النص المفهرس

صفحات 181-200

التعبير
١٨١٠
باب منه
[٢] مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن زفر بن صعصعة بن
مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَل ◌ٍ، كان اذا انصرف من
صلاة الغداة يقول هل رأی أحد منكم الليلة رؤيا؟ ویقول: انه لیس یبقی
بعدي من النبوة، الا الرؤيا الصالحة (١).
لا نعلم لزفر بن صعصعة، ولا لأبيه غير هذا الحديث، وهما
مدنيان وهكذا قال يحيى، عن أبيه، وتابعه أكثر الرواة، وهو
الصواب، ومنهم من يقول فيه، عن زفر بن صعصعة، عن أبي
هريرة، لا يقول عن أبيه.
وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا وفضلها، لأنه وَجّ انما
كان يسأل عنها، لتقص عليه، ويعبرها، ليعلم أصحابه كيف الكلام
في تأويلها، وقد أثنى الله عزوجل، على يوسف بن يعقوب صلى
الله عليهما، وعدد عليه، فيما عدد من النعم التي آتاه، التمكين في
الارض، وتعليم تأويل الأحاديث.
وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وكان يوسف عليه السلام،
أعلم الناس بتأويلها، وكان نبينا وَ له نحو ذلك، وكان أبو بكر
الصديق، من أعبر الناس لها، وحصل لابن سيرين فيها التقدم
العظيم، والطبع، والاحسان، ونحوه أو قرب منه كان سعيد بن
المسيب، في ذلك، فيما ذكروا.
(١) حم (٣٢٥/٢). د (٥/ ٥٠١٧/٢٨٠). ك (٤/ ٣٩٠-٣٩١) وصححه ووافقه الذهبي.
حب: الإحسان (٦٠٤٨/١٣).

فتح البر
١٨٢
وقد تقدم القول في امر الرؤيا، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع،
وفي هذا الحديث أنه لا نبي بعد رسول الله وَظله .
وفيه تفسير لما روي عنه، عليه السلام، أنه قال: ((لا نبوة بعدي، الا
ما شاء الله)). يعني والله أعلم، الرؤيا، التي هي جزء منها.
وقيل في تأويل هذا الحديث، أشياء غير هذا، قد ذكرها أبو جعفر
الطبري، لا حاجة بنا الى ذكرها ها هنا.
وفيه اباحة الكلام بعد صلاة الصبح، قبل طلوع الشمس، بغير
الذكر وفيه جواز قول العالم، سلوني، ومن عنده مسألة؟ ونحو هذا،
والله الموفق للصواب.

التعبير
١٨٣
باب منه
[٣] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله وَعليه قال: لن
يبقى بعدي من النبوة الا المبشرات، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال:
الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أوترى له، جزء من ستة وأربعين جزءًا
من النبوة.
هكذا روى هذا الحديث جميع الرواة عن مالك فيما علمت
مرسلا .
وفيه أنه لا نبي بعده وَّ، وهو تفسير قوله عليه السلام: لانبوة
بعدي الا ما شاء الله. وهو حديث يروى من حديث المغيرة بن شعبة،
فان صح، كان معنى الاستثناء فيه الرؤيا الصالحة- على ما في هذا
الحديث وما كان مثله، وحسبك بقول الله عز وجل: ﴿ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ
وَخَتَمَ النَّبِيِنِّ﴾ [الأحزاب: (٤٠)]. وقوله عليه السلام: أنا العاقب الذي
لا نبي بعدي(١).
وحديث عطاء بن يسار المذكور في هذا الباب، يتصل معناه من
وجوه ثابتة: من حديث ابن عباس، وحذيفة، وابن عمر، وعائشة،
وأم كرز الخزاعية .
حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي، قال: حدثنا محمد بن
العباس الحلبي، قال: حدثنا علي بن عبد الحميد الغضائري، قال:
حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان بن
(١) تقدم تخريجه في كتاب النبوة باب [أسماء النبي ◌َ[*].

فتح البر
١٨٤
سحیم، عن ابراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس،
أن رسول الله وَلّه قال: أيها الناس، انه لم يبق من مبشرات النبوة الا
الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له(١).
وحدثنا محمد بن ابراهيم، قال: حدثنا أحمد بن مطرف، قال:
حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا اسحاق بن إسماعيل الايلي،
قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن
عبد الله بن معبد بن عباس، عن أبيه عن ابن عباس، قال: كشف
رسول الله وَجّ الستارة في مرضه، والناس صفوف خلف أبي بكر،
فقال: أيها الناس، انه لم يبق من مبشرات النبوة الا الرؤيا الصالحة
يراها المسلم أو ترى له، ثم قال: ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا أو
ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا في
الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم(٢).
هكذا رواه الحميدي، وابن أبي شيبة، وغيرهما عن ابن عيينة
سواء .
وفي حديث مالك يراها الرجل الصالح أو ترى له، فظاهره أن لا
تكون الرؤيا من النبوة جزءا من ستة وأربعين، الا على ذلك الشرط
للرجل الصالح أو منه.
وفي حديث ابن عباس يراها المسلم، ولم يقل صالحا ولا طالحا،
وفي بعض ألفاظه: يراها العبد، وهذا أوسع أيضا.
(١) و(٢) حم (٢١٩/١). م (٤٧٩/٣٤٨/١). د (١/ ٨٧٦/٥٤٥).
ن (١١١٩/٥٦٦/٢). جه (٣٨٩٩/١٢٨٣/٢).

التعبير
١٨٥
وقوله في حديث مالك: أو ترى له عمومه من الصالح وغيره-
والله أعلم. وقد تقدم القول في الرؤيا في باب اسحاق بن أبي طلحة
من كتابنا هذا، فأغنى عن إعادته هاهنا .
حدثني سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
الترمذي محمد بن اسماعيل، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا
سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن
أم كرز الكعبية قالت: سمعت النبي وَل يقول: ذهبت النبوة وبقيت
المبشرات(١).
قال أبو عمر:
أحاديث هذا الباب كلها صحاح ثابتة في معنى حديث مالك، وقد
روى عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن أبي الدرداء، عن
النبي وَل﴿ في تأويل قول الله عز وجل: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا﴾ [يونس: (٦٤)] . - حديثاً يدخل في معنى هذا الباب، قرأته على
أبي عثمان سعيد بن نصر، وأبي القاسم عبد الوارث بن سفيان، أن
قاسم ابن أصبغ حدثهم قال : حدثنا محمد بن اسماعيل، قال:
حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال حدثنا
عمرو- يعني بن دينار، - عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح،
عن عطاءبن يسار، عن رجل من أهل مصر، قال: سألت أبا الدرداء
عن قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لِّلَهُمُ الْبُشْرَى فِ
ج
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [يونس: (٦٣-٦٤)]. فقال: ما سألني عنها أحد
(١) حم (٣٢٥/٢)، (٣٨١/٦). جه (٣٨٩٦/١٢٨٣/٢) وقال في الزوائد: إسناده صحيح
ورجاله ثقات. حب (الإحسان: ١٣ / ٦٠٤٧) وصححه.

فتح البر
١٨٦
مذ سألت رسول الله وَ ل عنها غيرك، الا رجل واحد، سألت رسول
الله وَله عنها فقال: ما سألني عنها أحد منذ نزلت غيرك. هي الرؤيا
الصالحة يراها المسلم أو ترى له (١). قال سفيان: ثم لقيت عبد العزيز
ابن رفيع فحدثنيه عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن رجل من
أهل مصر، عن أبي الدرداء، عن النبي وَّ، قال سفيان: ثم لقيت
محمد بن المنكدر فحدثنيه عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل
مصر، عن أبي الدرداء، عن النبي وَال .
قال أبو عمر:
هذا حديث حسن في التفسير المرفوع، صحيح من نقل أهل المدينة.
وقد رواه الأعمش عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن رجل
من أهل مصر، قال: سألت أبا الدرداء فذكره سواء.
هكذا رواه أبو معاوية، وعلي بن مسهر، ووكيع بن الجراح، عن
الأعمش، وروي من حديث جابر بن عبد الله، وعبادة بن الصامت،
وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وطلحة بن عبيد الله،
عن النبي ◌َُّه نحو حديث أبي الدرداء هذا سواء بمعناه وعلى ذلك
أكثر أهل التفسير في معنى هذه الآية، وهو أولى ما اعتقده العالم في
تأويل قول الله عز وجل: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىِّ فِ اَلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ .
وروي عن الحسن والزهري وقتادة أنها البشارة عند الموت ولا خلاف
بينهم ان قوله في الآخرة: الجنة.
(١) حم (٤٤٧٠.٤٤٥).

التعبير
١٨٧
باب منه
[٤] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَلفي قال:
الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءًا من
النبوة (١).
قد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب إسحاق بن عبد الله
ابن أبي طلحة من كتابنا هذا، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا - وبالله
التوفيق.
(١) سبق تخريجه في باب [الرؤية الحسنة من الرجل الصالح .. ]

فتح البر
١٨٨
باب منه
[٥] مالك، عن يحيى بن سعيد أن عائشة زوج النبي ◌ّالر قالت: رأيت ثلاثة
اقمار سقطن في حجري، فقصصت رؤياي على أبي بكر الصديق، قالت :
فلما توفي رسول الله وَار ودفن في بيتها، قال لها أبو بكر: هذا أحد أقمارك
- وهو خيرها (١).
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند يحيى، والقعنبي، وابن وهب،
وأكثر رواته .
ورواه قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد
ابن المسيب، عن عائشة أنها قالت: رأيت ثلاثة أقمار سقطن في
حجري وساقه سواء، ذكره أبو داود عن قتيبة.
قال أبو داود: وحدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال حدثني أنس
ابن عياض، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب
يقول: قالت عائشة: لقد رأيت ثلاثة أقمار سقطن في حجري، فقال
أبو بكر: خيرا رأيت، قال: وسمعت الناس يتحدثون أن رسول الله
وَ لخلقه لما قبض ودفن في بيتها، قال لها أبو بكر: هذا أحد أقمارك-
وهو خيرها.
ورواه محمد بن سيرين، عن عائشة- وما أظنه سمعه منها،
ومراسيل ابن سيرين- عندهم صحاح كمراسيل سعيد بن المسيب.
(١) ك (٣٩٥/٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والطبراني
(٤٧/٢٣-١٢٦/٤٨-١٢٨). وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٨٥/٧) وقال: رواه الطبراني
في الكبير وهذا سياقه والأوسط عن عائشة من غير شك ورجال الكبير رجال الصحيح.

التعبير
١٨٩
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا مضر بن محمد الكوفي، حدثنا إبراهيم بن عثمان، حدثنا مخلد
ابن حسين، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، قال: رأت عائشة
كأن في حجرها ثلاثة أقمار، قال: فقصت ذلك على أبي بكر، فقال:
إن صدقت رؤياك يدفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة، قال: فلما
قبض رسول الله وَخ4* ودفن في بيتها، قال يا عائشة هذا أحد
أقمارك.
وكان أبو بكرالصديق -رضي الله عنه- أبصر الناس بتأويل الرؤيا.
وفي هذا الحديث دليل على اشتغال أنفس السلف بالرؤيا وتأويلها،
والأقمار-والله أعلم -: النبي وَلّ، وأبو بكر، وعمر - دفنوا في بيتها،
وذلك تأويل سقوط الأقمار في حجرها وفيه دليل على أن القمر قد
يكون في التأويل: الملك الأعظم كالشمس سواء- والله أعلم.
وفيه رد لقول من قال: إن القمر ملك أعجمي، والشمس عربي في
التأويل.
وأما رواية من روى: سقطن في حجري، ففيها: أن التأويل قد
يخرج على اشتقاق اللفظ وقرب المعنى، لأن قولها: سقطن في
حجري - تأوله أبو بكر - رضي الله عنه- على الدفن في حجرتها
وبيتها، فكأن الحجرة أخذها من الحجر، والبيت والحجرة سواء، لأن
أصل الكلمة الضم، فكأنه عدها على اللفظ- والله أعلم.
والسقوط ههنا: الدفن، وعلم تأويل الرؤيا من علوم الأنبياء وأهل
الأيمان، وحسبك بما أخبر الله من ذلك عن يوسف -عليه السلام -،
وما جاء في الآثار الصحاح فيها عن النبي بَّر، وأجمع أئمة الهدى

فتح البر
٠١٩٠
من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين أهل السنة
والجماعة على الإيمان بها، وعلى أنها حكمة بالغة، ونعمة يمن الله بها
على من يشاء، وهي المبشرات الباقية بعد النبي
صَلىالله
رسم .

التعبير
١٩١ -
باب منه
[٦] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال:
سمعت أبا قتادة بن ربعي يقول: سمعت رسول الله متالم يقول: الرؤيا
الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه
فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ، وليتعوذ بالله من شرها، فإنها
لن تضره. قال أبو سلمة إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل على من الجبل،
فلما سمعت هذا الحديث، فما كنت أباليها (١).
هذا الحديث بيّن المعنى، وفيه دليل على أن الرؤيا السيئة لا تضر من
استعاذ بالله من شرها ونفث عن يساره؛ والرؤيا السيئة حلم وتهويل
من الشيطان، وتحزين لابن آدم على ما جاء عن النبي وَظله بما قد
ذكرناه في باب إسحاق بن أبي طلحة من هذا الكتاب.
وقد روى هذا الحديث الزهري عن أبي سلمة، وهو عند معمر،
وابن عيينة، وعقيل وليس عند مالك.
(١) خ (٣٢٩٢/٤١٧/٦). م (٤ / ١٧٧١/ ٢٢٦١). د (٥٠٢١/٢٨٤/٥).
ت (٤/ ٤٦٤ /٢٢٧٧). جه (٣٩٠٩/١٢٨٦/٢).

٨ - كتاب القدر

القدر
١٩٥
ما جاء في إثبات قدم العلم
وأن الخلق يجرون في علم الله وقدره
[١] مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن يحيى بن حبان عن
ابن محيريز انه قال: دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري فجلست الیه،
فسألته عن العزل، فقال أبو سعيد الخدري: خرجنا مع رسول الله وَّ في
غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبى العرب فاشتهينا النساء واشتدت
علينا العزبة واحببنا الفداء فأردنا ان نعزل فقلنا نعزل ورسول الله وَالفل بين
اظهرنا، قبل ان نسأله، فسألناه عن ذلك فقال: ما عليكم الا تفعلوا ما من
نسمة كائنة الى يوم القيامة الا وهي كائنة (١).
وفي هذا الحديث برهان واضح على اثبات قدم العلم وان الخلق
يجرون في علم الله وقدره ، فلا يخرج شيء من خلقه عن ذلك
عز الله وجل تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وروى حماد بن زيد عن داود بن ابي هند عن الشعبي في
[القمر: (٥٢)]. قال: كتب عليهم
قوله: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ
قبل أن يعملوه.
وروى شعبة عن أبي هشام عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَوْلَاَ كِنَبٌ
مِّنَ اَللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: (٦٨)]. قال: كان في علمه أنهم كانوا يأخذون
الغنائم.
(١) حم (٦٨/٣). خ (٢٥٤٢/٢١٣/٥). م (٢/ ١٤٣٨/١٠٦١). د (٦٢٤/٢/ ٢١٧٢).
وسيأتي بتمامه في جزء النكاح باب [باب ماجاء في العزل].

١٩٦
فتح البر
وروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿أُوْلَيْكَ يَنَالَهُمْ
نَصِيبُهُم مِّنَ اُلْكِنَبِّ﴾ [الأعراف: (٣٧)]. قال: ما كتب لهم من الشقاء
والسعادة.
١٠٠
وعن ابن عباس في قوله: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ
[هود: (١٠٩)]. قال: ما قدر لهم من خير وشر.
وجملة القول في القدر انه سر الله لا يدرك بجدال ولا نظر ولا
تشفى منه خصومة ولا احتجاج، وحسب المؤمن من القدر ان يعلم ان
الله لا يقوم شيء دون إرادته ، ولا يكون شيء الا بمشيئته ، له الخلق
والأمر كله لا شريك له، نظام ذلك قوله: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ
[القمر: (٤٩)].
اللَّهُ﴾ [الإنسان: (٣٠)]. وقوله: ﴿إِنَّا كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
وحسب المؤمن من القدر ، ان يعلم ان الله لا يظلم مثقال ذرة ، ولا
يكلف نفسا الا وسعها ، وهو الرحمن الرحيم فمن رد على الله تعالى
خبره في الوجهين او في احدهما كان عنادا ، وكفرا ، وقد ظاهرت
الآثار في التسليم للقدر والنهي عن الجدل فيه ، والاستسلام له والاقرار
بخيره وشره والعلم بعدل مقدره وحكمته وفي نقض عزائم الانسان
برهان فيما قلنا ، وتبيان ، والله المستعان .
حدثنا محمد بن زكريا قال : حدثنا احمد بن سعيد قال حدثنا
أحمد بن خالد قال : حدثنا مروان بن عبدالملك قال : حدثنا محمد
ابن بشار قال : حدثنا روح بن عبادة قال : حدثنا حبيب بن الشهيد
عن محمد بن سيرين قال : ما ينكر هؤلاء ان يكون الله عز وجل علم
علما فجعله كتابا ؟.

القدر
١٩٧
حدثنا أحمد بن قاسم وعبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن اصبغ
قال: حدثنا الحارث بن ابي اسامة قال حدثنا خالد بن القاسم قال :
حدثنا الليث بن سعد . وحدثنا عبدالوارث قال : حدثنا قاسم قال :
حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال : حدثنا عبدالله بن صالح قالا
جمیعا: حدثنا معاوية بن صالح ان علي بن ابي طلحة حدثه ان ابا
الوداك أخبره عن أبي سعيد الخدري ان رسول الله وَّل سئل عن العزل
فقال : ((ما من كل ماء يكون الولد ، واذا اراد الله خلق شيء لم يمنعه
شيء))(١).
وروى يحيى القطان عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد
الخدري عن النبي بَخلال مثله(٢).
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا سليمان بن أبي شیخ، قال حدثنا
عيينة بن المنهال، قال: بلال بن أبي بردة لمحمد بن واسع: ما تقول في
القضاء، والقدر؟ فقال أيها الامير ان الله تبارك وتعالى لا يسأل عباده
يوم القيامة عن قضائه وقدره، وانما يسألهم عن أعمالهم.
(١) و(٢) حم (٨٢/٣). م (٢/ ١٠٦٤/ ١٤٣٨ [١٣٣]).

فتح البر
١٩٨
كل مولود يولد على الفطرة
[٢] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَلٍّ قال:
كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، كما تناتج الابل
من بهيمة جمعاء، هل تحس من جدعاء؟ قالوا يا رسول الله، أرأيت الذي
يموت وهو صغير؟ قال الله أعلم بما كانوا عاملين(١).
قال أبو عمر: روي هذا الحديث عن النبي وَلّ من وجوه صحاح،
كلها ثابتة من حديث أبي هريرة وغيره، فممن رواه عن أبي هريرة:
عبد الرحمن الاعرج، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وحميد ابنا
عبد الرحمن بن عوف، وأبو صالح السمان، وسعيد بن أبي سعيد،
ومحمد بن سيرين، ورواه ابن شهاب، فاختلف أصحابه عليه في
إسناده، فرواه معمر، والزبيدي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي
هريرة ورواه يونس، وابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، ورواه الأوزاعي عن الزهري، عن حميد بن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وزعم محمد بن يحيى الذهلي
النيسابوري - أن هذه الطرق كلها صحاح، عن ابن شهاب محفوظة .
قال أبو عمر: ليس هذا الحديث عند مالك عن ابن شهاب في
الموطأ، وهو عنده عن أبي الزناد، عن أبي هريرة، وقد روى هذا
الحديث- عبد الله بن الفضل الهاشمي شيخ مالك، عن أبي الزناد،
عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ قال: كل مولود يولد
(١) د (٤٧١٤/٨٦/٥). حب: الإحسان (١٣٣/٣٤٢/١) من طريق مالك به.

القدر
١٩٩
على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كالبهيمة تنتج البهيمة،
هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا انتم تجدعونها (١)- إلى ههنا
انتهى حديثه، ولم يذكر ما في حديث مالك: قوله: أرأيت من يموت
وهو صغير إلى آخر الحديث، وزاد فيه ويمجسانه، وهكذا رواية ابن
شهاب لهذا الحديث ليس فيها قوله: أرأيت من يموت وهو صغير؟
قال: الله أعلم بما كانوا عاملين - عند ابن شهاب عن عطاء بن يزيد،
عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ أنه سئل عن أولاد المشركين فقال: الله
أعلم بما كانوا عاملين (٢)، وسنذكر حديث ابن شهاب هذا عن عطاء
ابن يزيد في باب مفرد من هذا الكتاب - إن شاء الله.
أما قوله في حديث مالك وغيره: كل مولود يولد على الفطرة،
فأبواه يهودانه-الحديث، فإن أهل العلم من أصحابنا وغيرهم اختلفوا
في معنى قوله: كل مولود؛ فقالت طائفة: ليس في قوله كل مولود ما
يقتضي العموم.
قالوا: والمعنى في ذلك: أن كل من ولد على الفطرة وكان له أبوان
على غير الإسلام- هوداه أو نصراه أو مجساه، قالوا: وليس المعنى أن
جميع المولودين من بني آدم أجمعين يولدون على الفطرة، بل المعنى
أن المولود على الفطرة من الابوين: الكافرين يكفرانه، وكذلك من لم
يولد على الفطرة- وكان أبواه مؤمنين- حكم له بحكمهما في صغره-
إن کانا یهودیین- فهو يهودي يرثهما ويرثانه، وكذلك لو كانا نصرانيين
أو مجوسیین حتی یعبر عنه لسانه، ويبلغ الحنث فیکون له حكم نفسه
(١) انظر الذي قبله.
(٢) سيأتي تخريجه عند: ذكر الأخبار التي احتج بها من أوجب الوقوف عن الشهادة لأطفال
المشركين بجنة أو نار.

فتح البر
٢٠٠
حينئذ لا حكم أبويه، واحتج قائلوا هذه المقالة بحديث أبي اسحاق،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي
وَلّه قال: الغلام الذي قتله الخضر، طبعه الله يوم طبعه كافرا(١).
وبقوله وَلّ: ألا إن بني آدم خلقوا طبقات، فمنهم من يولد مومنا
ویحیی مؤمنا، ويموت مؤمنا، ومنهم من یولد کافرا، ویحیی کافرا،
ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا،
ومنهم من یولد کافرا ویحیی کافرا ويموت مؤمنا.
وهذا الحديث حدثناه خلف بن القاسم- قراءة مني عليه- أن أحمد
ابن محمد بن أبي الموت المكي حدثهم، قال: حدثنا محمد بن علي
ابن زيد الصائغ، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال حدثنا حماد بن
زيد، قال حدثنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد
الخدري، قال: صلى بنا رسول الله وَّه العصر بنهار، ثم قام وخطبنا
إلى مغرب الشمس، فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبر به-
حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، وكان فيما حفظنا- أن قال: ألا إن
الدنيا خضرة حلوة، وإن الله - مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون؟
ألا فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، وكان فيما حفظنا أن قال: ألا لا يمنعن
رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه، فبكى أبو سعيد وقال: قد
والله رأينا فهبنا وكان فيما حفظنا أن قال: ألا ان لكل غادر لواء يوم
القيامة بقدر غدرته، ولا غدر أعظم من غدر إمام عامة: وكان فيما
حفظنا أن قال: ألا إن بني آدم خلقوا طبقات شتى، منهم من يولد
مؤمنا ويحيى مؤمنا، ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا
(١) م (٤ / ١٨٥٠ / ٢٣٨٠ (١٧٢). د (٨٠/٥-٨١ / ٤٧٠٥). ت (٣١٥٠/٢٩٢/٥/٥).