النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١
الإيمان والأسماء والأحكام
رمى فهو رام والمفعول مرمي، وكان أصله مرموي حتى يكون على
وزن مفعول، فاستثقلت العرب ياء قبلها ضمة، فقلبت الواو ياء، ثم
أدغمتها في الياء التي بعدها فصار مرمي، فإذا أنثته قلت مرمية،
وإذا أدخلت عليها الألف واللام قلت: المرمية والرمية مثل
المقتولة، القتيلة .
قال الشاعر:
والنفس موقوفة والموت غايتها نصب الرمية للأحداث ترميها
قال أبو عبيد في قوله: كما يخرج السهم من الرمية قال: يقول:
خرج السهم ولم يتمسك بشيء كما خرج هؤلاء من الإسلام ولم
يتمسكوا بشيء.
وقال غيره: تتمارى في الفوق أي تشك، والتماري الشك، وذلك
يوجب أن لا يقطع على الخوارج ولا على غيرهم من أهل البدع
بالخروج من الإسلام، وأن يشك في أمرهم، وكل شيء يشك فيه،
فسبيله التوقف عنه دون القطع عليه .
وقال الأخفش: شبهه برمية الرامي الشديد الساعد إذا رمى فأنفذ
سهمه في جنب الرمية، فخرج السهم من الجانب الآخر من شدة
رميه وسرعة خروج سهمه، فلم يتعلق بالسهم دم ولا فرث، فكأن
الرامي أخذ ذلك السهم فنظر في النصل - وهو الحديدة التي في
السهم- فلم ير شيئا يريد من فرث ولا دم، ثم نظر في القدح-
والقدح عود السهم نفسه- فلم ير شيئا، ونظر في الريش فلم ير
شيئا، وقوله: تتمارى في الفوق، الفوق: هو الشق الذي يدخل في
الوتر، أي تشك إن كان أصاب الدم الفوق، يقول: فكما خرج
فتح البر
٤٦٢٠
السهم خاليا نقيا من الفرث والدم، لم يتعلق منها بشيء، فكذلك
خرج هؤلاء من الدين- يعني الخوارج.
وفي غير حديث مالك ذكر الرعظ -وهو مدخل السهم في الزج،
والرصاف وهو العقب الذي يشد عليه، والقذذ- وهو الريش،
واحدتها قذة .
أخبرنا خلف، حدثنا عبد الله بن عمر، حدثنا أحمد بن محمد
ابن الحجاج، حدثنا أحمد بن صالح، قال: النصل: الحديدة،
والرصاف: العقب، والقذذ: الريش، والنضي: السهم كله إلى
الريش.
قال أبو عمر:
قد قال فيهم رسول الله وَخله: يخرج قوم من أمتي(١)- إن صحت
هذه اللفظة- فقد جعلهم من أمته، وقد قال قوم: معناه من أمتي
بدعواهم .
ذكر الحميدي عن ابن عيينة، عن ابن جدعان، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد الخدري، عن النبي -مَّ- قال: لا تقوم الساعة حتى
تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة، فبينما هم كذلك، إذ مرقت
مارقة كأنما يمرق السهم من الرمية تقتلها أولى الطائفتين بالحق(٢).
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) خ (١٢/ ٦٩٣٥/٣٧٤). م (٢ / ٧٤٦ /١٠٦٥[١٥١]].
الإيمان والأسماء والأحكام
٤٦٣
حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أبو علي
الحسن بن علي الرافقي بأنطاكية سنة ثلاث وعشرين، قال حدثنا
أحمد بن محمد بن أبي الحناجر، قال حدثنا مؤمل بن إسماعيل،
قال حدثنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن
أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله -وَّ -: تلتقي من أمتي
فئتان عظيمتان، دعواهما واحدة، فبينا هم كذلك، إذ مرقت بينهما
مارقة تقتلهم أولى الطائفتين بالحق(١).
حدثنا أحمد بن قاسم، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا أبو يعلى
محمد بن زهير الأيلي القاضي بالأيلة، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن
زياد القلوسي، حدثنا بشير بن عباد الساعدي، حدثنا القاسم بن
الفضل، حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله
وَخلة: («تمرق مارقة عند فرقة من الناس تقتلها أولى الطائفتين
بالحق))(٢).
حدثنا عبد الوارث بن سفيان- قراءة مني عليه- أن قاسم بن
أصبغ حدثهم، قال: حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال
حدثنا عبد الواحد، قال حدثنا مجالد، قال حدثنا أبو الوداك، قال
سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله وَله: يخرج قوم من
أمتي بعد فرقة من الناس، أو عند اختلاف من الناس- قوم يقرؤون
القرآن كأحسن ما يقرؤه الناس، ويرعونه كأحسن ما يرعاه الناس،
يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يرمي الرجل الصيد،
(١) و(٢) سبق تخريجه
فتح البر
٤٦٤
فينفذ الفرث والدم، فيأخذ السهم، فيتمارى أصابه شيء أم لا؟ هم
شرار الخلق والخليقة، يقتلهم أولى الطائفتين بالله، أو أقرب
الطائفتين إلى الله(١).
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا علي
ابن مسهر، عن الشيباني- يعني أبا إسحاق، عن بشير بن عمرو
قال: سألت سهل بن حنيف: هل سمعت رسول الله -مَ لة - يذكر
هؤلاء الخوارج، قال: سمعته - وأشار بيده- نحو المشرق يقول:
يخرج منه قوم يقرءون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من
الدين كما يمرق السهم من الرمية (٢).
وروى ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن عند
رسول الله - وَ- وهو يقسم قسما- أتاه ذو الخويصرة -وهو رجل
من بني تميم - فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال رسول الله - وَ اجله -:
ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إذا لم أعدل،
فقال عمر: يا رسول الله ، ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه،
فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع
صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما
يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر
إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) م (٢ / ١٠٦٨/٧٥٠).
الإيمان والأسماء والأحكام
٤٦٥
شيء وهو القدح، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء- سبق
الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو
مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس، قال أبو
سعيد: فأشهد إني سمعت هذا من رسول الله - وَجلة-، وأشهد أن
علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس
فوجد، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله-مَّ- الذي
نعت(١).
وحدثنا سعید بن نصر، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا ابن وضاح،
قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا يحيى بن آدم، عن
سعيد بن عبد العزيز، قال حدثنا إسحاق بن راشد، عن الزهري،
عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن، والضحاك بن قيس، عن أبي
سعيد الخدري، قال: بينا رسول الله- يقسم مغنما يوم حنين، أتاه
رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، فقال: يا رسول الله،
اعدل، قال: لقد خبت وخسرت إن لم أعدل، فقال عمر: يا رسول
الله دعني أقتله، قال: لا إن لهذا أصحابا يخرجون عند اختلاف من
الناس، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم أو حناجرهم، يمرقون من
الدين كما يمرق السهم من الرمية، آيتهم رجل منهم كأن يده ثدي
المرأة أو كأنها بضعة تدردر، فقال أبو سعيد: سمعت أذني من
رسول الله- ◌َ * -يوم حنين، وبصرت عيني مع علي بن أبي طالب
حين قتلهم فنظرت إليه(٢) .
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
فتح البر
__ ٤٦٦
وذكر الضحاك في هذا الحديث طائفة عن يونس، وعن
الأوزاعي، عن الزهري، وطائفة تقول فيه الضحاك المشرقي، وطائفة
تقول الضحاك بن مزاحم- ولم يذكره معمر .
وروى ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن
الأشج، عن بسر بن سعيد، عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول
الله - صَلّ- أن الحرورية لما خرجت -وهو مع علي بن أبي طالب-
فقالوا: لا حكم إلا لله، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن
رسول الله-مَّة- وصف أناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء،
يقولون الحق بألسنتهم، لا يجاوز هذا منهم -وأشار إلى حلقه-، من
أبغض خلق الله إليه، منهم أسود إحدى يديه كطبي شاة وحلمة
ثدي. فلما قتلهم علي بن أبي طالب، قال: انظروا، انظروا فلم
يجدوا شيئا، فقال: ارجعوا، فوالله ما كذبت ولا كذبت- مرتين أو
ثلاثا، ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، فقال
عبيد الله: أنا حاضر ذلك من أمرهم، وقول علي فيهم، قال بكير
ابن الأشج: وحدثني رجل عن إبراهيم بن حنين أنه قال: رأيت
ذلك الأسود.
قال أبو عمر:
قوله يخرج، وقوله: إن لهذا أصحابا يخرجون عند اختلاف من
الناس- يدل على أنهم لم يكونوا خرجوا بعد، وأنهم يخرجون
فيهم، وقد استدل بنحو هذا الاستدلال من زعم أن ذا الخويصرة
ليس ذا الثدية- والله أعلم. ويحتمل قوله: إن لهذا أصحابا- يريد
على مذهبه وإن لم يكونوا ممن صحبه، كما يقال لأتباع الشافعي،
٤٦٧
الإيمان والأسماء والأحكام
وأتباع مالك، وأتباع أبي حنيفة، وغيرهم من الفقهاء فيمن تبعهم
على مذاهبهم: هؤلاء أصحاب فلان، وهذا من أصحاب فلان
-والله أعلم. ويقال: إن ذا الخويصرة اسمه حرقوص، وروي عن
محمد بن كعب القرظي أنه قال: حرقوص بن زهير ذو الثدية، وهو
الذي قال للنبي -داخل *: ما عدلت.
وذكر المدائني عن نعيم بن حكيم، عن أبي مريم- قصة ذي الثدية
بتمامها وطولها وقال: يقال له نافع ذو الثدية.
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن
أبي سعيد الخدري، قال: بينا رسول الله -محَّ﴾- يقسم قسما، إذ
جاء ابن أبي الخويصرة فقال: اعدل يا محمد، قال: ويلك إذا لم
أعدل فمن يعدل؟ قال رسول الله -مَّله -: إن له أصحابا يمرقون من
الدين كما يمرق السهم من الرمية، فيهم رجل إحدى يديه أو على
يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين
فترة من الناس، قال: فنزلت فيهم: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِی
الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ
٧٥
[التوبة: (٥٨)].
قال أبو سعيد: أشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله
- وَله- وأشهد أن عليا قتلهم- وأنا حين قتلهم معه- حتى أتى
الرجل على النعت الذي قال رسول الله -وَله(١).
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
فتح البر
٤٦٨
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا محمد بن
کثیر، قال حدثنا سفيان، وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم،
قال حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا زهير-
جميعا عن الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة، عن علي بن
أبي طالب، قال: سمعت رسول الله- وَّلة- يقول: يكون قوم في
آخر الزمان، سفهاء الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقیھم،
يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتهم فاقتلهم،
فإن قتلهم أجر لمن قتلهم(١).
وروى يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن محمد بن معن، عن
الحارث بن مالك، قال: شهدت مع علي النهروان، فلما فرغ منهم
قال: اطلبوه اطلبوه، فطلبوه فلم يقدروا على شيء، فأخذه الكرب،
فرأيت جبينه يتحدر منه العرق، ثم وجده فخر ساجدا وقال: والله
ما كذبت ولا كذبت.
وروينا عن خليفة الطائي، قال: لما رجعنا من النهروان، لقينا
العزار الطائي قبل أن ينتهي إلى المدائن، فقال لعدي بن حاتم: يا أبا
طريف أغانم سالم، أم ظالم آثم؟ قال بل غانم سالم- إن شاء الله،
قال: فالحكم والأمر إذا إليك؟ فقال الأسود بن يزيد والأسود بن
قيس المراديان: ما أخرج هذا الكلام منك إلا شر. وإنا لنعرفك
برأي القوم، فأتيا به عليا فقالا: إن هذا يرى رأي الخوارج- وقد قال
(١) حم (١/ ٨١). خ (١٢ / ٦٩٣٠/٣٥٠). م (٢ / ٧٤٦ / ١٠٦٦).
الإيمان والأسماء والأحكام
٤٦٩
كذا وكذا، قال: فما أصنع به؟ قال: تقتله، قال: لا أقتل من لا
يخرج علي، قال: فتحبسه، قال: ولا أحبس من ليست له جناية،
خليا سبيل الرجل. حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبد الله- يعني
ابن إسحاق، حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج، حدثنا يحيى بن
عبد الله بن بكير، قال حدثني ابن لهيعة ، قال حدثني بكير بن عبد
الله بن الأشج، أنه سأل نافعا: كيف كان رأي ابن عمر في
الخوارج؟ فقال: كان يقول: هم شرار الخلق، انطلقوا إلى آيات
أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.
وحدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبد الله بن إسحق، حدثنا أحمد
بن محمد بن الحجاج، قال حدثني خالي أبو الربيع وأحمد بن
عمرو وأحمد بن صالح قالوا: حدثنا ابن وهب، قال أخبرني عمرو
ابن الحارث أن بكير بن الأشج حدثه أنه سأل نافعا: كيف كان رأي
ابن عمر في الحرورية؟ قال: يراهم شرار الخلق، قال إنهم انطلقوا
إلى آيات في الكفار فجعلوها على المؤمنين.
وروى حكيم بن جابر، وطارق بن شهاب، والحسن، وغيرهم،
عن علي بمعنى واحد أنه سئل عن أهل النهروان أكفار هم؟ قال: من
الكفر فروا. قيل: فمنافقون هم، قال: إن المنافقين لا يذكرون الله
إلا قليلا. قيل: فما هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا
وبغوا علينا، وحاربونا وقاتلونا فقتلناهم. وروي عنه أن هذا القول
كان منه في أصحاب الجمل- والله أعلم.
وأخبار الخوارج بالنهروان وقتلهم للرجال والولدان، وتكفيرهم
الناس واستحلالهم الدماء والأموال مشهور معروف، ولأبي زيد عمر
فتح البر
٤٧٠
ابن شبة في أخبار النهروان وأخبار صفين ديوان كبير من تأمله اشتفى
من تلك الأخبار ولغيره في ذلك كتب حسان- والله المستعان.
وروى إسرائيل عن مسلم بن عبيد، عن أبي الطفيل، عن علي
في قول الله عز وجل ﴿ قُلْ هَلْ تُلِئُكُمْ بِلْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا
[الكهف: (١٠٣)]
الآية، قال: هم أهل النهر.
وروى الثوري عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، أن
عتريس بن عرقوب أتي عبد الله بن مسعود فقال: يا أبا عبد
الرحمن، هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، فقال عبد
الله بن مسعود هلك من لم ينكر المنكر بقلبه، ولم يعرف المعروف
بقلبه .
أخبرنا أحمد بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا بكر بن
سهل، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا وكيع، عن مسعر، عن عامر
ابن شقيق، عن أبي وائل، عن علي، قال: لم نقاتل أهل النهر على
الشرك.
حدثنا نعيم، حدثنا وكيع، عن ابن أبي خالد، عن حكيم بن
جابر، عن علي- مثله.
حدثنا نعيم، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير، حدثنا هشام بن
يحيى الغسابي، عن أبيه- أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه في
الخوارج: إن كان من رأي القوم أن يسيحوا في الأرض من غير فساد
على الأئمة، ولا على أحد من أهل الذمة، ولا يتناولون أحدا، ولا
قطع سبيل من سبل المسلمين، فليذهبوا حيث شاؤوا، وإن كان
٤٧١
الإيمان والأسماء والأحكام
رأيهم القتال، فوالله لو أن أبكاري من ولدي خرجوا رغبة عن
جماعة المسلمين، لأرقت دماءهم ألتمس بذلك وجه الله والدار
الآخرة.
وذكر ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، قال: صاحبت
الفتنة الأولى: فأدركت رجالا ذوي عدد من أصحاب رسول الله-
وَ ل﴾- ممن شهد بدرا، فبلغنا أنهم كانوا يرون أن يهدر أمر الفتنة، فلا
يقام فيها على رجل قصاص في قتل ولا دم، ولا يرون على امرأة
سيبت فأصيبت حدا، ولا يرون بينها وبين زوجها ملاعنة، ومن
رماها جلد الحد، وترد إلى زوجها بعد أن تعتد من الآخر.
قال ابن شهاب: وقالوا: لا يضمن مال ذهب إلا أن يوجد شيء
بعينه فيرد إلى أهله.
وقال ابن القاسم: بلغني أن مالكا قال: الدماء موضوعة عنهم،
وأما الأموال فإن وجد شيء بعينه أخذ، وإلا لم يتبعوا بشيء، قال
ذلك في الخوارج، قال ابن القاسم: وفرق بين المحاربين وبين
الخوارج، لأن الخوارج خرجوا واستهلكوا ذلك على تأويل يرون أنه
صواب، والمحاربون خرجوا فسقا مجونا وخلاعة على غير تأويل،
فيوضع عن المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه حد الحرابة، ولا
توضع عنه حقوق الناس- يعني في دم ولا مال.
قال أبو عمر:
قال إسماعيل بن إسحاق: رأى مالك قتل الخوارج وأهل القدر
من أجل الفساد الداخل في الدين، وهو من باب الفساد في
فتح البر
٤٧٢
الأرض، وليس إفسادهم بدون فساد قطاع الطريق والمحاربين
للمسلمين على أموالهم، فوجب بذلك قتلهم، إلا أنه يرى استتابتهم
لعلهم يراجعون الحق، فإن تمادوا قتلوا على إفسادهم لا على كفر.
قال أبو عمر:
هذا قول عامة الفقهاء الذين يرون قتلهم واستتابتهم، ومنهم من
يقول: لا يتعرض لهم باستتابة ولا غيرها ما استتروا ولم يبغوا
ويحاربوا، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهما،
وجمهور أهل الفقه، وكثير من أهل الحديث.
قال الشافعي - رحمه الله- في كتاب قتال أهل البغي، لو أن قوما
أظهروا رأي الخوارج وتجنبوا جماعة المسلمين وكفروهم، لم تحل
بذلك دماؤهم ولا قتالهم، لأنهم على حرمة الإيمان حتى يصيروا
إلى الحال التي يجوز فيها قتالهم من خروجهم إلى قتال المسلمين،
وإشهارهم السلاح، وامتناعهم من نفوذ الحق عليهم، وقال: بلغنا
أن علي بن أبي طالب بينما هو يخطب، إذ سمع تحكيما من ناحية
المسجد، فقال: ما هذا؟ فقيل: رجل يقول: لا حكم إلا لله،
فقال: علي -رحمه الله -: كلمة حق أريد بها باطل، لا نمنعكم
مساجد الله أن يذكر فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما كانت
أيديكم مع أيدينا ولا نبدؤكم بقتال.
قال: وكتب عدي إلى عمر بن عبد العزيز أن الخوارج عندنا
يسبونك، فكتب إليه عمر: إن سبوني فسبوهم أو اعفوا عنهم، وإن
شهروا السلاح فأشهروا عليهم، وإن ضربوا فاضربوا. قال الشافعي:
وبهذا كله نقول، فإن قاتلونا على ما وصفنا قاتلناهم، فإن انهزموا
لم نتبعهم ولم نجهز علی جریحهم.
٤٧٣
سـ
قال أبو عمر:
قول مالك في ذلك ومذهبه عند أصحابه في ألا يتبع مدبر من
الفئة الباغية، ولا يجهز على جريح- كمذهب الشافعي سواء،
وكذلك الحكم في قتال أهل القبلة عند جمهور الفقهاء، وقال أبو
حنيفة- إن انهزم الخارجي أو الباغي إلى فئة اتبع، وإن انهزم إلى
غير فئة لم يتبع.
قال أبو عمر:
أجمع العلماء على أن من شق العصا وفارق الجماعة، وشهر على
المسلمين السلاح، وأخاف السبيل، وأفسد بالقتل والسلب، فقتلهم
وإراقة دمائهم واجب، لأن هذا من الفساد العظيم في الأرض،
والفساد في الأرض موجب لإراقة الدماء بإجماع، إلا أن يتوب
فاعل ذلك من قبل أن يقدر عليه، والانهزام عندهم ضرب من
التوبة، وكذلك من عجز عن القتال، لم يقتل إلا بما وجب عليه قبل
ذلك. ومن أهل الحديث طائفة تراهم كفارا على ظواهر الأحاديث
فيهم مثل قوله -م- من حمل علينا السلاح فليس منا (١)، ومثل
قوله: يمرقون من الدين، وهي آثار يعارضها غيرها فيمن لا يشرك
بالله شيئا، ويريد بعمله وجهه - وإن أخطأ في حكمه واجتهاده،
والنظر يشهد أن الكفر لا يكون إلا بضد الحال التي يكون بها
الإيمان، لأنهما ضدان، وللكلام في هذه المسألة موضع غير هذا،
وبالله التوفيق.
(١) حم (٣٢٩/٢). خ (١٢ / ٦٨٧٣/١٩٢). م (٩٨/٩٨/١-٩٩ - ١٠٠-١٠١). عن جمع من
الصحابة رضي الله عنهم منهم ابن عمر وأبو موسى وأبو هريرة وغيرهم.
فتح البر
٤٧٤
من كفر بغير حجة رجع التكفير عليه
[٤] مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - دولار - قال:
من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما(١).
وهذا الحديث رواه جماعة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار،
عن عبد الله بن عمر- کما رواه یحیی.
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق،
حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج، حدثنا سعد بن كثير بن عفير،
حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، أن رسول الله
- سَ لَّه- قال: أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، باء بها أحدهما(٢).
وحدثنا خلف، حدثنا عمر بن محمد بن القاسم، ومحمد بن
أحمد بن كامل، ومحمد بن أحمد بن المسور، قالوا: حدثنا بكر بن
سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا مالك، عن عبد الله بن
دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله -مَ ظله- قال: أيما رجل قال
لأخيه: كافر، فقد باء بها أحدهما. ورواه جماعة عن مالك، عن
نافع، عن ابن عمر(٣).
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن عطية، حدثنا
زكريا بن يحيى، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا يزيد بن المغلس،
(١) و(٢) و(٣) حم (١١/٢-١٨-٤٤). خ (٦١٠٤/٥١٤/١٠).
م (١١١/٧٩/١ [٦٠]). ت (٢٦٣٧/٢٢/٥).
٤٧٥
الإيمان والأسماء والأحكام
حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي وَجَلّ أنه قال: إذا
قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما(١).
وكذلك رواه ابن زنبر، عن مالك عن نافع، عن ابن عمر، أن
رسول الله - مَّةَ- قال: إذا سمى الرجل الآخر كافرا، فقد كفر
أحدهما- إن كان الذي قيل له: كافر، فقد صدق صاحبه كما قال
له: وإن لم يكن كما قال، فقد باء الذي قال بالكفر(٢).
وكذلك رواه يحيى بن بكير، عن ابن وهب، عن مالك، عن
نافع، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام - مثله سواء، والحديث
لمالك عنهما جميعا عن ابن عمر عن النبي -دَاخلاء- صحيح.
والمعنى فيه عند أهل الفقه والأثر: أهل السنة والجماعة: النهي
عن أن يكفر المسلم أخاه المسلم بذنب، أو تأويل لا يخرجه من
الإسلام عند الجميع، فورد النهي عن تكفير المسلم في هذا الحديث
وغيره بلفظ الخبر دون لفظ النهي، وهذا موجود في القرآن والسنة،
ومعروف في لسان العرب.
وفي سماع أشهب: سئل مالك، عن قول رسول الله- وَالجاية -:
من قال لرجل يا كافر: فقد باء بها أحدهما، قال: أرى ذلك في
الحرورية، فقلت له: أفتراهم بذلك كفارا؟ فقال: ماأدري ما هذا؟
ومثل قوله -رَجليه -: من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما،
قوله -مرح له: سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر (٣) وقوله-وَجَّة -: لا
(١) و(٢) انظر الذي قبله.
(٣) حم (٤٣٩/١). خ (١ / ٤٨/١١٠). م (١/ ١١٦/٨١-١١٧). ت (٤/ ١٩٨٣/٣٥٣) ن
(١٣٧/٧-٤١١٥/١٣٩-٤١٢٤). جه (٦٩/٢٨/١). عن ابن مسعود وسعد وأبي هريرة.
فتح البر
__ ٤٧٦
ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (١)، وقوله: لا
ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم (٢). ومثل هذا
كثير من الآثار التي وردت بلفظ التغليظ، وليست على ظاهرها عند
أهل الحق والعلم، لأصول تدفعها أقوى منها من الكتاب والسنة
المجتمع عليها، والآثار الثابتة أيضا من جهة الإسناد، وهذا باب
يتسع القول فيه ويكثر، فنذكر منه ههنا ما فيه كفاية - إن شاء الله-
وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا
الباب، فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين.
واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها، مثل قوله
- عز وجل -: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
[المائدة: (٤٤)]. وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
* [الحجرات:
(٢)]. وقوله: ﴿إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْفِنِينَ
٣٢
[الجاثية: (٣٢)].
[الزخرف: (٢٠)]. وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
وقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
[الكهف: (١٠٤)]. ونحو هذا.
◌ُحْسِنُونَ صُنْعًا
وروي عن ابن عباس في قول الله -عزوجل -: ((ومن لم يحكم
بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) قال: ليس بكفر ينقل عن ملة،
ولكنه كفر دون كفر، وقد أوضحنا معنى الكفر في اللغة في مواضع
من هذا الكتاب، والحجة عليهم قول الله - عز وجل -: ﴿إِنَّ اللَّهَ
ج
لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: (٤٨ و١١٦)].
(١) خ (١٢١/٢١٧/١). م (١ / ١١٨/٨١). د (٤٦٨٦/٦٣/٥).
ت (٢١٩٣/٤٨٦/٤). ن (١٢٦/٧-١٢٧). جه (٣٩٤٢/١٣٠٠/٢). عن جماعة من
الصحابة: جرير، ابن عمر، ابن عباس ...
(٢) خ (١٢/ ٦٧٦٨/٥٤). م (١ / ١١٣/٨٠).
الإيمان والأسماء والأحكام
٤٧٧
ومعلوم أن هذا بعد الموت لمن لم يتب، لأن الشرك ممن تاب منه-
قبل الموت- وانتهى عنه، غفر له، كما تغفر الذنوب كلها بالتوبة
جميعاً، قال الله - عز وجل -: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: (٣٨)].
وقد وردت آيات في القرآن محكمات، تدل أنه لا يكفر أحد إلا
بعد العلم والعناد، منها، قول الله - عز وجل -: ﴿يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ
[آل عمران: (٧١)].
لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقِّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
و ﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
﴾ [آل عمران:
[آل عمران:
(٧٠)]، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
(٧٥)]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَّخَذُواْ أَلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ﴾
[النساء: (١٥٣)]، وقوله: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا
فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [®)) إلى قوله: ﴿فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا
٢، ثم قال على إثر ذلك: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ
تُجْرِمِنَ
يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكْ لَبِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الْرِجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ
وَلَتُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيّ إِسْرَِّ يلَ (٦) فَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْرِجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم
بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُونَ
٣٥
[الأعراف: (١٣٢ - ١٣٥)]، ثم قال: ﴿ وَلَقَدْ
أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ فَمَا أُسْتَكَانُوْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَنَضَرَّعُونَ
[المؤمنون: (٧٦ )]. ثم
ذكر الأمم فقال: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِمْ لِيَأْخُذُوَةٌ وَجَدَلُواْ
بَلْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمّ
[غافر: (٥)]. ثم ذكر الأمم
فقال: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَنَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِحُرٍ أَوْ مَجْنُنُ
[الذاريات: (٥٢ - ٥٣)]. ولذلك قال:
٥٣
أَتَوَاصَوْ بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ
ج
﴿وَخُضُّمْ كَلَّذِى خَاضُواْ﴾ [التوبة:
﴿تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: (١١٨)].
(٦٩)]. وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِ وَقَد تَّعْلَمُونَ
[الصف: (٥)]. وقال: ﴿وَمَا نَفَرَّقُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ
أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
فتح البر
(٤٧٨
[الشورى: (١٤)]. وقال: ﴿فَلَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ
مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَّا بَيْنَهُمْ
[البقرة: (٢٢)]. وقال: ﴿بَلّ جَاءَهُم بِالْحَقِّ
٢٢
أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[المؤمنون: (٧٠)]. وقال: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذّ
وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَزِهُونَ
إِلَهَمُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عٍِّ ﴾
[الجاثية: (٢٣)]. وقال:
﴿ شهدِينَ
عَلَى
أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: (١٧)]. وقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ هُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا
نُفُورًا ﴿ أَسْتِكْبَارًا فِى الْأَرْضِ﴾ [فاطر: (٤٢ - ٤٣)] الآية، وقال: ﴿وَشَآَقُواْ
الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَمُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: (٣٢)]. وقال: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا
وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: (١٤)]. إلى آيات كثيرة في معنى ما
ذكرنا، كلها تدل على معاندة الكفار، وأنهم، إنما كفروا
بالمعاندة والاستكبار، وقال - عز وجل -: ﴿ وَمَا كُتَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
[الإسراء: (١٥)]. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا
نَّعَثُ رَسُولًا
[التوبة: (١١٥)]. وقوله
١١٩).
بَعْدَ إِذْ هَدَ هُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونُ
وَلا - من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات وهو
يشرك بالله شيئا فهو في النار (١). وجعل الله عزوجل في بعض
الكبائر حدودا جعلها طهرة، وفرض كفارات في كتابه للذنوب من
التقرب إليه بما يرضيه، فجعل على القاذف جلد ثمانين- إن لم يأت
بأربعة شهداء، ولم يجعله بقذفه كافرا، وجعل على الزاني مائة،
وذلك طهرة له- كما قال ◌َخليل في التي رجمها: لقد خرجت من
ذنوبها كيوم ولدتها أمها. وقال - وَله -: من أقيم عليه الحد، فهو له
كفارة، ومن لم يقم عليه حده، فأمره إلى الله، إن شاء غفر له،
وإن شاء عذبه(٢)، وما لم يجعل فيه حدا، فرض فيه التوبة منه،
(١) خ (٣/ ١١٠/ ١٢٣٧). م (١ / ٩٤/ ٩٢).
(٢) الدارمي (١٨٢/٢). ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٦٨/٦) وقال: رواه الطبراني وأحمد
بنحوه وفيه راو لم يسم وهو ابن خزيمة وبقية رجاله ثقات.
الإيمان والأسماء والأحكام
٤٧٩
والخروج عنه إن كان ظلما لعباده، وليس في شيء من السنن
المجتمع عليها ما يدل على تكفير أحد بذنب، وقد أحاط العلم بأن
العقوبات على الذنوب كفارات، وجاءت بذلك السنن الثابتة عن
رسول الله - وَخلة- كما جاءت بكفارة الأيمان والظهار والفطر في
رمضان، وأجمع علماء المسلمين أن الكافر لا يرث المسلم، وأجمعوا
أن المذنب- وإن مات مصرا- يرثه ورثته، ويصلى عليه ويدفن في
مقابر المسلمين. وقال- حَ له: ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا،
ونسك نسكنا، فهو المسلم- له ما للمسلم، وعليه ما على
المسلم)) (١). وقال- وَّلـ: ((الندم توبة)(٢)، رواه عبد الله بن مسعود
عن النبي- {َجلال-، وقال- وَّه -: ((ليس أحد من خلق الله إلا وقد
أخطأ أو هم بخطيئة، إلا يحيى بن زكرياء))(٣). وقال : - وَلّ-(( لولا
أنكم تذنبون وتستغفرون، لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون
ويستغفرون فيغفر لهم، إن الله يحب أن يغفر لعباده))(٤).
ومن هذا قول الأول:
إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبدلك لا ألما
فهذه الأصول كلها تشهد على أن الذنوب لا يكفر بها أحد، وهذا
يبين لك أن قوله- صل *-: من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها
(١) خ (٤٤٨/٢ /٩٥٥). م (١٩٦١/١٥٥٣/٣).
(٢) حم (٣٧٦/١-٤٢٣ -٤٣٣). جه (٢ / ١٤٢٠/ ٤٢٥٢). ك (٤ / ٢٧١ - ٢٧٢ / ٧٦١٢ - ٧٦١٣)
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
(٣) حم (٢٥٤/١-٢٩٢-٢٩٥ -٣٠١ - ٣٢٠). وفيه علي بن زيد.
(٤) حم (٤١٤/٥). م (٢٧٤٨/٢١٠٥/٤). ت (٣٥٣٩/٥١٢/٥).
فتح البر
٤٨٠
أحدهما: أنه ليس على ظاهره، وأن المعنى فيه النهي عن أن يقول
أحد لأخيه: کافر، أو يا كافر.
قيل لجابر بن عبد الله: يا أبا محمد، هل كنتم تسمون شيئا من
الذنوب كفرا أو شركا أو نفاقا؟ قال: معاذ الله - ولكنا نقول: مؤمنين
مذنبين، روي ذلك عن جابر من وجوه، ومن حديث الأعمش عن
أبي سفيان، قال: قلت لجابر: أكنتم تقولون لأحد من أهل القبلة:
كافر؟ قال: لا، قلت: فمشرك؟ قال: معاذ الله وفزع! وقد قال
جماعة من أهل العلم في قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ
بِئْسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: (١١)]. هو قول الرجل
لأخيه: يا كافر، يا فاسق، وهذا موافق لهذا الحديث، فالقرآن
والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره ببيان لا إشكال فيه.
ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له، أن كل من ثبت له
عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنبا، أوتأول
تأويلا، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم
بعد إجماعهم معنى يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق
عليه إلا باتفاق آخر، أو سنة ثابتة لا معارض لها.
وقد اتفق أهل السنة والجماعة- وهم أهل الفقه والأثر- على أن
أحدا لا يخرجه ذنبه-وإن عظم- من الإسلام، وخالفهم أهل البدع،
فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره. أو
قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة. وأما قوله
- وَله- فقد باء بها، أي قد احتمل الذنب في ذلك القول أحدهما،
قال الخليل بن أحمد - رحمه الله- باء بذنبه أي احتمله. ومثله قوله