النص المفهرس

صفحات 21-40

التوحيد والرد على الجهمية
٢١
= جبريل إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا
فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)). وذكر في البغض مثل ذلك.
فالملك إذا نادى عن الله لا يتكلم بصيغة المخاطب، بل: يقول: إن الله أمر بكذا
أو قال كذا، وهكذا: إذا أمر السلطان مناديا (ينادي) فإنه يقول: يا معشر الناس: أمر السلطان
بكذا، ونهى عن كذا، ورسم بكذا، لا يقول: أمرت بكذا، ونهيت عن كذا، بل: لو قال
ذلك بودر إلی عقوبته.
وهذا تأويل من التأويلات القديمة للجهمية، فإنهم: تأولوا تكليم الله لموسى - عليه السلام-
بأنه أمر ملكا فكلمه، فقال (لهم) أهل السنة: لو كلمه ملك لم يقل ﴿ إنني أنا الله لا إله
إلاأنا فاعبدني﴾ [طه: ١٤]. بل كان يقول كما قال المسيح - عليه السلام -: ﴿ ما قلت لهم
إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم﴾ [المائدة: ١١٧].
فالملائكة: رسل الله إلى الأنبياء تقول كما كان جبريل عليه السلام يقول لمحمد - والده -
﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك﴾ [مريم: ٤٦]. ويقول: إن
الله يأمرك بكذا، ويقول كذا، لا يمكن أن يقول ملك من الملائكة: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا
فاعبدني﴾ [طه: ١٤]. ولا يقول (( من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من
يستغفرني فأغفر له)).
ولا يقول: ((لا أسأل عن عبادي غيري)). كما رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما، وسندهما
صحيح أنه يقول: (( لا أسأل عن عبادي غيري ... ))
وهذا أيضا ((مما يبطل حجة بعض الناس، فإنه احتج بما رواه النسائي في بعض طرق
الحديث: أنه يأمر مناديا» فينادي.
فإن هذا إن كان ثابتا ((عن النبي وَُّلِّ فان الرب يقول ذلك، ويأمر مناديا)) بذلك، لا أن
المنادى يقول: ((من يدعوني فأستجيب له)).
ومن روى عن النبي ◌َلّ، ان المنادي يقول ذلك: فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فإنه -مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر، الذي نقلته الأمة خلفا عن
سلف - فاسد في المعقول.
فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين، كما روى بعضهم ينزل- بالضم- وكما قرأ بعضهم:
﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤]، ونحو ذلك من تحريفهم اللفظ والمعنى.
وإن تأول ذلك بنزول رحمته، أو غير ذلك: قيل له: الرحمة التي تثبتها: إما أن
تكون عينا قائمة بنفسها، وإما أن تكون صفة قائمة في غيرها .=

٢٢
فتح البر
= فإن كانت عينا وقد نزلت إلى السماء الدنيا: لم يمكن أن تقول: من يدعوني فأستجيب له،
كما لا يمكن الملك أن يقول ذلك.
وإن كانت صفة من الصفات: فهي لا تقوم بنفسها، بل: لا بد لها من محل، ثم لا يمكن
الصفة أن تقول هذا الكلام ولا محلها، ثم إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا ولم تنزل إلينا،
فأي منفعة لنا في ذلك؟
وإن قال: بل الرحمة ما ينزله على قلوب قوام الليل في تلك الساعة من حلاوة المناجاة
والعبادة وطيب الدعاء والمعرفة، وما يحصل في القلوب من مزيد المعرفة بالله والإيمان به.
وذكره وتجليه لقلوب أوليائه، فإن هذا أمر معروف يعرفه قوام الليل.
قيل له: حصول هذا في القلوب حق، لكن هذا ينزل إلى الأرض إلى قلوب عباده لا ينزل
إلى السماء الدنيا، ولا يصعد بعد نزوله، وهذا الذي يوجد في القلوب يبقى بعد طلوع
الفجر، لكن هذا النور والبركة والرحمة التي في القلوب هي من آثار ما وصف به نفسه من
نزوله بذاته سبحانه وتعالى.
كما وصف نفسه بالنزول عشية عرفة، في عدة أحاديث صحيحة، وبعضها في ((صحيح
مسلم)) عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ◌َّ- أنه قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله
فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه - عزوجل - ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد
هؤلاء)» .
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَّهو: ((إذا كان يوم عرفة ان
الله ينزل إلى السماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا
غبرا ضاحین من كل فج عميق)).
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَّه: ((إن الله ينزل إلى السماء الدنيا
يباهي بأهل عرفة الملائكة ويقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا».
فوصف: أنه يدنو عشية عرفة إلى السماء الدنيا، ويباهي الملائكة بالحجيج فيقول: ((انظروا
إلى عبادي أتوني شعثا غبرا)). ما أراد هؤلاء؟
فإنه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة
مالا يمكن التعبير عنه، لكن ليس هذا الذي في قلوبهم هوالذي يدنو إلى السماء الدنيا،
ويباهي الملائكة بالحجيج.
والجهمية ونحوهم من المعطلة: إنما يثبتون مخلوقا بلا خالق وأثرًا بلا مؤثر ومفعولا بلا
فاعل، وهذا معروف من أصولهم، وهذا من فروع أقوال الجهمية.
وأيضا فيقال له: وصف نفسه بالنزول: كوصفه في القرآن بأنه خلق السموات
والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وبأنه استوى إلى السماء =

٢٣
التوحيد والرد على الجهمية
قال أبو عمر:
ليس هذا بشيء عند أهل الفهم من أهل السنة؛ لأن هذا كيفية وهم
يفزعون منها، لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عيانا، وقد جل الله
وتعالى عن ذلك. وما غاب عن العيون، فلا يصفه ذوو العقول إلا
بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف به نفسه في كتابه، أو
على لسان رسوله وَله. فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه أو قياس أوتمثيل أو
تنظير. فإنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
= وهي دخان، وبأنه نادى موسى وناجاه في البقعة المباركة من الشجرة. وبالمجيء والإتيان في
قوله: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر ٢٢]. وقال: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم
الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ [الأنعام: ١٥٨].
والأحاديث المتواترة عن النبي ◌َّه في إتيان الرب يوم القيامة كثيرة.
وكذلك إتيانه لأهل الجنة يوم الجمعة، وهذا مما احتج به السلف على من ينكر الحديث،
فيثبتون له: أن في القرآن تصديق معنى هذا الحديث.
كما احتج به إسحاق بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد الله بن طاهر ، أمير
خراسان.
قال أبو عبد الله الرباطي: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر
إسحاق بن راهويه، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ فقال: نعم، فقال له بعض قواد
عبد الله: يا أبا يعقوب: أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ قال:
أثبته فوق، حتی اصف لك النزول.
فقال له الرجل: اثبته فوق، فقال له إسحق: قال الله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفا
صفا﴾. فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز
الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟
ثم بعد هذا: إذا نزل هل يخلو منه العرش أولا يخلو؟ هذه مسألة أخرى تكلم فيها أهل
الإثبات.

٢٤
فتح البر
قال أبو عمر:
أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن
والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا
يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع
والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا
منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقربها مشبه، وهم عند من أثبتها
نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله ، وسنة
رسوله، وهم أئمة الجماعة والحمد لله. روى حرملة بن يحيى، قال:
سمعت عبد الله بن وهب، يقول: سمعت مالك بن أنس، يقول:
من وصف شيئاً من ذات الله، مثل قوله: ﴿ وَقَالَتِ اٌلُْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَهُ ﴾
[المائدة: (٢٤)]. وأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ
[الشورى: (١١)]. فأشار إلى عينيه أو أذنه، أو شيئاً من بدنه
البَصِيرُ
D
قطع ذلك منه، لأنه شبه الله بنفسه، ثم قال مالك: أما سمعت قول
البراء حين حدث أن النبي وَّ قال ((لا يضحى بأربع من الضحايا))
وأشار البراء بيده. كما أشار النبي وَخلال بيده(١)، قال البراء: ويدي
أقصر من يد رسول الله وَجله فكره البراء أن يصف رسول الله عَليه
اجلالا له، وهو مخلوق فكيف الخالق الذي ليس كمثله شيء؟ أخبرنا
عبد الله بن محمد بن بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا هارون بن
معروف، حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَ له ((لا يزال الناس يتساءلون حتى
(١) د (٢٨٠٢/٢٣٥/٣). ت (٤/ ١٤٩٧/٧٢). وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ن (٢٤٤/٧ / ٤٣٨١). جه (٢ / ٣١٤٤/١٠٥٠).

التوحيد والرد على الجهمية
٢٥
يقولون: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله ؟ فمن وجد من
ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله))(١). وأخبرنا عبد الله ، حدثنا محمد،
حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا سلمة بن الفضل،
حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني عتبة بن مسلم مولى بني تميم
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول
الله وَله، فذكر نحوه قال: ((فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد الله
الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ثم ليتفل عن يساره
ثلاثا ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم))(٢).
وروي عن محمد بن الحنفية أنه قال: لا تقوم الساعة حتى تكون
خصومة الناس في ربهم، وقد روي ذلك مرفوعا عن النبي وَالدِ (٣).
وقال سحنون: من العلم بالله ، الجهل بما لم يخبر به عن نفسه. وهذا
الكلام أخذه سحنون عن ابن الماجشون قال: أخبرني الثقة عن الثقة
عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لقد تكلم مطرف بن عبد الله بن
الشخير على هذه الأعواد، بكلام ما قيل قبله ولا يقال بعده. قالوا:
وما هو يا أبا سعيد؟ قال: قال: الحمد لله الذي من الإيمان به الجهل
بغير ما وصف من نفسه. أخبرنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا الحسن
ابن سلمة، قال: حدثنا ابن الجارود، قال: حدثنا سحنون بن منصور،
قال: قلت لأحمد بن حنبل: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليل حين
يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، أليس تقول بهذه الآحاديث؟
ويرى أهل الجنة ربهم. وبحديث ((لا تقبحوا الوجوه فان الله خلق آدم
(١) خ (٧٢٩٦/٣٢٩/١٣). م (١٣٤/١١٩/١). د (٤٧٢١/٩١/٥).
(٢) د (٥ / ٩٢ / ٤٧٢٢).
(٣) ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١١٥/٢) عن أبي هريرة مرفوعا.

٢٦
فتح البر
على صورته))(١) واشتكت النار إلى ربها حتى يضع الله فيها قدمه(٢)،
وأن موسى عليه السلام لطم ملك الموت صلوات الله عليه (٣)؟ قال
أحمد: كل هذا صحيح. وقال اسحاق كل هذا صحيح. ولا يدعه إلا
مبتدع أو ضعيف الرأي.
قال أبو عمر:
الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة وما أشبهها
الإيمان بما جاء عن النبي وَجُلّ فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد
والكيفية في شيء منه. أخبرنا أبو القاسم خلف بن القاسم، قال:
حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق،
قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن إبرهيم، عن أحمد بن
نصر أنه سأل سفيان بن عيينة، قال: حديث عبد الله : ((إن الله
عزوجل يجعل السماء على أصبع)) (٤)، وحديث ((إن قلوب بني آدم بين
أصبعين من أصابع الرحمن(٥))، و((إن الله يعجب أو يضحك ممن
يذكره في الأسواق)) وأنه عزوجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ونحو
هذه الأحاديث؟ فقال: هذه الأحاديث نرويها ونقر بها كما جاءت بلا
كيف. قال أبو داود: وحدثنا الحسن بن محمد ، قال: سمعت الهيثم
ابن خارجة، قال: حدثني الوليد بن مسلم، قال: سألت الأوزاعي
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: حم (٤٣٤/٢). د (٦٣١/٤ -٦٣٢ /٤٤٩٣).
ك (٣١٩/٢). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
وذكره من حديث ابن عمر: الهيثمي في المجمع (١٠٦/٨) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال
الصحيح غير إسحاق بن إسماعيل الطلقاني وهوثقة وفيه ضعف.
(٢) خ (٤٨٥٠/٥٩٥/٨). م (٢٨٤٦/٢١٨٦/٤).
(٣) حم (٣١٥/٢-٣٥١-٥٣٣). م (٤/ ١٨٤٣ / ٢٣٧٢).
(٤) خ (١٣ / ٤٨٤ - ٤٨٥ /٧٤١٤-٧٤١٥). م (٤ / ٢١٤٧/ ٢٧٨٦).
(٥) حم (١٦٨/٢-١٧٣). م (٢٠٤٥/٤/ ٢٦٥٤).

التوحيد والرد على الجهمية
٢٧
وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث
التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. وذكر
عباس الدوري، قال سمعت يحيى بن معين، يقول: شهدت زكريا بن
عدي، سأل وكيع بن الجراح، فقال: يا أبا سفيان هذه الأحاديث يعني
مثل ((الكرسي موضع القدمين))، ونحو هذا؟ فقال: أدركت إسماعيل
ابن أبي خالد وسفيان ومسعرا يحدثون بهذه الأحاديث، ولا يفسرون
شيئا. قال عباس بن محمد الدوري، وسمعت أبا عبيد القاسم بن
سلام وذكر له عن رجل من أهل السنة: أنه كان يقول: هذه الأحاديث
التي تروى في الرؤية والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا من
قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ وأشباه هذه الأحاديث، وقالوا: إن
فلانا يقول يقع في قلوبنا: أن هذه الأحاديث حق، فقال: ضعفتم
عندي أمره، هذه الأحاديث حق لا شك فيها، رواها الثقات بعضهم
عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نفسرها، ولم
نذكر أحدا يفسرها وقد كان مالك ينكر على من حدث بمثل هذه
الأحاديث، ذكره أصبغ وعيسى عن ابن القاسم قال: سألت مالكا
عمن يحدث الحديث ((إن الله خلق آدم على صورته)) (١) والحديث ((إن
الله يكشف عن ساقه يوم القيامة))(٢) ((وإنه يدخل في النار يده حتى
يخرج من أراد)) (٣). فأنكر ذلك إنكارا شديدا، ونهى أن يحدث به
أحدا، وانما كره ذلك مالك خشية الخوض في التشبيه بكيف هاهنا .
وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن على، قال: حدثني أبي،
(١) سبق تخريجه.
(٢) خ (٤٩١٩/٨٥٧/٨). م (١/ ١٦٨ / ١٨٣).
(٣) أخرجه بمعناه: حم (٩٤/٣). م (١ / ١٦٧/ ٣٠٢[١٨٣]) من حديث أبي سعيد بلفظ
طويل موضع الشاهد منه هوقوله وَلقال ((فيقبض قبضة من النار)).

فتح البر
٢٨
قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: سمعت ابن وضاح، سألت يحيى
ابن معين عن التنزل؟ فقال: أقر به ولا تحد فيه بقول، كل من لقيت
من أهل السنة يصدق بحديث التنزل، قال: وقال لي ابن معين: صدق
به ولا تصفه، وحدثنا أحمد بن سعيد بن بشر، قال: حدثنا ابن أبي
دليم، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: سألت يحيى بن معين عن
التنزل؟ فقال: أقر به ولا تحد فيه.
وأخبرنا محمد بن عبد الملك قال: حدثنا عبد الله بن يونس، قال
حدثنا بقى بن مخلد، قال: حدثنا بكار بن عبد الله القرشي، قال:
حدثنا مهدي بن جعفر، عن مالك بن أنس: أنه سأله عن قول الله
· كيف استوى؟ قال: فأطرق
عز وجل ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى
مالك ثم قال: استواؤه غير مجهول، والفعل منه غير معقول، والمسألة
عن هذا بدعة. قال بقى: وحدثنا أيوب بن صلاح المخزومي بالرملة،
قال: كنا عند مالك إذ جاءه عراقي، فقال له: يا أبا عبد الله مسألة
أريد أن أسألك عنها؟ فطأطأ مالك رأسه، فقال له: يا أبا عبد الله
كيف استوى؟ قال: سألت عن غير
﴿الرَّحْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى
مجهول. وتكلمت في غير معقول، إنك امرؤ سوء أخرجوه فأخذوا
بضبعيه فأخرجوه. وقال: يحيى بن إبراهيم بن مزين: انما كره مالك
أن يتحدث بتلك الأحاديث؛ لأن فيها حدا وصفة وتشبيها، والنجاة
في هذا: الإنتهاء إلى ما قال الله عزوجل، ووصف به نفسه بوجه
ويدين وبسط واستواء وكلام فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
[البقرة: (١١٥)]. وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوْطَتَانِ﴾ [المائدة: (٦٤)] .. وقال:
﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتْ بَِمِينِهِ،﴾
فليقل قائل بما
[الزمر: (٦٧)]. وقال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى
قال الله ، ولينته إليه، ولا يعدوه، ولا يفسره، ولا يقل كيف؟ فإن في

التوحيد والرد على الجهمية
٢٩
ذلك الهلاك، لأن الله كلف عبيده الإيمان بالتنزيل، ولم يكلفهم
الخوض في التأويل الذي لا يعلمه غيره. وقد بلغني عن ابن القاسم:
أنه لم ير بأسا برواية الحديث: ((إن الله ضحك)) وذلك لأن الضحك
من الله والتنزل والملالة والتعجب منه، ليس على جهة ما يكون من
عباده .
قال أبو عمر:
الذي أقول: إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي
وطلحة وسعد وعبد الرحمن، وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع
الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجا، علم أن الله عزوجل، لم
يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة، ودلائل الرسالة،
لا من قبل حركة ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان
ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبا في الجسم
ونفيه، والتشبيه ونفيه، لازما، ما أضاعوه ولو أضاعوا الواجب ما
نطق القرآن بتزكيتهم، وتقديمهم ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم،
ولو كان ذلك من عملهم مشهورا، أو من أخلاقهم معروفا، لاستفاض
عنهم ولشهروا به كما شهروا بالقرآن والروايات وقول رسول الله وَجله
((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)) عندهم مثل قول الله عز وجل ﴿فَلَمَّا
تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: (١٤٣)]. ومثل قوله: ﴿وَجَءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاً
صَفًّا
[الفجر: (٢٢)]. كلهم يقول: ينزل ويتجلى ويجيء بلا كيف، لا
يقولون كيف يجيء؟ وكيف يتجلى؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء؟
ولا من أين يتجلى؟ ولا من أين ينزل؟ لأنه ليس كشيء من خلقه،
وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له، وفي قول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا
تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالة واضحة أنه لم يكن قبل ذلك متجلياً للجبل،
وفي ذلك ما يفسر معنى حديث التنزيل، ومن أراد أن يقف على
أقاويل العلماء في قوله عز وجل ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فلينظر في

فتح البر
٣٠
تفسير بقي بن مخلد، ومحمد بن جرير وليقف على ما ذكرا من ذاك
ففيما ذكرا منه كفاية، وبالله العصمة والتوفيق.
وفي قول الله عز وجل: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَنِىّ﴾
[الأعراف: (١٤٣)]. دلالة واضحة لمن أراد الله هداه: أنه يرى إذا شاء ولم
يشأ ذلك في الدنيا بقوله ﴿لََّ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: (١٠٣)].
٢٣
وقد شاء ذلك في الجنة بقوله: ﴿وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
[القيامة: (٢٢ - ٢٣)]. ولو كان لا يراه أهل الجنة لما قال: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ
مَكَانَهُمْ فَسَوْفَ تَرَِىّ﴾. وفي هذا بيان أنه لا يرى في الدنيا، لأن أبصار
الخلائق لم تعط في الدنيا تلك القوة، والدليل على أنه ممكن أن يرى
في الآخرة بشرطه في الرؤية ما يمكن من استقرار الجبل، ولا يستحيل
وقوعه، ولو كان محالا، كون الرؤية لقيدها بما يستحيل وجوده، كما
فعل بدخول الكافرين الجنة، قيد قبل ذلك بما يستحيل من دخول
الجمل في سم الخياط، ولا يشك مسلم أن موسى كان عارفا بربه، وما
يجوز عليه، فلو كان عنده مستحيلا، لم يسأله ذلك، ولكان بسؤاله
إياه كافرا، كما لو سأله أن يتخذ شريكا، أو صاحبة، وإذا امتنع أن
)﴾ وجه إلاّ
يرى في الدنيا بما ذكرنا، لم يكن لقوله: ﴿إِلَى رَّهَا نَاظِرَةٌ
النظر اليه في القيامة على ماجاء في الآثار الصحاح عن النبي وَيال
وأصحابه وأهل اللسان، وجعل الله عز وجل الرؤية لأوليائه يوم
القيامة، ومنعها من أعدائه، ألم تسمع إلى قوله عز وجل ﴿ كَلَّ إِنَّهُمْ
١٥
[المطففين: (١٥)]. وإنما يحتجب الله عن
عَنْ تَِّهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْبُوبُونَ
أعدائه المكذبين، ويتجلى لأوليائه المؤمنين، وهذا معنى قول مالك في
تفسير هذه الآية. وأما قوله في تأويل قول الله عز وجل: ﴿وُجُوهُ

التوحيد والرد على الجهمية
٣١
فإن أشهب روى عن مالك أنه سمعه
٢٣
إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
٢٢
يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةٌ
٢٣
وسئل عن قول الله تعالى: ﴿وُجُوهُ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ
[القيامة: (٢٢ - ٢٣)]. قال: ينظرون إلى الله عز وجل، قال موسى: ﴿رَبِّ
أَرِنِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ وعلى هذا التأويل في هذه الآية جماعة أهل السنَّة
وأئمة الحديث والرأي. ذكر أسد بن موسى، قال: حدثنا جرير عن
ليث عن عبد الرحمن بن سابط في قوله تعالى: ﴿وُجُوهُ يَوْمَدٍ
نَّاضِرَةُ ﴾﴾ قال: من النعمة ((إلى ربها ناظرة)) قال: تنظر إلى الله. قال:
وحدثنا حماد ابن زيد عن عطاء بن السائب عن أبيه، قال: صلى بنا
عمار بن ياسر، وكان في دعائه، اللهم اني أسألك النظر الى
وجهك،، والشوق إلى لقائك. وقد جاء أن موسى قال له ربه
حينئذ، لن تراني عين الا ماتت انما يراني أهل الجنة الذين لاتموت
أعينهم، ولاتبلى أجسادهم. وجاء عن الحسن، أنه قال: لما كلم
موسى ربه، دخل قلبه من السرور بكلامه مالم يدخل قلبه مثله،
فدعته نفسه الى أن يريه نفسه. وعن قتادة وأبي بكر بن أبي شيبة
وجماعة، مثل ذلك، وذكر سنيد عن حجاج عن أبي جعفر عن الربيع
عن أبي العالية في قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
[الأعراف: ١٤٣]. قال: أول من آمن بك إنه لا يراك أحد إلا يوم القيامة
ولو کان فيها عهد إلی موسی قبل ذلك أنه لا یری، لم يسأل ربه ما
يعلم أنه لا يعطيه إياه، ولو كان ذلك عنده غير ممكن، لما سأله ما لا
يمكن عنده.
وأهل البدع المخالفون لنا في هذا التأويل، يقولون: إن من جوز
مثل هذا وأمكن عنده، فقد كفر فيلزمهم تكفير موسى نبي الله وَلخلقه،
وکفی بتكفيره کفرا وجهلا. حدثنا محمد بن عبد الملك، قال: حدثنا
أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن

٣٢
فتح البر
الصباح الزعفراني، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا اسماعيل بن أبي
خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله ، قال: كنا
جلوسا عند رسول الله وَله فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: ((أما
إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا لا تضامون في
رؤيته)) (١) وذكر الحديث. قال: حدثنا وکیع، قال: حدثنا إسرائيل،
عن أبي اسحاق، عن عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق رضي الله
عنه ﴿﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى﴾ [يونس: (٢٦)]. قال: الجنة ((وزيادة» قال:
هو النظر إلى وجه الله عزوجل. ورواه الثوري عن أبي اسحاق عن
عامر بن سعد، عن سعيد بن يمان، عن أبي بكر الصديق مثله.
وحدثنا ابراهيم بن شاكر، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان،
قال: حدثنا سعيد بن جبير وسعيد بن عثمان، قالا: حدثنا أحمد بن
عبد الله بن صالح، قال حدثنا يزيد بن هارون. وأخبرنا عبد الوارث
ابن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن
إسماعیل الصائغ، قال: حدثنا عفان وحدثنا عبد الوارث، حدثنا
قاسم، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عفان بن مسلم،
وعبيد الله بن عائشة، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن
عبد الرحمن بن أبي علي، عن صهيب عن النبي وَلّ قال: ((إذا دخل
أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة لكم عند الله
موعد يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وماهو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل
موازيننا ويجرنا من النار، ويدخلنا الجنة؟ فيكشف الحجاب فينظرون
إليه)) وقال ابراهيم: وقال الآخر فينظرون إلى الله تعالى قال: فوالله
ما أعطاهم الله شيئا أقر لأعينهم ولا أحب إليهم من النظر إليه))(٢).
(١) حم (٣٦٥/٤). م (١/ ٦٣٣/٤٣٩).
(٢) حم (٣٣٢/٤-٣٣٣). م (١٨١/١٦٣/١). ت (٢٥٥٢/٥٩٣/٤). جه (٦٧/١ /١٨٧)

التوحيد والرد على الجهمية
٣٣
ثم تلى هذه الآية ﴿﴿ لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ واللفظ لحديث
عبد الوارث، والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا. فان قيل: فقد روى
سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد في قول الله عز وجل
قال: تنظر
٢٣
قال: حسنة ﴿ إِلَ يَّهَا نَاظِرَةٌ
﴿وُجُوهُ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةً (نا﴾
الثواب. ذكره وكيع وغيره عن سفيان، فالجواب: أنا لم ندع الإجماع
في هذه المسألة، ولو كانت اجماعا، ما احتجنا فيها إلى قول، ولكن
قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي وَخلال وأقاويل الصحابة،
وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه
جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم وَّ، وليس من العلماء أحد الا
وهو يؤخذ من قوله ويترك، الا رسول الله وَله، ومجاهد وإن كان
أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن له قولين في تأويل آيتين،
هما مهجوران عند العلماء مرغوب عنهما، أحدهما هذا، و الآخر
فقول الله عز وجل: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا
[الإسراء: (٧٩)]. حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثنا أبو أمية
الطرسوسي، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن
ليث، عن مجاهد ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا﴾ قال يوسع له على
العرش فيجلسه معه، وهذا قول مخالف للجماعة من الصحابة ومن
بعدهم، فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أن المقام المحمود:
الشفاعة، والكلام في هذه المسألة من جهة النظر يطول. وله موضع
غير كتابنا هذا، وبالله التوفيق.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد
ابن زهير، حدثنا القاسم بن خارجة، قال: حدثنا الوليد بن مسلم،

فتح البر
٣٤
قال: سألت الأوزاعي و سفيان الثوري ومالك بن أنس وليث بن سعد
غير مرة، عن الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية، فقال: أمروها كيف
جاءت بلا كيف؟. وفي هذا الحديث أيضا دليل على غفران الذنوب
وإجابة الدعوة، ودليل على أن من أجزاء الليل وقتا يجاب فيه
الدعاء، ولكن من مقدار ثلث الليل الآخر، وقد قيل : من مقدار
نصف الليل إلى آخره، وكل هذا قد روي في أحاديث صحاح، ولم
يزل الصالحون يرغبون في الدعاء والاستغفار بالأسحار لهذا الحديث.
ولقوله عز وجل ﴿ وَالْمُسْتَغْفِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: (١٧)]. حدثنا أحمد
ابن عبد الله بن محمد، قال: حدثنا الحسن بن اسماعيل قال حدثنا
عبد الملك بن بحر، قال : حدثنا محمد بن اسماعيل، قال: حدثنا
سنيد بن داود، قال: حدثنا هشيم، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن
اسحاق، عن محارب بن دثار، عن عمه، قال: كنت آتي المسجد في
السحر، فأمر بدار ابن مسعود، فأسمعه يقول: اللهم إنك أمرتني
فأطعت، ودعوتني فأجبت، وهذا سحر، فاغفر لي. فلقيت ابن
مسعود، فقلت كلمات أسمعك تقولهن في السحر، فقال: إن يعقوب
أخر بنيه الى السحر، وعن أحمد بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن
الفضل، قال: حدثنا محمد بن جرير قال: حدثنا مسلمة بن جنادة
السدى قال: حدثنا ابن ادريس، قال: سمعت عبد الرحمن بن اسحاق
يذكر عن محارب بن دثار، قال: كان عمي يأتي المسجد، فيسمع أنسا
يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا سحر فاغفر
لي، قال: فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل

التوحيد والرد على الجهمية
٣٥
عبد الله عن ذلك؟ فقال : إن يعقوب عليه السلام أخر بنيه الى
السحر، بقوله ﴿ سَوْفَ اسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّ ﴾ [يوسف: (٩٨)]. وروی حماد
ابن سلمة، عن الجريري، أن داود عليه السلام سأل جبريل، فقال:
أي الليل أسمع؟ قال: لا أدري غير أن العرش يهتز في السحر.

٣٦
فتح البر
صفة العلو لله تعالى
[٢] مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن
رجلا من الأنصار جاء الى رسول الله م## بجارية له سوداء، فقال : يا
رسول الله ، إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها
رسول الله - م -: أتشهدين أن لا اله إلا الله ؟ قالت: نعم. قال: فتشهدين
أن محمدا رسول الله ؟ قالت: نعم. قال: أتوقنين بالبعث؟ قالت: نعم. قال
رسول الله - : أعتقها(١).
هکذا روی یحیی هذا الحديث فجود لفظه، رواه ابن بكير، وابن
القاسم باسناده مثله، الا أنهما لم يذكرا- فان كنت تراها مؤمنة-
قالا: يا رسول الله ، علي رقبة مؤمنة أفاعتق هذه.
ورواه القعنبي بإسناده مثله وحذف منه أن علي رقبة مؤمنة، وقال ان
رجلا من الانصار أتى رسول الله - وَّ جله - بجارية له سوداء، فقال:
يا رسول الله أأعتقها؟ فقال لها رسول الله - صَلـ -: أتشهدين؟
وذكر الحديث.
وفائدة الحديث: قوله أن علي رقبة مؤمنة ولم يذكره القعنبي. ورواه
ابن وهب عن يونس بن يزيد، ومالك بن أنس، عن ابن شهاب عن
عبيد الله، أن رجلا من الأنصار أتى رسول الله - وَله - بجارية له
سوداء، فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟ وساق
(١) حم (٣/ ٤٥٠-٤٥١). البيهقي في السنن الكبرى (٣٨٨/٧). وذكره الهيثمي في ((المجمع))
(٢٣/١) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح وفي الباب بمعناه متصلا من حديث أبي
هريرة والشريد بن سويد وابن عباس عند أبي داود والنسائي وغيرهما. وذكره الهيثمي أيضا
في المجمع (٢٣/١-٢٤) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجاله موثقون.

التوحيد والرد على الجهمية
٣٧
الحديث الى آخره مثل رواية ابن القاسم، وابن بكير(١)- سواء، لم
يقل فان كنت تراها مؤمنة اعتقها ولم يختلف رواة الموطأ في إرسال
هذا الحديث، ورواه الحسين بن الوليد عن مالك عن ابن شهاب عن
عبيد الله، عن أبي هريرة عن النبي ◌َُّله بلفظ حديث الموطأ سواء(٢).
وجعله متصلا عن أبي هريرة مسندا. ورواه الحسين هذا ايضا، عن
المسعودي، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن عبيد الله بن عتبة،
عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ، مثله، الا أنه زاد في حديث
المسعودي: فقال: رسول الله وَّجله -: اعتقها فإنها مؤمنة، وليس في
الموطأ- فإنها مؤمنة،- وهذا الحديث، وان كان ظاهره الانقطاع في
رواية مالك، فانه محمول على الاتصال للقاء عبيد الله جماعة من
الصحابة .
وقد رواه معمر عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن
رجل من الأنصار، أنه جاء بأمة له سوداء، فقال: يا رسول الله ان
علي رقبة مؤمنة، فان كنت ترى هذه مؤمنة اعتقتها(٣)، وساق الحديث
بمثل رواية يحيى الى آخرها، ورواية معمر ظاهرها الاتصال.
وروى هذا الحديث عن عبيد الله عون بن عبد الله أخوه، فجعله
عن أبي هريرة و خالف في لفظه وفي معناه: حدثني أحمد ابن
قاسم، عن عبد الرحمن، قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا
الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا عاصم بن علي. وحدثنا
عبد الوارث بن سفيان. قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو
بكر محمد بن العوام، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا
(١) و(٢) و(٣) انظر المصدر السابق.

فتح البر
٣٨
المسعودي عن عون بن عبد الله ، عن عبيد الله بن عتبة، عن أبي
هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله وَله بجارية أعجمية، فقال: يا
رسول الله ، ان علي رقبة مؤمنة، أفاعتق هذه؟ فقال لها رسول الله
- وَ ل -: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فقال لها : فمن أنا؟
فأشارت إليه وإلى السماء- أي أنت رسول الله - قال: أعتقها فإنها
مؤمنة (١).
وهذا المعنى رواه مالك عن هلال بن أسامة، وسيأتي القول فيه في
باب هلال إن شاء الله .
وفي حديث مالك هذا من الفقه، أن من شرط الشهادة التي بها
يخرج من الكفر الى الايمان، مع الاقرار بأن لا اله إلا الله ، وأن
محمدا رسول الله ، الاقرار بالبعث بعد الموت. وقد أجمع المسلمون
على أن من أنكر البعث، فلا إيمان له ولا شهادة، وفي ذلك ما يغني
ويكفي، مع ما في القرآن من تأكيد الاقرار بالبعث بعد الموت. فلا
وجه للإنكار في ذلك. وفيه أن من جعل على نفسه مؤمنة رقبة نذر أن
يعتقها. أو وجبت عليه من كفارة قتل، لم يجزه غير مؤمنة، وإنما قلنا
من نذر أو كفارة قتل؛ لأن كفارة الظهار والأيمان، قد اختلف في
ذلك، فقيل إنه يجزى فيها غير مؤمنة، وللكلام في ذلك موضع غير
هذا .
وروى يزيد بن هارون عن هشام، عن الحسن، قال: كل شيء في
كتاب الله : فتحرير رقبة مؤمنة، فمن قد صام وصلى وعقل، وإذا
قال: فتحرير رقبة، فما شاء.
(١) انظر تخريج حديث الباب.

التوحيد والرد على الجهمية
٣٩
وفي هذا الحديث دليل على أن من شهد أن لا اله إلا الله ، وأن
محمدا رسول الله ، فهو مؤمن اذا كان قلبه مصدقا لما ينطق به
لسانه .
وفيه دليل على أن من شهد بهذه الشهادة، جاز عتقه عمن عليه
رقبة مؤمنة، وان لم يكن صام وصلى، وكذلك الطفل بين أبويه
مسلمين، لأن رسول الله-1903- لم يسأل الجارية عن غير الشهادة لما
في الحديث.
وقد احتج بهذا الحديث من قال إن الايمان قول واقرار دون عمل،
وظاهره فيه دليل على ذلك، لكن ههنا دلائل غير هذا الحديث تدل
على أن الإيمان قول وعمل، يأتي ذكرها في باب ابن شهاب، عن
سالم- إن شاء الله . وأما قول من قال من أهل العلم، إن من كانت
عليه رقبة مؤمنة من كفارة قتل أو غير ذلك، فإنه لا يجزىء فيه إلا
من صام وصلى وعقل الايمان، فمحمل ذلك عند أهل العلم مدافعة
جواز عتق الطفل في كفارة القتل، وممن روي عنه أنه لا يجزىء في
كفارة القتل، لا من صام وصلى وعقل الايمان، وأنه لا يجزىء الطفل
وإن كان أبواه مؤمنين : - ابن عباس والشعبي والحسن، والنخعي،
وقتادة. وروي عن عطاء قال: كل رقبة ولدت في الإسلام فهي
تجزىء. وهو قول الزهري فيمن أحد أبويه مسلم.
قال الأوزاعي: سألت الزهري أيجزىء عتق الصبي المرضع في
كفارة الدم؟ قال: نعم، لأنه ولد على الفطرة. وهو قول الأوزاعي ،
وقال أبو حنيفة إذا كان أحد أبويه مؤمنا، جاز عتقه في كفارة القتل،
وهو قول الشافعي، الا أن الشافعي: يستحب أن لا يعتق الا من
يتكلم بالايمان. واختلف قول مالك وأصحابه على هذين القولين، الا

فتح البر
٤٠
أن مالكا يراعي اسلام الأب ولا يلتفت الى الأم، وأما الصبي من
السبى، فسنذكر حكمه في الصلاة عليه إذا مات في باب أبي الزناد إن
شاء الله . وقال سفيان الثوري فيما روى عنه الاشجعي، قال: لا
يجزي في كفارة القتل الصبي، ولا يجزي إلا رقبة مسلمة من صام
وصلى.
قال أبو عمر:
وأجمع علماء المسلمين أن من ولد بين أبوين مسلمين وإن لم يبلغ
حد الاختيار والتمييز فحكمه حكم الايمان في الموارثة والصلاة عليه ان
مات، وما يجب له وعليه في الجنايات والمناكحات. وحدثني خلفا
ابن القاسم، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، وعمر بن
محمد بن القاسم، قالا: حدثنا بكر بن سهل، قال: حدثنا عبد الله
ابن صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة،
عن ابن عباس: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: (٩٢)]. قال: من قد عقل
الإِيمان، وصام وصلى.
حدثنا عبد الوارث ، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن
وضاح، قال حدثنا محمد بن سليمان، وموسى بن معاوية، قالا
حدثنا وكيع عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: ماكان في القرآن من
رقبة مؤمنة، فلا يجزىء إلا من صام وصلى، وما كان في القرآن رقبة
ليست مؤمنة فالصبي يجزىء. وعبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش
عن ابراهیم مثله، الا انه قال قد صلى، وما لم تكن مؤمنة، فیجزىء
مالم يصل- لم يذكر الصيام، والذي عليه الفقهاء أن عتق الصبي الذي
أبواه مؤمنان يجزىء - وان استحبوا البالغ.