النص المفهرس

صفحات 501-520

الإيمان والأسماء والأحكام
٥٠١ ـ
وسيأتي في باب سعيد المقبري عند قوله {وَّجله: من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت- ما فيه كفاية في فضل الصمت
-إن شاء الله .
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا
أحمد بن زهير، حدثنا مسلم، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن
الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم، قال: أيمن امرىء
وأشأمه، ما بين لحييه. وقال ابن مسعود: أعظم الخطايا اللسان
الكذوب.
وفي هذا الحديث من الفقه، أن الكبائر أكثر ما تكون- والله
أعلم- من الفم والفرج، ووجدنا الكفر، وشرب الخمر، وأكل
الربا، وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم ظلما، من الفم واللسان،
ووجدنا الزنا من الفرج.
وأحسب أن المراد من الحديث، أنه من اتقى لسانه وما يأتي من
القذف والغيبة والسب، كان أحرى أن يتقي القتل، ومن اتقى شرب
الخمر، كان حريا باتقاء بيعها، ومن اتقى أكل الربا، لم يعمل به،
لأن البغية من العمل به التصرف في أكله، فهذا وجه في تخصيص
الجارحتين المذكورتين في هذا الحديث، وضمان الجنة لمن وقي
شرهما، وهذا التأويل على نحو قول عمر رضي الله عنه في
الصلاة: ومن ضيعها، كان لما سواها أضيع، ومن حفظها، حفظ
دينه. فكان قوله -مَ له: من اتقى الغيبة وقول الزور، واتقى الزنا،
مع غلبة شهوة النساء على القلوب- كان للقتل أهيب وأشد توقیا-
والله أعلم.

فتح البر
٥٠٢
ويحتمل أن يكون ذلك منه وَلّ خطابا لقوم بأعيانهم، اتقى
عليهم من اللسان والفرج، ما لم يتق عليهم من سائر الجوارح.
ويحتمل أيضا أن يكون قوله ذلك، معه كلام لم يسمعه الناقل،
كأنه قال: من عافاه الله ووقاه كذا وكذا، وشر ما بین حییه ورجليه،
ولج الجنة. فسمع الناقل بعض الحديث، ولم يسمع بعضا، فنقل ما
سمع .
وإنما حملنا على تخريج هذه الوجوه، لإجماع الأمة أن من
أحصن فرجه عن الزنا، ومنع لسانه من كل سوء، ولم يتق ما سوى
ذلك من القتل والظلم، أنه لا يضمن له الجنة، وهو ان مات
-عندنا- في مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه- إذا
مات مسلما .
وقوله وَّجله: اتقوا الموبقات المهلكات (١)- يعني الكبائر، أعم من
هذا الحديث. قال الله عز وجل: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ
تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا
[النساء: (٣١)].
والمدخل الكريم: الجنة.
وقد اختلف العلماء في الكبائر، فأما ما أتى منها في الأحاديث
المرفوعة عن النبي ◌َّ- وهو المفزع عند التنازع- فحدثنا أحمد بن
قاسم بن عيسى، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة
البغدادي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد البغوي. قال: حدثنا:
(١) هذا الحديث أخرجه من حديث أبي هريرة بلفظ: ((اجتنبوا السبع الموبقات .. )) فذكره. خ
(٢٧٦٦/٤٩٤/٥). م (٨٩/٩٢/١). د (٢٩٤/٣-٢٨٧٤/٢٩٥). ن (٥٦٨/٦/ ٣٦٧٣).

III
الإيمان والأسماء والأحكام
٥٠٣
على بن الجعد، قال: حدثنا أيوب بن عتبة، قال: حدثني طيلسة بن
علي، قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة وهو تحت ظل أراك، وهو
يصب على رأسه الماء، فسألته عن الكبائر؟ فقال: سمعت رسول الله
وَ الله يقول: هن تسع، قلت وما هن؟ قال: الإشراك بالله، وقذف
المحصنة. قال: قلت قبل الدم؟ قال نعم، وقتل النفس المؤمنة،
والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم،
وعقوق الوالدين، والإلحاد بالبيت الحرم: قبلتكم أحياء وأمواتا(١).
قال أبو عمر: طيلسة هذا يعرف بطيلسة بن مياس، ومياس لقب،
وهو طيلسة بن علي الحنفي، ويقال فيه طيلسة وطيسلة. وقد روى
هذا الحديث يحيى بن أبي كثير، وزياد بن مخراق، عن طيلسة، عن
ابن عمر مرفوعا، فهذا حديث ابن عمر.
وروى ابن مسعود أن النبي وَجُلّ سئل أي الكبائر أعظم؟ فقال أن
تشرك بالله وهو خلقك، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، وأن
تزاني حليلة جارك (٢).
(١) د (٢٨٧٥/٢٩٥/٣). ن (١٠٣/٧/ ٤٠٢٣) مختصرا. ك (١/ ٥٩) و(٢٥٩/٤) وقال
الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. هق (٤٠٨/٣-٤٠٩)
والسياق له وقال عقبه: سقط من كتابي أو من كتاب شيخي السحر. قال في: التلخيص
الحبير (١٠١/٢-١٠٢): رواه أبو داود، النسائي والحاكم ورواه البغوي في الجعديات من
حديث ابن عمر نحوه، ومداره على أيوب بن عتبة وهو ضعيف، وقد اختلف عليه فيه.
(٢) خ (٨/ ٤٧٦١/٦٣١). م (١ / ٩٠ / ٨٦).

فتح البر
٥٠٤
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص(١)، وأنس بن مالك(٢)،
عن النبي وَجّه: الكبائر: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله،
وعقوق الوالدين. ولفظ حديث أنس: أكبر الكبائر.
وروى أبو بكرة عن النبي وَجُلّ مثل ذلك، وزاد: وشهادة
الزور(٣). وروى الشعبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال:
جاء أعرابي إلى رسول الله وَ له فقال: ما الكبائر يا رسول الله؟ قال
الإشراك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم عقوق الوالدين، قال: ثم
ماذا؟ قال: ثم اليمين الغموس، قال: وما اليمين الغموس؟ قال:
الذي يقتطع مال امرىء مسلم بيمين هو فيها كاذب(٤).
وعن عبد الله بن عمرو عن النبي وَلو أنه قال: شرب الخمر من
الكبائر (٥) .
وعنه أيضا عن النبي وَ ل أنه قال: من الكبائر أن يسب الرجل
والديه -يعني يستسب لهما، وهو يدخل في باب العقوق(٦).
(١) خ (٦٦٧٥/٦٨١/١١). ت (٣٠٢١/٢٢٠/٥). ن (١٠٢/٧-٤٠٢٢/١٠٣).
(٢) خ (٦٨٧١/٢٣٥/١٢). م (٨٨/٩١/١). ت (١٢٠٧/٥١٣/٣). ن (١٠٢/٧/ ٤٠٢١).
(٣) خ (٥٩٧٦/٤٩٦/١٠). م (٨٧/٩١/١). ت (٢١٩/٥- ٣٠١٩/٢٢٠).
(٤) خ (١٢/ ٣٢٨ / ٦٩٢٠).
(٥) قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٧٠ - ٧١) بعد أن ساقه مطولا: رواه الطبراني في الأوسط
ورجاله رجال الصحيح خلا صالح بن داود التمار وهو ثقة.
(٦) حم (٢/ ١٦٤). م (١ /٩٢ /٩٠). ت (٢٧٦/٤/ ١٩٠٢).

الإيمان والأسماء والأحكام
٠٥٠٥
وحديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله وَله: ما تعدون
الكبائر فيكم؟ قلنا: الشرك بالله، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر.
قال: هن كبائر، وفيهن عقوبات، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا:
بلى، قال: شهادة الزور.
وفي حديث خريم بن فاتك قال: صلى رسول الله وَلا- صلاة
الصبح يوما، فلما انصرف، قام قائما فقال: عدلت شهادة الزور
بالإِشراك بالله - ثلاث مرات، ثم تلا: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ
(١)
[الحج: (٣٠)]
٣٠
اُلْأَوْثَنِ وَاجْتَذِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ !
وروى ابن المبارك عن سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي
وائل، قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول: عدلت شهادة الزور
بالشرك بالله. ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَاجْتَنِبُواْ
قَوْلَ الزُّورِ ﴾﴾(٢)
وروي عن محارب بن دثار، قال: سمعت ابن عمر يقول:
سمعت النبي ◌َُّلّ يقول: شاهد الزور، لا تزول قدماه حتى تجب له
النار(٣).
(١) د (٤/ ٢٣-٣٥٩٩/٢٤). ت (٤ /٤٧٥ /٢٣٠٠) قال أبو عيسى: هذا عندي أصح، وخريم
ابن فاتك له صحبة، وقد روى عن النبي 3 0 أحاديث وهو مشهور. جه
(٢٣٧٢/٧٩٤/٢).
(٢) الطبراني في الكبير: (٨٥٦٩/١١٤/٩). قال الهيثمي في المجمع: (٢٠٣/٤ -٢٠٤) رواه
الطبراني في الكبير وإسناده حسن.
(٣) جه (٢٣٧٣/٧٩٤/٢) وقال البوصيري في الزوائد: في إسناده محمد بن الفرات متفق على
ضعف، وكذبه الإمام أحمد.

فتح البر
٥٠٦٠
قال أبو عمر:
الفرار من الزحف، مذكور في حديث ابن عمر المذكور، وفي
حديث ابن عباس، وفي حديث أبي أيوب الأنصاري، وفي حديث
عبد الله بن أنيس الجهني، كلها عن النبي بَّله. وفي حديث أبي
أيوب: ومنع ابن السبيل ولا أحفظه في غيره. وذكر ابن وهب قال:
أخبرني سليمان بن بلال، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: اتقوا السبع الموبقات،
قلنا وما هي؟ قال الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا
بالحق، والزنا وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وشهادة الزور، وقذف
المحصنات(١). وحديث عبد الله بن أنيس عن النبي وَلّ مثله في
السبع الكبائر، إلا أنه ذكر فهين العقوق، ولم يذكر قذف
المحصنات (٢).
فهذا ما في الآثار المرفوعة من الكبائر عن النبي وَّ، وهو يخرج
في التفسير المرفوع، وهي مشهورة عند أهل العلم بالحديث، تركت
ذكر أسانيدها- خشية الإطالة.
وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم، من الكبائر لمن تعمد
ذلك عالما به، رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف. وقال الله
عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
٤٤
[المائدة: (٤٤)]. و ﴿الظَّالِمُونَ
٤٧
[المائدة: (٤٥)]. و ﴿اَلْفَسِقُونَ
٤٥
[المائدة: (٤٧)]. نزلت في أهل الكتاب. قال حذيفة وابن
(١) خ (٢٧٦٦/٤٩٤/٥). م (١ / ٨٩/٩٢). د (٢٩٤/٣-٢٨٧٤/٢٩٥) ن (٣٦٧٣/٥٦٨/٦).
(٢) ت (٥/ ٢٢٠/ ٣٠٢٠) وقال: هذا حديث حسن غريب.

الإيمان والأسماء والأحكام
عباس: وهي عامة فينا. قالوا: ليس بكفر ينقل عن الملة إذا فعل
ذلك رجل من أهل هذه الأمة، حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه،
ورسله واليوم الآخر .
روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن، منهم: ابن
عباس، وطاوس، وعطاء. وقال الله عز وجل: ﴿ وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ
﴾ [الجن: (١٥)]. والقاسط: الظالم الجائر.
١٥
لِجَهَنَّمَ خَطَبًا
فالذي حصل في الآثار المذكورة عن النبي وَ لّ من ذكر الكبائر،
ستة عشر ذنبا: الإشراك بالله ، وقتل النفس المؤمنة بغير الحق،
وعقوق الوالدين المسلمين، وقذف المحصنة، وشهادة الزور،
والسحر، والفرار من الزحف، والزنى، وأكل الربا، وشرب الخمر،
والسرقة، واليمين الغموس، وأكل مال اليتيم ظلما، والإلحاد بالبيت
الحرام، ومنع ابن السبيل، والجور في الحكم عمدا. ومن جعل
الإستسباب للأبوين من باب العقوق. كانت سبعة عشر - عصمنا الله
من جميعها برحمته .
وقد روى عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة،
عن ابن عباس، عن النبي وَلاّ قال: الضرار في الوصية من
الكبائر(١). هكذا رواه عمر بن المغيرة مرفوعا. ورواه الثوري وزهير
ابن معاوية وأبو معاوية، ومندل بن علي، وعبيدة بن حميد، كلهم
عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس موقوفا، قال:
(١) عبد الرزاق في المصنف (١٦٤٥٦/٨٨/٩). هق في السنن الكبرى: (٢٧١/٦) وقال: هذا
هو الصحيح موقوف وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفا وروي من وجه آخر
مرفوعا ورفعه ضعيف.

فتح البر
١٥٠٨
الضرار في الوصية من الكبائر. ثم قرأ: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ
اللَّهِ﴾ [الطلاق: (١)] الآية.
ومن حديث بريدة الأسلمي، أن رسول الله وَله قال: إن أكبر
الكبائر، الإشراك بالله. وعقوق الوالدين، ومنع فضل الماء، ومنع
الفحل(١). وهذا حديث ليس بالقوي، ذكره البزار عن عمرو بن
مالك، عن عمر بن علي المقدمي، عن صالح بن حيان، عن عبد
الله بن بريدة، عن أبيه. وليس له غير هذا الإسناد، وليس مما يحتج
به .
وقد روی حنش بن قیس الرحبي، عن عكرمة، عن ابن عباس،
قال: قال رسول الله وَلجلال: من جمع بين صلاتين من غير عذر، فقد
أتى بابا من أبواب الكبائر، ومن شهد شهادة فاجتاح بها مال مسلم،
فقد تبوأ مقعده من النار، ومن شرب شرابا حتى يذهب عقله الذي
رزقه الله، فقد أتى بابا من أبواب الكبائر(٢). وهذا حديث وإن كان
في إسناده من لا يحتج بمثله أيضا، من أجل حنش هذا- فإن معناه
صحيح من وجوه.
وقد روى شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا
قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: الشرك بالله، والإياس من روح
الله، والقنوط من رحمة الله(٣). فهذه الكبائر- من وقاه الله إياها
-
(١) قال الهيثمي في المجمع (١/ ١١٠) : رواه البزار وفيه صالح بن حيان وهو ضعيف ولم يوثقه
أحد.
(٢) ت (١٨٨/٣٥٦/١) قال أبو عيسى: وحنش هذا هو ((أبو علي الرحبي)) وهو ((حسين بن
قيس)) وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره.
(٣) قال الهيثمي في المجمع: (١٠٩/١): رواه البزار والطبراني ورجاله موثقون.

الإيمان والأسماء والأحكام
٥٠٩ =
وعصمه منها- ضمنت له الجنة- ما أدى فرائضه، فإنهن الحسنات
المذهبات للسيئات، ألا ترى أن من اجتنب كبائر ما نهي عنه، كفرت
سيئاته الصغائر- بالوضوء، والصلاة، والصيام، ومن مات على
هذا، زحزح عن النار وأدخل الجنة وفاز، مضمون له ذلك. ومن
أتى كبيرة من الكبائر، ثم تاب عنها بالندم عليها، والاستغفار منها،
وترك العودة إليها، كان كمن لم يأتها قط، والتائب من الذنب كمن
لاذنب له.
على هذا الترتيب في الصغائر والكبائر وكفارة الذنوب، جاء
معنى كتاب الله وسنة رسوله عند جماعة العلماء بالكتاب والسنة،
ومن أتى كبيرة ومات على غير توبة منها، فأمره إلى الله: إن شاء
غفر له وإن شاء عذبه.
فعلى ما ذكرنا ووصفنا، خرج قولنا: إن الأحاديث في اجتناب
الكبائر، أعم من حديث هذا الباب في قوله: من وقى ما بين لحييه
ورجليه، دخل الجنة- والله الموفق للصواب، لا شريك له.
وقد جاء عن النبي ◌َّجُلّ، أنه تكفل بالجنة لمن جاء بخصال ست
ذكرها: أخبرنا خلف بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن مطرف،
حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد
الله بن يوسف، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب،
عن سعيد بن يسار، عن أنس بن مالك، عن رسول الله وَّةٍ قال:
تكفلوا لي ستا، أتكفل لكم بالجنة. قالوا: وما هي يارسول الله؟
قال: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا

فتح البر
= ٥١٠
أؤتمن فلا يخن، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا
أیدیکم(١).
وأما رواية من روى في حديث مالك هذا: لا تخبرنا على لفظ
النهي. فيحتمل عندي - وجهين: أحدهما أن يكون قائل ذلك قاله
على معنى استنباطها واستخراجها أن يتركهم، وذلك على وجه
التعليم والإدراك بالفكرة لها، أو يكون رجلا منافقا قال ذلك القول
زهادة في سماع ذلك من رسول الله وَله ورغبة عنه، وكانوا قوما قد
نهاه الله عن قتلهم بما أظهروه من الإيمان- والله أعلم أي ذلك كان،
وكيف كان.
وأما رواية من روى: ألا تخبرنا، فهي بينة في الاستفهام على
وجه العرض والإغراء والحث، كأنها لا التي للتبرئة، دخل عليها
ألف الاستفهام، فصار معناها ما ذكرنا.
وأما تكريره وَ لَه قوله: ما بين لحييه وما بين رجليه- ثلاث
مرات، فيحتمل أن يكون جوابا لتكرير قوله: من وقاه الله شر
اثنتين، قال ذلك ثلاثا أيضا. ويحتمل أن يكون على ما روي عنه أنه
كان إذا تكلم بكلمة، كررها ثلاثا. وفي هذا رخصة لمن كرر الكلام
يريد به التأكيد والبيان، ولا أريد لأحد إذا كرر كلمة يريد تأكيدها-
أن يكررها أكثر من ثلاث- وبالله التوفيق.
(١) ك (٣٥٩/٤) وله شاهد من حديث عبادة قبله قال فيه الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد
ولم يخرجاه قال الذهبي في التلخيص: فيه إرسال وذكر شاهده هذا الذي هو معنا. قال
المنذري في الترغيب والترهيب (٣/٥٨٨/٣) رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو يعلى والحاكم
والبيهقي، ورواتهم ثقات إلا سعد بن سنان. قال الهيثمي في المجمع (٣٠٤/١٠): رواه أبو
يعلى ورجاله رجال الصحيح إلا أن يزيد بن سنان لم يسمع من أنس والله أعلم.

الإيمان والأسماء والأحكام
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن
شعبان، وحدثناه خلف بن القاسم، قال: حدثنا الحسن بن رشيق،
قالا حدثنا على بن سعيد بن بشير، حدثنا عبد الواحد بن غياث،
قال: حدثنا فضال بن جبير، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي صاحب
رسول الله وَلّه يأثر حديثا سمعه من رسول الله وَّل أنه كان يقول:
أكفلوا لي بست خصال، أكفل لكم بالجنة: إذا حدث أحدكم فلا
يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا أؤتمن فلا يخن، وأملكوا
ألسنتكم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم- واللفظ لحديث
خلف(١).
(١) قال الهيثمي في المجمع (٣٠٤/١٠): رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه فضال بن
الزبير ويقال ابن جبير وهو ضعيف، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم (٣٥٩/٤). وأبي
يعلى (٤٢٥٧/٢٤٨/٧)، قال المنذري في الترغيب (٥٨٨/٣): ((رواه أبو بكر بن أبي شيبة
وأبو يعلى والحاكم والبيهقي ورواتهم ثقات إلا سعد بن سنان)). وله شاهد آخر من حديث
عبادة بن الصامت عند حم (٣٢٣/٥) وحب: الإحسان (٢٧١/٥٠٦/١). وك (٣٥٩/٤)
والبيهقي (٢٨٨/٦). ١

٥١٢
فتح البر
الرد علي الخوارج فى إنكارهم الرجم
ومجموع من أصول العقائد
[٧] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول: لما صدر
عمر بن الخطاب من منى أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة بطحاء، ثم طرح
عليها رداءه واستلقى، ثم مد يديه إلى السماء فقال: اللهم كبرت سني،
وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، ثم
قدم المدينة فخطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن،
وفرضت لكم الفرائض، وتركتكم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا
وشمالا- وضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال : إياكم أن تهلكوا
عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول
الله -مَلي- وقد رجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن
الخطاب في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، فإنا قد
قرأناها(١).
قال مالك: قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: فما
انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر رحمه الله- قال مالك: الشيخ
والشيخة، الثيب والثيبة فارجموهما البتة.
قال أبو عمر:
هذا حديث مسند صحيح، والذي يستند منه قوله: فقد رجم
رسول الله-رحمهالله -. وأما سماع سعيد بن المسيب من عمر بن
(١) أخرجه بألفاظ وبطرق مختلفة: حم (١٨٣/٥)، (٢٣/١-٢٩). خ
(٦٨٢٩/١٦٥/١٢-٦٨٣٠). م (١٣١٧/٣/ ١٦٩١). د (٤/ ٤٤١٨/٥٧٢).
ت (١٤٣١/٢٩/٤). جه (٢٥٥٣/٧٥٣/٢). الدارمي (١٧٩/٢). البيهقي (٢١١/٨).

٥١٣
الإيمان والأسماء والأحكام
الخطاب فمختلف فيه: قالت طائفة من أهل العلم: لم يسمع من
عمر شيئا ولا أدركه إدراك من يحفظ عنه، وذكروا ما رواه ابن
لهيعة، عن بكير بن الأشج، قال: قيل لسعيد بن المسيب: أدركت
عمر بن الخطاب؟ قال: لا .
وقال آخرون: قد سمع سعيد بن المسيب من عمر أحاديث حفظها
عنه، منها هذا الحديث، ومنها قوله حين رأى البيت، وزعموا أن
سعيد بن المسيب شهد هذه الحجة مع عمر، وحفظ عنه فيها أشياء
وأداها عنه، وهي آخر حجة حجها عمر، وكانت خلافته عشر سنين
وستة أشهر وأربعة أيام، وقتل بعد انصرافه من حجته تلك الأربع
بقين من ذي الحجة سنة أربع وعشرين.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا نصر بن المهاجر، قال حدثنا عبد
الصمد، قال حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: قلت لسعيد بن المسيب:
رأيت عمر بن الخطاب؟ قال: نعم، قال ابن وضاح: ولد سعيد بن
المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر، وسمع منه كلامه الذي قال
حين نظر إلى الكعبة: اللهم أنت السلام، ومنك السلام فحينا ربنا
بالسلام، کذلك قال لي ابن کاسب وغير واحد. ابن وضاح يقوله.
قال أبو عمر:
أصح ما قيل في قوله يقصد أنه لسنتين مضتا من خلافة عمر،
وقد قيل لسنتين بقيتا.
وقال مالك والليث: كان سعيد بن المسيب يقال له راوية عمر.
وذكر الحلواني فقال: حدثنا أسباط، عن الشيباني، عن بكير بن

فتح البر
٥١٤٠
الأخنس، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت عمر يقول على هذا
المنبر: لا أجد أحدا جامع ولم يغتسل أنزل أو لم ينزل إلا عاقبته.
قال الحسن بن علي الحلواني: وحدثنا الأصمعي، قال حدثنا
طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب، عن سعيد بن المسيب، قال:
أنا في الغلمة الذين جروا جعدة العقيلي إلى عمر.
قال: وحدثنا عبد الصمد، قال حدثنا شعبة، عن إياس بن
معاوية، قال: قال لي سعيد بن المسيب ممن أنت؟ قلت: من مزينة،
فقال: إني لأذكر اليوم الذي نعى فيه عمر بن الخطاب النعمان بن
مقرن المزني إلى الناس على المنبر، وكان علي بن المديني يصحح
سماعه من عمر .
قال أبو عمر:
معنى هذا الحديث يستند من وجوه صحاح ثابتة من حديث ابن
عباس عن عمر: أخبرنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان،
قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل
الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان بن عيينة، قال
حدثنا معمر عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن
عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إن الله بعث محمدا
بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم
رسول الله- حَ ل ـ ورجمنا بعده. قال سفيان: وقد سمعته من
الزهري بطوله، فحفظت منه أشياء، وهذا مما لم أحفظه يومئذ(١).
(١) انظر المصدر السابق.

الإيمان والأسماء والأحكام
٥١٥
قال أبو عمر:
قول ابن عيينة: وقد سمعته من الزهري بطوله- يعني حديث
السقيفة، وفيه هذا الكلام عن عمر في الرجم.
وقد روى حديث السقيفة عن الزهري بتمامه مالك وغيره، رواه
عن مالك جماعة، منهم: ابن وهب، وإسحاق بن محمد الفروي،
وعبد العزيز بن يحيى، وجويرية بن أسماء.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا إسحاق بن محمد الفروي،
قال حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد
الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس.
وأخبرنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهیر، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال حدثنا
جويرية بن أسماء، عن مالك، عن الزهري -أن عبيد الله بن عبد
الله بن عتبة أخبره أن عبد الله بن عباس أخبره أنه كان يقرئ عبد
الرحمن بن عوف - فذكرا حديث السقيفة بطوله، وفيه قال عمر:
أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لعلها بين يدي
أجلي، فمن وعاها وعقلها، فلیحدث بها حيث انتهت به راحلته،
ومن خشي أن لا يعيها، فلا أحل له أن يكذب على، إن الله بعث
محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكان مما أنزل عليه آية الرجم،
فقرأناها وعقلناها، ورجم رسول الله وَخلال، ورجمنا، وأخشى إن
طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب
الله فنترك فريضة أنزلها الله فيضلوا، فإن الرجم في كتاب الله على

فتح البر
٥١٦
من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء- إذا قامت البينة، أو كان
الحبل أو الاعتراف- وذكر الحديث بتمامه(١).
وذكر مالك في الموطأ هذا الكلام الآخر عن ابن شهاب، عن
عبيد الله، عن ابن عباس أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول:
الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء - إذا
أحصن إذا قامت عليه البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف.
وأجمع العلماء على أن البينة إذا كانوا شهودا أربعة عدولا، أقيم
الحد على الزاني، وكذلك الاعتراف إذا ثبت على العاقل البالغ ولم
ينزع عنه، واختلفوا في الحبل يظهر بالمرأة: هل يكون مثل البينة
والاعتراف أم لا؟ ففي حديث عمر هذا التسوية بين البينة و
الاعتراف والحبل، فذهب قوم إلى أن المرأة إذا ظهر بها حمل ولم
يعلم لها زوج أن عليها الحد، ولا ينفعها قولها إنه من زوج أو من
سيد - إن كانت أمة- إذا لم يعلم ذلك، قالوا: وهذا حد قد وجب
بظهور الحمل فلا يزيله إلا يقين من بينة نكاح أو ملك يمين.
وقال مالك: إذا وجدت امرأة حاملا فقالت: تزوجت أو
استكرهت لم يقبل ذلك منها إلا ببينة على ما ذكرت لك، أو جاءت
تستغيث وهي تدمي أو نحو ذلك من فضيحة نفسها، وإلا أقيم
عليها الحد، هكذا رواه ابن عبد الحكم وغيره عن مالك.
وقال ابن القاسم: إن كانت طارئة غريبة فلا حد عليها، وإلا أقيم
عليها الحد- وهو قول عثمان البتي، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا
(١) انظر المصدر السابق.

٥١٧
الإيمان والأسماء والأحكام
حد عليها إلا أن تقر بالزنا، أو تقوم بذلك عليها بينة، ولم يفرقوا
بين طارئة وغير طارئة.
وروى حديث السقيفة بتمامه عن ابن شهاب- عقيل، ويونس،
ومعمر، وابن إسحاق، وعبد الله بن أبي بكر، وغيرهم.
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال حدثنا إسحاق بن
عیسى.
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا بكر بن
حماد، قال حدثنا مسدد، قالا حدثنا حماد بن زيد واللفظ لحديث
مسدد، وهو أتم عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن
عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب فقال: أيها الناس،
إن الرجم حق، فلا تخدعن عنه، وإن آية ذلك أن رسول الله
- وَة- قد رجم، وأن أبا بكر قد رجم، وإنا قد رجمنا بعدهما،
وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال،
ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون
بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا.
قال أبو عمر:
الخوارج كلها والمعتزلة تكذب بكل هذه الفصول الستة، وأهل
السنة على التصديق بها، وهم الجماعة والحجة على من خالفهم بما
هم عليه من استمساكهم بسنة نبيهم وَّ، ولا خلاف بين علماء
المسلمين: أهل الحديث والرأي أن المحصن إذا زنى حده الرجم،
وجمهورهم يقول: ليس عليه مع الرجم شيء، ومنهم من يقول

فتح البر
=٥١٨
يجلد ويرجم - وهم قليل، وقد ذكرنا هذه المسألة مجودة في باب
ابن شهاب، عن عبيد الله، عن زيد بن خالد من هذا الكتاب-
والحمد لله. وذكر حماد بن سلمة عن الحجاج، عن الحسن بن
سعد، عن عبد الله بن شداد- أن عمر رجم رجلا في الزنا ولم
يجلده، وفي حديث مالك هذا دليل على أن آية الرجم مما نسخ
خطه من القرآن، ولم يكتبه عثمان في المصحف، ولا جمعه أبو بكر
في الصحف، وقد ذكرنا وجوه النسخ في القرآن عند ذكر حديث
زيد بن أسلم من كتابنا هذا، فلا معنى لتكريره ههنا.

١٥١٩
الإيمان والأسماء والأحكام
باب منه
[٨] مالك، عن یحیی بن سعید، عن محمد بن یحیی بن حبان، عن ابن محیریز
أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد
يقول: إن الوتر واجب، قال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت،
فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد، فأخبرته بالذي قال أبو محمد، قال
عبادة: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله- وَالٍ - يقول: خمس صلوات
كتبهن الله- عز وجل- على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا-
استخفافا بحقهن، کان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن،
فليس له عند الله عهد- إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة(١).
لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث، فهو حديث صحيح
ثابت، رواه عن محمد بن يحيى بن حبان- جماعة، منهم: يحيى
ابن سعيد، وعبد ربه بن سعيد، ومحمد بن إسحاق، وعقيل بن
خالد، ومحمد بن عجلان وغيرهم- بهذا الإسناد، ومعناه سواء،
إلا أن ابن عجلان وعقيلا لم يذكرا المخدجي في إسناده- فيما روى
اللیث عنهما.
ورواه الليث أيضا عن يحيى بن سعيد كما رواه مالك سواء، وإنما
قلنا إنه حديث ثابت، لأنه روي عن عبادة من طرق ثابتة صحاح من
غير طريق المخدجي بمثل رواية المخدجي، فأما ابن محيريز، فهو عبد
الله بن محيريز، وهو من جلة التابعين، وهو معدود في الشامیین،
يروي عن معاذ بن جبل، وأبي سعيد الخدري، ومعاوية، وأبي
(١) حم (٣١٧٠٠٣١٥/٥و٣١٩). د (٤٢٥/٢٩٥/١) و(٢/ ١٤٢٠/١٣٠).
ن (١ / ٢٤٨ / ٤٦٠). جه (٤٤٨/١ /١٤٠١). حب: الإحسان (٢٤١٧/١٧٤/٦).

فتح البر
٥٢٠
محذورة وغيرهم، توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك، وأما
المخدجي فإنه لا يعرف بغير هذا الحديث، وقال مالك: المخدجي
لقب وليس بنسب في شيء من قبائل العرب، وقيل: إن المخدجي
اسمه رفيع، ذکر ذلك عن یحیی بن معین.
وأما أبو محمد، فيقال إنه مسعود بن أوس الأنصاري، ويقال
سعد بن أوس، ويقال إنه بدري، وقد ذكرناه في الصحابة.
وفي هذا الحديث من الفقه دليل على ما كان القوم عليه من
البحث عن العلم والاجتهاد في الوقوف على الصحة منه وطلب
الحجة، وترك التقليد المؤدي إلى ذهاب العلم.
وفيه دليل على أن من السلف من قال بوجوب الوتر، وهو
مذهب أبي حنيفة، وقد ذكرنا وجه قوله، والحجة عليه في غير
موضع من كتابنا هذا- والحمد لله.
وقد روى أبو عصمة نوح بن أبي مريم، عن أبان بن أبي عياش،
عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : - قال رسول الله -وَله : الوتر
علي فريضة، وهو لكم تطوع، والأضحى علي فريضة، وهو لكم
تطوع، والغسل يوم الجمعة علي فريضة، وهو لكم تطوع . - وهذا
حديث منكر لا أصل له، ونوح بن أبي مريم ضعيف متروك،
ويقال: اسم أبيه أبي مريم يزيد بن جعدبة، وكان نوح أبو عصمة
هذا قاضي مرو مجتمع على ضعفه، وكذلك أبان بن أبي عياش
مجتمع على ضعفه وترك حديثه.
وفيه أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير، وهذا
محفوظ في غير ما حديث، وفيه دليل على أن من لم يصل من