٠٨٠).

فتح البر
٣٠٠
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى
تباركت ما تقدر يقع - ولك الشكر
- يعني ما تقدره وتقضي به يقع، يعني ينزل وينفذ ويمضي.
قال أبو عمر: هذا البيت لابي صخر الهذلي في قصيدة له، أولها:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها
وأخرى بذات البين آياتها، سطر
وفيها يقول:
وليس عشيات الحمى برواجع
لنا أبداما أبرم السلم النضر
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى
تباركت ما تقدر يقع - ولك الشكر
السلم شجر من العضاه يدبغ به، والنضر النضارة والتنعم، وأبرم
السلم أخرج برمته، وأبرمت الامر: أحكمته. وقال غيره:
فما الناس أردوه ولكن أقاده
يد الله والمستنصر الله غالب
كفاحا وتجلبه إلیك الجوالب
فإنك ما يقدر لك الله تلقه
وقال ابن قتيبة في قول الله عزوجل: (( فظن أن لن نقدر عليه)) أي
لن نضيق عليه. قال: فلان مقدر عليه- ومقتر عليه. ومنه قوله-
عزوجل -: ((فقدر عليه رزقه)) أي ضيق عليه في زرقه. وقوله: ((ومن
قدر عليه رزقه)) أي ضيق عليه في رزقه. وقال ثعلب في قول الله
عزوجل: ((وذا النون إذ ذهب مغاضبا)) قال: مغاضبا للملك.
قال أبو عمر: قد قيل ما قال ثعلب، وقيل إنه خرج مغاضبا لنبي
كان في زمانه، وهذان القولان للمتأخرين، وأما المتقدمون، فإنهم