النص المفهرس

صفحات 161-180

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٦١٠
النهي عن ذلك نهي تنزه، وتقذر، ولا أدرى ما معنى قوله نهي تنزه
وتقذر، فإذا أراد به نهي أدب، فهذا ما لا يوافق عليه، وإن أراد أن
كل ذي ناب من السباع يجب التنزه عنه، كما يجب التنزه عن
النجاسة والأقذار، فهذا غاية في التحريم، لأن المسلمين لا يختلفون
في أن النجاسات محرمات العين، أشد التحريم، لا يحل استباحة
أكل شيء منها، ولم يرد القائلون من أصحابنا ما حكينا هذا
عنهم، ولكنهم أرادوا الوجه الذي هو عند أهل العلم ندب وأدب،
لأن بعضهم احتج بظاهر قول الله عز وجل: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ
مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ﴾
[الأنعام: (١٤٥)].
وذكر أن من الصحابة من استعمل هذه الآية، ولم يحرم ما
عداها، فكأنه لا حرام عنده على طاعم إلا ما ذكر في هذه الآية،
ويلزمه على أصله هذا، أن يحل أكل الحمر الأهلية، وهو لا يقول
هذا في الحمر الأهلية، لأنه لا تعمل الذكاة عنده في لحومها، ولا
في جلودها، ولو لم يكن عنده محرما إلا ما في هذه الآية، لكانت
الحمر الأهلية عنده حلالا، وهو لا يقول هذا، ولا أحد من
أصحابه، وهذه مناقضة، وكذلك يلزمه أن لا يحرم مالم يذكر اسم
الله عليه عمدا، ويستحل الخمر المحرمة عند جماعة المسلمين.
وقد أجمعوا أن مستحل خمر العنب المسكر كافر راد على الله
عزوجل خبره في كتابه مرتد، يستتاب فإن تاب ورجع عن قوله ،
وإلا استبيح دمه كسائر الكفار، وفي إجماع العلماء على تحريم خمر
العنب المسكر، دليل واضح، على أن رسول الله وَلله قد وجد فيما

١٦٢٠
فتح البر
أوحي إليه محرما غير ما في سورة الأنعام، مما قد نزل بعدها من
القرآن، وكذلك ما ثبت عنه وَجّ، من تحريم الحمر الأهلية، ومن
فرق بين الحمر وبين كل ذي ناب من السباع فقد تناقض، والنهي
عن أكل كل ذي ناب من السباع أصح مخرجا، وأبعد من العلل،
من النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية، لأنه قد روي في الحمر أنه
إنما نهاهم عنها يوم خيبر، لقلة الظهر، وقيل إنه إنما نهى منها عن
الجلالة التي تأكل الجلة وهي العذرة، وسائر القذر، قد قال بهذا
وبهذا قوم، ولا حجة عنده ولا عندنا فيه، لثبوت نهي رسول الله
وَ لخلاله عن ذلك مطلقا، وصحته، وأن ما روي مما ذكرنا لا يثبت،
وسيأتي القول في الحمر مستوعبا، في باب ابن شهاب، من كتابنا
هذا .
وأظن قائل هذا القول من أصحابنا، في أكل كل ذي ناب من
السباع، راعى اختلاف العلماء في ذلك، ولا يجوز أن يراعى
الاختلاف عند طلب الحجة، لأن الاختلاف ليس منه شيء لازم دون
دليل، وإنما الحجة اللازمة الإجماع لا الاختلاف، لأن الإجماع
يجب الإِنقياد إليه، لقول الله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيِّنَ
لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: (١١٥)] الآية،
والاختلاف يجب طلب الدليل عنده من الكتاب والسنَّة،
قال الله عز وجل: ﴿فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[النساء: (٥٩)] - الآية، يريد الكتاب والسنَّة، هكذا فسره
العلماء .

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٦٣
فأما قول الله عز وجل ((قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما)) الآية،
فقد اختلف العلماء في معناها، فقال قوم من الفقهاء العراقيين، ممن
يجيز نسخ القرآن بالسنة، إن هذه الآية منسوخة بالسنة، لنهي رسول
الله وَلّ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن أكل لحوم الحمر
الأهلية، وقال آخرون معنى قوله هنا أي لا أجد قد أوحى إلي في
هذا الحال، يعني في تلك الحال، حال الوحي، ووقت نزوله، لأنه
قد أوحي إليه بعد ذلك في سورة المائدة، من تحريم المنخنقة والموقوذة
إلى سائر ما ذكر في الآية، فكما أوحى الله إليه في القرآن، تحريما
بعد تحريم، جاز أن يوحي إليه على لسانه تحريما بعد تحريم، وليس
في هذا شيء من النسخ ولكنه تحريم شيء بعد شيء، قالوا مع أنه
ليس للحمار والسباع وذي المخلب والناب ذكر في قوله: ((قل لا
أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه)) وذلك أن الله عز
وجل إنما ذكر ثمانية أزواج، من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن
الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ثم قال: ((قل لا أجد فيما أوحي))،
يعني والله أعلم، من هذه الأزواج الثمانية ((محرما على طاعم
يطعمه، إلا أن يكون ميتة أودما مسفوحا، أو لحم خنزير)) فزاد ذكر
لحم الخنزير تأكيدا في تحريمه، حيا وميتا لأنه ما حرم لحمه، لم
تعمل الذكاة فيه، فكان أشد من الميتة، ولم يذكر السباع والحمير
والطير ذا المخلب بتحليل ولا تحريم، وقال آخرون ليس السباع
والحمر من بهيمة الأنعام، التي أحلت لنا، فلا يحتاج فيها إلى هذا،
وقال الآخرون هذه الآية جواب لما سأل عنه قوم من الصحابة،
فأجيبوا عن مسألتهم، كأنهم يقولون، إن معنى الآية، قل لا أجد

فتح البر
١٦٤
فيما أوحي إلي مما ذكرتم، أو مما كنتم تأكلون، ونحو هذا، قاله
طاوس ومجاهد، وقتادة، وتابعهم قوم واستدلوا على صحة ذلك،
بأن الله قد حرم في كتابه وعلى لسان رسوله، أشياء لم تذكر في
الآية، لأنه لا يختلف المسلمون في ذلك.
ذكر سنيد عن حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني إبراهيم بن
أبي بكر ، أن مجاهدا أخبره في قول الله عز وجل ((قل لا أجد فيما
أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه)) قال: ما كان أهل الجاهلية
يأكلون لا أجد من ذلك محرما على طاعم يطعمه، إلا أن يكون
ميتة ... الآية. قال حجاج: وأخبرنا ابن جريج، عن ابن طاوس،
عن أبيه، مثله. وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، نحوه،
وقالت فرقة: الآية محکمة، ولا يحرم إلا ما فيها، وهو قول يروى
عن ابن عباس، وقد روي عنه خلافه في أشياء حرمها، يطول
ذكرها، وكذلك اختلف فيه عن عائشة، وروي عن ابن عمر من
وجه ضعيف، وهو قول الشعبي، وسعيد بن جبير، في الحمر
الأهلية، وكل ذي ناب من السباع أنه ليس شيء منها محرما، وأما
سائر فقهاء المسلمين في جميع الأمصار فمخالفون لهذا القول،
متبعون للسنة في ذلك، وقال أكثر أهل العلم والنظر من أهل الأثر
وغيرهم: إن الآية محكمة غير منسوخة، وكل ما حرمه رسول الله
مضموم إليها، وهو زيادة من حكم الله على لسان رسوله وَظله، ولا
فرق بين ما حرم الله في كتابه، أو حرمه على لسان رسوله، بدليل
قول الله عز وجل ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٩٥، ومحمد ٣٣]. وقوله
﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠]. وقوله ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٦٥
يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَاَلِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: (٣٤)]. قال أهل
العلم: القرآن والسنَّة، وقوله ﴿ وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ
عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: (٧)]. وقوله ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: (٥٢ - ٥٣)] .. وقوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ.
[النور: (٦٣)]. فقرن الله
٦٣
أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ
عز وجل طاعته بطاعته، وأوعد على مخالفته، وأخبر أنه يهدي إلى
صراطه، وبسط القول في هذا موجود في كتب الأصول، وليس في
هذه الآية دليل على أن لا حرام على آكل إلا ما ذكر فيها، وإنما فيها
أن الله أخبر نبيه وَله، وأمره أن يخبر عباده أنه لم يجد في القرآن
منصوصا شيئا محرما على الأكل والشارب إلا ما في هذه الآية،
وليس ذلك بمانع أن يحرم الله في كتابه بعد ذلك وعلى لسان رسوله
أشياء سوى ما في هذه الآية.
وقد أجمعوا أن سورة الأنعام مكية، وقد نزل بعدها قرآن كثير
وسنن عظيمة، وقد نزل تحريم الخمر في المائدة بعد ذلك، وقد حرم
الله على لسان نبيه أكل كل ذي ناب من السباع وأكل الحمر الأهلية،
وغير ذلك، فكان ذلك زيادة حكم من الله على لسان نبيه وَله،
كنكاح المرأة على عمتها، وعلى خالتها، مع قوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءُ
ذَلِكُمْ﴾ [النساء: (٢٤)]. كحكمه بالشاهد واليمين، مع قول الله
فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانٍ﴾ [البقرة: (٢٨٢)]. وما أشبه هذا کثیر
تركناه خشية الإطالة، ألا ترى أن الله قال في كتابه ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ
ج
تِجَكرَةً عَن تَاضِ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: (٢٩)]. وقد حرم رسول الله وَيهوى
أشياء من البيوع وإن تراضا بها المتبايعان، كالمزابنة، وبيع ما ليس

فتح البر
١٦٦
عندك، وكالتجارة في الخمر، وغير ذلك مما يطول ذكره، وقد أجمع
العلماء أن سورة الأنعام مكية إلاَّ قوله ﴿﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَرَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: (١٥١)]. الآيات الثلاث، وأجمعوا أن نهي
رسول الله ** عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان منه بالمدينة،
ولم يرو ذلك عنه غير أبي هريرة، وأبي ثعلبة الخشني، وإسلامهما متأخر
بعد الهجرة إلى المدينة بأعوام، وقد روى عن ابن عباس عن النبي
وَليّ مثل رواية أبي هريرة وأبي ثعلبة في النهي عن أكل كل ذي ناب
من السباع من وجه صالح، قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: وهذا
كله يدل على أنه أمر كان بالمدينة بعد نزول ((قل لا أجد فيما أوحي
إلي محرما)) الآية، لأن ذلك مكي.
قال أبو عمر: قول الله عز وجل ((قل لا أجد فيما أوحي إلي
محرما)» الآية قد أوضحنا بما أوردنا في هذا الباب بأنه قول ليس على
ظاهره، وأنه ليس نصا محكما، لأن النص المحكم ما لا يختلف في
تأويله، وإذا لم يكن نصا كان مفتقرا إلى بيان الرسول لمراد الله منه
كافتقار سائر مجملات الكتاب إلى بيانه، قال الله عز وجل ﴿ وَأَنْزَلْنَآَ
إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: (٤٤)]. وقد بين رسول
الله وَّ في أكل كل ذي ناب وأكل الحمر الأهلية مراد الله، فوجب
الوقوف عنده، وبالله التوفيق.
فإن قال قائل إن الحمر الأهلية وذا الناب من السباع لو كان أكلها
حرام لكفر مستحلها، كما يكفر مستحل الميتة ولحم الخنزير،
فالجواب عن ذلك أن المحرم بآية مجتمع على تأويلها، أو سنة

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٦٧.
مجتمع على القول بها، يكفر مستحله، لأنه جاء مجيئا يقطع العذر
ولا يسوغ فيه التأويل، وما جاء مجيئا يوجب العمل ولا يقطع العذر
وساغ فيه التأويل لم يكفر مستحله وإن كان مخطئا، ألا ترى أن
المسكر من غير شراب العنب لا يكفر المتأول فيه وإن كان قد صح
عندنا النهي بتحريمه، ولا يكفر من يقول بأن الصلاة يخرج منها المرء
ويتحلل بغير سلام، وأن السلام ليس من فرائضها، مع قيام الدليل
على وجوب السلام عندنا فيها، وكذلك لا يكفر من قال أن قراءة
القرآن وغيرها سواء، وأن تعيين قراءتها في الصلاة ليس بواجب،
ومن قرأ غيرها أجزأه، مع ثبوت الآثار عن النبي عليه السلام أنه لا
صلاة إلا بها، وكذلك لا يكفر من أوجب الزكاة على خمسة رجال
ملكوا خمس ذود من الإبل، ولا من قال: الصائم في السفر كالمفطر
في الحضر، ولا حج إلا على من ملك زادا أو راحلة مع إطلاق الله
الاستطاعة، ونفيه على لسان رسوله أن يكون فيما دون خمس ذود
صدقة، وأنه صام في السفر وَظِلّه، وهذا كثير لا يجهله من له أقل
عناية بالعلم إن شاء الله.
قرأت على عبد الرحمان بن يحيى، أن علي بن محمد أخبرهم،
قال: حدثنا أحمد بن أبي سليمان، قال: حدثنا سحنون، قال:
حدثنا عبد الله بن وهب قال: حدثنا يونس بن يزيد، عن ابن
شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي
هريرة، عن النبي وَخلال؛ وابن لهيعة، عن عبد الرحمان الأعرج، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك

فتح البر
١٦٨
الذين من قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن
شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم)) (١).
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال أخبرنا محمد بن
بكر التمار، قال: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا
محمد بن عيسى قال: حدثنا أشعث بن شعبة، قال حدثنا أرطأة بن
المنذر، قال: سمعت حكيم بن عمير أبا الأحوص يحدث عن
العرباض بن سارية قال: نزلنا مع رسول الله وَخلال خيبر، فذكر
الحديث، وفيه أنه أمر مناديا فنادى أن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن
اجتمعوا للصلاة، فاجتمعوا، ثم صلى بهم النبي وَلاّ، ثم قام
فقال: أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم
شيئا إلا ما في هذا القرآن؟ ألا وإني قد أمرت ووعظت، ونهيت عن
أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر، وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا
بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم،
إذا أعطوكم الذي عليهم))(٢).
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو
داود، قال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، قال حدثنا أبو عمر
وعثمان بن كثير بن دينار، عن جرير بن عثمان، عن عبد الرحمن
ابن أبي عوف، عن المقدام بن معدي كرب، عن رسول الله وَ ل أنه
قال: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه من وجه آخر عن أبي هريرة.
(٢) د (٣٠٥٠/٤٣٦/٣). البيهقي (٢٠٤/٩). وفي سنده أشعث بن شعبة. قال في التقريب
(١٠٥/١): مقبول.

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٦٩
على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال
فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار
الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن
يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم
يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه))(١).
وروى بقية، عن الزبيدي، عن مروان بن رؤبة، عن عبد الرحمن
ابن أبي عوف الجرشي، عن المقدام بن معدي كرب أن النبي
مكلات
وستا
قال: ((ألا إني قد أوتيت الكتاب وما يعدله، يوشك شبعان على
أريكته ... )) فذكره إلى آخره مثله.
وقرأت على أبي عمر أحمد بن عبد الله بن محمد الباجي فأقر
به، أن الميمون بن حمزة الحسيني حدثهم قال: حدثنا أبو جعفر
الطحاوي قال: حدثنا المزني، وقرأت على إبراهيم بن شاكر، أن
محمد بن يحيى بن عبد العزيز حدثهم قال: حدثنا أسلم بن عبد
العزيز، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قالا جميعا: أخبرنا
الشافعي، قال: أخبرنا سفيان، عن سالم أبي النضر، أنه سمع عبيد
الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه، قال: قال النبي وَّ((لا ألفين
أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو
نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله
(١) حم (١٣١/٤-١٣٢). د (٤/ ٤٦٠٤/١٩٩). ت (٢٦٦٤/٣٧/٥) وقال: هذا حديث حسن
غريب من هذا الوجه. جه (١٢/٦/١).

فتح البر
== ١٧٠
اتبعناه))(١). قال ابن عيينة: وأخبرني به محمد بن المنكدر عن النبي
الله مرسلا .
أخبرنا خلف بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال:
أخبرنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال:
حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن علي بن زيد بن
جدعان، عن أبي نضرة أو غيره، قال: كنا عند عمران بن حصين،
فكنا نتذاكر العلم، قال: فقال رجل: لا تتحدثوا إلا بما في القرآن،
فقال له عمران بن الحصين: إنك لأحمق، أوجدت في القرآن صلاة
الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات لا يجهر في شيء منها؟
والمغرب بثلاث يجهر بالقراءة في ركعتين ولا يجهر بالقراءة في
ركعة، والعشاء أربع ركعات يجهر بالقراءة في ركعتين، ولا يجهر
بالقراءة في ركعتين، والفجر ركعتين يجهر فيهما بالقراءة؟ .
قال: وقال عمران: لما نحن فيه يعدل القرآن، أو نحوه من
الكلام، قال علي: ولم يكن الرجل الذي قال هذا صاحب بدعة،
ولكنه كانت زلة منه.
أخبرنا أبو القاسم خلف بن القاسم، قال: حدثنا أبو أحمد عبد
الله بن محمد بن ناصح المعروف بابن المفسر، قال: حدثنا أبو بكر
أحمد بن علي بن سعيد القاضي، قال: حدثنا داود بن رشيد، قال:
(١) حم (٧/٦)، د (٤٦٠٥/١٩٩/٤). ت (٢٦٦٣/٣٧/٥) وقال: هذا حديث حسن
صحيح. جه (٢١٤٥/٣٣٩/٢). ك (١٠٩/١) وصححه ووافقه الذهبي.

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧١
حدثنا بقية بن الوليد، عن محفوظ بن مسور الفهري، عن محمد بن
المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله وَظله: ((يوشك
بأحدكم يقول: هذا كتاب الله، ما كان فيه من حلال أحللناه، وما
كان فيه من حرام حرمناه، ألا من بلغه عني حديث فكذب به، فقد
كذب الله ورسوله والذي حدثه))(١)
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (١/ ٩٠) من طريق داود بن رشيد، ثنا بقية بن
الوليد بهذا الإسناد، وفيه بقية بن الوليد وهو معروف بتدليس التسوية.
وعزاه في كنز العمال (٩٨٦/١٩٥/١). لأبي نصر السجزي في الإبانة. والحديث له شواهد من
حديث أبي رافع والمقدام بن معدي كرب والعرباض بن سارية. انظر المشكاة
(١/ ١٦٢/٥٧-١٦٤).

فتح البر
١٧٢
باب منه
[٥] مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه ((أن رسول الله ويل ﴿ قضى باليمين مع
الشاهد)).
ولو ذكرنا الأسانيد عمن قضى بذلك من الصحابة والتابعين
وعلماء المسلمين لطال ذلك، وممن روي عنه القضاء باليمين مع
الشاهد منصوصا من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن
كعب وعبد الله بن عمر وإن كان في الأسانيد عنهم ضعف فإنا لم
نذكرهم على سبيل الحجة لأن الحجة قد لزمت بالسنة الثابتة، ولا
تحتاج السنة إلى من يتابعها لأن من خالفها محجوج بها. ولم يأت
عن أحد من الصحابة أنه أنكر اليمين مع الشاهد. بل جاء عنهم
القول به، وعلى القول به جمهور التابعين بالمدينة: سعيد بن
المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وعروة،
وسالم، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله،
وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وعلي بن حسين، وأبو جعفر
محمد بن علي، وأبو الزناد، وعمر بن عبد العزيز. ولم يختلف
عن واحد من هؤلاء في ذلك إلا عروة فإنه اختلف فيه عنه.
وكذلك اختلف فيه عن ابن شهاب، فقال معمر: سألت الزهري عن
اليمين مع الشاهد فقال: هذا شيء أحدثه الناس لا بد من شهیدین.
وقد روي عنه أنه أول ما ولي القضاء حكم بشاهد ويمين. وبه قال
مالك وأصحابه، والشافعي وأتباعه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن
راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور، وداود بن علي، وجماعة أهل الأثر،

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٣
وهو الذي لا يجوز عندي خلافه لتواتر الآثار به عن النبي وَل وعمل
أهل المدينة به قرنا بعد قرن. وقال مالك رحمه الله: يقضى باليمين
مع الشاهد في كل البلدان، ولم يحتج في موطأه لمسألة غيرها. ولم
يختلف عنه في القضاء باليمين مع الشاهد، ولا عن أحد من
أصحابه بالمدينة ومصر وغيرها. ولا يعرف المالكيون في كل بلد غير
ذلك من مذهبهم إلا عندنا بالأندلس فإن یحیی بن یحیی ترکه وزعم
أنه لم ير الليث بن سعد يفتي به ولا يذهب إليه. وخالف یحیی
مالكا في ذلك مع خلافه السنة والعمل بدار الهجرة، وقد كان مالك
يقول: لا يقضى بالعهدة في الرقيق إلا بالمدينة خاصة أو على من
اشترطت عليه، ويقضى باليمين مع الشاهد الواحد في كل بلد. وقد
أفرد الشافعي رحمه الله لذلك كتابا بين فيه الحجة على من رده
وأكثر من ذلك أصحابه. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري
والأوزاعي: لا يقضى باليمين مع الشاهد الواحد. وهو قول عطاء
والحكم بن عتيبة وطائفة. وزعم عطاء أن أول من قضى به عبد
الملك بن مروان. وهذا غلط وظن لا يغني من الحق شيئا. وليس من
نفى وجهل كمن أثبت وعلم، وقد ذكرنا من سمينا من الصحابة
والتابعين وليس فيهم من يدع علمه لعبد الملك بن مروان. وقد ذکر
عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة أن مروان قضى بشهادة
ابن عمر وحده لبني صهيب يعني مع أيمانهم. وزعم بعض من رد
اليمين مع الشاهد أن الحديث المروي فيه منسوخ بقول الله عز وجل
فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانٍ﴾ [البقرة: (٢٨٢)]. قالوا: ولم يقل
فإن لم يكن رجل وامرأتان فشهادة ويمين. ومن حجتهم أيضا أن
اليمين إنما جعلت للنفي لا للإثبات، وجعلها النبي وَل على المدعى
عليه، فلا سبيل للمدعي إليها .

١٧٤
فتح البر
قال أبو عمر:
وفي هذا إغفال شديد وذهاب عن طريق النظر والعلم وما في
قوله عز وجل ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا
رجلين فرجل وامرأتان(١)) ما يرد به قضاء رسول الله وَ لّ في اليمين
مع الشاهد، وإنما في هذا أن الحقوق يتوصل إلى أخذها بذلك
وليس في الآية أنه لا يتوصل إليها ولا تستحق إلا بما ذكر فيها لا
غير، واليمين مع الشاهد زيادة حكم على لسان رسول الله وَ له
كنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها (٢) مع قول الله
﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءُ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: (٢٤)]. وكنهيه بَّ عن أكل
لحوم الحمر وكل ذي ناب من السباع(٣) من قول الله عز وجل ﴿قُل لَّاً
(١) الآية السابقة نفسها.
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: خ (٥١٠٩/١٩٩/٩). م
(١٤٠٨/١٠٢٨/٢ (٣٣-٣٧-٤٠)). د (٢٠٦٥/٥٥٣/٢). ت (١١٢٦/٤٣٣/٣).
ن (٣٢٩٢/٤٠٥/٦-٣٢٩٣). حم (٤٦٢/٢). وأخرجه من حديث علي:
حم (١/ ٧٧-٧٨) وفي سنده ابن لهيعة وهوضعيف. وذكره الهيثمي في المجمع (٢٦٦/٤)
وقال: رواه أحمد وأبو يعلى وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح.
وأخرجه من حديث ابن عباس: د (٢٠٦٧/٥٥٤/٢). ت (١١٢٥/٤٣٢/٣) وقال: حديث
ابن عباس وأبي هريرة حديث حسن صحيح. حب : الإحسان (٤١١٦/٤٢٦/٩). حم
(٢١٧/١-٣٧٢). وأخرجه من حديث ابن عمر: ابن أبي شيبة (١٦٧٧٠/٥٢٦/٣). وذكره
الهيثمي في المجمع (٢٦٦/٤) وقال: ((رواه الطبراني في الأوسط والبزار ورجالهما رجال
الصحيح)). وأخرجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: حم (١٧٩/٢). ابن أبي
شيبة (١٦٧٦٩/٥٢٦/٣). وذكره الهيثمي في المجمع (٢٦٦/٤) وقال: رواه أحمد ورجاله
ثقات. وأخرجه من حديث جابر: خ (٥١٠٨/١٩٩/٩). ن (٣٢٩٧/٤٠٦/٦).
(٣) هذا لفظ من حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه. وقد سبق تخريجه في الباب الذي
قبله.

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٥
أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: (١٤٥)] الآية.
وكالمسح على الخفين، والقرآن إنما ورد بغسل الرجلين أو مسحهما.
ومثل هذا كثير، ولو جاز أن يقال: إن القرآن نسخ حكم رسول الله
باليمين مع الشاهد لجاز أن يقال إن القرآن في قوله عز وجل ﴿وَأَحَلّ
اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّبَواْ﴾ [البقرة: (٢٧٥)]. وفي قوله ﴿إِلَّ أَن تَكُونَ تِحَرَةً
عَنْ تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: (٢٩)]. ناسخ لنهيه وَّر عن المزابنة وبيع
الغرر وبيع ما لم يخلق إلى سائر ما نهى عنه في البيوع، ولجاز أن
يقال: إن قول الله عز وجل ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: (١٠٣)].
ناسخ لقول رسول الله وَلا لا صدقة في الخيل والرقيق(١). وهذا لا
يسوغ لأحد، لأن السنة مبينة للكتاب زائدة عليه ما أذن الله لرسوله
مَ* في الحكم به، ولو جاز ذلك لارتفع البيان والله عز وجل
يقول: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: (٤٤)].
والله عز وجل یفترض في کتابه وعلى لسان رسوله ما شاء وقد أمر
الله بطاعة رسوله أمراً مطلقاً وأخبر أنه لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا
[النجم: (٤)]. وقال ◌َله ((أوتيت الكتاب ومثله معه))(٢)
وچىٌ يُوحَى
وقال عز وجل ﴿ وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ
(١) د (٢/ ١٥٩٤/٢٥١). البيهقي (١١٧/٤). قال المنذري في إسناده رجل مجهول. وقد أخرج
مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ◌َّل قال: ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر
(٩٨٢/٦٧٦/٢ (١٠)).
(٢) حم (١٣١/٤). د (٤٦٠٤/١٠/٥). ت (٢٦٦٤/٣٧/٥) قال أبو عيسى: هذا حديث
حسن غريب من هذا الوجه. جه (١٢/٦/١). هق (٧٦/٧). الدارمي (١٤٤/١). طب
(٣٧٤/٢٠-٦٤٩/٣٧٥).

١٧٦
فتح البر
وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: (٣٤)]. قالوا: القرآن والسنَّة ومن القياس والنظر
أنا وجدنا اليمين أقوى من المرأتين لأنهما لا مدخل لهما في اللعان،
واليمين تدخل في اللعان، ولما ثبت أن يحكم بشهادة امرأتين ورجل
في الأموال كان كذلك اليمين مع شهادة رجل. وفي الأصول أن من
قوي سببه حلف واستحق، ألا ترى أن الشيء إذا كان في يد أحد
حلف صاحب اليد، فكذلك الشاهد الواحد، وما ذكروا من أن
الزيادة من حكم النبي عليه السلام منسوخة بآية الدين ينتقض عليهم
بالإقرار والنكول ومعاقر القمط وأنصاب اللبن والجذوع الموضوعة في
الحيطان، فإنهم قد حكموا بكل ذلك وليس مذكورا في الآية، فإذا
استجازوا أن يستحسنوا ويزيدوا على النص ذلك كله استحسانا،
فكيف ينكرون الزيادة عليه بالأخبار الثابتة عن النبي وَطله وعن
الخلفاء وجمهور العلماء وصحيح الأثر والنظر. والأمر في هذا
أوضح من أن يحتاج فيه إلى إكثار، وفيما ذكرنا منه كفاية لمن فهم
وبالله التوفيق.
أخبرنا أبو القاسم خلف بن القاسم قال: حدثنا أبو محمد الحسن
ابن رشيق قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي قال: حدثنا محمد بن
عبيد بن حساب، قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا خالد، أن
إياس بن معاوية أجاز شهادة عاصم الجحدري وحده يعني مع يمين
الطالب. وذكر إسماعيل قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا
حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد أن شريحا أجاز شهادة رجل
واحد مع یمین الطالب، قال: وحدثنا سلیمان حدثنا حماد، حدثنا
عبد المجيد بن وهب، قال: شهدت يحيى بن معمر قضى بذلك؟

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٧
قال: وحدثنا إبراهيم الهروي، أخبرنا هشيم، أخبرنا حصين، عن
عبد الله بن عتبة بن مسعود مثله قال: وأخبرنا أبو موسى حدثنا
محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا الأشعث عن الحسن مثله.
فهؤلاء قضاة أهل العراق أيضاً يقضون باليمين مع الشاهد في زمن
الصحابة وصدر الأمة، وحسبك به عملا متوارثا بالمدينة. قال
إسماعيل بن إسحاق، حدثنا إبراهيم الهروي قال: أخبرنا هشيم،
قال أخبرنا المغيرة، عن الشعبي، قال: أهل المدينة يقولون شهادة
الشاهد ويمين الطالب، وقال مالك: يحلف مع شهادة المرأتين لأنهما
بمنزلة الرجل، فلما حلف مع الرجل حلف معهما، وقال الشافعي:
لا يمين إلا مع الشاهد الواحد العدل في الأموال خاصة إن شاء الله،
والله الموفق للصواب.

١٧٨
فتح البر
باب منه
٦- مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن معاوية ابن أبي سفيان باع
سقاية من ذهب، أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت
رسول الله وَ﴾ نهى عن مثل هذا، إلا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بهذا
بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله
وَ* ويخبرني عن رأيه لا أساكنك أرضا أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على
عمر فذكر ذلك له، فكتب عمر إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل،
وزنا بوزن(١).
قال أبو عمر: على هذا مذهب الصحابة، والتابعين، وجماعة
فقهاء المسلمين، فلا وجه للإكثار فيه.
حدثني خلف بن القاسم بن سهل الحافظ، قال: حدثنا أبو
الميمون البجلي عبد الرحمن بن عمر بدمشق، قال: حدثنا أبو
زرعة، قال: حدثنا محمد بن المبارك، عن يحيى بن حمزة، عن برد
ابن سنان، عن اسحاق بن قبيصة بن ذؤيب، عن أبيه: أن عبادة
أنكر على معاوية شيئا، فقال: لا أساكنك بأرض أنت بها، ورحل
إلى المدينة فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره فقال: ارجع إلى
مكانك، فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك، وكتب إلى معاوية:
لا إمارة لك عليه.
(١) ن (٤٥٨٦/٣٢١/٧). البغوي في شرح السنة: (٢٠٦٠/٦٤/٨).

الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٩ _
قال أبو عمر: فقول عبادة: لا أساكنك بأرض أنت بها، وقول
أبي الدرداء، على ما في حديث زيد بن أسلم يحتمل أن يكون
القائل ذلك قد خاف على نفسه الفتنة لبقائه بأرض ينفذ فيها في
العلم قول خلاف الحق عنده، وربما كان ذلك منه أنفة لمجاورة من
رد عليه سنة علمها من سنن رسول الله وَ له برأيه، وقد تضيق
صدور العلماء عند مثل هذا، وهو عندهم عظيم: رد السنن بالرأي.
وجائز للمرء أن يهجر من خاف الضلال عليه، ولم يسمع منه،
ولم يطعه، وخاف أن يضل غيره وليس هذا من الهجرة المكروهة،
ألا ترى أن رسول الله وَ لوهو أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك
حين أحدث في تخلفه عن تبوك ما أحدث، حتى تاب الله عليه،
وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع، وهجرته، وقطع
الكلام معه .
وقد حلف ابن مسعود أن لا يكلم رجلا رآه يضحك في جنازة:
أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد،
قال: حدثنا عبد الملك بن بحر، قال: حدثنا موسى بن هارون،
قال: حدثنا العباس بن الوليد، قال: حدثنا سفيان عن عبد الرحمن
بن حميد الرؤاسي، عن رجل من عبس، أن ابن مسعود رأى رجلا
يضحك في جنازة، فقال: تضحك وأنت في جنازة؟ والله لا أكلمك
أبدا .
وغير نكير أن يجهل معاوية ما قد علم أبو الدرداء وعبادة: فإنهما
جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم.

فتح البر
١٨٠
باب منه
[٧] مالك، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، أن ابن
عباس والمسور بن مخرمة، اختلفا بالأبواء، فقال ابن عباس: يغسل المحرم
رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، قال: فأرسلني ابن عباس إلى
أبي أيوب الأنصاري، فوجدته يغتسل بین القرنین، وهو یستر بثوب، قال :
فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ قلت أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك
عبد الله بن عباس أسألك کیف کان رسول الله ◌َالقر يغسل رأسه وهو محرم؟
قال فوضع أبو أيوب يده على الثوب، فطأطأ حتى بدا لي رأسه، ثم قال
لإنسان يصب عليه: أصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بیدیه، فأقبل
بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه يفعل(١).
وفي هذا الحديث من الفقه، أن الصحابة إذا اختلفوا، لم تكن
الحجة في قول واحد منهم، إلا بدليل يجب التسليم له من الكتاب
أو السنة؛ ألا ترى أن ابن عباس، والمسور بن مخرمة- وهما من
فقهاء الصحابة، وإن كانا من أصغرهم سنا؛- اختلفا، فلم يكن
لواحد منهما حجة على صاحبه، حتى أدلى ابن عباس بالسنة ففلج؛
وهذا يبين لك أن قول النبي وَله: أصحابي كالنجوم (٢) هو على ما
فسره المزني وغيره من أهل النظر، أن ذلك في النقل، لأن جميعهم
ثقات مأمونون عدل رضى، فواجب قبول ما نقل كل واحد منهم
(١) حم (٤١٨/٥). خ (٦٨/٤/ ١٨٤٠). م (٢/ ١٢٠.٥/٨٦٤). د (٢/ ١٨٤٠/٤٢٠). ن
(٢٦٦٤/١٣٧/٥). جه (٢٩٣٤/٩٧٨/٢). حب: (الإحسان: (٣٩٤٨/٢٦٤/٩).
(٢) حديث موضوع. ورد بسياقات متعددة عن مجموعة من الصحابة: انظر الضعيفة
(٧٨/١-٥٨/٨٢-٦١).