النص المفهرس

صفحات 201-220

الاعتصام بالكتاب والسنة
٢٠١
والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها؛
فهؤلاء كلهم يبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم
وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم؛ والمعلنون بالكبائر، المستخفون
بالمعاصي، وجميع أهل الزيغ والأهواء والبدع، كل هؤلاء يخاف
عليهم أن يكونوا عنوا بهذا الخبر، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد
ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان؛ وقد قال ابن القاسم -
رحمه الله: قد يكون من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل
الأهواء، وكان يقال: تمام الإخلاص: تجنب المعاصي.

٢٠٢
فتح البر
الحب من أجل السنة والبغض من أجلها
[١٤] مالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر، عن أبي الحباب، سعيد بن
يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله تبارك وتعالى يقول
يوم القيامة: أين المتحابون لجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا
ظلي))(١).
قال أبو عمر: أبو حباب، سعيد بن يسار هذا مدني، تابعي،
ثقة، لا يختلفون فيه، وهو مولى الحسن بن علي وقيل: بل هو مولى
شميسة امرأة كانت نصرانية فأسلمت على يدي الحسن بن علي،
وتوفي أبو الحباب سنة سبع عشرة ومائة.
وهذا الحديث في الموطأ بهذا الإسناد عند جماعة رواته فيما
علمت، وقد كان عند مالك فيه إسناد آخر، رواه إبراهيم بن
طهمان، عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَله: ((يقول الله عز وجل يوم القيامة: ((أين المتحابون
لجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)) ذكره أبو داود
وقال: كان عنده أيضا عن مالك حديث أبي طوالة عن أبي الحباب.
قال أبو عمر: معنى هذا الحديث واضح في فضل المتحابين في
الله، ومعنى قوله فيه، والله أعلم: أين المتحابون لجلالي؟ أين
المتحابون إجلالا لي، ومحبة فيّ، فمن إجلال الله عز وجل: إجلال
أولياء الله ومحبتهم كما جاء في الأثر: من إجلال الله عز وجل
(١) حم (٢٣٧/٢ -٣٣٨-٣٧٠ -٥٣٥). م (٤ / ١٩٨٨ / ٢٥٦٦).

الاعتصام بالكتاب والسنة
٢٠٣
إجلال ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي
عنه. وإذا كان ذكرهم وذكر فضائلهم عمل بر، فما ظنك بحبهم
وإخلاص الود لهم.
قرأت على أبي عثمان سعيد بن نصر: أن قاسم بن أصبغ حدثهم
قال: حدثنا ابن وضاح قال: سمعت ابن أبي إسرائيل يقول:
سمعت سفيان بن عيينة يقول: عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة،
قال: وسمعت ابن أبي إسرائيل يقول: سمعت سفيان يقول: اسلكوا
سبيل الحق، ولا تستوحشوا من قلة أهله.
وذكر أبو عبيد قال: حدثنا معاذ بن معاذ، عن عوف بن أبي
جميلة، عن زياد بن مخراق، عن أبي كنانة، عن أبي موسى
الأشعري، قال: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل
القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وذي السلطان المقسط))(١)
وقد روي مرفوعا عن النبي وَلاّ أنه قال: ((من تعظيم جلال الله
إكرام ثلاثة: الإمام المقسط، وذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن
غير الغالي فيه ولا الجافي عنه))(٢) من وجوه فيها لين، وحملة القرآن
هم العاملون بأحكامه، وحلاله وحرامه، والعاملون بما فيه، ومن
أوثق عرى الإسلام: البغض في الله، والحب في الله .
حدثنا محمد بن عبد الملك، حدثنا عبد الله بن مسروق حدثنا
عیسی بن مسکین، حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر، حدثنا
عارم، حدثنا الصعق بن حزن، عن عقيل الجعدي، عن أبي
إسحاق، عن سويد بن غفلة، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله
(١) خ في ((الأدب المفرد)) (٣٥٧) وحسنه الألباني في: ((صحيح الأدب المفرد)) [٢٧٤].
(٢) د (٤٨٤٣/١٧٤/٥). قال الحافظ في ((التلخيص))(١١٨/٢): إسناده حسن.

فتح البر
٢٠٤
وَاخله: ((يا عبد الله بن مسعود، قلت: لبيك يا رسول الله، قال:
تدري أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال:
الولاية في الله: الحب والبغض فيه))(١).
وذكر يعقوب بن شيبة قال: حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن
سلمة، عن ثابت، عن مسلم بن يسار، قال: ما من عملي شيء إلا
وأنا أخاف أن يكون قد دخله ما يفسده، إلا الحب في الله. قال:
وحدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا عمران القطان، عن قتادة عن مسلم
بن يسار قال: مرضت مرضة فلم يكن في عملي شيء أوثق في
نفسي من قوم كنت أحبهم في الله. وذكر ابن المبارك عن فضيل بن
غزوان، عن أبي إسحاق، عن أبي أبي الأحوص، عن عبد الله في
قوله: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: (٦٣)]. قال: نزلت في المتحابين في الله.
وحدثنا محمد بن عبد الملك، حدثنا عبد الله بن مسرور، حدثني
عيسى بن مسكين، حدثنا ابن سنجر، حدثنا سعيد بن سليمان،
حدثنا إسماعيل بن زكرياء، حدثنا ليث، عن عمرو بن مرة، عن
معاوية بن سويد بن مقرن، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله
وَخاله: ((إن أوثق عرى الإسلام أن تحب في الله، وتبغض في الله))(٢).
(١) البيهقي (٢٣٣/١٠). أبو نعيم في الحلية- (١٧٧/٤) وقال: غريب من حديث سويد وأبي
إسحاق تفرد به عقيل الجعدي. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) (١٦٨/١) وقال: رواه الطبراني
في الأوسط والصغير وفيه عقيل بن الجعد. قال البخاري: منكر الحديث. وقد نص الألباني
على أن للحديث طرقا أخرى يتقوى بها فحسنه بمجموع طرقه. انظر الصحيحة (١٧٢٨).
صحيح الجامع الصغير (٢٠٠٩/٤٠٣/١).
(٢) حم (٢٨٦/٤). ابن أبي شيبة في ((الايمان)) (١١٠ - تحقيق الألباني)، وفي سنده ليث بن أبي
سليم وهو ضعيف. والحديث حسن بمجموع طرقه، كما نص الألباني. (انظر التخريج الذي
قبله).

الاعتصام بالكتاب والسنة
٢٠٥
قال أبو عمر:
فمن الحب في الله: حب أولياء الله، وهم الأتقياء العلماء
الفضلاء، ومن البغض في الله: بغض من حاد الله وجاهر بمعاصيه،
أو ألحد في صفاته، وكفر به، وكذب رسله، أو نحو هذا كله. وأما
قوله ((في ظل الله)) فإنه أراد والله أعلم في ظل عرشه، وقد يكون
الظل كناية عن الرحمة كما قال: ((إن المتقين في ظلال وعيون
وفواكه)) يعني بذلك: ما هم فيه من الرحمة والنعيم، وقال: ﴿أُكُلُهَا
دَابِرٌ وَظِلُهَا﴾ [الرعد: (٣٥)]. وقد يكون كناية عن العذاب كما قال عز
[الواقعة: (٤٣ - ٤٤)]. ومن
٤٤
وجل ﴿ وَظِلٍ مِّنِ يَحْنُورٍ ®الَّا بَارِدٍ وَلَ كَرِيرٍ
كان في ظل الله يوم الحساب وقي شر ذلك اليوم، جعلنا الله برحمته
من المتحابين فيه ولوجهه، المستقرين تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله،
فإن ذلك من أفضل الأعمال، وأكرم اخلال.
أخبرنا خلف بن القاسم، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين بن
صالح السبيعي الحلبي بدمشق، حدثنا أبو الحسن علي بن إسماعيل
ابن سليمان الشعري حدثنا محمد بن محمد بن أبي الورد، حدثنا
سعيد بن منصور، حدثنا خلف بن خليفة، حدثنا حميد الأعرج،
عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول
الله وَظُله: ((أوحى الله عز وجل إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان
العابد: أما زهدك في الدنيا فتعجلت راحة نفسك، وأما انقطاعك
إلي: فتعززت بي، فماذا عملت فيما لي عليك؟ قال: وما ذاك
علي؟ قال: هل واليت وليا، أو عاديت عدوا))(١).
(١) الحلية (٣١٦/١٠). تاريخ بغداد (٢٠٢/٣). وذكره السيوطي في (الجامع الصغير)،
(٣/ ٧٠/ ٢٧٨٠) وضعفه.

فتح البر
٢٠٦
حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد، حدثنا أحمد بن الفضل بن
العباس، حدثنا الحسن بن علي الرامقي، حدثنا محمد بن عامر،
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن
سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قدمت امرأة
مضحكة من أهل مكة، فنزلت على امرأة مضحكة من أهل المدينة
ثم جاءت عائشة تسلم عليها، فقالت لها عائشة: أين نزلت؟ قالت:
على فلانة، فقالت عائشة: صدق الله ورسوله، سمعت النبي
صَلى الله
وَسلم
علـ
يقول: ((الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر
منها اختلف))(١)، ومن دعاء الفضل الرقاشي: اللهم لا تدخلنا النار
بعد أن أسكنت قلوبنا توحيدك، وأرجو أن لا تفعل، وإن فعلت
لتجمعن بيننا وبين قوم عادیناهم فيك.
وأخبرنا بعض أصحابنا قال: أملى علي أبو محمد عبد الله بن
عبد الرحمن بن محمد الأزدي في مسجد النبي وَلا من حفظه،
قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن يزيد الحلبي قاضي حلب
إملاءً من حفظه بمصر، حدثنا علي بن عبد الحميد الغضائري، حدثنا
محمد بن محمد بن أبي الورد، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا
خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن
عبد الله بن مسعود، عن النبي وَّ قال: أوحى الله إلى نبي من
الأنبياء: أن قل لفلان العابد: أما زهدك في الدنيا فتعجلت راحتك.
وأما انقطاعك إلي: فتعززت بي فماذا عملت فيما لي عليك؟ قال يا
رب: وما ذاك؟ فقال: هل واليت في وليا؟ أو عاديت في عدوا؟(٢))
(١) خ تعليقا في كتاب أحاديث الأنبياء (٦٠). باب [الأرواح جنود مجندة (٤٢٦/٦ الفتح].
(٢) تقدم تخريجه.

الاعتصام بالكتاب والسنة
٢٠٧
قال الأردني: هذا الحديث لم يسنده إلا محمد بن محمد بن أبي
الورد. والناس يوقفونه على ابن مسعود.
قال أبو عمر:
قد أخبرنا به أبو القاسم خلف بن القاسم الحافظ، عن أبي جعفر
أحمد بن إسحاق بن يزيد الحلبي، عن الغضائري بإسناده هذا موقوفا
على ابن مسعود من قوله لم يرفعه.
وأخبرنا بعض أصحابنا أيضا قال: أملى عليّ أبو بكر محمد بن
عبد الوهاب الأسفرايني الحافظ في المسجد الحرام من حفظه قال:
حدثنا أبو الفضل أحمد بن حمدون الفقيه، حدثنا علي بن عبد
الحميد، حدثنا بن أبي الورد-واسمه محمد- حدثنا سعيد بن
منصور، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله
بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله:
((أوحى الله إلى نبيه : أن قل لفلان الزاهد: أما زهدك في الدنيا:
فقد تعجلت راحة نفسك، وأما انقطاعك إلي: فقد تعززت بي،
فماذا عملت فيما لي عليك؟ قال: ومالك علي؟ قال: هل واليت
فيّ وليا أو عاديت فيّ عدوا؟(١)) قال الأسفرايني: هذا حديث
غريب، ورجاله ثقات، تفرد به ابن أبي الورد، عن سعيد بن
منصور.
قال أبو عمر:
أما قوله في هذا الحديث: ورجاله ثقات، فليس كما قال، لأن
حميد الأعرج هذا الذي يروي عن عبد الله بن الحارث، منكر
الحديث عند جميع أهل العلم بالنقل، وهو حميد بن علي أبو يحيى
(١) تقدم تخريجه.

فتح البر
٢٠٨
الأعرج، له عن عبد الله بن الحارث مناكير، منها: عن عبد الله بن
الحارث، عن ابن مسعود، عن النبي وَ لّ قال: ((كلم الله موسى يوم
كلمه وعليه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف وكمة
صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي(١)) رواه أيضا خلف بن
خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن
مسعود، عن النبي وَلاّ، وخلف بن خليفة ليس به بأس، أصله
الكوفة وسكن واسط. وإليها ينسب، ومات ببغداد سنة إحدى
و ثمانین.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن قاسم بن عبد
الرحمن، أن محمد بن معاوية، حدثهم قال: حدثنا أحمد بن
الحسن بن عبد الجبار الصوفي، حدثنا الهثيم بن خارجة، حدثنا
إسماعيل ابن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن
ميسرة، عن العرباض بن سارية، عن النبي وَجُلّ قال: ((قال الله تبارك
وتعالى: المتحابون لجلالي في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلالي (٢))
وليس في هذا الحديث حكم من أحكام الدنيا، ولا معنى يشكل،
وقد مضى في بسط معناه بالآثار وغيرها كفاية، وقد حدثنا محمد
ابن معاوية بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان
المروزي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا قيس، عن عمارة بن
القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عمر بن الخطاب
(١) العقيلي (١/ ٢٦٠) وأورده السيوطي في ((اللآليء المصنوعة)) - (١٦٣/١-١٦٤). والكناني في
(تنزيه الشريعة المرفوعة (٢٨٨/١). والحديث أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١/ ١٩٢).
(٢) حم (١٢٨/٤). قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٨٢/١٠): رواه أحمد والطبراني وإسنادهما
جید.

الاعتصام بالكتاب والسنة
٢٠٩
قال: قال رسول الله وَله: ((لله عباد، لا بأنبياء ولا بشهداء،
يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله عز وجل: قالوا: يا نبي
الله، من هم؟ وما أعمالهم؟ لعلنا نحبهم. قال: قوم تحابوا بروح
الله من غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، والله إن وجوههم
نور، وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا
يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: ﴿أَلََّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ
وَلَ هُمْ يَحْزَنُنَ
٦٢
[يونس: (٦٢)](١)، وقد حدثنا خلف بن القاسم
حدثنا محمد بن الحسين الحلبي، حدثنا علي بن إسماعيل الشعري،
حدثنا عبد الأعلى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي
رافع، عن أبي هريرة، عن النبي وَله: ((أن رجلا زار أخا له في قرية
أخرى، قال :- فأرصد الله على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال له
أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل له عليك من
نعمة تربها؟ قال: لا، ولكن أحببته في الله، قال: فإني رسول الله
إليك أنه قد أحبك كما أحببته فيه(٢)) وحدثنا خلف بن القاسم،
حدثنا محمد بن الحسين بن صالح الحلبي، حدثنا أبو علي حسن بن
محمد بن موسى بن أبي جعفر البطناني، حدثنا على بن الجعد،
حدثنا مبارك بن فضالة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله وَ له: ((ما تحاب رجلان في الله قط إلا كان أفضلهما
أشدهما حبا لصاحبه))(٣).
(١) د (٣٥٢٧/٧٩٩/٣).
(٢) م (٤ / ١٩٨٨/ ٢٥٦٧). البخاري في (الأدب المفرد) (٣٥٠).
(٣) خ في (الأدب المفرد) (٥٤٤). ك (١٧١/٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه. ووافقه الذهبي.

فتح البر
٢١٠
حدثنا عبد الرحمن بن يحيي، حدثنا أحمد بن سعيد، حدثنا
أحمد بن أبي عبيد اللؤلؤي، حدثنا علي بن حرب، حدثنا جعفر بن
عون، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال:
الأرواح جنود مجندة تتلاقى في الهواء فتشام كما تتشام الخيل، فما
تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولو أن مؤمنا جاء إلى
مجلس فيه مائة منافق، ليس فيه إلا مؤمن واحد، لقیض له حتى
يجلس إليه، وقد روى عن النبي وَخلال ((الأرواح جنود مجندة(١))
جماعة من الصحابة، منهم: ابن مسعود وغيره، إلا أن هذا اللفظ
قول ابن مسعود.
حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا الحسن
ابن علي الرامقي، حدثنا علي بن حرب، حدثنا محمد بن فضيل
قال: أتيت أبا إسحاق الهمداني فقلت: أتعرفني؟ قال: نعم، ولولا
الحياء منك لقبلتك، سمعت أبا الأحوص يحدث عن عبد الله في
قول الله: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَ كِنَّ
اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: (٦٣)]. نزلت في المتحابين في الله،
وفي رسالة سفيان الثوري إلى عباد بن عباد، رواه الفريابي عنه قال:
المتحابون في الله هم المواسون فيه، والمتباذلون فيه، والمؤثرون
لإخوانهم على أنفسهم بأموالهم.
(١) تقدم تخريجه.

الاعتصام بالكتاب والسنة
٢١١
الرد على الرادين لخبر الواحد
[١٥] مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد من علمائهم: أن أبا
موسى الأشعري جاء يستأذن على عمر بن الخطاب، فاستأذن ثلاثا، ثم
رجع فأرسل عمر بن الخطاب في إثره، فقال مالك لم تدخل؟ فقال أبو
موسى: سمعت رسول الله وسلم يقول: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك
فادخل، وإلا فارجع، فقال عمر بن الخطاب: ومن يعلم هذا؟ لئن لم تأت
بمن يعلم ذلك لأفعلن بك كذا وكذا، فخرج أبو موسى حتى جاء مجلسا
في المسجد يقال له مجلس الأنصار، فقال: إني أخبرت عمر بن الخطاب
أني سمعت رسول الله وَ لل يقول: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل،
وإلا فارجع، فقال: لئن لم تأت بمن يعلم هذا لأفعلن بك كذا وكذا، فإن
كان سمع ذلك أحد منكم فليقم معي، فقالوا لأبي سعيد الخدري: قم
معه، وكان أبو سعيد أصغرهم، فقام معه فأخبر ذلك عمر بن الخطاب،
فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس
على رسول الله وَلِ﴾(١).
قال أبو عمر:
روي هذا الحديث متصلا، مسندا، عن النبي وَجُلّ من وجوه: من
حديث أبي موسى، وحديث أبي بن كعب، وحديث أبي سعيد
الخدري .
(١) حم (٦/٣-١٩). خ (٦٢٤٥/٣١/١١). م (٢١٥٣/١٦٩٧٠٠١٦٩٤/٣-٢١٥٤).
د (٥ / ٣٧٠/ ٥١٨٠-٥١٨١ - ٥١٨٢ -٥١٨٣ - ٥١٨٤). ت (٥/ ٥١/ ٢٦٩٠). جه
(٣٧٠٦/١٢٢١/٢).

فتح البر
٢١٢
قال بعضهم في هذا الحديث كلنا سمعه.
وقد روى قوم هذا الحديث عن أبي سعيد، عن أبي موسى، وإنما
هذا من النقلة باختلاط الحديث عليهم، ودخول قصة أبي سعيد مع
أبي موسى في ذلك، والله أعلم كأنهم يقولون: عن أبي سعيد عن
قصة أبي موسى على نحو رواية عمر بن سلمة، عن البهزي،
يريد: عن قصة البهزي، وقد أوضحنا هذا المعنى عند ذكر حديث
البهزي في باب حديث يحيى بن سعيد من كتابنا هذا والحمد لله.
ومن أحسن طرق أبي سعيد الخدري في هذه القصة ما حدثناه أبو
زيد عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا علي بن محمد بن
مسرور، قال: حدثنا أحمد بن أبي سليمان، قال: حدثنا سحنون،
قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمر بن الحارث، عن بكير بن
الأشج أن بسر بن سعيد حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول:
كنا في مجلس أبي بن كعب فأتى أبو موسى مغضبا حتى وقف،
وقال: أنشدكم الله، هل سمع أحد منكم رسول الله وَله يقول:
الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع؟ قال أبي: وما ذاك؟
قال: استأذنت على عمر أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لي،
فرجعت، ثم جئت اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس
فسلمت ثلاثا، ثم انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على
شغل، فلو استأذنت حتى يؤذن لك، قال: استأذنت كما سمعت
رسول الله وَلّه، فقال: والله لأوجعن ظهرك، وبطنك، أو لتأتيني
بمن يشهد لك على هذا، فقال أبي: والله لا يقوم معك إلا أحدثنا

٢١٣
الاعتصام بالكتاب والسنة
سنا، الذي يجيبك، قم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر،
فقلت: قد سمعت رسول الله وَ له يقول هذا(١).
قال ابن وهب، وقال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد
أحد عليه، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأسا أن يزيد إذا
استيقن أنه لم يسمع، قال: وقال مالك: الاستيناس فيما نرى -
والله أعلم - الاستئذان.
حدثني أحمد بن قاسم بن عيسى، قال: حدثني عبيد الله بن
محمد بغداد قال: حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، قال: حدثنا
علي بن الجعد، قال: حدثنا شعيب، عن سعيد الجريري، أنه سمع
أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: ((جاء أبو موسى
فاستأذن على عمر ثلاثا، فلم يؤذن له، فرجع، فقال عمر: لئن لم
تأتني ببينة، أو لأفعلن بك، فأتى الأنصار فقال: ألستم تعلمون أن
رسول الله څچلڑ قال: إذا استأذن أحدکم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع،
قال: فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، قال أبو سعيد: فأتيت
فشهدت له))(٢) .
قال علي: وأخبرنا شعبة، عن أبي سلمة سعيد بن يزيد، سمع أبا
نضرة يحدث عن أبي سعيد مثل ذلك.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أحمد بن
جعفر بن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:
حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن
(١) و(٢) تقدم تخريجه.

فتح البر
٢١٤
أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: إن أبا
موسى استأذن على عمر، قال: واحدة، ثنتين، ثلاثا، ثم رجع أبو
موسى، فقال له عمر: لتأتين على هذا ببينة أو لأفعلن بك، كأنه
يقول: أجعله نكالا في الآفاق، قال: فانطلق أبو موسى إلى مجلس
فيه الأنصار، فذكر ذلك لهم، فقال: ألم تعلموا أن رسول الله وَالاله
قال: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع؟ قالوا: بلى، لا
يقوم معك إلا أصغرنا، قال: فقام أبو سعيد الخدري إلى عمر،
فقال: هذا أبو سعيد، فخلى عنه(١).
قال أبو عمر:
رواه معمر عن الجريري بإسناده، فلم يأت بالقصة بتمامها، ورواه
عن أبي نضرة أيضا داود بن أبي هند، ورواية أبي سلمة أحسن
سياقة، وأتم معنى.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا
قاسم قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، قال: حدثنا يزيد بن مروان، قال: أخبرنا داود بن أبي هند،
عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: استأذن أبو موسى على عمر
ثلاثا، فلم يؤذن له فرجع، فلقيه عمر، فقال: ما شأنك رجعت؟
فقال: سمعت رسول الله وَله يقول: من استأذن ثلاثا فلم يؤذن له
فليرجع، فقال: لتأتين ببينة أو لأفعلن وأفعلن، فأتى مجلس قومي
فناشدهم الله، فقلت: أنا أشهد معك فشهدت بذلك فخلى
سبيله(٢) .
(١) و(٢) تقدم تخريجه.

الاعتصام بالكتاب والسنة
٢١٥
وأما رواية من روى هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري،
فحدثني عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا : حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو
بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث عن داود عن أبي
نضرة عن أبي سعيد الخدري، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله
وَالله: المستأذن ثلاثا، فلم يؤذن له، فليرجع(١).
وحدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا بكر بن
حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو داود، عن طلحة، عن
يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى أنه أتى عمر فاستأذن ثلاثا،
فقال: استأذن أبو موسى، استأذن الأشعري، استأذن عبد الله بن
قيس، فلم يؤذن له، فرجع فبعث إليه عمر فقال: ما ردك؟ فقال:
قال رسول الله وَج1: ليستأذن أحدكم ثلاثا، فإن أذن له، وإلا
فليرجع، قال: إنتني ببينة على هذا، فقال: هذا أبي، فانطلقنا إلى
عمر، فقال: نعم يا عمر، لا تكن عذابا على أصحاب رسول
الله، (٢) فقال عمر: لا أكون عذابا على أصحاب رسول الله وَخلفه .
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال: حدثنا بکر بن حماد، قال: حدثنا مسدد. اهـ.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن یحیی، قال: حدثنا أحمد بن جعفر
ابن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي قالا:
حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء بن عبيد بن عمير
(١) و(٢) تقدم تخريجه.

فتح البر
,٢١٦
((إن أبا موسى استأذن على عمر ثلاث مرات فلم يؤذن له، فرجع،
فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ قالوا: بلى، قال:
فاطلبوه، قال: فدعي، قال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال:
استأذنت ثلاثا، فلم يؤذن لي، فرجعت كما كنا نؤمر بهذا، فقال:
لتأتين عليه بالبينة أو لأفعلن، فأتى مجلس أو مسجد الأنصار،
فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد، فشهد له، فقال
عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله وَلّ، ألهاني عنه الصفق
بالأسواق. واللفظ لحديث عبد الله والمعنى سواء(١).
قال أبو عمر:
في هذا الحديث من الفقه إيجاب الاستئذان، وهو يخرج في
تفسير قول الله عز وجل ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُوَتَّا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ
وَتُسَلِّمُواْ عَلَىَ أَهْلِهَاْ﴾ [النور: (٢٧)]. والاستئناس في هذا الموضع هو
الاستئذان، كذلك قال أهل التفسير، وكذلك في قراءة أبي، وابن
عباس تستأذنوا، وتسلموا على أهلها.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا محمد بن إسماعيل أبو جعفر الصائغ، قال: حدثنا عفان:
قال حدثني ثابت بن يزيد قال: حدثنا عاصم الأحول، عن عكرمة،
قال في قراءة أبي بن كعب: حتى تسلموا، أو تستأذنوا، قال:
وتعلّم منه ابن عباس. وفيه أن السنة في الاستئذان ثلاث مرات، لا
يزاد عليها، ويحتمل أن يكون ذلك على معنى الإباحة والتخفيف
(١) تقدم تخريجه.

٢١٧,
الاعتصام بالكتاب والسنة
على المستأذن، فمن استأذن أكثر من ثلاث مرات لم يحرج - والله
أعلم.
وقال بعض أهل العلم: إن الاستئذان ثلاث مرات مأخوذ من
قول الله عز وجل: ﴿يََأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعَذِنِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ
أَيْمَئِكُرْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمُ مِنْكُرْ ثَلَكَ مَّتٍ﴾ [النور: (٥٨)]. قال
يريد ثلاث دفعات، فورد القرآن في الممالك، والصبيان، وسنة
رسول الله وَلّ في الجميع.
قال أبو عمر:
ما قاله من هذا فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية التي
نزع بها، والذي عليه جمهورهم في قوله فيها ثلاث مرات أي في
ثلاثة أوقات، يدل على صحة هذا القول ذكره فيها ((من قبل صلاة
الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء)).
وللكلام في هذه الآية موضع غير هذا، وجاء في هذا الحديث عن
أبي موسى أنه قال: استئذانه يومئذ بأن قال: يستأذن عبد الله بن
قیس، يستأذن أبو موسى، ونحو هذا.
قال أبو عمر:
وفيه أن الرجل العالم الحبر قد يوجد عند من هو دونه في العلم
ما ليس عنده من العلم إذا كان طريق ذلك العلم السمع، وإذا جاز
مثل هذا على عمر على موضعه في العلم، فما ظنك بغيره
بعده .

فتح البر
٢١٨٠
وروى وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن
مسعود، قال: لو أن علم عمر وضع في كفة، ووضع علم أحياء
الأرض في كفة أخرى لرجح علم عمر بعلمهم. قال الأعمش:
فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: لا تعجب من هذا، فقد قال عبد
الله: إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر. وجاء
عن حذيفة مثل قول عبد الله.
قال أبو عمر:
زعم قوم أن في هذا الحديث دليلا على أن مذهب عمر أن لا
يقبل خبر الواحد، وليس كما زعموا، لأن عمر رضي الله عنه قد
ثبت عنه استعمال خبر الواحد وقبوله، وإیجاب الحكم به، أليس هو
الذي ناشد الناس بمنى: من كان عنده علم رسول الله بَ ل في الدية
فليخبرنا؟ وكان رأيه أن المرأة لا ترث من دية زوجها، لأنها ليست
من عصبته الذين يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان
الكلابي، فقال (كتب إليَّ رسول الله وَّل أن أورث امرأة أشيم
الضبابي من دية زوجها)(١) وكذلك ناشد الناس في دية الجنين: من
عنده فيه عن رسول الله وَّجله؟ فأخبره حمل بن مالك بن النابغة
(إن رسول الله وَله قضى فيه بغرة عبد أو أمة، فقضى به
عمر)(٢) ولا يشك ذو لب، ومن له أقل منزلة في العلم أن موضع
(١) د (٢٩٢٧/٣٣٩/٣). ت (٢١١٠/٣٧١/٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح. جه
(٢٦٤٢/٨٨٣/٢).
(٢) خ (٦٧٤٠/٢٦/١٢). م (١٦٨١/١٣٠٩/٣). ت (٢١١١/٣٧١/٤).

الاعتصام بالكتاب والسنة
٢١٩
أبي موسى من الإسلام، ومكانه من الفقه والدين، أجل من أن يرد
خبره، ويقبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابي، وحمل بن مالك
الأعرابي، وكلاهما لا يقاس به في حال، وقد قال له عمر في
حديث ربيعة هذا: أما إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول
الناس على رسول الله وَله، فدل على اجتهاد كان من عمر رحمه
الله في ذلك الوقت لمعنى الله أعلم به، وقد يحتمل أن يكون عمر
رحمه الله كان عنده في ذلك الحين من لم يصحب رسول الله وَ لجلد
من أهل العراق، وأهل الشام، لأن الله فتح عليه أرض فارس،
والروم ودخل في الإسلام كثير ممن يجوز عليهم الكذب، لأن
الإيمان لم يستحكم في قلوب جماعة منهم، وليس هذه صفة
أصحاب رسول الله وَ له لأن الله قد أخبر أنهم خير أمة أخرجت
للناس، وأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، وأثنى عليهم في
غير موضع من كتابه.
وإذا جاز الكذب، وأمكن في الداخلين إلى الإسلام فيمكن أن
يكون عمر مع احتياطه في الدين يخشى أن يختلقوا الكذب على
رسول الله وَّله عند الرهبة، والرغبة، أو طلبا للحجة، وفرارا إلى
الملجأ، والمخرج مما دخلوا فيه، لقلة علمهم بما في ذلك عليهم،
فأراد عمر أن يريهم أن من فعل شيئا ينكر عليه، ففزع إلى الخبر عن
رسول الله وَ ﴾ فيه، ليثبت له بذلك فعله، وجب التثبت فيما جاء به
إذا لم تعرف حاله حتى يصح قوله، فأراهم ذلك، ووافق أبا
موسى، وإن كان عنده معروفا بالعدالة غير متهم، ليكون ذلك أصلا
عندهم، وللحاكم أن يجتهد بما أمكنه إذا أراد به الخير، ولم يخرج

فتح البر
٢٢٠٠
عما أبيح له، والله أعلم بما أراد عمر بقوله ذلك لأبي موسى،
وعلى هذا قول طاوس قال كان الرجل إذا حدث عن رسول الله وح خله
أخذ حتى يجيء ببينة، وإلا عوقب يعني ممن ليس بمعروف بالعدالة
ولا مشهود بالعلم، والثقة. ألا ترى إلى إجماع المسلمين أن العالم
إذا حدث عن رسول الله وَّجله، وكان مشهورا بالعلم، أخذ ذلك
عنه، ولم ينكر عليه، ولم يحتج إلى بينة ومن نحو قول طاوس هذا
قول سعد بن إبراهيم رحمه الله لا يحدث عن رسول الله والجلد إلا
الثقات أي كل من إذا وقف أحال على مخرج صحيح، وعلم
ثابت، وكان مستورا لم تظهر منه كبيرة.
وأما قول من قال: إن عمر لم يعرف أبا موسى فقول خرج عن
غير روية ولا تدبر. ومنزلة أبي موسى عند عمر مشهورة، وقد عمل
له، وبعثه رسول الله وَل عاملا، وساعيا، على بعض الصدقات،
وهذه منزلة رفيعة، في الثقة، والأمانة.
وفي قول عمر رحمه الله في حديث عبيد بن عمير الذي ذكرناه
في هذا الباب خفي عليّ هذا من أمر رسول الله وَله: ألهاني عنه
الصفق في الأسواق، اعتراف منه بجهل مالم يعلم، وإنصاف
صحیح وهكذا يجب على كل مؤمن.
وفي قوله: ألهاني عنه الصفق بالأسواق دليل على أن طلب الدنيا
يمنع من استفادة العلم، وأن كل ما ازداد المرء طلبا لها ازداد جهلا،
وقل عمله، والله أعلم. ومن هذا قول أبي هريرة: أما إخواننا
المهاجرون، فكان يشغلهم الصفق بالأسواق، وأما إخواننا من الأنصار
فشغلتهم حوائطهم، ولزمت رسول الله وَخلال على شبع بطني.