النص المفهرس

صفحات 101-120

التوحيد والرد على الجهمية
١٠١ ـ
وقد روي عن مجاهد أن المقام المحمود: أن يقعده معه يوم القيامة
على العرش، وهذا -عندهم- منكر في تفسير هذه الآية، والذي عليه
جماعة العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين -أن
المقام المحمود هو المقام الذي يشفع فيه لأمته، وقد روي عن مجاهد
مثل ما عليه الجماعة من ذلك، فصار إجماعا في تأويل الآية من أهل
العلم بالكتاب والسنة.
ذكر ابن أبي شيبة، عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن
@﴾، قال: شفاعة
مجاهد في قوله ﴿عَسَّ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا
محمد رعد له .
وذكر بقي، قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال حدثنا قيس، عن
عاصم، عن زر، عن ابن مسعود: ((عسى أن يبعثك ربك مقاما
محمودا)) الشفاعة.
قال: وحدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال حدثنا أبو بكر، عن
عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود- مثله.
وذكر الفريابي، عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي
الزعراء، عن ابن مسعود- مثله.
وذكر ابن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أبي
عثمان، عن سلمان، قال: المقام المحمود: الشفاعة.
وروى سفيان، واسرائيل، عن أبي اسحاق، عن صلة، عن
حذيفة، قال: يجتمع الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم
الداعي، زاد سفيان في حديثه: حفاة عراة سكوتا- كما خلقوا، قياما
لا تكلم نفس الا بإذنه. ثم اجتمعا: فينادي مناد: یا محمد على

فتح البر
١٠٢
رؤوس الأولين والآخرين، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك،
زاد سفيان: والشر ليس إليك، ثم اجتمعا: والمهدي من هديت،
تباركت وتعاليت، ومنك وإليك، لا ملجأ ولا منجى إلا إليك. قال
حذيفة: فذلك المقام المحمود(١).
قال: وحدثنا إسماعيل بن أبي كريمة، قال حدثنا محمد بن
عبد الرحيم، قال حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن أبي اسحاق، عن
صلة، عن حذيفة- فذكر مثله.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن صلة بن
زفر، عن حذيفة بن اليمان-فذكر مثله.
وروى يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿عَسَّ أَنْ
)﴾. قال: ذكر لنا أن نبي الله وَل خير بين
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا:
أن يكون عبدا نبيا، أو ملكا نبيا، فأومأ إليه جبريل - أن تواضع،
فاختار نبي الله وَجّ أن يكون عبدا نبيا (٢)، فأعطي بها اثنين: أول من
تنشق عنه الأرض، وأول شافع. قال قتادة: وكان أهل العلم يرون أن
المقام المحمود الذي قال الله - عز وجل -: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
◌َّحْمُودَالشَ﴾: الشفاعة يوم القيامة .
وممن روي عنه أيضا أن المقام المحمود الشفاعة: الحسن البصري،
وإبراهيم النخعي، وعلي بن الحسين بن علي، وابن شهاب، وسعيد
ابن أبي هلال، وغيرهم.
وفي الشفاعة أحاديث مرفوعة صحاح مسندة، من أحسنها: ما
حدثناه أحمد بن فتح بن عبد الله، وعبد الرحمن بن يحيى، قالا
حدثنا حمزة بن محمد بن علي، قال أخبرنا أحمد بن علي بن المثني،
(١) الهيثمي في ((المجمع)) (١٠/ ٣٧٧) وقال: رواه البزار موقوفا ورجاله رجال الصحيح.
ك (٢ / ٣٦٣ - ٤٦٤) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه بذكر لفظ التغيير والإيماء دون قوله ((فأعطي بها اثنتين .. )) من حديث ابن عمر : =

التوحيد والرد على الجهمية
١٠٣
=
قال حدثنا أبوالربيع الزهراني، قال حدثنا حماد بن زيد، قال حدثنا
معبد بن هلال العنزي، قال: اجتمع رهط من أهل البصرة - وأنا
فيهم- فأتينا أنس بن مالك، واستشفعنا عليه بثابت البناني، فدخلنا
عليه، فأجلس ثابتا معه على السرير، فقلت: لا تسألوه عن شيء غير
هذا الحديث، فقال ثابت: يا أبا حمزة، إخوانك من أهل البصرة
جاءوا يسألونك عن حديث رسول الله وَجلال في الشفاعة، فقال: حدثنا
محمد وَ له قال: ((إذا كان يوم القيامة، ماج الناس بعضهم في بعض،
فيؤتى آدم -عليه السلام- فيقولون: يا آدم، اشفع لنا الى ربك،
فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم -عليه السلام، فإنه خليل
الله- عزوجل، فيؤتى ابراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم
بموسى، فإنه كليم الله، فيؤتى موسى -عليه السلام- فيقول: لست
لها، ولكن علیکم بعيسى ابن مريم، فإنه روح الله وكلمته، فیؤتی
-عليه السلام- فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد، فأوتى
فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي -عزوجل - فيؤذن لي،
فأقوم بين يديه مقاما، فيلهمني فيه محامد لا أقدر عليها الآن، فأحمده
بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقول لي: يا محمد، ارفع
رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: أي رب
أمتي، أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال ذرة، أو
= الطبراني (١٣٣٠٩/٣٤٨/١٢) وذكره الهيثمي في المجمع (٢٢/٩) وقال رواه الطبراني وفيه
یحیی بن عبد الله البابلتي وهو ضعيف. وله شاهد من حديث أبي هريرة عند:
حم (٢٣١/٢). أبو يعلى (٦٠٠٥/٤٩١/١٠). ابن حبان (١٤ / ٦٣٦٥/٢٨٠). ذكره
الهيثمي في المجمع (٢٢/٩) وقال: ((رواه أحمد والبزار وأبو يعلى ورجال الأولين رجال
الصحيح.)) وشاهد آخر من حديث عائشة عند: أبي يعلى (٣١٨/٨/ ٤٩٢٠) ذكره الهيثمي
(٢٢/٩) وقال: ((رواه أبو يعلى وإسناده حسن.)) وله شاهد ثالث من حديث ابن عباس
عند: الطبراني (١٠٦٨٦/٣٤٩/١٠). ذكره الهيثمي (٢٣/٩) وقال: ((رواه الطبراني وفيه
بقية بن الوليد وهو مدلس)). أما كون النبي ◌َُّلّ أول من تنشق عند الأرض فقد أخرجه :
خ (٨٩/٥-٢٤١٢/٩٠) من حديث أبي سعيد وأما كونه وَّر أول شافع فهو عند:
م (١ / ١٨٨ / ١٩٦ - ١٩٧) من حديث أنس.

فتح البر
١٠٤
مثقال شعيرة، فأخرجه فأنطلق فأفعل، ثم أرجع، فأحمده بتلك
المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل
يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: أي رب، أمتي،
أمتي، فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من
إيمان فأخرجه من النار(١).
فلما رجعنا من عند أنس، قلت لأصحابي: هل لكم في الحسن-
وهو مستخف في منزل أبي خليفة في عبد القيس، فأتيناه فدخلنا
عليه، فقلنا: خرجنا من عند أخيك أنس بن مالك، فلم نسمع مثل ما
حدثنا في الشفاعة، قال: كيف حدثكم؟ فحدثناه الحديث حتى إذا
انتهينا، قلنا لم يزدنا على هذا، قال: لقد حدثنا هذا الحديث منذ
عشرين سنة، ولقد ترك منه شيئا، فلا أدري أنسي الشيخ أم كره أن
يحدثكموه فتتكلوا؟ ثم قال: في الرابعة ثم أعود فأخر له ساجدا، ثم
أحمده بتلك المحامد، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع
لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: أي رب، ائذن لي فيمن قال
لا إله إلا الله صادقا، قال: فيقول- تبارك وتعالى -: ليس لك،
وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال: لا اله إلا
الله. فأشهد على الحسن لحدثنا بهذا الحديث يوم حدثنا به أنس بن
مالك.
وروى همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ◌َّ مثله في الشفاعة
من أوله إلى آخره بأتم ألفاظ.
وروى سهيل بن أبي صالح، عن زياد النميري، عن أنس بن
مالك، عن النبي وَجّ مثله من أوله إلى آخره- بمعناه في الشفاعة.
(١) خ (٦٥٦٥/٥٠٩/١١). م (١ / ١٨٠/ ١٩٣).

التوحيد والرد على الجهمية
١٠٥
وقد قيل إن الشفاعة منه وَ لّ تكون مرتين: مرة في الموقف يشفع
في قوم، فينجون من النار ولا يدخلونها، ومرة بعد دخول قوم من
أمته النار، فيخرجون منها بشفاعته، وقد رويت آثار بنحو هذا الوجه
-يعني الوجه الأول- فالله أعلم.
حدثني أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا الحسن
ابن علي الرافقي، حدثنا أبو أمية محمد بن ابراهيم، حدثنا حفص ابن
عمر بن ميمون القرشي، حدثنا ثور بن يزيد، عن هشام بن عروة،
عن أسماء بنت عميس، أنها قالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني
ممن تشفع له يوم القيامة، فقال لها رسول الله وَلجلد: اذن تخمشك
النار، فإن شفاعتي لكل هالك من أمتي تخمشه النار.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا مضر بن محمد، قال حدثنا يحيى بن معين، قال حدثنا أبو
اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أنس بن مالك،
عن أم حبيبة، أن النبي وَطُله ذكر ما تلقى أمته بعده من سفك دم
بعضها بعضا، وسبق ذلك من الله كما سبق في الأمم قبلهم، فسألته
أن يوليني شفاعة فيهم، ففعل.
قال: وأخبرنا مضر، قال حدثنا شيبان بن فروخ، قال حدثنا أبو
عوانة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر،
قال: قال رسول الله وَ له: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من قبلي:
بعثت الى الأحمر والأسود، وأحلت لي الغنائم- ولم تحل لأحد
قبلي، ونصرت بالرعب شهرا فيرعب العدو مني مسيرة شهر،

فتح البر
١٠٦
وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وقيل لي: سل تعط، فاختبأت
دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وهي نائلة منكم - إن شاء الله- من
لم يشرك بالله شيئا(١) .
حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن
حامد بن ثرثال، قال حدثنا الحسن بن الطيب بن حمزة، قال حدثنا
شيبان بن فروخ، قال حدثنا حرب بن سريج، قال حدثنا أيوب، عن
نافع، عن ابن عمر، أنه قال: ما زلنا نمسك عن الاستغفار لأهل
الكبائر حتى سمعنا من نبينا وَ ﴿ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: (٤٨)]. وقال: إني ادخرت دعوتي شفاعة
لأهل الكبائر من أمتي (٢).
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا ابراهيم بن
مهدي، قال حدثنا شيبان بن فروخ، قال حدثنا حرب بن سريج، قال
حدثنا أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول
الله وَله: إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي(٣).
(١) حم (١٤٥/٥-١٤٨-١٦١). الدارمي (٢٢٤/٢). وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٧١)
وقال: رواه البزار بإسنادين حسنين.
(٢) أخرجه أبو يعلى (٥٨١٣/١٨٥/١٠) نحوه وذكره الهيثمي في المجمع (٨/٧) وقال: رواه
أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة. وذكر نحو من حديث ابن
عباس (٣٧٨/١٠) وقال:(( رواه الطبراني في الأوسط وفيه حرب بن سريج وقد وثقه غير
واحد. وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح.)) أخرجه ابن أبي عاصم في (السنة)
(٨٣٠) و(٩٧٣).
(٣) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٤٤٨/٤) بمعناه وقال: رواه أحمد والطبراني وإسناده
جيد ورواه ابن ماجه من حديث أبي موسى الأشعري بنحوه.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٣٨١/١٠) وقال: رواه أحمد والطبراني. ورجال الطبراني
رجال الصحيح غير النعمان بن قراد وهو ثقة.

التوحيد والرد على الجهمية
١٠٧
=
حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر، حدثنا مسلمة بن قاسم بن ابراهيم،
حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن الأصبهاني بسیراف، حدثنا يونس بن
حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي سليمان بن داود، قال حدثنا محمد
ابن ثابت، عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جابر بن
عبد الله، قال: قال النبي وَّه: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. قال:
فقال جابر: من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة؟ (١) .
والآثار في هذا كثيرة متواترة، والجماعة أهل السنة على التصديق
بها، ولا ينكرها إلا أهل البدع:
حدثنا أحمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال حدثنا اسحاق بن
عيسى، قال حدثنا حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن يوسف بن
مهران، عن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطاب: ((أيها الناس، إن
الرجم حق، فلا تخدعن عنه، وآية ذلك: أن رسول الله وَله قد
رجم، وأبا بكر ورجمنا بعدهما، وإنه سيكون أناس يكذبون بالرجم،
ويكذبون باللعان، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون
بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار
بعدما امتحشوا)) .
(١) ت (٤/ ٥٤٠/ ٢٤٣٦) وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
جه (٢/ ٤٣١٠). حم (٣٨٤/٣-٣٩٦). ك (٣٨٢/٢) وقال: هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الذهبي: على شرط مسلم.
(٢) سبق تخريجه في جزء العقيدة كتاب الإيمان باب [الرد على الخوارج في إنكارهم
الرجم ... )).

فتح البر
١٠٨
قال أبو عمر:
كل هذا يكذب به جميع طوائف أهل البدع: الخوارج، والمعتزلة،
والجهمية، وسائر الفرق المبتدعة، وأما أهل السنة: أئمة الفقه والأثر
في جميع الأمصار، فيؤمنون بذلك كله، ويصدقونه وهم أهل الحق،
والله المستعان.
وأما قوله في حديث أبي الزناد في هذا الباب: لكل نبي دعوة يدعو
بها، فمعناه أن كل نبي أعطي أمنية وسؤالا ودعوة يدعو بها فيما
شاء، أجيب وأعطيه -ولا وجه لهذا الحديث غير ذلك، لأن لكل نبي
دعوات مستجابات، ولغير الأنبياء أيضا دعوات مستجابات، وما يكاد
أحد من أهل الإيمان يخلو من أن تجاب دعوته -ولو مرة في عمره،
فإن الله - عز وجل - يقول: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: (٦٠)].
وقال: ﴿ بَلّ إِيَّاهُ تَّدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ
[الأنعام: (٤١)].
وقال ◌َله: ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن
يستجاب له فيما دعا به، وإما أن يدخر له مثله، أو يكفر عنه(١). وقد
ذكرنا هذا الخبر في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا، وقال: دعوة
المظلوم لا ترد - ولو كانت من كافر (٢). والدعاء عند حضرة النداء،
(١) سبق تخريجه في جزء العقيدة كتاب استتابة المرتدين باب [يستجاب لأحدكم ما لم يعجل في
دعوته»
(٢) أخرجه بمعناه من حديث أبي هريرة حم (٣٦٧/٢) بلفظ ((دعوة المظلوم مستجابة وإن كان
فاجرا ففجوره على نفسه)) ذكره المنذري في الترغيب (١٨٧/٣) وقال: ((رواه أحمد بإسناد
حسن)). ويشهد له حديث أنس مرفوعا: (( دعوة المظلوم، وإن كان كافرا ليس دونها
حجاب)) عزاه المنذري في الترغيب لأحمد.

التوحيد والرد على الجهمية
١٠٩
والصف في سبيل الله، وعند نزول الغيث، وفي ساعة يوم الجمعة -
ولا يرد.
فإن كان هذا هكذا لجميع المسلمين، فكيف يتوهم متوهم أن ليس
للنبي * ولا لسائر الأنبياء إلا دعوة واحدة يجابون فيها، هذا ما لا
يتوهمه ذو لب ولا إيمان، ولا من له أدنى فهم - وبالله التوفيق.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا اسماعيل بن اسحاق القاضي، قال حدثنا
حجاج بن منهال، قال حدثنا معتمر، قال سمعت أبي يحدث عن
أنس بن مالك أن رسول الله وَ له قال: إن لكل نبي دعوة قد دعا بها
يستجاب فيها، فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، يوم القيامة (١) - أو
كما قال- ◌َله، آخر حديث أبي الزناد - والحمد لله.
(١) خ (٦٣٠٥/١١٥/١١). م (١ / ٢٠٠/١٩٠).

فتح البر
١١٠
ما جاء في إثبات عذاب القبر ونعيمه
وأن الجنة والنار مخلوقتان والرد على منكري ذلك
[١٩] مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَير قال: إذا مات أحدكم،
عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل
الجنة. وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له هذا مقعدك حتى
يبعثك الله إلى يوم القيامة (١).
هكذا قال يحيى في هذا الحديث حتى يبعثك الله الى يوم القيامة،
وهو خارج المعنى على وجه التفسير والبيان لحتى يبعثك الله. وقال
القعنبي حتى يبعثك الله يوم القيامة. وهذا أبين وأصح من أن يحتاج
فيه الى قول. وقال فيه ابن القاسم حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة.
وهذا أيضا بين، يريد حتى يبعثك الله الى ذلك المقعد، وإليه تصير،
وهو-عندي- أشبه بقوله عرض عليه مقعده، لأن معنى مقعده
-عندي- والله أعلم مستقره وما يصير اليه، وكذلك رواه ابن بكير،
كما رواه ابن القاسم- سواء في رواية قوم عن ابن بكير، منهم:
إبراهيم بن باز، ويحيى بن عامر، وغيرهم، ورواه مطرف بن
عبد الرحمن بن قيس، عن ابن بكير، فقال فيه حتى يبعثك الله- لم
يزد. واختلف في هذا الحديث أيضا على عبيد الله بن عمر قريبا من
هذا الاختلاف على مالك.
أخبرنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي
(١) خ (٦/ ٣٢٤٠/٣٩١). م (٤ /٢٨٦٦/٢١٩٩). ن (٤١٢/٤-٤١٣ /٢٠٦٩).
جه (٢/ ١٤٢٧/ ٤٢٧٠)

التوحيد والرد على الجهمية
١
١١
شيبة. قال حدثنا أبو أسامة وابن نمير، قالا حدثنا عبيد الله، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَ له يعرض أحدكم إذا مات
على مقعده غدوة وعشية - هكذا قال أبو أسامة وقال ابن نمير اذا
مات أحدكم عرض على مقعده بالغداة والعشي- ان كان من أهل
الجنة فمن أهل الجنة، وان كان من أهل النار فمن أهل النار(١) - قال
أبو اسامة الى يوم القيامة، وقال ابن نمير حتى يبعث اليه يوم القيامة.
قال أبو عمر فرواية أبي أسامة نحو رواية يحيى، ورواية ابن نمير
نحو رواية ابن القاسم، وابن بكير، ورواه الليث عن نافع فقال فيه
حتى يبعثه الله يوم القيامة. وهذا نحو رواية القعنبي: قرأته على عبد
الوارث بن سفيان، عن قاسم، عن عبيد الله بن يحيى، عن أبيه، عن
الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله وَّه، انه قال: ألا إن
أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، ان كان من أهل
الجنة فمن أهل الجنة، وان كان من أهل النار فمن أهل النار ، حتى
يبعثه الله يوم القيامة(٢) . والمعاني في ذلك كله متقاربة.
وفي هذا الحديث دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان- كما يقول
أهل السنة في ذلك - والله أعلم، ويدل على ذلك أيضا قول الله
عز وجل في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾
[غافر: (٤٦)]. وقوله ◌َله: اشتكت النار إلى ربها(٣) - الحديث. وقوله وقال :
اطلعت في الجنة فرأيت اكثر أهلها المساكين، واطلعت في النارفرأيت
أكثر أهلها النساء (٤).
(١) و(٢) انظر الذي قبله.
(٣) خ (٢٣/٢/ ٥٣٧). م (٦١٧/٤٣١/١). ت (٤/ ٦١٢ /٢٥٩٢).
(٤) خ (٥١٩٨/٣٧٢/٩). ت (٢٦٠٣/٦١٧/٤).

فتح البر
١١٢
وقوله دخلت الجنة فأخذت منها عنقودا(١). وقوله عليه السلام لما
خلق الله الجنة حفها بالمكاره، وخلق النار فحفها بالشهوات(٢) -
الحديث وهذا كثير. والآثار في خلق الجنة والنار بأنهما قد خلقتا
كثيرة، ومما يدل على ان المراد في هذا الحديث الجنة و النار، حديث
البراء بن عازب الحديث الطويل، رواه سليمان الاعمش، عن المنهال
ابن عمرو، وعن زادان، عن البراء، عن النبي وَل وهو حديث فيه
طول في عذاب القبر، قال فيه: فيعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان
فيجلسانه فيقولان له من ربك؟ فيقول ربي الله، فيقولان له ما دينك؟
فيقول ديني الاسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول
هو رسول الله. فيقولان وما علمك؟ فيقول قرأت كتاب الله، وآمنت
به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوه من
الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة. قال فيأتيه من
طيبها وروحها، ويفسح له في قبره مد بصره- وذكر الحديث الى قصة
الكافر، فيقال له من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري،
لا أدري، فينادي مناد من السماء افرشوا له من النار، وافتحوا له بابا
الى النار، قال فيأتيه من حرها وسمومها، قال ويضيق عليه قبره حتى
تختلف أضلاعه(٣) - وذكر تمام الحديث. حدثنا سعيد بن نصر، وعبد
الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن اصبغ، قال حدثنا محمد بن
وضاح قال حدثنا ابو بكر بن أبي شيبة. قال حدثنا أبو معاوية، عن
(١) حم (٢٩٨/١). خ (٧٤٨/٢٩٥/٢). م (٦٢٦/٢ /٩٠٧) من حديث ابن عباس بلفظ:
(( إني أريت الجنة فتناولت منها عنقودا)).
(٢) حم (١٥٣/٣-٢٥٤-٢٨٤). خ (٦٤٨٧/٣٨٨/١١). م (٤/ ٢١٧٤/ ٢٨٢٢).
(٣) حم (٢٨٧/٤-٢٨٨ -٢٩٥-٢٩٦) د (٣٢١٢/٥٤٦/٣). ن (٢٠٠٠/٣٨١/٤).
جه (١٥٤٨/٤٩٤/١). ك (٣٧/١ - ٤٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي.

التوحيد والرد على الجهمية
١١٣
الاعمش- فذكر الحديث بطوله بالاسناد المذكور. وهذا الحديث يفسر
حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب عن النبي وَيُّ: قوله اذا مات
أحدكم، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، ان كان من أهل الجنة،
أو من أهل النار، ويبين المراد منه- والله أعلم.
وذكر البخاري من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس، أن رسول
الله - وَّ- قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه،
ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه الملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول
في هذا الرجل-لمحمد- وَجله؟ فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله
ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا
من الجنة فيراهما جميعا. قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره-
وذكر الحديث(١) .
وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه
سمع جابرا يقول: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا ادخل المؤمن
في قبره، وتولى عنه أصحابه، أتاه ملك شديد الانتهار، فيقول:
ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول المؤمن: كنت أقول إنه رسول
الله - وَّهِ - وعبده، فيقول الملك: اطلع إلى مقعدك الذي كان لك
من النار، قد أنجاك الله منه، وأبدلك مكانه مقعدك الذي ترى من
الجنة. فيراهما كليهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي، فيقال له:
اسكن، هذا مقعدك أبدا- وذكر تمام الحديث في المنافق.
(١) حم (١٢٦/٣-٢٣٣). خ (١٣٧٤/٢٩٨/٣). م (٤/ ٢٢٠٠- ٢٢٠١ / ٢٨٧٠).
د (٣٢٣١/٥٥٥/٣). ن (٤/ ٤٠٢-٢٠٤٨/٤٠٣ -٢٠٤٩).

فتح البر
١١٤
وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن يونس بن خباب، عن المنهال
ابن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول
الله وَّهِ، فجلس على القبر، وجلسنا حوله- كأن على رؤوسنا الطير،
فقال: أعوذ بالله من القبر- ثلاث مرات ثم قال: إن المؤمن إذا كان
في إقبال من الآخرة. وانقطاع من الدنيا، نزلت إليه الملائكة- فذكر
الحديث وفيه: فإذا عرج بروحه، قالوا: أي رب. عبدك، فيقال:
أرجعوه، فإني عهدت إليهم أن منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها
أخرجهم تارة أخرى- وذكر الحديث وساق في الكافر مثل ذلك
أيضا(١) . وأما قوله: أحدكم، فان الخطاب توجه إلى أصحابه وإلى
المنافقين - والله أعلم، فيعرض على المؤمن منهم مقعده من الجنة،
وعلى المنافق مقعده من النار- على نحو ما جاء في حديث البراء - ان
شاء الله.
وفي هذا الحديث الإقرار بالموت والبعث بعده، والاقرار بالجنة
والنار، وقد استدل به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور-
وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك من طريق الآثار، لأن الاحاديث
الدالة على ذلك ثابتة متواترة، وكذلك أحاديث السلام على القبور -
والله أعلم.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

التوحيد والرد على الجهمية
١١٥
باب منه
[٢٠] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله وَ الر قال: إن
شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، وقال:
اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضا، فأذن لها
بنفسين في كل عام: نفس في الشتاء ، ونفس في الصيف(١).
وأما قوله فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف،
فيدل على أن نفسها في الشتاء غير الشتاء، ونفسها في الصيف غير
الصيف. وفي رواية جماعة من الصحابة زيادة في هذا الحديث،
وذلك قوله: فما ترون من شدة البرد فذلك من زمهريرها، وما ترون
من شدة الحر فهو من سمومها، أو قال من حرها.
وهذا أيضا ليس على ظاهره، وقد فسره الحسن البصري في روايته
فقال: اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضا
فخفف عني، قال: فخفف عنها، وجعل لها كل عام نفسين: فما كان
من برد يهلك شيئا، فهو من زمهريرها، وما كان من سمومها يهلك
شیئا فهو من حرها.
وقوله في هذا الحديث: زمهرير يهلك شيئا، وحر يهلك شيئا-
تفسير ما أشكل من ذلك- والله أعلم.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان لا
تبيدان، ومما يدلك على أن النار والجنة قد خلقتا: ما حدثناه خلف بن
القاسم، وعبد الرحمن بن مروان، قالا: أخبرنا الحسن بن رشيق،
(١) سيأتي موصولا في الباب بعده.

فتح البر
١١٦
قال: أخبرنا اسحاق بن ابراهيم بن يونس، قال: أخبرنا أبو شرحبيل
عيسى بن خالد الحمصي، قال: أخبرنا أبو اليمان، قال: أخبرنا
اسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية، أنه سمع حميد بن عبيد
مولى المعلى يقول: سمعت ثابتا البناني يحدث عن أنس بن مالك
عن رسول الله وَخلّه، أنه قال لجبريل عليه السلام: لم أر ميكائل
ضاحكا قط، فقال: ما ضحك ميكائل مذ خلقت النار (١)! قال:
وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس أبو يعقوب، قال: أخبرنا داود
ابن رشيد، وعبد الله بن مطيع، قالا: أخبرنا إسماعيل بن جعفر،
عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله
وَاله قال: لما خلق الله الجنة، دعا جبريل فأرسله إليها فقال: انظر
إليها، وإلى ما أعددت لأهلها، فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها
أحد إلا دخلها، فحجبت بالمكاره، فقال: ارجع إليها فانظر، فرجع
فنظر إليها، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، ثم أرسله
إلى النار، فقال: اذهب فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها، فذهب
ورجع فقال: وعزتك لا يدخلها أحد، فحجبت بالشهوات، ثم قال:
عد إليها فعاد، ثم رجع فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد
إلا دخلها(٢) .
فلهذه الأحاديث وماكان مثلها، قال أهل السنة: ان الجنة والنار
مخلوقتان، وأنهما لا تبيدان، لأنهما اذا كانتا لا تبيدان حتى تبيد
(١) حم (٢٢٤/٣). وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٣٨٨/١٠) وقال: رواه أحمد من رواية
إسماعيل بن عياش عن المدنيين وهي ضعيفة وبقية رجاله ثقات.
(٢) حم (٢/ ٣٣٢ -٣٣٣). د (٤٧٤٤/١٠٨/٥). ت (٥٩٨/٤/ ٢٥٦٠) وقال:
هذا حديث حسن صحيح . ن (٣٧٧٢/٦/٧). ك (١ / ٧١ - ٧٢) بإسنادين قال في الأول
صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وسكت عن الثاني.

التوحيد والرد على الجهمية
١١٧ -
الدنيا، ومعلوم أن الدنيا اذا انقرضت بقيام الساعة، جاءت الآخرة،
والآخرة غير خالية من جهنم، كما أنها غير خالية من الجنة، لأن الجنة
رحمة الله تعالى، والنار عذابه يصيب بها من يشاء من عباده.
وقد ثبت عن النبي وَجَلّ أنه قال: اختصمت النار والجنة: فقالت
الجنة: مالي يدخلني الضعفاء والمساكين، وقالت النار: مالي يدخلني
الجبارون والمتكبرون، فقال الله للجنة: أنت رحمتي أصيب بك من
أشاء. وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء؟ (١) وقد روى هذا
المعنى من حديث مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة،
عن النبي وَلور. حدث به عن مالك- إسحاق بن محمد الفروى.
ومما يدل على أن النار مخلوقة دائمة، قول الله عز وجل:
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾
وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ
[غافر: (٤٥ - ٤٦)]. وقول رسول الله وَلقر: إذا مات أحدكم عرض عليه
مقعده بالغداة والعشي، ان كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وان
كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك
الله إليه يوم القيامة(٢) ، وهو الذي عليه جماعة أهل السنة والاثر: ان
الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان، وبالله التوفيق.
وأما قوله في هذا الحديث: اشتكت النار الى ربها، فقالت: يارب
أكل بعضي بعضا- الحديث. فان قوما حملوه على الحقيقة، وانها
أنطقها الذي أنطق كل شيء. واحتجوا بقول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ
عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُمْ﴾ [النور: (٢٤)]. وبقوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا
(١) حم (٣١٤/٢). خ (٤٨٥٠/٧٦٥/٨). م (٢١٨٦/٤/ ٢٨٤٦) من عدة طرق عن أبي هريرة.
(٢) انظر تخريجه في باب [الميت في قبره يعرض عليه مقعده في الجنة أو النار].

فتح البر
١١٨
يُسْبِّحُ بِحَدِهِ﴾ [الإسراء: (٤٤)]. وبقوله: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَهُمْ﴾ [سبأ: (١٠)]. أي
[ص: (١٨)]. وبقوله :
١٨
سبحي معه، وقال: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ
﴾ [ق: (٣٠)]. وما كان من
٣٠
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اُمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ
مثل هذا، وهو في القرآن كثير. حملوا ذلك كله على الحقيقة. لا على
المجاز، وكذلك قالوا في قوله عز وجل: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَا
(١) [الفرقان: (١٢)]. و﴿تَكَادُ تَمَيَّرُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: (٨)].
تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا !
وما کان مثل هذا كله.
وقال آخرون في قوله عز وجل: ﴿سَمِعُواْ لَا تَفَيُّظًا وَزَفِيْرًا
١٢
و ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾. هذا تعظيم لشأنها، ومثل ذلك قوله عز
وجل: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: (٧٧)]. فأضاف إليه الإِرادة
مجازا، وجعلوا ذلك من باب المجاز والتمثيل في كل ما تقدم ذكره،
على معنى أن هذه الاشياء لو كانت مما تنطق أو تعقل، لكان هذا
نطقها وفعلها، وذکروا قول حسان بن ثابت:
لو ان اللؤم ینسب کان عبدا
قبيح الوجه أعور من ثقيف
وسئل المبرد عن قول الملك: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُمْ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَجَةٌ وَلِىَ
نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: (٢٣)] . - وهم الملائكة، لا أزواج لهم؟ فقال:
نحن طول النهار نفعل مثل هذا: نقول ضرب زيد عمرا، وإنما هو
تقدیر، كأن المعنی اذا وقع هكذا فكيف الحكم فيه؟ وذكروا قول عدي
ابن زيد للنعمان: أتدري ما تقول هذه الشجرة أيها الملك؟ قال وما
تقول؟ قال: تقول:
رب ركب قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزلال
وكذاك الدهر حالا بعد حال
ثم أضحوا لعب الدهر بهم

التوحيد والرد على الجهمية
١١٩_
وقول عنترة:
وشكا إلي بعبرة وتحمحم.
وقول الآخر:
شكا إليَّ جملي طول السرى صبرا جميلا فكلانا مبتلى
ومثل هذا قول الحارثي:
یرید الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل
وقال غيره:
في سرور ونعيم وغدق
رب قوم غيروا من عيشهم
سكت الدهر زمانا عنهم ثم أبكاهم دما حين نطق
وقال آخر:
وعظتك أحداث صمت ونعتك أزمنة خفت
تبلى وعن صور سبت
وتكلمت عن أوجه
وأرتك قبرك في القبو روأنت حي لم تمت
وقال آخر:
فتکلمت تلك الدیار ولم تكن تلك الديار تكلم الزوارا
وبقيت تكسوني الرياح غبارا
قالت برغمي بان أهلي كلهم
ولو استطعت لما فجعت بساكني والدهر لا يبقى لنا عمارا
والشعر في هذا المعنى كثير جدا، ومعناه: ان الديار لو كانت ممن
يصح لها نطق وقالت، لكان هذا قولها وكلامها، وكذلك القبور، لو
كان لها قول في الحقيقة، لكان هكذا.

فتح البر
١٢٠
ومثل هذا مما أنشدوا في هذا المعنى قول القائل:
قد قالت الانساع للبطن الحقي.
وقول الآخر:
امتلأ الحوض وقال قطني.
وهو كثير، ومعناه كله ما ذكرناه. فمن حمل قول النار وشكواها
على هذا، احتج بما وصفنا، ومن حمل ذلك على الحقيقة، قال: جائز
ان ينطقها الله كما تنطق الأيدي والجلود والارجل يوم القيامة. وهو
الظاهر من قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن
ـجَ﴾. ومن قوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِّدِهِ﴾ [الإسراء: (٤٤)].
مَّزِيدٍ
و﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ بَكَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ﴾ [النمل: (١٨)]. قال وقوله
عز وجل: ﴿ تَكَادُ تَمَيِّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي تتقطع عليهم غيظاً كما تقول:
فلان يتقد عليك غيظاً. وقال عز وجل: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا
. فأضاف إليها الرؤية والتغيظ إضافة حقيقية.
تَفَيُّظًا وَزَفِيرًا
وكذلك كل ما في القرآن من مثل ذلك. واحتجوا بقول الله عز وجل:
﴿ يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: (٥٧)].
ومن هذا الباب عندهم قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَّهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾
[الدخان: (٢٩)]. و﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَخِرُّ الْجِبَالُ
[فصلت: (١١)]. و ﴿ وَإِنَّ
هَذَّا جَ﴾ [مريم: (٩٠)]. و﴿قَالَتَآ أَنَّيْنَا طَابِعِينَ
مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشِيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: (٧٤)]. قالوا وجائز أن تكون للجلود
إرادة لا تشبه إرادتنا، كما للجمادات تسبيح وليس كتسبيحنا، وللجبال
والشجر سجود وليس كسجودنا. والاحتجاج لكلا القولين يطول.