النص المفهرس

صفحات 321-340

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٣٢١
وحدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد
ابن عبد الله القاضي، قال: حدثنا محمد بن يحيي، قال: سمعت
خلف بن هشام البزار يقول: قيل لمالك بن أنس - وأنا أسمع -:
حدثك طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن
عائشة، عن النبي وَ جُلّ قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر
أن يعصي الله فلا يعصه؟ فقال مالك: نعم(١).
وحدثني محمد بن قاسم بن عيسى المقرئ، قال: حدثنا عبيد الله
ابن محمد بن حبابة، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز
البغوي، قال: حدثنا خلف بن هشام البزار، قال: قيل لمالك بن
أنس - وأنا أسمع -: حدثك طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن
القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي وَّ قال: من نذر أن
يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه؟ فقال مالك:
نعم(٢).
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا الحسن بن الخضر
الأسيوطي؛ وحدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا أحمد بن محمد
ابن عثمان بن أبي التمام، وأحمد بن محمد بن موسى بن عیسی
الحضرمي، قالوا: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، قال أخبرنا قتيبة
ابن سعيد، عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك، عن القاسم، عن
عائشة، أن رسول الله وَلّ قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن
نذر أن يعصي الله فلا يعصه(٣).
قال أبو عمر:
زعم قوم أن هذا الحديث لم يروه عن القاسم بن محمد إلا طلحة
ابن عبد الملك هذا، وقد وجدناه لمحمد بن أبان، عن القاسم بن
(١) و(٢) و(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٣٢٢٠
محمد مثله: حدثني سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال
حدثنا أبان بن يزيد، قال حدثني يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن
أبان، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن النبي وَّ قال: من
نذر أن يعصي الله فلا يعصه(١) .
وحدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن
یحیی، قال: حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب، قال: حدثنا أحمد
ابن عمرو بن عبد الخالق، قال حدثنا هدبة بن خالد، قال: حدثنا
أبان بن يزيد، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن أبان،
عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي وَلّ - مثله سواء(٢)،
ليس فيه ذكر الطاعة.
ومحمد بن أبان هذا، هو محمد بن أبان المزني اليمامي، ليس هو
محمد بن أبان بن صالح الكوفي، ذاك ضعيف عندهم؛ وقيل إن
محمد بن أبان هذا، لم يرو عنه إلا يحيى بن أبي كثير، وهو
مجهول، وقال آخرون هو مدني، معروف، روى عنه الأوزاعي
أيضا، وله عن القاسم وعروة وعون بن عبد الله رواية، وهذا هو
الصحيح، وهو شيخ بمامي، ثقة، وحسبك برواية يحيى بن أبي
کثیر، والأوزاعي عنه.
وفي هذا الحديث من الفقه، ما يرد قول العراقيين فيمن نذر معصية
أن عليه كفارة يمين مع تركها، لأن رسول الله وَخلال، لم يأمر في هذا
الحديث بكفارة لمن نذر المعصية، وإنما أمر بترك المعصية لا غير.
(١) و(٢) حم (٢٠٨/٦). حب: الإحسان (٤٣٩٠/٢٣٥/١٠) . الطحاوي في شرح معاني
الآثار (٤٨٢٩/١٣٣/٣). البخاري في التاريخ الكبير (٣٣/١-٣٤). أبو يعلى (٤٨٦٣).

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٣٢٣
وأما حديث ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي
وَخلفه أنه قال: ((لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين))(١) فحديث
منكر عند جماعة أهل العلم بالحديث، وإنما انفرد به عن الزهري
سليمان بن أرقم، وسليمان بن أرقم، متروك الحديث عند جمیعهم،
وكذلك أيضا، حديث عمران بن حصين في ذلك، لا يصح(٢)،
لأنه يدور على محمد بن الزبير الحنظلي، وهو ضعيف، في حديثه
مناكير، لا يختلفون في ذلك.
وعلى ما ذكرت لك أن لا كفارة على من نذر معصية إلا تركها،
فقهاء الحجازيين، منهم مالك، والشافعي، ومن تابعهم.
وفي هذا الحديث من الفقه، أن كل من جعل على نفسه نذرا أن
يعصي الله، كالجاعل عليه إن الله شفى مريضه، أو رد غائبه، أو
نحو ذلك، أن يشرب الخمر، أو يقتل، أو يزني، أو يظلم أحدا،
(١) د (٣٢٩٠/٥٩٤/٣) وقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أفسدوا علينا هذا الحديث. قيل
له: وصح إفساده عندك؟ [و] هل رواه غير ابن أبي أويس ... وقال الخطابي ((لو صح هذا
الحديث لكان القول به واجبا والمصير إليه لازما، إلا أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه
حديث مقلوب،.)). ت (١٥٢٤/٨٧/٤) وقال: هذا حديث لا يصح لأن الزهري لم يسمع
هذا الحديث من أبي سلمة قال: سمعت محمدا- يعني البخاري- يقول: روى غير واحد منهم
موسى بن عقبة وابن أبي عتيق عن الزهري عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير عن
أبي سلمة عن عائشة عن النبي ◌َّ. قال محمد: والحديث هو هذا.
ن (١٤٥/٢). جه (١ /٢١٢٥/٦٨٦). انظر الإرواء (٢٥٩٠) وانظر أيضا النهج السديد في
تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد. ص٧٥ .
(٢) حديث عمران بن حصين المشار إليه من طرف الحافظ ابن عبد البر نصه ( لانذر في غضب،
وكفارته كفارة يمين). حم (٤٣٣/٤- ٤٤٠-٤٤٣). ن (٣٨٥١٠.٣٨٤٩/٣٥/٧). الطيالسي
(٨٣٩). والطحاوي في المشكل (٤٢/٣-٤٣) وفي شرح معاني الآثار (٤٨٠٧/١٢٩/٣).
وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٩٧) والبيهقي (١٠/ ٧٠). والخطيب في التاريخ (٥٦/١٣). وسند
الحديث ضعيف جدا فيه محمد بن الزبير الحنظلي متروك كما في التقريب.

فتح البر
٣٢٤,
ونحو ذلك من المعاصي صغائرها وكبائرها، وكالقائل مبتدئا: لله
علي أن أقتل فلانا، أو أشهد عليه بزور، أو أبغي عليه وأشفي
غيظي بأذاه، وما أشبه ذلك من قليل المعاصي وكثيرها؛ فلا يلزمه
شيء في ذلك كله، لأنه من خطوات الشيطان، وعليه تركه فرضا
واجبا، ولا كفارة عليه غير ذلك، بظاهر هذا الحديث، لأنه لم يأمره
فيه النبي وَ خلّ بكفارة، وكذلك من نذر ما ليس بطاعة، فليس عليه
الوفاء به عند مالك، ولا كفارة عليه، وقال مالك في تأويل هذا
الحديث: إن حلف أن يمشي إلى الشام، أو إلى مصر، وأشباه ذلك
مما ليس فيه طاعة، فليس عليه في ذلك شيء، لأنه ليس لله تعالى
فيه طاعة.
وأما قول مالك فيمن قال: أنا أحمل هذا العمود أو غيره إلى
مكة، طلب المشقة: فليحج غير حامل شيئا، ويهدى، فقد أنكروا
عليه إيجاب الهدي في هذا ومثله، وقد مضى القول في هذه
المسألة، في باب ثور بن زيد والحمد لله.
وقد اختلف الصحابة والتابعون، وسائر الفقهاء في مسائل من هذا
الباب، نحو قول الإنسان علي نذر أن أنحر ابني عند مقام إبراهيم،
وما أشبه ذلك، واختلف أيضا فيه قول مالك، والذي يوجبه ظاهر
هذا الحديث، أن لا شيء عليه، وهو الصواب من القول في ذلك -
والله أعلم.
وسنذكر اختلاف العلماء في هذا الباب، وحجة كل فرقة منهم -
إن شاء الله في غير هذا الموضع.

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٣٢٥
وأما من نذر شيئا لله فيه طاعة، فواجب عليه الإتيان به،
كالصلاة، والصيام، والصدقة، والعتق، وما أشبه ذلك من طاعة
الله؛ وهذا ما لا خلاف بين علماء المسلمين فيه، ويشد ذلك قول الله
عز وجل ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِلْعُقُودٍ﴾ [المائدة: (١)]. وتأويل
ذلك: العقود التي لا معصية فيها، لبيان رسول الله وَ ظله ذلك.
فمن قال: لله علي نذر إن لم أشرب الخمر، ولم أقتل فلانا،
فإنما هو رجل نذر نذرا لم يجعل له مخرجا إن سلمه الله من قتل
فلان، أو من شرب الخمر، فعليه أن يفي بنذره، وكل نذر لا مخرج
له، ولا نية لصاحبه، فكفارته كفارة يمين، ثبتت بذلك السنة، وعلى
ذلك جمهور علماء الأمة، فأغنى عن الإكثار فيه، وقد ذكرناه
مجودا في باب ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله - والحمد لله.
وقد أثنى الله تعالى على قوم كانوا يوفون بالنذر، ويخافون يوما كان
شره مستطیرا .
ومن نذر ما لا معصية فيه ولا طاعة، فقد اختلف الفقهاء في
ذلك: فقال قوم: واجب عليه الإتيان بذلك، لأنه مباح. وقال
آخرون: لا يجب عليه من النذر، إلا ما كان لله فيه طاعة، وقصة
أبي إسرائيل من حديث جابر وابن عباس(١)، تدل على صحة هذا
القول، وقد ذكرنا ذلك في باب ثور بن زيد، من كتابنا هذا، وبالله
تعالى التوفيق.
(١) قصة أبي اسرائيل المشار إليها رواها البخاري (٦٧٠٤/٧١٨/١١) وغيره وهذا نصها من
صحيح البخاري بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بينا النبي ◌َّ يخطب إذا هو
برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم
ويصوم. فقال النبي وَ لقر: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه)) وسيأتي تخريجه
كاملا .

فتح البر
٣٢٦
قال أبو عمر:
لم يفت يحيى بن يحيى في الموطأ، حديث من أحاديث
الأحكام، مما رواه غيره في الموطأ، إلا حديث طلحة بن عبد الملك
هذا، وسائر ما رواه غيره من الأحاديث في الموطأ، إنما هي أحاديث
من أحاديث الجامع ونحوه، ليست في أحكام، وأكثرها أو كلها
معلولة، مختلف فيها عن مالك، وقد توبع يحيى، تابعه جماعة من
رواة الموطأ على سقوط كل ما أسقط من تلك الأحاديث من الموطأ،
إلا حديث طلحة هذا وحده، وما عداه فقد تابعه على سقوطه من
الموطأ قوم، وخالفه آخرون؛ وقد ذكرنا ذلك في آخر هذا الباب،
ويحيى آخرهم عرضا، وما سقط من روايته، فعن اختيار مالك
تمحيصه، والله أعلم.

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٣٢٧
يجزيك من ذلك الثلث
*
[١٢] مالك، عن عثمان بن حفص بن عمر بن خلدة، عن ابن شهاب أنه بلغه
أن أبا لبابة بن عبد المنذر حین تاب الله علیه، قال: یا رسول الله، أهجر دار
قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك، وأنخلع من مالي صدقة إلى الله
ورسوله؟ فقال رسول الله وَ لجر: ((يجزيك من ذلك الثلث))(١).
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند يحيى بن يحيى وطائفة من
رواته، منهم: ابن القاسم، وروته طائفة، منهم: التنيسي عبد الله
ابن يوسف في الموطأ عن مالك أنه بلغه أن أبا لبابة حين تاب الله
عليه - الحديث لم يذكر عثمان بن حفص ولا ابن شهاب، وليس
هذا الحديث في الموطأ عند القعنبي، ولا أكثر الرواة، ورواه العقيلي
عن یحیی بن أيوب، عن ابن بکیر، عن مالك، عن عمر بن حفص
ابن عمر بن خلدة، عن ابن شهاب، أن أبا لبابة حين تاب الله عليه
- فذكر الحديث. هكذا قال فيه العقيلي عن يحيى بن أيوب، عن
ابن بكير: عمر بن حفص ـ وأدخله في باب عمر من تاريخه
الكبير، وهذا غلط فاحش، ولا يعرف عمر بن حفص بن خلدة في
هذا الحديث ولا غيره، وإنما يعرف عمر بن خلدة جد عثمان شيخ
مالك على ما قدمنا ذكره؛ فابن بكير وهم حين جعل في موضع
عثمان عمر، والعقيلي أيضا جهل ذلك فأدخله في باب عمر - ولم
يبين أمره، وليس هذا الحديث عند ابن بكير في الموطأ ولا أحد من
رواة الموطأ.
(١) حم (٤٥٢/٣-٤٥٣). د (٣٣١٩/٦١٣/٣-٣٣٢٠). البيهقى (٤/ ١٨٠-١٨١).
حب: الإحسان (٣٣٧١/١٦٥/٨).

فتح البر
٣٢٨٠
وروى ابن وهب هذا الحديث في موطئه عن يونس بن يزيد، أنه
أخبره عن ابن شهاب، قال: أخبرني بعض بني أبي السائب بن أبي
لبابة، أن أبا لبابة حين ارتبط فتاب الله عليه، قال: يا رسول الله،
إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك،
وأنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله. فقال رسول الله وَ الجيه:
يجزي عنك الثلث. فقد بان في رواية يونس عن ابن شهاب البلاغ
الذي ذكره مالك عن ابن شهاب في هذا الخبر، وعند ابن شهاب في
نحو معنى حديث أبي لبابة هذا حديث كعب بن مالك وهو متصل
صحيح، ذكره ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب،
قال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، أنه قال الرسول
الله وَله: يا رسول الله: أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله؟
فقال له رسول الله وَ جله: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك(١).
ويحتمل أن يكون البعض في هذا الحديث هو الثلثان في حديث أبي
لبابة- والله أعلم.
وقد ذكر إبراهيم بن إسماعيل بن علية، عن أبيه، عن الزهري،
عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه؛ وعن ابن أبي لبابة عن أبيه، ولا
يتصل حديث أبي لبابة- فيما علمت ولا يستند، وقصته مشهورة في
السير محفوظة .
روى عبد الرزاق، ومحمد بن ثور، وأبو سفيان المعمري كلهم
عن معمر، عن الزهري، في قول الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾ [الأنفال: (٢٧)] الآية، نزلت
(١) حم (٤٥٤/٣-٤٥٦) (٣٨٧/٦). خ (٢٧٥٧/٤٨٥/٥). م (٤ / ٢٧٦٩/٢١٢٠).
د (٦١٢/٣-٣٣١٧/٦١٣). ت (٣١٠٢/٢٦٣/٥). ن (٣٨٣٢/٢٩/٧).

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٣٢٩
في أبي لبابة لما بعثه النبي وَّ إلى بني قريظة، فأشار إلى حلقه: إنه
الذبح. فقال أبو لبابة: لا والله، لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى
أتوب ويتوب الله علي، فمكت سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا
شرابا حتى يخر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه؛ فقيل له: يا أبا
لبابة، قد تيب عليك؛ قال: لا والله لا أحل نفسي حتى يكون
رسول الله ﴾﴾﴾ هو يحلني، فجاء فحلہ بیده؛ ثم قال له أبو لبابة: یا
رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها
الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله ورسوله. فقال:
يجزئك الثلث- أن تصدق به يا أبا لبابة، وذكر ابن إسحاق هذه
القصة فجودها(١):
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا عبيد بن عبد الواحد، قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب،
قال حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق في قصة بني قريظة-
فذكرها بطولها وتمامها، وذكر خروج رسول الله وَل إليهم مع
أصحابه بعد انصراف الأحزاب عن المدينة، قال: وحاصرهم رسول
الله وَّ خمسا وعشرين ليلة، فذكر قول حيي بن أخطب لهم- قال:
ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله وَ﴿﴿ أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد
المنذر أخا بني عمرو بن عوف- وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في
أمرنا، فأرسله رسول الله وَل إليهم: فلما رأوه قام إليه الرجال،
وجهش إليه النساء والصبيان- ييكون في وجهه، فرق لهم وقالوا
له: يا أبا لبابة، ترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم- وأشار
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٣٣٠
بيده على حلقه إنه الذبح- قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من
مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ؛ ثم انطلق أبو لبابة
على وجهه- ولم يأت رسول الله وَخلال حتى ارتبط في المسجد إلى
عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما
صنعت؛ وأعاهد الله ألا أطأ بني قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خنت
الله ورسوله فيه أبدا؛ فلما بلغ رسول الله خبره وكان قد استبطأه،
قال: أما إنه لو جاءني لا ستغفرت له، فأما إذا فعل ما فعل، فما أنا
بالذي يطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه(١).
قال: فحدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط أن توبة أبي لبابة نزلت
على رسول الله وَخّل وهو في بيت أم سلمة، قالت أم سلمة:
فسمعت رسول الله وَ ﴿﴿ من السحر وهو يضحك، قالت: فقلت له:
مم تضحك- أضحك الله سنك قال: تيب على أبي لبابة، قالت:
فقلت: أفلا أبشره يا رسول الله؟ قال: بلى- إن شئت، قال:
فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب،
فقالت: يا أبا لبابة أبشر، فقد تاب الله عليك، قالت: فثار الناس
إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله و10َ هو الذي
يطلقني، فلما مر عليه خارجا إلى الصبح أطلقه (٢).
وذكر ابن هشام هذه القصة عن زياد، عن ابن إسحاق، ثم قال
ابن هشام: أقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع- ست ليال، تأتيه امرأته في
كل وقت الصلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع فيما حدثني
(١) و(٢) هق في دلائل النبوة: (١٥/٤-١٦-١٧). وذكره ابن كثير في البداية والنهاية
(١١٩/٤) وقال: هكذا رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة وكذا ذكره محمد بن
إسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري ومثل رواية أبي الأسود عن
عروة.

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٣٣١
بعض أهل العلم؛ قال: والآية التي نزلت في توبته: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ
بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
تَّحِيمُ
[التوبة: (١٠٢)].
١٠١
ذكر سنيد قال: حدثني من سمع سفيان بن عيينة يحدث عن
إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى قال في
قوله عزوجل ((يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا
أماناتكم)) نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، وذكر بقي بن مخلد
قال: حدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا يونس، قال: حدثني
عنبسة بن الأزهر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، قال: نزلت
((يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم
تعلمون)) في أبي لبابة، أشار إلى بني قريظة حيث قالوا ننزل على
حكم سعد قال لا تفعلوا، فإنه الذبح- وأمر يده على حلقه. قال
بقي: وحدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي، قال حدثنا سفيان بن
عيينة، عن ابن أبي خالد، قال سمعت عبد الله بن أبي قتادة، قال:
نزلت في أبي لبابة: ((يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول
وتخونوا أماناتكم)) قال سفيان: هكذا قرأ.
قال أبو عمر:
قد قرأ: أمانتكم على التوحيد-جماعة، والصواب عندي والله
أعلم في حديث سفيان بن عيينة هذا عبد الله بن أبي قتادة، لا عبد
الله بن أبي أوفى- وإن كان إسماعيل بن أبي خالد سمع من ابن أبي
أوفى واسم أبي لبابة بشير، وقيل رفاعة وقد ذكرناه ونسبناه في كتابنا
في الصحابة .

فتح البر
٣٣٢٠
وذكر علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (( وتخونوا
أماناتكم)) قال: ما افترض عليكم من الفرائض، وكذلك قال
الضحاك بن مزاحم؛ وقال يزيد بن أبي حبيب وغيره هو الاغلال
بالسلاح في المغازي والبعوث.
حدثنا أحمد بن فتح، قال حدثنا أحمد بن الحسن الرازي، حدثنا
أحمد بن داود بن موسى المكي، حدثنا عبيد الله بن محمد بن
عائشة، وعبد الأعلى بن حماد، قالا حدثنا حماد بن سلمة، عن
عبد الله بن المختار، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن
الزبير، عن عمر بن الخطاب أن رسول الله وَله قال: من سرته
حسنته، وساءته سیئته، فهو مؤمن(١).
وأما قوله في الحديث: يجزئك منه الثلث، فإن مالكا ذهب إلى
أن من حلف بصدقة ماله كله في المساكين ثم حنث، أنه يجزئه من
ذلك الثلث، وهو قول ابن شهاب.
وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن
سعيد بن المسيب- مثله. قال مالك: فإن حلف حالف بصدقة شيء
من ماله بعينه- ثم حنث، لزمه أن يخرجه كله- وإن كان أكثر من
الثلث؛ وإن حلف مرارا بصدقة ماله ثم حنث مرارا، فإنه يخرج
ثلث ماله يوم حلف كل مرة مرة بعد مرة- إذا كانت يمينه وحنثه مرة
بعد مرة؛ وأصل مالك فيما ذهب إليه في هذا الباب: حديث أبي
لبابة هذا وهو حديث منقطع لا يتصل إسناده إلا على ما ذكرنا-
والله أعلم.
(١) حم (١٨/١). ت (٢١٦٥/٤٠٤/٤) بسند آخر عن عمر، وقال: حديث حسن

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٣٣٣,
وفيه حديث كعب بن مالك في معنى حديث أبي لبابة، وهو
حديث متصل صحيح؛ وأما سائر العلماء، فإنهم اختلفوا في ذلك:
فذكر أبو عبد الله المروزي وغيره عن الحارث العكلي، والحكم بن
عتيبة، وابن أبي ليلى- فيمن حلف بماله في المساكين صدقة، إنه
ليس عليه شيء من كفارة ولا غيرها- ذهبوا إلى أن اليمين لا تكون
إلا بالله عز وجل، لأن النبي وَ لّ قال: لا تحلفوا إلا بالله(١)، قالوا:
فمن حلف بغير الله فهو عاص، وليس عليه كفارة، ولا عليه أن
يتصدق بماله ولا بشيء منه لأنه لم يقصد به قصد التقرب إلى الله
عزوجل بالصدقة، ولا نذر ذلك فليزمه الوفاء به، وإنما أراد اليمين.
قال أبو عمر:
وإلى هذا ذهب محمد بن الحسن، وبه قال داود بن علي وغيره،
وهو مذهب عبد الرحمن بن كيسان الأصم وجماعة؛ قال: أبو عبد
الله المروزي؛ ويروى عن عمر بن الخطاب وعائشة، وابن عمر،
وابن عباس، وحفصة، وأم سلمة أنهم قالوا: من حلف بصدقة ماله
ثم حنث، عليه كفارة يمين، وهو قول الشافعي، وأحمد بن حنبل،
وأبي عبيد، وأبي ثور.
وذكر المروزي عن أصحاب الرأي أنهم قالوا: يتصدق من ماله بما
تجب فيه الزكاة من الذهب والفضة والمواشي، ولا يجب عليه أن
يتصدق بشيء من العقار والمتاع وسائر الأموال غير ما تجب فيه الزكاة
من العين والحرث والمواشي.
(١) عبد الرزاق مرسلا عن الحسن ومحمد بن سيرين (١٦٠٣٤/٤٩٥/٨).

فتح البر
٣٣٤
قال أبو عمر:
هكذا ذكر المروزي عن أصحاب الرأي أبي حنيفة وأصحابه،
والمشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه فيمن حلف بصدقة ماله أنه
يخرجه كله، ولا يترك لنفسه إلا ثيابه التي تواري عورته ويقومها؛
فإذا أفاد قيمتها أخرجها وأظن هؤلاء حكموا فيه بحكمهم في المفلس
الذي يقسم عندهم ماله بين غرمائه، ويترك له ما لابد منه حتى
يستفيد فيؤدي إليهم.
وأما محمد بن الحسن، فالذي قدمنا ذكره عنه هو مذهبه فيما
ذكره الطحاوي وغيره، وقد روي عن ابن عباس، وابن عمر، وابن
الزبير، نحوالذي ذكر المروزي عن أصحاب الرأي.
أخبرنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا أحمد بن دحیم، قال حدثنا
البغوي، قال حدثنا داود بن عمرو الضبي، قال حدثنا مسلم بن
خالد، قال حدثنا إسماعيل بن أمية، عن رجل يقال له عثمان بن
حاضر، قال إسماعيل: وكان رجلا صالحا قاصا- أن رجل قال
لامرأته: اخرجي في ظهري، فأبت أن تخرج، فلم يزل الكلام
بينهما حتى قالت هي: تنحر نفسها وجاريتها حرة، وكل مال لها في
سبيل الله- إن خرجت، ثم بدا لها فخرجت قال عثمان بن حاضر:
فأتتني تسألني، فأخذت بيدها فذهبت بها إلى ابن عباس، فقصت
عليه القصة؛ فقال ابن عباس: أما جاريتك فحرة، وأما قولك:
تنحرين نفسك، فانحري بدنة، ثم تصدقي بها على المساكين. وأما
قولك: مالي في سبيل الله، فاجمعي مالك كله فأخرجي منه مثل ما
يجب فيه من الصدقة؛ قال: ثم ذهبت بها إلى ابن عمر، فقال لها

استقابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٣٣٥
مثل ذلك، ثم ذهبت بها إلى ابن الزبير، فقال لها مثل ذلك؛ قال:
أحسب أنه قال: ثم ذهبت بها إلى جابر بن عبد الله، فقال مثل
قولهم؛ فأما الثلاثة، فقد أتيتهم، وقال قتادة وجابر بن زيد فيمن
حلف بصدقة ماله- وحنث، يتصدق بخمسه؛ ذكره ابن علية عن
سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد؛ وقال به قتادة على اختلاف
عنه، وقد روي عنه كفارة يمين. وقال ابن علية: عليه أن يتصدق
بجميع ماله، ويمسك ما يستغني به عن الناس؛ فإذا استفاد مالا
تصدق بقدر ما أمسك. وقال إسحاق بن راهويه: يتصدق بكفارة
الظهار على ترتيبها .
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: يؤدي زكاة ماله لا غير، ذكره
محمد بن الجهم، عن إبراهيم الحربي ، عن الحسن بن عبد العزيز،
عن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب قال: كان ربيعة يقول فيمن
حلف بصدقة ماله فحنث- وذكره؛ وكان عبد الله بن وهب يقول في
الحالف بصدقة ماله- إذا حنث: إن كان مليا أخذت فيه بقول مالك
أنه يخرج ثلث ماله، وإن كان فقيرا فكفارة يمين؛ وإن كان متوسطا
أخذت فيه بقول ربيعة إنه يطهر ماله بالزكاة .
وروي عن القاسم، وسالم، فيمن حلف بصدقة ماله أو بصدقة
شيء من ماله، قالا: يتصدق به على بناته، وهذا عندي- من
قولهما دليل على أنه لا يلزمه شيء عندهما، فأحبا له ما ذكر - والله
أعلم.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان- أن قاسم بن أصبغ حدثهم،
قال: حدثنا محمد بن عبد السلام، قال: حدثنا محمد بن بشار،

فتح البر
= ٣٣٦
قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، قال: سألت الحكم
وحمادا عن رجل قال: إن فارقت غريمي، فمالي عليه في المساكين
صدقة. قالا: ليس بشيء، قال شعبة: وقاله ابن أبي ليلى.
وروي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، وطاوس، والحسن،
وسليمان بن يسار، والقاسم، وسالم، وقتادة- فيمن حلف بصدقة
ماله فحنث؛ قالوا: كفارة يمين- عن عائشة قالت: كل يمين- وإن
عظمت لا يكون فيها طلاق ولا عتاق، فيكفرها كفارة يمين؛ وهو
قول الشافعي، والثوري، والأوزاعي، وبه قال ابن وهب، وأبو زيد
ابن أبي الغمر، وعليه أكثر أهل العلم. قال الشافعي: الطلاق
والعتاق من حقوق العباد، والكفارات إنما تلزم في حقوق الله لا في
حقوق العباد.
قال أبو عمر:
لا خلاف بين علماء الأمة- سلفهم وخلفهم: أن الطلاق لا كفارة
فيه، وأن اليمين بالطلاق كالطلاق على الصفة، وأنه لازم مع وجود
الصفة، واختلفوا فيما عدا الطلاق من الأيمان، وقد ذكرنا اختلافهم
ههنا فيمن حلف بصدقة ماله، لأن الحديث المذكور في هذا الباب
ليس فيه إلا معنى ذلك، دون ما سواه؛ فأما وجوه أقوالهم في
ذلك، فوجه قول مالك ومن تابعه: حديث ابن شهاب في قصة أبي
لبابة، ووجه قول الحکم بن عتيبة ومن تابعه قد ذكرناه، ووجه قول
من أوجب في ذلك كفارة يمين - عموم قول الله - عز وجل: ﴿ ذَلِكَ
كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: (٨٩)]. يعني فحنثتم، فعم الأيمان
كلها إلا ما أجمعوا عليه منها، أو ما كان في معنى ما أجمعوا عليه

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٣٣٧
من حقوق العباد؛ ولقائل هذا القول سلف من الصحابة رضي الله
عنهم، وهو أعلى ما قيل في هذا الباب؛ ووجه حديث أبي لبابة
عند القائلين بهذا القول: أنه كان على المشورة منه لرسول الله وَالخالد
في هجره دار قومه، والخروج عن ماله إلى الله ورسوله؛ لا أنه
حلف- فأشار عليه رسول الله وَّله إذ شاوره بأن يمسك على نفسه
ثلثي ماله، ويتقرب إلى الله بالثلث- شكرا لتوبته عليه من ذنبه
ذلك- هذا على أن حديثه أيضا منقطع لا يتصل بوجه من الوجوه-
والله أعلم.

٣٣٨
فتح البر
ما تعبدنا الله بتعذيب أنفسنا
[١٣] مالك، عن حميد بن قيس وثور بن زيد أنهما أخبراه عن رسول الله وَ لتر)
وأحدهما يزيد في الحديث على صاحبه، ((أن رسول الله وَ لفل رأى رجلا
قائما في الشمس فقال: ما بال هذا؟ قالوا نذر ألا يتكلم ولا يستظل ولا
يجلس ويصوم، فقال رسول الله ير: مروه فليتكلم، وليستظل، وليجلس،
ولیتم صيامه)).
قال مالك: ولم أسمع أن رسول الله وَله أمره بكفارة، وقد أمره
أن يتم ما كان لله طاعة، وأن يترك ما كان لله معصية.
قال أبو عمر:
هذا الحديث يتصل عن النبي وَخَلّ من وجوه، منها حديث
جابر (١) وابن عباس(٢)، ومن حديث قيس بن أبي حازم عن أبيه
عن النبي وَلّ، ومن حديث طاووس(٣) عن أبي إسرائيل رجل من
أصحاب النبي عليه السلام، وأظن والله أعلم أن حديث جابر هو
هذا، لأن مجاهدا رواه عن جابر، وحمید بن قیس صاحب مجاهد
وفيه دليل على أن السكوت عن المباح أو عن ذكر الله ليس من طاعة
(١) من حديث جابر: في سنده ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. وذكره الهيثمي في المجمع
(٤/ ١٩٠) من حديث جابر أيضا. وقال رواه الطبراني في الأوسط وفيه حجاج بن أرطاه
وهو مدلس.
(٢) من حديث ابن عباس: خ (٦٧٠٤/٧١٨/١١). د (٥٩٩/٣ - ٣٣٠٠/٦٠٠). جه
(٢١٣٦/٦٩٠/١).
(٣) من حديث طاوس عن أبي إسرائيل: حم (١٦٨/٤). البيهقي (٧٥/١٠) وقال: هذا مرسل
جید .

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٣٣٩,
الله، وكذلك الجلوس للشمس، وفي معناه كل ما يتأذى به الإنسان
مما لا طاعة فيه بنص كتاب أو سنة. وكذلك الحفا وغيره مما لم ترد
الشريعة بعمله، لا طاعة لله فيه ولا قربة وإنما الطاعة ما أمر الله به
ورسوله بالتقرب بعمله إلى الله تبارك اسمه. وقد جاء عن مالك في
هذا الباب مسألة ذكرها في موطأه في الرجل يقول للرجل أنا
أحملك إلى بيت الله. قال: إن نوى أن يحمله على رقبته يريد
بذلك المشقة، فليس ذلك عليه، وليمش على رجليه وليهد، وإن لم
يكن نوى شيئا من ذلك فليحج وليركب وليحج به معه إن أطاعه
وان أبى فلا شيء عليه، وقد أنكر قوم على مالك إيجاب الهدي في
هذه المسألة على الذي نوى أن يحمله على رقبته، وقالوا ليس هذا
أصله فيمن ترك الوفاء بما لا طاعة فيه من نذره أن يكفر بهدي أو
غيره، لأن حمله على رقبته ليس لله فيه طاعة وهو يشبه نذر الذي
نذر أن لا يتكلم ولا يستظل وقد سئل إسماعيل القاضي عن هذا
فقال: لو قدر أن يحمله لكان طاعة، قال: ومن هنا وجب عليه
الهدي عند مالك ولم يجعله كالمستظل والمتكلم بعد نذره أن لا
يستظل ولا يتكلم.
قال أبو عمر:
أصل مالك الذي لم يخالفه فيه أحد من أصحابه أن من نذر ما
فيه لله طاعة بما لا طاعة فيه لزمه الوفاء بما فيه طاعة وترك ما سواه،
ولا شيء عليه لتركه، وذلك كمن نذر أن يمشي إلى بيت المقدس
للصلاة فيه، فينبغي له أن يقصد بيت المقدس، لما في ذلك من
الطاعة، وليس عليه قصده ماشيا، إذ المشي لا طاعة فيه ولا هدي
عليه، وهذا يقضي على المسألة الأولى ويقضي على أن من نذر

فتح البر
٣٤٠
المشي إلى الكعبة حافيا أنه ينتعل ولا شيء عليه، وإن كان مالك في
هذه كان يستحسن الهدي أيضا وليس بشيء. حدثني أحمد بن
محمد بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن الفضل الخفاف قال حدثنا
محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة بن
الفضل عن ابن إسحاق، عن أبان بن صالح عن مجاهد، عن جابر
ابن عبد الله قال: كان أبو إسرائيل رجلا من بني فهر فنذر ليقومن
في الشمس حتى يصلي النبي عليه السلام الجمعة، وليصومن ذلك
اليوم، فرآه النبي عليه السلام فقال: ((ما شأنه؟ فأخبروه، فأمره أن
يجلس ويستظل ويصوم، ولم يأمره بكفارة))(١). وهذا الحديث يدل
على أن كل ما ليس لله بطاعة حكمه حكم المعصية في أنه لا يلزم
الوفاء ولا الكفارة عنه، فإن ظن ظان أن إيجاب الكفارة بالهدى أو
غيره احتياط قيل له: لا مدخل للاحتياط في إيجاب شيء لم يوجبه
الله في ذمة بريئة، بل الاحتياط الكف عن إيجاب ما لم يأذن الله
بإيجابه، وفي هذا الحديث أيضا دليل على فساد قول من قال: إن
من نذر معصية كان عليه مع تركها كفارة يمين، فإن احتج محتج
بحديث عمران بن حصين وحديث أبي هريرة جميعا عن النبي عليه
السلام أنه قال: لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين(٢)، قيل
له: هذان حديثان مضطربان لا أصل لهما عند أهل الحديث، لأن
حديث أبي هريرة إنما يدور على سليمان بن أرقم، وسليمان بن
أرقم متروك الحديث، وحديث عمران بن حصين يدور على زهير
ابن محمد عن أبيه، وأبوه مجهول لم يرو عنه غير ابنه زهير، وزهير
أيضا عنده مناكير وقد بينا العلة في هذين الحديثين في باب طلحة بن
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) سبق تخريجه.