النص المفهرس

صفحات 181-200

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٨١٠
وشهد به على نبيه وَّة، ولو كانوا كالنجوم في آرائهم واجتهادهم
إذا اختلفوا، لقال ابن عباس للمسور: أنت نجم وأنا نجم، فلا
عليك، وبأينا اقتدى في قوله فقد اهتدى؛ ولما احتاج إلى طلب
البينة والبرهان من السنة على صحة قوله.
وسائر الصحابة-رضي الله عنهم- إذا اختلفوا، حكمهم في ذلك
كحكم ابن عباس والمسور بن مخرمة سواء، وهم أول من تلا:
﴿فَإِن تَنَزَعْنُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: (٥٩)]. قال العلماء:
إلى كتاب الله، وإلى سنة نبيه وَجله، فإن قبض، فإلى سنته. ألا ترى
أن ابن مسعود قيل له: إن أبا موسى الأشعري قال في أخت
وابنة، وابنة ابن: أن للإبنة النصف وللأخت النصف، ولا شيء لبنت
الابن؛ وأنه قال للسائل: ائت ابن مسعود، فإنه سيتابعنا. فقال ابن
مسعود: (( قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين)) بل أقضي فيها بقضاء
رسول الله وحَظله : للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة
الثلثين، وما بقى فللأخت.
وبعضهم لم يرفع هذا الحديث، وجعله موقوفا على ابن مسعود،
وكلهم روى فيه، أنه تلا: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا﴾ [الأنعام: (٥٦)] الآية.
وفي الموطأ أن أبا موسى أفتى بجواز رضاع الكبير، فرد ذلك عليه
ابن مسعود، فقال أبو موسى: لا تسألوني، ما دام هذا الحبر بين
أظهركم. وروى مالك أن ابن مسعود رجع عن قوله في الربيبة، إلى
قول أصحابه بالمدينة. وهذا الباب في اختلاف الصحابة، ورد
بعضهم على بعض، وطلب كل واحد منهم الدليل والبرهان على ما
قاله من الكتاب والسنة إذا خالفه صاحبه؛- أكبر من أن يجمع في
كتاب، فضلا عن أن يكتب في باب، والأمر فيه واضح.

فتح البر
١٨٢
وإذا كان هذا محل الصحابة رضي الله عنهم- وهم أولو العلم
والدين والفضل، وخيرأمة أخرجت للناس، وخير القرون، ومن قد
رضي الله عنهم، وأخبر بأنهم رضوا عنه، وأثنى عليهم بأنهم
الرحماء بينهم، الأشداء على الكفار، الركع السجد، وأنهم الذين
أوتوا العلم: قال مجاهد وغيره في قول الله عز وجل: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ
أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ اُلْحَقَّ﴾ [سبأ: (٦)]. قال:
أصحاب محمد وَّ، إلى كثير من ثناء الله عزوجل عليهم،
واختياره إياهم لصحبة نبيه وَلّ، فإذا كانوا- وهم بهذا المحل من
الدين والعلم- لا يكون أحدهم على صاحبه حجة، ولا يستغني عند
خلاف غيره له عن حجة من كتاب الله، أو سنة رسوله ◌َلو؛ - فمن
دونهم أولى وأحرى أن يحتاج إلى أن يعضد قوله بوجه يجب
التسلیم له:
حدثني أحمد بن فتح، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن عتبة
الرازي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر بن عبد العزيز العمرى، قال:
حدثنا الزبير بن بكار، قال حدثنا سعيد بن داود بن أبي زنبر، عن
مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن طاوس، عن عبد الله بن
عمر، قال: العلم ثلاثة أشياء: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا
أدري.
وروى ابن وهب قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد المعافري، عن
عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص،
أن رسول الله وَخلّ قال: العلم ثلاثة، فما سوى ذلك فهو فضل: آية
محكمة، وسنة قائمة، وفريضة عادلة(١).
(١) د (٢٨٨٥/٣٠٦/٣). جه (٥٤/٢١/١). ك (٣٣٢/٤). وضعفه الذهبي في التلخيص.
البيهقي (٢٠٨/٦). الدار قطني (٤/ ٦٧-٦٨).

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٨٣
وقال إسماعيل القاضي: حدثنا أبو ثابت عن ابن وهب قال: قال
مالك: الحكم حكمان: حكم جاء به كتاب الله، وحكم أحكمته
السنة، قال ومجتهد رأيه فلعله يوفق، قال: ومتكلف فطعن عليه.
وذكر ابن وضاح عن محمد بن يحيى عن ابن وهب قال: قال لي
مالك الحكم الذي يحكم به الناس حكمان: ما في كتاب الله، أو
أحكمته السنة، فذلك الحكم الواجب، وذلك الصواب.
والحكم الذي يجتهد فيه الحاكم برأيه، فلعله يوفق، وثالث
متكلف ، فما أحراه أن لا يوفق.
قال: وقال لي مالك: الحكمة والعلم. وقال مرة: والفقه نور
يهدي به الله من يشاء من خلقه، ویؤتیه من أحب من عباده، ولیس
بكثرة المسائل.
قال أبو عمر:
إجماع الصحابة حجة ثابتة، وعلم صحيح، إذا كان طريق ذلك
الإجماع- التوقيف، فهو أقوى ما يكون من السنن؛ وان كان
اجتهادا، ولم يكن في شيء من ذلك مخالفا، فهو أيضا علم وحجة
لازمة. قال الله عز وجل: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلََّ وَنُصْلِهِ.
[النساء: (١١٥)]. وهكذا إجماع الأمة، إذا
جَهَتَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا
اجتمعت على شيء، فهو الحق الذي لا شك فيه، لأنها لا تجتمع
على ضلال. وما عدا هذه الأصول، فكما قال مالك- رحمه الله.
وقد تقصينا الأقاويل في هذا الباب، في كتابنا في العلم، فمن
أحبه تأمله هناك، وبالله تعالى التوفيق.

فتح البر
١٨٤
وفي هذا الحديث دليل-والله أعلم- على أن ابن عباس قد كان
عنده في غسل المحرم رأسه، علم عن رسول الله وَ له ، أنبأه ذلك
أبو أيوب أو غيره؛ لأنه كان يأخذ علم أصحاب رسول الله وَخلا في
السنن وغيرها عن جميعهم، ويختلف إليهم؛ ألا ترى إلى قول عبد
الله بن حنين لأبي أيوب رحمه الله: أرسلني إليك ابن عباس أسألك
كيف كان رسول الله وَخلال يغسل رأسه وهو محرم؟ ولم يقل (هل)
كان رسول الله وَظله يغسل رأسه وهو محرم؟- على حسبما اختلفا
فيه، فالظاهر - والله أعلم- أنه قد كان عنده من ذلك علم.

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٨٥
باب منه
[٨] مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ◌َّ،
أنها قالت: أن أزواج النبي وَلّر، حين توفي رسول الله وَلاغير أردن أن يبعثن
عثمان بن عفان إلى أبا بكر الصديق رضي الله عنهما فيسألنه ميراثهن من
النبي ◌ُّلڑ ، فقالت لھن عائشة: أليس قد قال رسول الله پے لا نورث ما
تركنا فهو صدقة؟(١).
هكذا روى هذا الحديث مالك عن ابن شهاب، عن عروة، عن
عائشة عن النبي وَخَلّ لم يجعله عن عائشة عن أبي بكر، عن النبي
وَ خَلّه، وكل أصحاب مالك رووه عنه كذلك. إلا اسحاق بن محمد
الفروي فإنه قال فيه: عن أبي بكر الصديق. عن النبي وَله.
والصواب عن مالك. ما في الموطأ عن عائشة عن النبي وَلِّ، وقد
تابعه على ذلك يونس بن يزيد، فجعله أيضا عن عائشة عن النبي
وَلا، كرواية مالك سواء إلا أن في رواية مالك: أردن ان يبعثن.
وفي رواية يونس قالت أرسل إلى أبي بكر أزواج النبي وَخَلّ. يسألنه
ميراثهن ما أفاء الله على رسوله، قالت عائشة، حتى كنت أنا التي
أردهن عن ذلك فقلت لهن، ألا تتقين الله؟ ألم تسمعن رسول الله
وَله، يقول: لا نورث، ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا
المال. هذا لفظ يونس، رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري،
عن عروة عن عائشة، قالت: أرسل وساق الحديث، ورواه معمر،
وعبيد الله بن عمر، وعقيل، أسامة بن زيد، كلهم عن ابن شهاب،
(١) حم (١٤٥/٦). خ (١٢/ ٤ -٥/ ٦٧٢٧ - ٦٧٣٠). م (٣ /١٣٧٩ / ١٧٥٨). د
(٢٩٧٦/٣٨١/٣). من طرق عن الزهري بهذا الإسناد.

فتح البر
١٨٦
عن عروة عن عائشة عن أبي بكر الصديق، عن النبي وَطِّ،
والحديث لأبي بكر عن النبي وَل صحيح، أخبرنا عبد الوارث بن
سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن عبد
السلام، قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا صفوان بن عيسى،
قال: حدثنا أسامة، عن الزهري، عن عروة عن عائشة عن أبي
بكر، أن النبي وَّ، قال: لا نورث، ما تركنا صدقة(١)، وأخبرنا
أحمد بن محمد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن الفضل بن
العباس، قال: حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثنا عمرو بن
مالك، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن معمر، عن الزهري، عن
عروة، عن عائشة، عن أبي بكر قال: قال رسول الله وَجَلَّهَ لا
نورث، ما تركنا صدقة(٢).
وأخبرنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال :
حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال:
حدثنا عبد الله بن نمير، وأبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر عن
الزهري عن عروة عن عائشة، عن أبي بكر قال: سمعت رسول الله
يقول: لا نورث ما تركنا صدقة(٣). وحدثنا عبد الرحمن بن عبد
الله بن خالد، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن تميم، قال: حدثنا
عيسى بن مسكين، قال: حدثنا سحنون، قال: حدثنا ابن وهب،
(١) و(٢) و(٣) .
ـم (٦/١-٧) (١ / ٤). خ (٦ / ٢٤٢ / ٣٠٩٣). م
(١٣٨٠/٣-٥٣/١٣٨١-٥٤ (١٧٥٩). د (٢٩٦٨/٣٧٦/٣ -٢٩٦٩).
ن (٧ / ١٥٠/ ٤١٥٢) مختصرا. عبد الرزاق (٤٧٢/٥-٤٧٤ /٩٧٧٤).
هق (٦٥/٧). البغوي (١٤٢/١١-٢٧٤١/١٤٣). ابن سعد (٣١٥/٢) من طرق عن
الزهري بهذا الإسناد.

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٨٧ -
قال: حدثني الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب،
عن عروة، عن عائشة، وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا
قاسم ابن أصبغ قال: حدثنا المطلب بن شعيب، قال: حدثني عبد
الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: أخبرني عقيل عن ابن
شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة، أنها أخبرته، أن
فاطمة أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله
وَ له، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وخمس خيبر، فقال أبو بكر
لها: إن رسول الله وَّله، قال: لا نورث: ما تركنا صدقة. إنما
يأكل آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئا من صدقة
رسول الله وَلخلقه، عن حالها التي كانت عليها في حياة رسول الله
حَّله ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله وَلا﴾(١) ففي رواية عقيل
هذه أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها. وفي رواية مالك
ويونس أن أزواج النبي ◌َّخلّ فعلن ذلك. والقلب إلى رواية مالك
أميل، لأنه أثبت في الزهري، وقد تابعه يونس، وإن كان عقيل قد
جود هذا الحديث. وسؤال فاطمة أبا بكر ذلك مشهور معلوم من
غير هذا الحديث، وغير نكيرأن يكن كلهن يسألن ذلك، ولم يكن
عندهن علم من قول رسول الله وَّجله ذلك، فلما أعلمهن أبو بكر
سكتن، وسلمن، وهذا مما أخبرتك أن هذا من علم الخاصة، لا
ينكر جهل مثله من أخبار الآحاد على أحد، ألاترى أن عمر بن
الخطاب ( قد جهل) من هذا الباب ما علمه حمل بن مالك ابن
النابغة: رجل من الأعراب من هذيل، في دية الجنين؟ وجهل من
ذلك أيضا ما علمه الضحاك بن سفيان الكلابي. في ميراث المرأة
(١) انظر تخريج الحديث الذي قبله.

فتح البر
١٨٨
=
من دية زوجها. وجهل من ذلك أيضا ما علمه أبو موسى الأشعري
في الاستئذان، وموضع عمر من العلم الموضع الذي لا يجهله أحد
من أهل العلم، قال عبد الله بن مسعود لو أن علم أهل الأرض
جعل في كفة وجعل علم عمر في كفة لرجح علم عمر، وإذا جاز
مثل هذا على عمر، فغير نكير أن يجهل أزواج النبي وَخلال، وابنته
رضي الله عنها، ما علمه أبو بكر، من قوله وَخله: لا نورث، ما
تركنا صدقة، وقد علمه جماعة من الصحابة، وذلك موجود في
حديث مالك، عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان.
وسيذكر بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى وقد جهل أبو بكر
وعمر ما علم المغيرة، ومحمد بن مسلمة، من توريث الجدة(١)،
وجهل ابن مسعود ما علم معقل بن سنان الأشجعي من صداق
المتوفي عنها (٢)، التي لم يدخل بها، ولم يسم لها، وقد جهل
الأنصار وأبو موسى حديث التقاء الختانيين (٣)، وعلمته عائشة،
وجهل ابن عمر حديث القنوت، وعلمه أبو هريرة ، وغيره مثل هذا
كثير، عن الصحابة، يطول ذكره، فمثله حديث: ((لا نورث، ما
تركنا صدقة)) غير نكير أن يجهلنه ويجهله أيضا علي، والعباس،
حتى علموه على لسان من حفظه، وفي هذا الحديث قبول خبر
الواحد العدل، لأنهم لم يردوا على أبي بكر قوله، ولا رد أزواج
النبي وَلّ على عائشة قولها ذلك، وحكايتها لهن عن رسول الله
وَالخلال، بل قبلوا ذلك وسلموه.
(١) سيأتي تخريجه.
(٢) حم (٢٧٩/٤ - ٢٨٠). د (٥٨٩/٢ - ٢١١٦/٥٩٠). ت (١١٤٥/٤٥٠/٣) وقال: حسن
صحيح. جه (١٨٩١/٦٠٩/١) هق (٢٤٥/٧) وصحح إسناده. ك (٢ / ١٨٠) وقال:
صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه ابن حبان الإحسان (٤٠٩٨/٤٠٧/٩).
(٣) تقدم تخريجه.

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٨٩
باب منه
[٩] مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام، أن رسول الله وَليل قال: أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه،
ولم یقض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجده بعينه، فهو أحق به، وإن مات
الذي ابتاعه، فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء(١).
ولو جاز أن ترد مثل هذه السنة المشهورة عند علماء المدينة
وغيرهم، بأنَّ الوهم والغلط ممكن فيها، لجاز ذلك في سائر
السنن، حتى لا تبقى بأيدي المسلمين سنة، إلا قليل، مما اجتمع
عليه، وبالله التوفيق .
ذكر الحسن الحلواني قال: حدثنا بشر بن عمر قال: سمعت مالك
ابن أنس كثيرا إذا حدث عن النبي وَخلال بحديث، فيقال له: وما
تقول أنت أو رأيك؟ فيقول مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ- أَنْ
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيِدُ(٢)
[النور: (٦٣)].
قال أبو عمر: من أقبح ما جاء به أهل الكوفة في هذه المسألة
دعواهم أن ذلك في الودائع والأمانات، وهذا تجليح وتصريح برد
السنة بالرأي، لأن في حديث هذا الباب قوله: من باع متاعا فأفلس
المبتاع، فذكر البيع من وجوه كثيرة، بألفاظ البيع والابتاع، لا بوديعة
ولا بشيء من الأمانات، وهذا لا خفاء به على من استحيى ونصح
نفسه، وبالله التوفيق لا بأحد سواه.
(١) أخرجه مرسلا: د (٧٩١/٣-٣٥١٩/٧٩٢-٣٥٢٠-٣٥٢١٩). وسيأتي تخريجه موصولا
عن أبي هريرة من طرق مختلفة.

فتح البر
١٩٠
وهذه السنة أصل في نفسها، فلا سبيل أن ترد إلى غيرها، لأن
الأصول لا تنقاس، وإنما تنقاس الفروع، ردا على أصولها، وممن
قال بهذا الحديث واستعمله، وأفتى به، فقهاء المدينة، وفقهاء الشام،
وفقهاء البصرة، وجماعة أهل الحديث، ولا أعلم لأهل الكوفة سلفا
في هذه المسألة، إلا ما رواه قتادة عن خلاس بن عمرو، عن علي
قال: هو فيها أسوة الغرماء، إذا وجدها بعينها، وروى الثوري عن
مغيرة، عن إبراهيم قال: هو والغرماء فيه شرع سواء.
وأحاديث خلاس عن علي يضعفونها، والواجب كان على
إبراهيم النخعي الرجوع إلى ما عليه الجماعة فكيف أن يتبع ويقلد،
والله المستعان .

١٩١
الاعتصام بالكتاب والسنة
باب منه
[١٠] مالك، عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب نشد الناس بمنى: من كان
عنده علم من الدية أن يخبرني، فقام الضحاك بن قيس الكلابي فقال: کتب
إليّ رسول الله وَ أن اورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فقال له
عمر: ادخل الخباء حتى آتيك ، فلما نزل عمر بن الخطاب أخبره الضحاك
فقضي بذلك عمر بن الخطاب.
قال ابن شهاب: وكان قتل ابن أشيم خطأ(١).
وفيه من الفقه، أن الرجل العالم الخير الجليل، قد يخفى عليه من
السنن والعلم، ما يكون عند غيره ممن هو دونه في العلم، وأخبار
الآحاد علم خاصة، لا ينكر أن يخفى منه الشيء على العالم، وهو
عند غيره.
وفيه أن القياس لا يستعمل مع وجود الخبر وصحته، وأن الرأي
لا مدخل له في العلم مع ثبوت السنة بخلافه، ألا ترى عمر قد كان
عنده في رأيه أن من يعقل يرث الدية، فلما أخبره الضحاك بما
أخبره، رجع إليه وقضی به، وطرح رأيه.
(١) ن: في الكبرى (٦٣٦٥/٧٩/٤-٦٣٦٦). الدارقطني (٧٧/٤) بنحوه. وسنده منقطع.

١٩٢
فتح البر
باب منه
[١١] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله و الله قال: المتبايعان
كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار(١).
لا خلاف عن مالك في لفظ هذا الحديث بهذا الإسناد.
ورواه أيوب عن نافع، عن ابن عمر عن النبي وَجّ: ((البيعان
بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه اختر(٢)) هكذا قال
حماد بن زيد عن أيوب.
ورواه شعبة ، وسعيد بن أبي عروبة، عن أيوب بإسناده، بلفظ
حديث مالك ومعناه؛ ورواه ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع، عن
ابن عمر - مثله: ((البيعان بالخيار حتى يتفرقا، أو يكون بيع
خيار))(٣). قال : وربما قال نافع: أو يقول أحدهما لصاحبه اختر.
ورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي عليه
السلام، فقال فیه: ما لم يتفرقا أو یکون خيار.
ولفظ عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام:
((كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا، قال إلا بيع الخيار))(٤).
(١) خ (٢٢١١/٢٥/٣). م (٤٣/١١٦٣/٣). د (٧٣٢/٣-٣٤٥٤/٧٣٥).
ن (٧/ ٢٨٤ / ٤٤٧٧).
(٢) و(٣) خ (٢٤/٣-٢١٠٩/٢٥). م (٣/ ٤٣/١١٦٣). د (٧٣٥/٣-٧٣٦ /٣٤٥٥).
(٤) خ (٢١٣/٢٥/٣). م (٤٦/١١٦٤/٣). ن (٧/ ٢٨٧ /٤٤٨٩).

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٩٣
وروي عن النبي ◌َّ أنه قال المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا - من
وجوه كثيرة: من حديث سمرة بن جندب، (١) وأبي برزة
الأسلمي (٢)، وعبدالله بن عمرو بن العاص(٣)، وأبي هريرة (٤)،
وحكيم بن حزام(٥)، وغيرهم.
وأجمع العلماء على أن هذا الحديث ثابت عن النبي وَّل وأنه من
أثبت ما نقل الآحاد العدول ، واختلفوا في القول به والعمل بما دل
عليه: فطائفة استعملته وجعلته أصلا من أصول الدين في البيوع،
وطائفة ردته: فاختلف الذين ردوه في تأويل ما ردوه به، وفي
الوجوه التي بها دفعوا العمل به.
فأما الذين ردوه: فمالك ، وأبو حنيفة، وأصحابهما ، لا أعلم
أحدا رده غير هؤلاء، إلا شيء روي عن إبراهيم النخعي؛ فأما
مالك، رحمه الله، فإنه قال في موطئه لما ذكر هذا الحديث: وليس
لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به. واختلف المتأخرون من
المالكيين في تخريج وجوه قول مالك هذا، فقال بعضهم: دفعه
مالك رحمه الله بإجماع أهل المدينة على ترك العمل به، وإجماعهم
(١) ن (٤٤٩٣/٢٨٨/٧-٤٤٩٤). جه (٢١٨٣/٤٣٦/٢). حم (١٢/٥-١٧-٢١-٢٢-٢٣).
ك (٢ / ٢٠ / ٢١٨٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه الزيادة
ووافقه الذهبي.
(٢) د (٧٣٦/٣-٣٤٥٧/٧٣٧). جه (٢١٨٢/٧٣٦/٢). حم (٤٢٥/٤).
(٣) سيأتي تخريجه.
(٤) د (٣٤٥٨/٧٣٧/٣) لكن بلفظ ((لايتفرقن اثنان، إلا عن قراض)). ت (١٢٤٨/٥٥١/٣)
وقال: هذا حديث غريب. ولفظه ((لايتفرقن عن بيع إلا عن تراضي)).
(٥) خ (٢٠٧٩/١٤/٣). م (٤٧/١١٦٤/٣). ن (٧ / ٢٨٠ - ٢٨١ / ٤٦٩ ٤)
د (٧٣٧/٣ -٣٤٥٩/٧٣٨). ت (٥٤٨/٣ /١٢٤٦).

فتح البر
١٩٤
حجة فيما أجمعوا عليه، ومثل هذا يصح فيه العمل، لأنه مما يقع
متواترا ولا يقع نادرا فيجهل؛ فإذا أجمع أهل المدينة على ترك العمل
به- وراثة بعضهم عن بعض، فمعلوم أن هذا توقيف أقوى من خبر
الواحد. والأقوى أولى أن يتبع.
وقال بعضهم لا يصح دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة
لان سعيد بن المسيب، وابن شهاب- وهما أجل فقهاء أهل المدينة -
روي عنهما منصوصا العمل به، ولم يرو عن أحد من أهل المدينة -
نصا - ترك العمل به إلا عن مالك ، وربيعة ، وقد اختلف فيه عن
ربيعة؛ وقد كان ابن أبي ذئب - وهو من فقهاء أهل المدينة في عصر
مالك- ينكر على مالك اختياره ترك العمل به حتى جرى منه لذلك
في مالك قول خشن، حمله عليه الغضب، ولم يستحسن مثله منه؛
فكيف يصح لأحد أن يدعي إجماع أهل المدينة في هذه المسألة؟ هذا
ما لا يصح القول به؛ وقال هذا القائل في معنى قول مالك: وليس
لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به، إنما أراد الخيار ، لأنه
قال ذلك بإثر قوله: إلا بيع الخيار، وأراد مالك بقوله هذا ليس
عندنا في المدينة في الخيار حد معروف، ولا أمر معمول به فيه-
إنكارا لقول أهل العراق وغيرهم القائلين بأن الخيار لا يكون في
جميع السلع - إلا ثلاثة أيام، والخيار عند مالك ، وأهل المدينة،
يكون ثلاثا وأكثر، وأقل - على حسب اختلاف حال المبيع، وليس
الخيار عنده في الحيوان، كهو في الثياب، ولا هو في الثياب كهو
في العقار؛ وليس لشيء من ذلك حد بالمدينة لا يتجاوز- كما زعم
المخالف؛ قال : فهذا معنى ما أراد مالك رحمه الله بقوله: وليس

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٩٥
لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به، أي ليس للخيار
واشتراطه عندنا حد لا يتجاوز في العمل به سنة، كما زعم من
خالفنا؛ قال: وأما حديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإنما رده
اعتبارا ونظرا واختيارا ، مال فيه إلى بعض أهل بلده كما صنع في
سائر مذهبه.
قال أبو عمر: قد أكثر المتأخرون من المالكيين والحنفيين من
الاحتجاج لمذهبهما في رد هذا الحديث بما يطول ذكره، وأكثره
تشغيب، لا يحصل منه على شيء لازم لا مدفع له؛ ومن جملة
ذلك، أنهم نزعوا بالظواهر، وليس ذلك من أصل مذهبهم؛
فاحتجوا بعموم قول الله عز وجل: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ ﴾ [المائدة: (١)].
قالوا: وهذان قد تعاقدا، وفي هذا الحديث إيطال الوفاء بالعقد؛
وبعموم قول رسول الله وَجلال: من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى
يستوفيه. قالوا : فقد أطلق بيعه إذا استوفاه قبل التفريق وبعده.
وبأحاديث كثيرة مثل هذا، فيها إطلاق البيع دون ذكر التفرق، وهذه
ظواهر وعموم، لا يعترض بمثلها على الخصوص والنصوص، وبالله
التوفيق.
واحتجوا أيضا بلفظة رواها عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن
النبى وَجّ أنه قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، ولا يحل له أن
يفارق صاحبه خشية أن يستقيله(١).
قالوا: فهذا يدل على أنه قد تم البيع بينهما قبل الافتراق، لأن
الإقالة لا تصح إلا فيما قد تم من البيوع.
(١) د (٣٤٥٦/٧٣٦/٣). ت (٣/ ١٢٤٧/٥٥٠) وقال: هذا حديث حسن . ن
(٤٤٩٥/٢٨٨/٧).

١٩٦
فتح البر
وقالوا : قد يكون التفرق بالكلام، كعقد النكاح وشبهه، وكوقوع
الطلاق الذي قد سماه الله فراقا؛ والتفرق بالكلام في لسان العرب
معروف أيضا ، كما هو بالأبدان؛ واعتلوا بقول الله عز وجل:
وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلَّ مِنِ سَعَتِهِ﴾ [النساء: (١٣٠)]. وقوله:
﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ﴾ [آل عمران: (١٠٥)]. وبقول رسول
الله وَّة: تفترق أمتي(١)- لم يرد بأبدانهم، قالوا: ولما كان
الاجتماع بالأبدان لا يؤثر في البيع، كذلك الافتراق لا يؤثر في
البيع؛ وقالوا: إنما أراد بقوله {وَله: المتبايعان بالخيار - المتساومين.
قال: ولا يقال لهما متبايعان، إلا ما داما في حال فعل التبايع، فاذا
وجب البيع لم يسميا متبايعين، وإنما يقال كانا متبايعين مثل ذلك
المصلي، والآكل ، والشارب ، والصائم، فإذا انقضى فعله ذلك،
قيل كان صائما، وكان آكلا، ومصليا، وشاربا؛ ولم يقل انه صائم،
أو مصل، أو آكل، أو شارب، إلا مجازا، أو تقريبا واتساعا، وهذا
لا وجه له في الأحكام ؛ قالوا: فهذا يدل على أنه أراد بقوله البيعان
بالخيار ما لم يفترقا، والمتبايعان بالخيار مالم يتفرقا- المتساومين. وعن
أبي يوسف القاضي نصا انه قال: هما المتساومان، قال: فاذا قال
بعتك بعشرة ، فللمشتري الخيار في القبول في المجلس قبل
الافتراق، وللبائع خيار الرجوع في قوله قبل قبول المشتري؛ وعن
عيسى بن أبان نحوه أيضا. وقال محمد بن الحسن: معنى قوله في
الحديث البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا .. أن البائع إذا قال: قد
(١) د (٤٥٩٦/٤/٥). ت (٢٦٤٠/٢٥/٥) وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
جه (٣٩٩١/١٣٢١/٢). وفى الباب عن سعد وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك.

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٩٧
بعتك، فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت؛ وهو قول أبي
حنيفة ، وقد روي عن أبي حنيفة أنه كان يرد هذا الخبر باعتباره إياه
على أصوله كسائر فعله في أخبار الآحاد، كان يعرضها على
الأصول المجتمع عليها عنده، ويجتهد في قبولها أو ردها؛ فهذا
أصله في أخبار الآحاد، وروي عنه أنه كان يقول في رد هذا
الحديث: أرأيت إن كانا في سفينة، أرأيت إن كانا في سجن، أو
قيد، كيف يفترقان؟ إذن فلا يصح بين هؤلاء بيع أبدا. وهذا مما
عيب به أبو حنيفة - وهو أكبر عيوبه، وأشد ذنوبه- عند أهل
الحديث الناقلين لمثالبه، باعتراضه الآثار الصحاح، ورده لها برأيه-
وأما الإرجاء المنسوب اليه، فقد كان غيره فيه أدخل، وبه أقول؛ لم
يشتغل أهل الحديث من نقل مثالبه، ورواية سقطاته، مثل ما اشتغلوا
به من مثالب أبي حنيفة؛ والعلة في ذلك ما ذكرت لك لا غير؛
وذلك ما وجدوا له من ترك السنن، وردها برأيه؛ أعني السنن
المنقولة بأخبار العدول الآحاد الثقات، والله المستعان.

١٩٨
فتح البر
باب منه
[١٢] مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد
الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من
أصحابك يصنعها؟ قال: ما هن يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من
الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ
بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت
حتى كان يوم التروية، فقال عبد الله بن عمر: أما الاركان، فإني لم أر
رسول الله عليه يمس إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية، فإني رأيت رسول
الله ◌َيّ يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن
ألبسها، وأما الصفرة، فإني رأيت رسول الله وَل فهو يصبغ بها، فأنا أحب أن
أصبغ بها، وأما الإهلال، فإني لم أر رسول الله وآالآ يهل حتى تنبعث به
راحلته(١).
عبيد بن جريج من ثقات التابعين، ذكر الحسن بن علي الحلواني
قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال حدثنا ابن وهب، قال حدثني أبو
صخر، عن ابن قسيط، عن عبيد بن جريج، قال: حججت مع عبد
الله بن عمر بين حج وعمرة اثنتي عشرة مرة.
قال أبو عمر: في هذا الحديث دليل على أن الاختلاف في
الأفعال والأقوال والمذاهب كان في الصحابة موجودا، وهو عند
العلماء أصح ما يكون في الاختلاف إذا كان بين الصحابة؛ وأما ما
أجمع عليه الصحابة واختلف فيه من بعدهم، فليس اختلافهم
(١) خ (١/ ١٦٦/٣٥٥) و(٥٨٥١/٣٧٨/١٠). م (١١٨٧/٨٤٤/٢).
د (٢ / ٣٧٤ / ١٧٧٢). ن (٢٧٥٩/١٧٨/٥) مختصرا. حب: الإحسان (٣٧٦٣/٧٨/٩) . ..

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٩٩
بشيء، وإنما وقع الاختلاف بين الصحابة - والله أعلم - في التأويل
المحتمل فيما سمعوه ورأوه، أو فيما انفرد بعلمه بعضهم دون
بعض، أو فيما كان منه - عليه السلام - على طريق الإباحة في
فعله لشيئين مختلفين؛ وقد بينا العلل في اختلافهم في غير هذا
الکتاب.
وفي هذا الحديث دليل على أن الحجة عند الاختلاف السنة، وأنها
حجة على من خالفها، وليس من خالفها بحجة عليها، ألا ترى أن
ابن عمر لما قال له عبيد بن جريج: رأيتك تصنع أشياء لا يصنعها
أحد من أصحابك، لم يستوحش من مفارقة أصحابه، إذ كان عنده
في ذلك علم من رسول الله وَّ، ولم يقل له ابن جريج الجماعة
أعلم برسول الله وَخلال منك، ولعلك وهمت كما يقول اليوم من لا
علم له، بل انقاد للحق إذ سمعه، وهكذا يلزم الجميع وبالله
التوفيق.

فتح البر
٢٠٠
المبتدعة والظالمون وأذنابهم المحاربون للسنة
يدادون عن الحوض
[١٣] مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله
وَلو خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله
بكم لاحقون؛ وددت أني قد رأيت إخواننا، قالوا: يا رسول الله، ألسنا
بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا
فرطهم على الحوض؛ قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك من
أمتك؟ قال: أرأيت لو كانت لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم،
ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة
غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض فلا يذادن رجل عن
حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلم، ألا هلم، ألا هلم؛
فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: فسحقا، فسحقا، فسحقا(١).
وأما قوله في حديثنا في هذا الباب: فسحقا، فمعناه: فبعدا،
والسحق والبعد والإسحاق والإبعاد سواء بمعنى واحد؛ وكذلك
النأي والبعد لفظتان بمعنى واحد، إلا أن سحقا وبعدا - هكذا إنما
تجيء بمعنى الدعاء على الإنسان، كما يقال: أبعده الله، وقاتله الله،
وسحقه الله ومحقه ، وأسحقه أيضا؛ ومن هذا قول الله عز وجل
[الحج: (٣١)]. يعني: بعيد، وكل من أحدث في
٣١
﴿فِ مَكَانٍ سَحِقٍ
الدين ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن
الحوض، المبعدين عنه - والله أعلم؛ وأشدهم طردا من خالف
جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم مثل الخوارج على اختلاف فرقها،
(١) حم (٣٠٠/٢-٣٠٨)، م (١ / ٢٤٩/٢١٨)، د (٣ / ٣٢٣٧) مختصراً.
ن (١ / ١٠٢ / ١٥٠)، جه (٤٣٠٦/١٤٣٩/٢).