النص المفهرس
صفحات 121-140
التوحيد والرد على الجهمية
١٢١
وليس هذا موضع ذكره، وحمل كلام الله تعالى وكلام نبيه وَجلال على
الحقيقة، أولى بذوي الدين والحق، لانه يقص الحق، وقوله الحق،
تبارك وتعالى علوا كبيرا.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال أخبرنا
محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد
الله بن إدريس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله وَ له: اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب أكل بعضي
بعضا، فجعل لها نفسين، نفسا في الشتاء، ونفسا في الصيف، فشدة
ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون في الصيف من الحر
من سمومها (١) .
وأما قوله فيح جهنم، فالفيح: سطوع الحر، هكذا قال صاحب
العين. فكأن المعنى -والله أعلم- شدة الحر المؤذى من حر جهنم
ولهيبها، - أجارنا الله برحمته وعفوه منها.
(١) طريق أبي صالح عن أبي هريرة عند: ت (٢٥٩٢/٤) وقال: هذا حديث صحيح. قد روي
عن أبي هريرة عن النبي ◌َلها من غير وجه.
فتح البر
١٢٢
باب منه
[٢١] مالك، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة، أن
رسول الله و لقد قال: إذا كان الحر، فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من
فيح جهنم، وذكر أن النار اشتكت الى ربها، فأذن لها بنفسين: نفس في
الشتاء، ونفس في الصيف (١) .
وقد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب زيد بن أسلم من
كتابنا هذا، والذي عليه الجماعة أهل السنة: أن الجنة والنار مخلوقتان
بعد، إحداهما: رحمة الله لمن شاء من خلقه، والأخرى عذابه ونقمته
لمن شاء أن يعذبه من خلقه:
أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن
أبي دليم، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال: سألت يحيى بن معين
عن الجنة والنار، فقال: مخلوقتان لا تبيدان.
قال أبو عمر :
الدلائل من الآثار كثيرة على أن الجنة مخلوقة بعد، والنار مخلوقة
بعد، فمن ذلك قوله {وَل: إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة
والعشي: إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل
النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم
القيامة(٢). وقال الله - عز وجل - في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ
(١) خ (٥٣٦/٢٣/٢-٥٣٧). م (١/ ٦١٧/٤٣١).
(٢) خ (٣٢٤٠/٣٩١/٦). م (٢٨٦٦/٢١٩٩/٤). ن (٤/ ٤١٢- ٤١٣ /٢٠٦٩).
جه (٢ /١٤٢٧/ ٤٢٧٠).
التوحيد والرد على الجهمية
١٢٣
عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: (٤٦)]. وقال رسول الله وَّهِ: ((اطلعت في
النار، فرأيت أكثر أهلها النساء، واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها
المساكين))(١)، وقال رسول الله وَظله: إذا دخل رمضان فتحت أبواب
الجنة(٢). وقوله: اشتكت النار إلى ربها (٣) . هذا الحديث أبين شيء
في أنها قد خلقت، وأنها باقية شتاء وصيفا.
أخبرنا خلف بن القاسم، قال أخبرنا أبو قتيبة. قال حدثنا إبراهيم
ابن هاشم، قال حدثنا أبو نصر التمار، قال حدثنا حماد بن سلمة،
عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن
أبي هريرة، قال، قال رسول الله وَله: لما خلق الله الجنة قال: يا
جبريل، اذهب فانظر إليها، قال: فذهب فنظر إليها فقال: يا رب
وعزتك، لا يسمع بهذه أحد إلا دخلها، ثم حفها بالمكاره، ثم قال
له: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها فقال: يا رب، وعزتك لقد
خشيت أن لا يدخلها أحد، فلما خلق النار، قال: يا جبريل، اذهب
فانظر إليها، فنظر إليها فقال: يارب، وعزتك لا يسمع بها أحد
فيدخلها، فحفها بالشهوات، وقال: اذهب فانظر إليها، فنظر اليها
فقال: يارب، لقد خشيت ألا يبقى أحد إلا يدخلها (٤).
وقرأت على خلف بن القاسم أن الحسين بن جعفر حدثهم قال
حدثنا يوسف بن يزيد، قال حدثنا الحجاج بن إبراهيم الأزرق، قال
(١) خ (٥١٩٨/٣٧٢/٩). ت (٢٦٠٣/٦١٧/٤).
(٢) خ (٤ / ١٨٩٨/١٤١). م (٢/ ١٠٧٩/٧٥٨). ن (٢٠٩٦/٤٣١/٤).
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٤) حم (٣٣٢/٢-٣٣٣-٣٧٣). د (٤٧٤٤/١٠٨/٥). ت (٤ /٢٥٦٠/٥٩٨) وقال: هذا
حديث حسن صحيح. ن (٦/٧/ ٣٧٧٢).
فتح البر
١٢٤
حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة، أن رسول الله وَ يه قال: إن الله -عزوجل- دعا جبريل
فأرسله إلى الجنة فقال: انظر اليها وانظر إلى ما أعددت لأهلها، فرجع
فقال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفت بالمكاره، فقال:
ارجع فانظر إليها، فرجع وقال: وعزتك لقد خشيت ألا يدخلها أحد،
ثم أرسله إلى النار فقال: اذهب الى النار، فانظر ما أعددت لأهلها
فيها، فرجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد يسمع بها، فحفت
بالشهوات، ثم قال: عد إليها فانظر، فرجع فقال: وعزتك لقد
خشيت ألا يبقى أحد إلا دخلها (١) .
وأخبرنا خلف بن قاسم، قال حدثنا أبو قتيبة سلم بن الفضل،
حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية، قال حدثنا محمود بن غيلان، قال
حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت
البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: إن
لله ملائكة فضلاء سيارة، يلتمسون مجالس الذكر، فإذا مروا بقوم
يذكرون الله، يحفون بهم بأجنحتهم، فإذا انصرفوا، عرجت الملائكة
الى السماء فيقول لهم ربنا -تبارك وتعالى وهو أعلم -: من أين جئتم؟
فيقولون من عند عبادك يسبحونك ويحمدونك ويهللونك، ويسألونك
ويستجيرونك، فيقول - وهو أعلم -: وما يسألون؟ فيقولون:
يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: كيف لو
رأوها !. ويقول: مم يستجيرون - وهو أعلم- ؟ فيقولون: من النار،
فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا ، فيقول: كيف لو رأوها؟ ثم
(١) المصدر السابق نفسه.
التوحيد والرد على الجهمية
١٢٥
يقول: فإني أشهدكم أني قد أعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما
استجاروا، فيقولون: أي رب، فيهم عبدك الخطاء ليس منهم، إنما مر
بهم فجلس إليهم، فيقول: وفلان قد غفرت له، هم القوم لا يشقى
بهم جليسهم(١) .
وروى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، أبي هريرة عن النبي ◌َّ
مثله سواء .
وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي وَلَيه
مثله، إلا أنه قال في آخره: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.
والآثار في خلق الجنة والنار كثيرة جدا صحاح ثابتة يجب الإيمان بها،
والتسليم لما جاء منها - وبالله التوفيق.
حدثنا محمد بن عبد الملك، قال حدثنا أحمد بن محمد بن زیاد،
قال حدثنا الزعفراني، قال حدثنا شبابة، قال حدثنا ورقاء عن أبي
الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي بَلّ قال: حفت النار
بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره(٢).
وحدثناه عبد الله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا ابن أبي غالب
عبيد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن محمد الباهلي، قال حدثنا
رزق الله بن موسى، قال حدثنا ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة. عن النبي وَلّ مثله.
ورواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله وَّه إن الجنة حفت بالمكاره، وإن النار حفت بالشهوات(٣).
(١) حم (٢٥٢/٢-٣٥٩). خ (٦٤٠٨/٢٤٩/١١). م (٢٦٨٩/٤ (٢٥)).
(٢)و(٣) م (٤ / ٢١٧٤ / ٢٨٢٣[١]). ت (٢٥٥٩/٥٩٨/٤).
فتح البر
١٢٦
وأما قوله: اشتكت النار إلى ربها، فحمله قوم على المجاز، كقول
الشاعر :
شكا إلي جملي طول السرى
وكقول عنترة:
وشكا إلي بعبرة وتحمحم
وكقول القائل:
مهلا رويدا قد ملأت بطني
امتلأ الحوض وقال قطني
وكقول العرب: قالت السماء فهطلت.
وقالت رجلي فخدرت ونحو هذا.
وكقول عروة بن حزام، حين جعل القول لمن لا يوجد منه قول:
ألا يا غرابي دمنة الدار بينا أبا الصرم من عفراء تنتحبان
فإن كان حقا ما تقولان فانهضا بلحمي إلى وكريكما فكلاني
وكقول ذي الرمة :
فقالت لي العينان سمعا وطاعة وحدرتا مثل الجمان المنظم
ومثل هذا قول القائل:
كم أناس في نعيم عمروا
في ذری ملك تعالی فبسق
ثم أبكاهم دما حين نطق
سكت الدهر زمانا عنهم
وهذا ومثله كثير في أشعار العرب ولغاتها، وقد زدنا هذا المعنى بيانا
في باب زيد بن أسلم.
التوحيد والرد على الجهمية
١٢٧
وقال جماعة من أهل العلم: إن ذلك على الحقيقة، وإنها تنطق
ينطقها الله الذي ينطق الجلود وكل شيء، ولها لسان كما شاء الله
- عز وجل -، فاستشهدوا بقوله - عز وجل - ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ
﴾. وبقوله: ﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا
أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ شَـ
وبما جاء من نحو هذا في الآثار الثابتة، نحو قوله: فتقول:
قط، قط(١). وتقول: وكلت بكل جبار عنيد(٢) . وهذا ونحوه في
القرآن والأحاديث كثير جدا، وحملوا ما في القرآن والآثار من مثل
هذا على الحقيقة.
واحتجوا بقول الله - عز وجل -: ((يقص الحق))، وقوله: ﴿وَالْحَقَّ
﴾ [ص: (٨٤)]. ونحو هذا، ولكلا القولين وجه يطول الاعتلال
أَقُولُ
له، والله الموفق للصواب.
(١) حم (٢٦٩/٢-٥٠٧). خ (٤٨٤٨/٧٦٥/٨). م (٢١٨٦/٤/ ٢٨٤٦).
ت (٥٩٦/٤/ ٢٥٥٧).
(٢) حم (٣٣٦/٢). ت (٢٥٧٤/٤) عن أبي هريرة وقال:
(( هذا حديث حسن غريب صحيح)).
وفي الباب من حديث أبي سعيد وعائشة. وذكر الهيثمي حديث أبي سعيد في ((المجمع))
(٣٩٢/١٠) وقال: رواه البزار واللفظ له وأحمد باختصار وأبو يعلى بنحوه والطبراني في
الأوسط وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح.
فتح البر
١٢٨
باب منه
[٢٢] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله، والقول
قال: نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. فقالوا
يا رسول الله: إن كانت لكافية؟ قال: إنها فضلت عليها بتسعة وستين
جزءا (١).
ليس في هذا الحديث ما يحتاج إلى القول، وفيه إباحة الخبر عن
القيامة والآخرة، وحال النار-أجارنا الله- منها وزحزحنا عنها؛ وفيما
نطق به القرآن من الخبر عن الآخرة والجنة والنار، ما فيه معتبر لأولي
الأبصار.
حدثنا ابراهيم بن شاكر، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان،
قال حدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس،
قال حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله،
قال: إن ناركم هذه ليست مثل نار جهنم لا تنفع أحدا، وإنها لما نزلت
ضرب البحر بها مرتين، ولولا ذلك لم تنفع أحدا.
وروى الفضيل بن دكين، عن أبي اسرائيل، عن أبي اسحاق، عن
عون بن عبد الله، عن عبد الله، قال: إن النار التي خلق منها الجان
جزء من سبعين جزء من نار جهنم.
وروى عبيد الله بن موسى عن اسرائيل، عن عمار الدهني، عن
مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إن ناركم
(١) حم (٣١٣/٢-٤٦٧). خ (٣٢٦٥/٤٠٧/٦). م (٤/ ٢١٨٤/ ٢٨٤٣[٣٠]).
ت (٢٥٨٩/٦١١/٤).
التوحيد والرد على الجهمية
١٢٩
هذه جزء من سبعين جزءا من النار، وهذه النار قد ضرب بها البحر
حين أنزلت سبع مرات، ولولا ذلك ما انتفع أحد بها.
وروى عبد الله بن نصير، عن اسماعيل بن أبي خالد، عن تبيع بن
الحارث، عن أنس بن مالك، قال: إن ناركم هذه جزء من سبعين
جزءا من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين، ما انتفعتم بها،
وانها لتدعو الله- أن لا يعيدها في تلك النار أبدا.
وروى زيد بن الحباب، عن محمد بن مسلم، عن ميسرة، عن
سعيد بن المسيب، أن علي بن أبي طالب سأل رجلا من اليهود -لم ير
في اليهود مثله- عن النار الكبرى، فقال الحبر: يبعث الله الريح الدبور
على البحور فتعود نارا، فهي النار الكبرى.
١٣٠
فتح البر
باب منه
[٢٣] مالك، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي
بكر، أنها قالت: أتيت عائشة حين خسفت الشمس، فإذا الناس قيام
يصلون، وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها نحو
السماء وقالت: سبحان الله! فقلت: آية، فأشارت برأسها أن نعم؛ قالت:
فقمت حتى تجلاني الغشي، وجعلت أصب فوق رأسي الماء، فحمد الله
رسول الله وَ وأثنى عليه، ثم قال: ما من شيء كنت لم أره إلا وقد رأيته
في مقامي هذا حتى الجنة والنار، ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور
مثل أو قريبا من فتنة الدجال، - لا أدري أيتهما قالت أسماء -: يؤتى
أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن - لا أدري
أي ذلك قالت أسماء-؟ فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات
والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا، فيقال له: نم صالحا، قد علمنا إن كنت
لمؤمنا، وأما المنافق أو المرتاب - لا أدري أيهما قالت أسماء - فيقول: لا
أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته(١).
وأما رؤيته وَّخله الجنة والنار، فذلك ثابت عنه في كثير من الآثار،
ونحن لا نكيف ذلك ولا نحده.
وأما قوله: أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم، فإنه أراد فتنة
الملكين: منكر ونكير حين يسألان العبد: من ربك؟ وما دينك؟ ومن
نبيك؟ والآثار في هذا متواترة، وأهل السنة والجماعة كلهم على
(١) خ (١٨٤/٣٨٢/١). م (٢ / ٦٢٤ /٩٠٥).
التوحيد والرد على الجهمية
١٣١
الإيمان بذلك، ولا ينكره إلا أهل البدع، وفي قوله: مثل أو قريب من
فتنة الدجال، دليل على أنهم كانوا يراعون الألفاظ في الحديث المسند،
وهذا في طائفة من أهل العلم، وطائفة يجيزون الحديث بالمعاني،
وهذا إنما يصح لمن يعرف المعاني ومذاهب العرب، وهو مذهب ابن
شهاب، وعطاء، والحسن، وجماعة غيرهم. وكان مالك لا يجيز
الإخبار بالمعاني في حديث رسول الله وَخلّ لمن قدر على الإتيان
بألفاظه :
حدثنا خلف بن أحمد، قال حدثنا أحمد بن مطرف، قال حدثنا
أحمد بن خالد، قال حدثنا يحيى بن عمر، قال حدثنا الحارث بن
مسكين، أخبرنا يوسف بن عمرو، عن ابن وهب، قال: سمعت مالكا
- وسئل عن المسائل إذا كان المعنى واحدا، والكلام مختلف، فقال:
لا بأس به إلا الأحاديث التي عن رسول الله وَله .
حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر، قال حدثنا ابن أبي دليم، قال
حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا زيد بن البشر، قال: سمعت ابن وهب
يقول: سأل مالكا رجل فقال: الكتاب يعرض عليك فينقلب به صاحبه
فيبيت عنده، أيجوز أن أحدث به؟ قال: نعم.
قال أبو عمر:
هذا خلاف رواية أشهب، لأن أشهب روى في مثل هذا المعنى:
أخشى أن يزاد في كتبه بالليل، ومحمل الروايتين -عندي- على أن
الثقة جائز أن يعار الكتب ثم يحدث بما استعار من ذلك، وأما غير
الثقة المأمون عليها فلا. وأما الفتنة فلها في كلام العرب وجوه كثيرة
منها أن يفتن الرجل في دينه ببلوى من سلطان غالب، أو بهوى يصرفه
عن الصواب في الدين أو بحب يشغل قلبه حتى يركب ما لا يحل له،
فتح البر
١٣٢
فهذه فتنة تشربها القلوب كما أشرب بنو إسرائيل حب العجل وفتنوا
به، والفتنة: الحرق بالنار، وللفتنة وجوه كثيرة.
وأما قوله وَّ: إنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال أو قريب
منها، فالفتنة ههنا معناها: الابتلاء والامتحان والاختبار، ومن ذلك
قول الله - عز وجل - لموسى: ﴿وَفَّكَ فُونًا﴾ [طه: (٤٠)]. أي ابتليناك
ابتلاء واختبرناك اختباراً. وفي عذاب القبر نزلت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِىِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: (٢٧)].
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
اسماعيل بن إسحاق القاضي، قال حدثنا عمرو بن مرزوق، قال
أخبرنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن البراء بن
محارب، عن النبي وَلّ قال: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في
الحياة الدنيا وفي الآخرة)). قال: في القبر إذا سئل: من ربك وما
دینك ومن نبيك.
ورواه غندر وغیره هکذا عن شعبة بإسناده مثله.
وروى أبو معاوية عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة.، عن البراء،
مثله موقوفا.
وذكر بقي قال حدثنا إسحاق بن أبي اسرائيل قال حدثنا هشام بن
يوسف عن ابن جريج: ((يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة
الدنيا)): لا إله إلا الله، ((وفي الآخرة)) المسألة في القبر. أخبرنيه ابن
طاوس عن أبيه.
التوحيد والرد على الجهمية
١٣٣
وروى الأعمش ويونس بن خباب عن المنهال بن عمرو، عن زاذان،
عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول الله وَلَّه في جنازة،
فذكر الحديث الطويل بتمامه، وفيه في صفة المؤمن ثم يعاد روحه إلى
جسده، وأنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه، ويدخل عليه
ملكان فيقولان له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقولان له: ما دينك؟
فيقول: الإسلام، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول:
وأي رجل؟ فيقولان: محمد رسول الله وَّله فيقول: أشهد أنه رسول
الله، قال: فينتهرانه ويقولان له: وما يدريك؟ فيقول: إني قرأت كتاب
الله فصدقت به وآمنت، قال: فهي آخر فتنة تعرض على المؤمن،
وذلك قول الله- عزوجل: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في
الحياة الدنيا وفي الآخرة)). قال: وينادي مناد من السماء: أن صدق
عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وأروه مقعده من الجنة،
فيأتيه من طيبها . - وساق الحديث إلى صفة المنافق والمرتاب، قال:
فيدخل عليه ملكان فيقولان له: اجلس، قال: وانه ليسمع خفق نعال
أصحابه إذا ولوا عنه، قال: فيجلس فيقولان له: من ربك؟ وما
دينك؟ ومن نبيك؟ ففي رواية يونس بن خباب، فيقول: ربي الله
وديني الإسلام ونبيي محمد وَالر، فينتهرانه انتهارا شديدا ويقولان:
من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان: لا دريت
ولا تليت.
وقال الأعمش في حديثه: فيقولان: من ربك وما دينك، فيقول:
لا أدري، فيقولان: ما تقول في هذا الرجل، فيقول: وأي رجل،
فيقولان: محمد، فيقول: لا أدري؟ سمعت الناس قالوا: قولا،
فقلت كما يقول الناس، قال: فينادي مناد من السماء: أن كذب
فتح البر
١٣٤
عبدي فأفرشوه من النار، وأروه مقعده من النار، ويضيق عليه قبره
حتى تختلف أضلاعه- وساقا الحديث إلى آخره(١).
وروينا عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أصحابه وعن معمر،
عن عمرو بن دينار، وعن سعد بن ابراهيم، عن عطاء بن يسار، دخل
حديث بعضهم في بعض- والمعنى واحد: أن رسول الله وَظله قال
لعمر: كيف بك يا عمر إذا جاءك منكر ونكير إذا مت وانطلق بك
قومك فقاسوا ثلاثة أذرع وشبرا في ذراع وشبر، ثم غسلوك وكفنوك
وحنطوك واحتملوك فوضعوك فيه، ثم أهالوا عليك التراب، فإذا
انصرفوا عنك، أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد
القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، يجران شعورهما، معهما
مرزبة، لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلوها. فقال: عمر: إن
فرقنا، فنحن أحق أن نفرق، أنبعث على ما نحن عليه؟ قال: نعم-
إن شاء الله، قال: إذن أكفيكهما(٢) .
وذكر سنيد عن إسماعيل بن علية، عن عباد بن إسحاق، عن أبي
سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: إذا مات
المسلم أو المؤمن أتاه ملكان أزرقان أسودان يقال لأحدهما منكر
والآخر نكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان
يقول في الدنيا؟ هو عبد الله ورسوله جاء بالحق، فيقال له: قد كنت
(١) أخرجه مطولا: حم (٢٨٧/٤-٢٨٨-٢٩٥-٢٩٦). د (١١٤/٥-١١٦/ ٤٧٥٣).
ك (١ / ٣٧ - ٤٠) وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
وأخرجه مختصرا: ن (٢٠٥٦/٤٠٧/٤). ت (٢٧٦/٥ /٣١٢٠).
جه (٤٢٦٩/١٤٢٧/٢). وصححه ابن القيم في إعلام الموقعين (٢١٤/١).
(٢) عبد الرزاق في المصنف (٥٨٢/٣ -٦٧٣٨/٥٨٣).
التوحيد والرد على الجهمية
١٣٥
تقول هذا، ثم يفتح له في قبره سبعين ذراعا في سبعين، وينور له
عنده نور، ويقال له: نم صالحا، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟
فيقال له: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب الناس إليه، حتى
يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال: سمعت الناس
يقولون شيئا فقلته، فيقال: قد كنت تقول ذلك، قال: ثم تؤمر
الأرض فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال كذلك معذبا حتى
يبعثه الله (١). والآثار في عذاب القبر لا يحوط بها كتاب، وإنما ذكرنا
منها ههنا ما في معنى حديثنا، وما رجونا أن يكون تفسيرا له، والآثار
المرفوعة كلها في هذا المعنى تدل على أن الفتنة -والله أعلم- مرة
واحدة .
وكان عبيد بن عمير فيما ذكر ابن جريج عن الحارث بن أبي
الحارث عنه يقول: يفتن رجلان: مؤمن، ومنافق، فأما المؤمن، فيفتن
سبعا، وأما المنافق، فيفتن أربعين صباحا.
قال أبو عمر:
الآثار الثابتة في هذا الباب إنما تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون
الا لمؤمن أو منافق، ممن كان في الدنيا منسوبا إلى أهل القبلة ودين
الإسلام ممن حقن دمه بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل،
فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام
-والله أعلم- ((يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي
الآخرة)) الآية.
وأما ما جاء من الآثار في أن اليهود تعذب في قبورها، ففي حديث
أنس أن رسول الله وَ لا مر مع بلال على البقيع فقال: ألا تسمع ما
(١) ت (١٠٧١/٣٨٣/٣) وقال حسن غريب. حب: الإحسان (٣١١٧/٣٨٦/٧).
فتح البر
١٣٦٠
أسمع يا بلال ؟ قال: لا والله يا رسول الله ما أسمع، قال: أما تسمع
أهل القبور يعذبون - يعني قبور الجاهلية (١)؟ فهذا - والله أعلم-
عذاب غير الفتنة والابتلاء الذي يعرض المؤمن، وإنما هذا عذاب
واصب للكفار إلى أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار، ألا ترى إلى
قول الله عز وجل: ﴿وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوْءُ الْعَذَابِ
◌َ النَّارُ يُعْرَضُونَ
٤٥
عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَبَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ
٤٦
[غافر: (٤٥ -٤٦)]. وجائز أن يكون عذاب القبر غير فتنة القبر.
وقد ثبت عن النبي وَ لا أنه كان يستعيذ من فتنة القبر، وعذاب
القبر، وعذاب النار في حديث واحد، وذلك دليل على أن عذاب
القبر غير فتنة القبر- والله أعلم، لأن الفتنة قد تكون فيها النجاة، وقد
يعذب الكافر في قبره على كفره دون أن يسأل- والله أعلم.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حمزة بن محمد،
قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن
المبارك، قال حدثنا أبو أسامة، قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن
عائشة قالت: كان رسول الله وَلله كثيرا ما يدعو بهؤلاء الكلمات:
اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب القبر، وشر فتنة المسيح
الدجال، ومن شر فتنة القبر، ومن شر فتنة الغنى، اللهم اغسل
خطاياي بماء الثلج والبرد، وأنق قلبي من الخطايا، كما أنقيت الثوب
الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين
(١) حم (٢٥٩/٣). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥٩/٣) وقال: ((رواه أحمد ورجاله
رجال الصحيح)).
التوحيد والرد على الجهمية
١٣٧
المشرق والمغرب، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم
والمغرم(١).
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا حمزة بن محمد، قال حدثنا
أحمد بن شعيب، قال أخبرنا إسحاق بن ابراهيم، قال أخبرنا جرير،
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وفتنة
النار، وعذاب القبر، وفتنة القبر، ومن شر فتنة المسيح الدجال، ومن
شر الغنى وشر فتنة الفقر، اللهم اغسل خطاياي- وذكر تمام الحديث،
بمعنى ما تقدم سواء (٢). فهذا الحديث يدل على أن فتنة القبر غير
عذاب القبر لأن الواو تفصل بين ذلك، هذا ما توجبه اللغة- وهو
الظاهر في الخطاب- والله أعلم.
وقد تقدم عن عبيد بن عمير أنه قال: إنما يفتن رجلان: مؤمن
ومنافق، وهو معنى ما قلنا، وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي وَل
أنه قال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، ومنهم من يرويه: تسأل في
قبورها (٣)، وهذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصت بذلك،
وهو أمر لا يقطع عليه- والله أعلم.
(١) و(٢) حم (٥٧/٦و٢٠٧). خ (٦٣٦٨/٢١١/١١). م (٥٨٩/٢٠٧٨/٤).
ت (٥/ ٣٤٩٥/٤٩٠). ن (٦٥٥/٨-٥٤٨١/٦٥٦). جه (٣٨٣٨/١٢٦٢/٢).
(٣) حم (٥/ ١٩٠). م (٢٨٦٧/٢١٩٩/٤). ابن أبي شيبة (٣/ ١٢٠٢٨/٥٠) من طريق أبي
نضرة عن أبي سعيد الخدري عن زيد بن ثابت. وأخرجه أيضا من نفس الطريق لكن دون
ذکر زيد بن ثابت: حم (٣/٣).
حب: الإحسان (١٠٠٠/٢٨١/٣). ولم يذكرا اللفظ الأول من الحديث:
( إن هذه الأمة تبتلى في قبورها). وذكره الهيثمي في المجمع عن أبي سعيد بنحو حديث
البراء المتقدم (٥٠/٣) وقال: ((رواه أحمد والبزار ... ورجاله رجال الصحيح)).
فتح البر
١٣٨
وحدیث زيد بن ثابت هذا رواه عنه أبو سعيد الخدري، ذكره سنيد،
وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا حدثنا اسماعيل بن علية، عن الجريري،
عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال حدثنا زيد بن ثابت أن
رسول الله وَ خيّه قال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، وقال ابن أبي
شيبة: تسأل في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم
من عذاب القبر ما أسمع(١).
وقد يجوز أن يتأول متأول في هذا الحديث وسياقته على ما ذكره
ابن أبي شيبة فيه: أن فتنة القبر والسؤال فيه هو عذاب القبر، ولكن ما
ذكرنا أظهر في المعنى، وأحكام الآخرة لا مدخل فيها للقياس
والاجتهاد، ولا للنظر والاحتجاج، والله يفعل ما يشاء لا شريك له.
وقد ذكر سنيد عن اسماعيل بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن
قتادة قال: ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث، ثلث من البول،
وثلث من الغيبة، وثلث من النميمة، وهذا لا حجة فيه، لأنه ليس
بمسند ولا متصل، ولا يحتج بمثله، على أنه يحتمل أن يكون عذاب
القبر ههنا للمرتاب بعد السؤال الذي هو الفتنة وسببها -والله أعلم -.
ويحتمل أن يكون قوله: عذاب القبر- بمعنى فتنة القبر، فإنها تؤول
إلى العذاب وفيها عذاب -والله أعلم بحقيقة ذلك لا شريك له.
(١) انظر المصدر السابق.
التوحيد والرد على الجهمية
١٣٩
باب منه
[٢٤] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة- أن يهودية جاءت
تسألها فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله:
أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله ير عائذا بالله من ذلك، ثم
ر کب رسول الله ټ ذات غداة مر کبا، فخسفت الشمس، فرجع ضحى
فمر بين ظهري الحجر، ثم قام يصلي، وقام الناس وراءه فقام قياما
طويلا، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام
الاول، ثم رکی رکوعا طويلا وهو دون الرکوع الاول، ثم رفع فسجد، ثم
قام قیاما طويلا- وهو دون القیام الاول، ثم رکع ر کوعا طويلا وهو دون
الركوع الأول ، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الاول، ثم ركع
ركوعا طويلا وهو دون الركوع الاول، ثم رفع ثم سجد ، ثم انصرف
فقال: ما شاء الله أن يقول، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر(١).
في هذا الحديث دليل على أن عذاب القبر تعرفه اليهود وذلك
-والله أعلم- عن التوراة، لأن مثل هذا لا يدرك بالرأي.
وأما صلاة الكسوف، فقد مضى القول فيها ممهدا في باب زيد بن
أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، وحديثه عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة، وحديثه هذا عن يحيى بن سعيد، عن
عمرة، عن عائشة كلها في صلاة الكسوف بمعنى واحد: ركعتين في
كل ركعة ركوعان، والقول فيها في موضع واحد يغني، وقد مضى من
(١) حم (٦/ ٥٣). خ (١٠٤٩/٦٨٣/٢). م (٢/ ٦٢١ / ٩٠٣).
ن (٣/ ١٥٠-١٥١ / ١٤٧٤ - ١٤٧٥).
فتح البر
١٤٠
القول والأثر في عذاب القبر في باب هشام بن عروة، عن فاطمة بنت
المنذر، عن أسماء من هذا الكتاب ما فيه كفاية.
وأما قوله: خسفت الشمس، فالخسوف بالخاء عند أهل اللغة ذهاب
لونها، وأما الكسوف بالكاف فتغير لونها، قالوا: يقال: بئر خسيف إذا
غار ماؤها، وفلان كاسف اللون: متغير اللون إلى السواد. وقد قيل:
الخسوف والكسوف بمعنى واحد -والله أعلم.
قرأت على خلف بن أحمد بن مطرف حدثهم، قال حدثنا أيوب
ابن سليمان، ومحمد بن عمر بن لبابة، قالا حدثنا عبد الرحمن بن
إبراهيم أبو زيد، قال حدثنا عبد الله بن يزيد المقرىء، عن موسى بن
علي، قال: سمعت أبي يقول: كنت عند عمرو بن العاص
بالإسكندرية، فكسف بالقمر ليلة، فقال رجل من القوم: سمعت
قسطال هذه المدينة يقول: يكسف بالقمر هذه الليلة، فقال رجل من
الصحابة كذب أعداء الله هذا، هم علموا ما في الأرض، فما علمهم
بما في السماء؟ ولم ير عمرو ذلك كبيرا أو كثيرا، ثم قال عمرو: إنما
الغيب خمس، ما سوى ذلك يعلمه قوم، ويجهله آخرون: ﴿ إِنَّ
اَللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا
تَكْسِبُ غَدَاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
٣٤
[لقمان: (٣٤)].
وذكره ابن وهب في جامعه عن موسى بن علي، عن أبيه مثله
سواء .
قال أبو عمر: روى مالك وغيره عن عبد الله بن دينار، عن ابن
عمر، عن النبي وَلاّ أنه قال: مفاتيح الغيب خمس- ثم ذكر مثله
سواء(١)، وبالله التوفيق.
(١) حم (٥٨/٢-١٢٢). خ (٤٧٧٨/٦٥٩/٨).