النص المفهرس
صفحات 341-360
استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٣٤١ عبد الملك من كتابنا هذا، ويدل هذا الحديث أيضا على صحة قول من ذهب إلى أن من نذر أن ينحر ابنه أنه لا شيء عليه من كفارة ولا غيرها، وقد قاله مالك على اختلاف عنه وهو الصحيح إن شاء الله، لأنه لا معصية أعظم من إراقة دم امرئ مسلم بغير حق. ولا معنى الإيجاب كفارة يمين على من نذر ذلك، ولا للاعتبار في ذلك بكفارة الظهار في قول المنكر والزور، لأن الظهار ليس بنذر، والنذر في المعصية قد جاء فيه نص عن النبي وَجُلّ قولا وعملا، فأما العمل فهو ما في حديث جابر هذا، وأما القول فحديث عائشة عن النبي عليه السلام أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا یعصه))(١). وقد ذكرناه في كتابنا هذا في باب طلحة بن عبد الملك. أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد الجهني قال حدثنا سعيد بن السكن قال حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهیب قال حدثنا أيوب، عن ابن عباس قال: بينما النبي عليه السلام يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: يا رسول الله، أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي وَ له ((مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه))(٢) قال البخاري: وقال عبد الوهاب حدثنا أيوب عن عكرمة عن النبي عليه السلام. قال أبو عمر: سيأتي في باب طلحة بن عبد الملك ما ينضاف إلى هذا الباب ویلیق به إن شاء الله . (١) سبق تخريجه في باب [من نذر أن يطيع الله ... ]. (٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه. ٣٤٢٠ فتح البر ما جاء في النهي عن نسبة الحوادث إلى الدهر [١٤] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله، وَلفي قال ((لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الدهر هو الله)) (١). هكذا هذا الحديث في الموطأ بهذا الإسناد عند جماعة الرواة فيما علمت، ورواه إبراهيم بن خالد بن عثمة، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فيه إسناد الموطأ. حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا محمد بن جعفر غندر، قال حدثنا الحسن بن أبي عباد الصفار، حدثنا عبد السلام بن محمد، حدثنا إبراهيم بن خالد بن عثمة، حدثنا مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وح له((لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر)). وفي الموطأ عند جماعة رواته في هذا الحديث: ((لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر)) وقال فيه سعيد بن هاشم بإسناد الموطأ، ((لا تسبوا الدهر)). حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أبو جعفر أحمد بن جعفر ابن محمد التميمي، حدثنا يوسف بن يزيد، حدثنا سعيد بن هاشم الفيومي، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ له قال: ((لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر))(٢). وقال فيه يحيى: ((فإن الدهر هو الله)) وغيره كلهم يقول: ((فإن الله هو الدهر)). (١) و(٢) حم (٣٩٤/٢). م (٤/ ٢٢٤٦/١٧٦٢). البخاري في الأدب المفرد (٧٦٩). من طريق مالك. استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٣٤٣ وهذا الحديث قد اختلف في ألفاظه عن أبي هريرة من رواية الأعرج وغيره، فمنهم من يقول فيه: ((لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر)) . هكذا رواه ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ وكذلك رواه ابن لهيعة، عن الأعرج بإسناده سواء. وكذلك رواه ابن سيرين وغيره، عن أبي هريرة: حدثنا أحمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال حدثنا هوذة بن خليفة، قال حدثنا عوف، عن محمد وخلاس، عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ قال: ((لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر))(١). وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، قال حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال أخبرنا محمد بن جعفر، قال أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ـ رَّلقوله ((قال الله عز وجل: استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني - ولم ينبغ له أن يشتمني - يقول: وادهره، وادهره، وأنا الدهر، وأنا الدهر))(٢). قال أبو عمر: هذه ألفاظ - إن صحت ـ فمخرجها على معان سنبينها، والصحيح في لفظ هذا الحديث، ما رواه ابن شهاب وغيره من الفقهاء ذوي الألباب: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال أخبرنا محمد (١) حم (٤٩١/٢-٤٩٩). م (٤/ ١٧٦٣/ ٢٢٤٦). من طريق ابن سيرين. ورواه حم (٣٩٥/٢) من طريق خلاس ومحمد عن أبي هريرة (٢) حم (٢/ ٣٠٠). ك (٤١٨/١) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وانظر الظلال للشيخ الألباني (٥٩٨). فتح البر ٣٤٤ ابن بكر، قال أخبرنا أبو داود، قال حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، وأحمد بن السرح، قالا حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي وَجَله: ((يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر - وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار))(١). هكذا قال ابن عيينة عن الزهري، عن سعيد؛ وقال يونس بن يزيد: عن الزهري، عن أبي سلمة - وهما جميعا صحيحان. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو الطاهر، وزيد بن البشر، قالا أخبرنا ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: قال أبو هريرة: سمعت رسول الله وَّلو يقول: ((قال الله تبارك وتعالى: يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار))(٢) . فمن أهل العلم من يروي هذا الخبر بنصب الدهر على الظرف، يقول: أنا الدهر كله، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار. ومنهم من يرويه بالرفع على معنى حديث مالك ومن تابعه، والمعنى فيه أن أهل الجاهلية كانوا يذمون الدهر في أشعارهم وأخبارهم، ويضيفون إليه كل ما يصنعه الله بهم. وقد حكى الله عنهم قولهم: ﴿ مَاهِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَغَخْيَا وَمَا يُهْلِكُآَ إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلٍّ إِنْ هُمْ إِلَّا ٢٤ [الجاثية: (٢٤)]. فنهى الله عن قولهم ذلك، يَظُنُّونَ (١) خ (٤٨٢٦/٧٣٨/٨). م (٤ / ١٧٦٢ / ٢٢٤٦ [٢ -٣]). د (٥ / ٤٢٣ - ٤٢٤ /٥٢٧٤). (٢) خ (١٠ / ٦٩١/ ٦١٨١-٦١٨٢). م (٤/ ٢٢٤٦/١٧٦٢). استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٣٤٥ ونهى رسول الله وَّجله عنه أيضا بقوله: ((لا تسبوا الدهر)) يعني لأنكم إذا سببتموه وذممتموه لما يصيبكم فيه من المحن والآفات والمصائب وقع السب والذم على الله؛ لأنه الفاعل ذلك وحده لا شريك له؛ وهذا ما لا يسع أحدا جهله، والوقوف على معناه؛ لا يتعلق به الدهرية أهل التعطيل والإلحاد، وقد نطق القرآن، وصحت السنة بما ذكرنا؛ وذلك أن العرب كان من شأنها ذم الدهر عندما ينزل بها من المكاره، فيقولون: أصابتنا قوارع الدهر، وأبادنا الدهر، وأتى علينا الدهر؛ ألا ترى إلى قول شاعرهم: رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمى وليس برام ولكنني أرمى بغير سهام فلو أنها نبل إذا لاتقيتها ولم يغن ما أفنيت سلك نظام فأفنى وما أفنيت للدهر ليلة وقال أبو العتاهية - فذكر الزمان والدهر - وهما سواء، ومراده في ذلك كله ما يحدث الله من العبر فيها لمن اعتبر: والعود منه إذا عجمت صليب إن الزمان إذا رمى لمصيب لو كان ينفع فيهم التأديب إن الزمان لأهله لمؤدب کیف اغتررت به وأنت لبيب کیف اغتررت بصرف دهرك يا أخي ولقد رأيتك للزمان مجربا لو كان يحكم رأيك التجريب وهذا المعنى في شعره كثير جدا، وقال غيره وهو المساور بن هند : بلیت وعلمي في البلاد مكانه وأفنی شبابي الدهر وهو جدید فتح البر ٣٤٦٠ وقال غيره: حنتني حانيات الدهر حتى كأني خاتل أدنو لصيد قريب الخطو يحسب من يراني ولست مقيدا إني بقيد وقال امرؤ القيس : ألا إن هذا الدهر يوم وليلة وليس على شيء قويم بمستمر وقال أيضا: أرجي من صروف الدهر لينا ولم تغفل عن الصم الهضاب وقال أبو ذؤيب الهذلي: أمن المنون وريبها تتفجع والدهر ليس بمعتب من يجزع وقال أرطاة بن سهية: عن الدهر فاصفح إنه غير معتب وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع وقال الراجز: والدهر ما أصلح يوما أفسدا ألقى علي الدهر رجلا ويدا ويسعد الموت إذا الموت عدا يصلحه الیوم ویفنیه غدا وأشعارهم في هذا أكثر من أن تحصى، خرجت كلها على المجاز والاستعارة، والمعروف من مذاهب العرب في كلامها؛ لأنهم يسمون الشيء ويعبرون عنه بما يقرب منه وبما هو فيه، فكأنهم أرادوا ما ينزل بهم في الليل والنهار من مصائب الأيام؛ فجاء النهي عن ذلك تنزيها استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٣٤٧ لله، لأنه الفاعل ذلك بهم في الحقيقة؛ وجرى ذلك على الألسنة في الإسلام، وهم لا يريدون ذلك، ألا ترى أن المسلمين الخيار الفضلاء قد استعملوا ذلك في أشعارهم، على دينهم وإيمانهم، جريا في ذلك على عادتهم، وعلما بالمراد؛ وأن ذلك مفهوم معلوم، لا يشكل على ذي لب؛ هذا سابق البربري - على فضله - يقول : المرء يجمع والزمان يفرق ويظل يرقع والخطوب تمزق ويروى أن هذا الشعر لصالح بن عبد القدوس. وهذا سلیمان العدوي ۔۔ و کان خیرا متدینا - يقول: أيا دهرا عملت فينا أذاكا ووليتنا بعد وجه قفاكا وأجلست سفلتنا مستواكا جعلت الشرار علینا رؤوسا فها قد صنعت بنا ما كفاكا فیا دهر إن كنت عادیتنا وقالت صفية الباهلية : أخنى على واحدي ريب المنون وما يبقي الزمان على شيء ولا يذر وقال أبو العتاهية - وموضعه من الخير موضعه: يا دهر تؤمننا الخطوب وقد نرى في كل ناحية لهن شباکا يا دهر قد أعظمت عبرتنا بمن دارت عليه من القرون رحاكا وروينا أن مالك بن أنس - رحمه الله - كان ينشد لبعض صالحي أهل المدينة : فتح البر ٣٤٨ = قليلا ما تواتيكا أخي لا تعتقد دنيا أليفا لو تنبيكا فکم قد أهلكت خلا ولا تغررك زهرتها فتلقي السم في فيكا في أبيات كثيرة، فمرة يضيفون ذلك إلى الدهر، ومرة إلى الزمان، ومرة إلى الأيام، ومرة إلى الدنيا؛ وذلك كله مفهوم المعنى على ما ذكرنا وفسرنا، والحمد لله. وقال أبو العتاهية: أيا عجبا للدهر لا بل لريبه تضرم ريب الدهر كل إخاء ومزق ريب الدهر كل جماعة وكدر ريب الدهر كل صفاء وقال آخر: يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا وأنت والد سوء تأكل الولدا أستغفر الله بل ذا كله قدر رضيت بالله ربا واحدا صمدا لا شيء يبقى سوى خير تقدمه ما دام ملك لإنسان ولا خلدا ومما ينشد للمأمون ویروی له من قوله: أنا في علمي بالدهر أبو الدهر وأمه بسرور فيتمه لیس یأتي الدهر يوما فكذا سوف يغمه فكما سر أخاه ليس للدهر صديق حامد الدهر يذمه استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٣٤٩ وقال ابن المغيرة في شعر يرثي به أباه: أين من يسلم من صرف الردى حكم الموت علينا فعدل فكأنا لا نرى ما قد نرى وخطوب الدهر فينا تنتضل وقال نصر بن أحمد: كأنما الدهر قد أغرى بنا حسدا ونعمة الله مقرون بها الحسد وقال جحظة : وضيع علا وكريم سقط أيا دهر ويحك كم ذا الغلط وطرف بلا علف يرتبط وعير تسيب في جنة وداك مشتبه مختلط وجهل برؤوس وعقل برأس آل کسری فأين النبط وأهل القرن کلهم ينتمون إلى وقال غيره: ويرفع راية القوم اللئام رأيت الدهر بالأشراف یکبو يطالب ثأره عند الكرام كأن الدهر موتور حقود والأشعار في هذا لا يحاط بها كثرة، وفيما لوحنا به منها كفاية - والحمد لله. فتح البر ٣٥٠ أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي [١٥] مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني. أنه قال: صلى لنا رسول الله - اَلة - صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف، أقبل على الناس فقال: (( أتدرون ماذا قال ربكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب؛ وأما من قال: مطرنا بنوء كذا و کذا، فذلك کافر بي، مؤمن بالکو کب(١).)) وهذا الحديث رواه ابن شهاب عن عبيد الله، عن زيد، عن النبي وَخلا فلم يقمه كإقامة صالح بن كيسان، ولم يسقه كسياقته؛ قال فيه: قال الله ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها کافرین يقولون: الكوكب وبالكوكب. هكذا حدث به يونس بن يزيد وغيره عن ابن شهاب، وفي لفظ هذا الحديث ما يدل على أن الكفر ههنا كفر النعم لا كفر بالله . وروى هذا الحديث سفيان بن عيينة، عن صالح بن كيسان- بإسناده، وقال فيه: ألم تسمعوا ماقال ربكم الليلة؟! قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح طائفة منهم بها كافرين- يقولون: مطرنا بنوء كذا، وبنوء كذا؛ فأما من آمن بي وحمدني على سقياي، (١) من طريق مالك عن صالح بن كيسان به. خ (٨٤٦/٤٢٤/٢). م (٧١/٨٣/١). د (٢٢٧/٤-٣٩٠٦/٢٢٨). استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٣٥١, فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب؛ ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك الذي كفر بي وآمن بالكوكب(١). وروى سفيان بن عيينة أيضا عن إسماعيل بن أمية أن النبي -عليه السلام- سمع رجلا في بعض أسفاره يقول: مطرنا ببعض عثانين الأسد، فقال رسول الله -مَ له -: كذب، بل هو سقيا الله عزوجل. قال سفيان: عثانين الأسد الذراع والجبهة (٢). وقال الشافعي: لا أحب لأحد أن يقول: مطرنا بنوء كذا - وإن كان النوء عندنا الوقت، والوقت مخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يمطر ولا يحبس شيئا من المطر: والذي أحب أن يقول: مطرنا وقت كذا ، كما يقول: مطرنا شهر كذا؛ ومن قال: مطرنا بنوء كذا- وهو يريد أن النوء أنزل الماء كما كان بعض أهل الشرك من أهل الجاهلية يقول، فهو كافر حلال دمه - إن لم يتب هذا من قوله. أما قوله في هذا الحديث على إثر سماء كانت من الليل، فإنه أراد سحابا حيث نزل من الليل، والعرب تسمي السحاب والماء النازل منه سماء، قال الشاعر وهو أحد فصحاء العرب: رعيناه وإن کانوا غضابا إذا نزل السماء بأرض قوم يعني: إذا نزل الماء بأرض قوم، ألا ترى أنه قال: رعيناه- يعني الكلأ النابت من الماء؛ ولو أراد السماء لأنث، لأنها مؤنثة فقال: رعيناها. وقوله رعيناه يعني الكلأ النابت من الماء، فاستغنى بذكر (١) من طرق عن صالح بن كيسان به: خ (٤١٤٧/٥٥٧/٧). ن (١٦٥/٣). (٢) ابن جرير: (٢٠٨/٢٧) وفيه ((بل هو رزق الله)) بدل ((بل هو سقيا الله عزوجل)). فتح البر ٣٥٢ الضمير، إذ الكلام يدل عليه؛ وهذا من فصيح كلام العرب، ومثله في القرآن كثير. وأما قوله حاكيا عن الله -عزوجل: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمعناه -عندي- على وجهين: أما أحدهما فإن المعتقد أن النوء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشيء للحساب دون الله -عزوجل، فذلك كافر كفرا صريحا يجب استتابته عليه وقتله، لنبذه الإسلام ورده القرآن. والوجه الآخر أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء، وأنه سبب الماء ما قدره الله وسبق في علمه؛ فهذا وإن كان وجها مباحا- فإن فيه أيضا كفرا بنعمة الله -عزوجل، وجهلا بلطیف حكمته؛ لأنه ينزل الماء متى شاء، مرة بنوء كذا، ومرة دون النوء؛ وكثيرا ما يخوى النوء، فلا ينزل معه شيء من الماء، وذلك من الله لا من النوء؛ وكذلك كان أبو هريرة يقول - إذا أصبح- وقد أمطر: مطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو ﴿ مَّا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: (٢)]. وهذا - عندي - نحو قول رسول الله_ دَل ـ: ((مطرنا بفضل الله وبرحمته)) ومن هذا قول عمربن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حين استسقى به: يا عم رسول الله: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس: العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا، فكأن عمر -رحمه الله- قد علم أن نوء الثريا وقت يرجى فيه المطر ويؤمل، فسأله عنه: أخرج، أم بقيت منه بقية؟ وروي عن الحسن البصري أنه سمع رجلا يقول: طلع سهيل وبرد الليل؛ فكره ذلك وقال: إن سهيلا لم يأت قط بحر ولا برد. وكره استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٣٥٣ مالك بن أنس أن يقول الرجل للغيم والسحابة: ما أخلقها للمطر! وهذا من قول مالك مع روايته: إذا أنشأت بحرية تدل على أن القوم احتاطوا، فمنعوا الناس من الكلام بما فيه أدنى متعلق من زمن الجاهلية في قولهم: مطرنا بنوء كذا وكذا- على ما فسرناه- والله أعلم. وسيأتي القول في معنى قوله إذا أنشأت بحرية في موضعه- إن شاء الله. والنوء في كلام العرب واحد أنواء النجوم، يقال: ناء النجم ينوء، أي نهض ينهض للطلوع، وقد يكون أن يميل للمغيب؛ ومما قيل: ناوأت فلانا بالعداوة أي ناهضته، ومنه قولهم الحمل ينوء بالدابة، أي يميل بها، وكل ناهض- بثقل وإبطاء فقد ناء؛ والأنواء على الحقيقة النجوم التي هي منازل القمر، وهي ثمان وعشرون منزلة، يبدو لعين الناظر منها أربعة عشر منزلا، ويخفى أربعة عشر؛ فكلما غاب منها منزل بالمغرب، طلع رقيبه من المشرق، فليس يعدم منها أبدا أربعة عشر للناظرين في السماء؛ وإذا لم ينزل مع النوء ماء، قيل خوى النجم وأخوى، وخوى النوء وأخلف: وأما العرب فكانت تضيف المطر إلى النوء، وهذا عندهم معروف مشهور في أخبارهم وأشعارهم؛ فلما جاء الإسلام، نهاهم رسول الله وَله عن ذلك وأدبهم وعرفهم ما يقولون عند نزول الماء، وذلك أن يقولوا: مطرنا بفضل الله ورحمته، ونحو هذا من الإيمان والتسليم لما نطق به القرآن؛ وأما أشعار العرب في إضافتها نزول الماء إلى الأنواء، فقال الطرماح: سع من نجم العزل والرامحه محاهن صيب نؤ الربيـ فسمى مطر السماك ربيعا، وغيره يجعله صيفا؛ وإنما جعله الطرماح ربيعا لقربه من آخر الشتاء ومن أمطاره؛ وإذا كان المطر بأول فتح البر ٣٥٤ نجم من أنواء الصيف، جاز أن يجعلوه ربيعا؛ ويقال للسماك الرامح، وذو السلاح- وهو رقيب الدلو، إذا سقط الدلو طلع السماك؛ والسماك، والدلو، والعواء، من أنجم الخريف. قال عدي بن زيد : في خريف سقاه نوء من الدل ـوتدلى ولم يواز العراقا والعرب تسمي الخريف ربيعا لاتصاله بالشتاء، وتسمي الربيع المعروف عند الناس بالربيع صيفا؛ وتسمي الصيف قيظا، وتذهب في ذلك كله غير مذاهب الروم؛ فأول الأزمنة عندها الخريف، وليس هذا موضع ذكر معانيها ومعاني الروم في ذلك؛ وكان أبو عبيدة يروي بيت زهير : وغيث من الوسمى حو تلاعه وجادته من نوء السماك هواطله وقال آخر: ولازال نوء الدلو يسكب ودقه بكن ومن نوء السماك غمام وقال الأسود بن يعفر النهشلي: بيض مسامح في الشتاء وإن أخ ـلف نجم عن نوئه وبلوا وقال الراجز: بشر بني عجل بنوء العقرب إذا أخلفت أنواء كل كوكب يدلك أن أنواء النجوم أخلفت كلها فلم تمطر، فأتاهم المطر في آخر الربيع بنوء العقرب وهم عندهم غير محمود، لأنه ودق دنيء وقال رؤبة: وجف أنواء السحاب المرتزق أي جف البقل الذي كان بالأنواء، أقام ذكر الأنواء مقام ذكر البقل اسغناءً بأن المراد معلوم؛ وهذا نحو قول القائل الذي قدمنا ذكر استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٣٥٥ قوله: إذا نزل السماء بأرض قوم- وهو يريد الماء النازل من السماء، وأشعار العرب بذكر الأنواء كثيرة جدا؛ والعرب تعرف من أمر الأنواء وسائر نجوم السماء ما لا يعرفه غيرها، لكثرة ارتقابها لها، ونظرها إليها؛ لحاجتها إلى الغيث، وفرارها من الجدب؛ فصارت لذلك تعرف النجوم الجواري، والنجوم الثوابت، وما يسير منها مجتمعا، وما يسير فاردا، وما يكون منها راجعا ومستقيما؛ لأن من كان في الصحاري والصحاصح الملساء حيث لا أمارة ولا هادي؛ طلب المنائر في الرمل والأرض، وعرف الأنواء ونجوم الاهتداء؛ وسئلت أعرابية فقيل لها: أتعرفين النجوم؟ فقالت: سبحان الله! أما أعرف أشباحا وقوفا علي في كل ليلة؟ وسمع بعض أهل الحضر أعرابيا وهو يتفنن في وصف نجوم ساعات الليل، ونجوم الأنواء؛ فقال لمن حضره: أما ترى هذا الأعرابي يعرف من النجوم مالا يعرف، فقال: ويل أمك من لا يعرف أجداع بيته. ومن هذا الباب قول ابن عباس في المرأة التي جعل زوجها أمرها بيدها، فطلقت نفسها-خطأ الله نوءها: أي أخلى الله نوءها من المطر، والمعنى: حرمها الله الخير، كما حرم من لم يمطر وقت المطر. وقال ابن عباس في قول الله - عز وجل -: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ ﴾ [الواقعة: (٨٢)]. هو الاستمطار بالأنواء. تُكَذِّبُونَ ( حدثنا إبراهيم بن شاكر، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان، قال حدثنا سعيد بن خمير، وسعيد بن عثمان، قالا حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح، قال حدثنا النضر بن محمد، قال حدثنا عكرمة بن عمار، قال حدثنا أبو زميل، قال حدثني ابن فتح البر ٣٥٦ عباس، قال: مطر الناس على عهد النبي-(1400-فقال النبي - وَل *- : أصبح من الناس شاكر وكافر . قال بعضهم: هذه رحمة وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، قال: نزلت هذ الآية ((فلا أقسم بمواقع النجوم))- حتى بلغ: ((وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)»(١). قال أبو عمر: الرزق في هذه الآية بمعنى الشكر، كأنه قال: وتجعلون شكركم لله على ما رزقكم من المال- أن تنسبوا ذلك الرزق إلى الكوكب. وقال ابن قتيبة: ومن هذا -والله أعلم- قال رؤبة: وجف أنواء السحاب المرتزق. وأما قوله- 483- في حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عتاب بن حنين، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - وَظله- قال: لو أمسك الله القطر عن عباده- خمس سنين ثم أرسله، أصبحت طائفة من الناس كافرين، يقولون: سقينا بنوء المجدح(٢) - فمعناه كمعنى ما مضى من الحديث في هذا الباب. وأما المجدح، فان الخليل زعم أنه نجم كانت العرب تزعم أنها تمطر به، قال: ويقال: أرسل السماء مجاديح الغيث، قال: ويقال مجدح ومجدح بالكسر والضم. (١) م (١ / ٨٤ / ٧٣). (٢) حم (٧/٣). ن (١٥٢٥/١٨٤/٣). حب: الإحسان (١٣ /٦١٣٠/٥٠٠). وفيه عتاب بن حنین. وقد وثقه ابن حبان. استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٣٥٧, أخبرنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا أحمد بن الحسن، قال حدثنا يحيى بن معين، قال حدثنا يحيى بن زكريا ، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَالله -: ثلاث لن يزلن في أمتي: التفاخر في الأحساب، والنياحة، والأنواء(١). (١) البزار (٥٥٩/٣٤٧/١) مختصر زوائد البزار. وذكره الهيثمي في المجمع (١٥/٣) وقال: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات. فتح البر ٣٥٨ علم الغيب لله تبارك وتعالى [١٦] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله ﴿ قال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون، إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار(١). وفي هذا الحديث من الفقه أن البشر لا يعلمون ما غيب عنهم وستر من الضمائر وغيرها، لأنه قال ◌َّ في هذا الحديث: إنما أنا بشر، أي إني من البشر، ولا أدري باطن ما تتحاكمون فيه عندي وتختصمون فيه إليّ، وإنما أقضي بينكم على ظاهر ما تقولون وتدلون به من الحجاج، فإذا كان الأنبياء لا يعلمون ذلك، فغير جائز أن يصح دعوى ذلك لأحد غيرهم من كاهن أو منجم، وإنما يعلم الأنبياء من الغيب ما أعلموا به بوجه من وجوه الوحي. (١) سيأتي تخريجه في باب القضاء. استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٣٥٩ باب منه [١٧] مالك أنه بلغه أن رسول الله ولو كان يقول: ((إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة))(١). هذا حديث لا أعرفه بوجه من الوجوه من غير الموطأ إلا ما ذكره الشافعي في كتاب الاستسقاء عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن إسحاق بن عبد الله -أن النبي-ح له- قال: إذا نشأت بحرية ثم استحالت شامية، فهو أمطر لها. وابن أبي يحيي مطعون عليه متروك وإن كان فيه نبل ويقظة، اتهم بالقدر والرفض؛ وبلاغ مالك خير من حديثه- والله أعلم. وأما قوله: إذا نشأت بحرية- فمعناه: إذا ظهرت سحابة من ناحية البحر وارتفعت، يقال أنشأ فلان، يقول كذا- إذا ابتدأ قوله وأظهره بعد سكوت؛ وكذلك قولهم: أنشأ فلان حائط نخل أو بئرا أو كرما :- أي عمل ذلك وأظهره للناس، وكل ما بدأ من الأعمال وظهر فقد نشأ؛ ومنه قول الله عز وجل: ﴿ وَلَهُ الْجَوَارِ اٌلْنُشَاتُ فِى [الرحمن: (٢٤)]. أي السفن الظاهرات في البحر ٢٤ الْبَحْرِ كَأَلْأَعْلَمِ كالجبال الظاهرات في الأرض، وإنما سمى السحابة بحرية، لظهورها من ناحية البحر؛ يقول إذا طلعت سحابة من ناحية البحر - وناحية البحر بالمدينة الغرب، ثم تشاءمت، أي أخذت نحو الشام- والشام (١) رواه أبو الشيخ في العظمة حديث رقم (٧٢٦) عن عائشة وفي سنده محمد ابن عمر الواقدي وهو متروك. فتح البر ٣٦٠ من المدينة في ناحية الشمال؛ كأنه يقول: إذا مالت السحابة الظاهرة من جهة الغرب إلى جهة الشمال، فتلك عين غديقة، أي ماء معين، والعين مطر أيام لا يقلع، وقيل: العين ماء عن يمين قبلة العراق، وقيل: كل ماء مر من ناحية الفرات؛ يقول: فتلك سحابة يكون ماؤها غدقا، والغدق الغزير؛ وغديقة تصغير غدقة، وسمي الرجل الغيداق، لكثرة سخائه، ومن هذا قول الله - عز وجل -: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مَآءُ عَدَقًا : [الجن: (١٦)]. أي غزيراً كثيرا. قال كثير : وتغدق أعداد به ومشارب يقول: يكثر المطر عليه، وأعداد جمع عد وهو الماء الغزير، ومنه الحديث في الماء العد. وقال عمر بن أبي ربيعة: إذا ما زينب ذكرت سكبت الدمع متسقا كأن سحابة تهمي بماء حملت غدقا وقول رسول الله -مَ﴾- في هذا الحديث إنما خرج على العرف والعادة، لا على أنه يعلم نزول الماء بشيء من الأشياء علما صحيحا لا يخلف، لأن ذلك من علم الغيب، بل قد صح أن المدرك لعلم شيء من ذلك مرة قد يخطيء فيه من الوجه الذي أصاب مرة أخرى، فليس بعلم صحيح يقطع عليه، ومعلوم أن النوء قد يخوي فلا ينزل شيئا، وإنما هي تجارب تخطيء وتصيب، وعلم الغيب على صحة هو لله عزوجل- وحده لا شريك له، ونزول الغيث من مفاتيح الغيب الخمس التي لا يعلمها إلا الله -عزوجل -.