النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
النبوة والوحي
السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: كان الوحي
إذا نزل، سمعت الملائكة صوت مرار أو إمرار السلسلة على الصفا.
وفي حديث حنين أنهم سمعوا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار
الحديد على الطست الجديد. وروي عن مجاهد في قول الله تعالى
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ [الشورى: (٥١)].
قال: موسى حين كلمه الله، أو ﴿يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ قال: جبريل إلى
محمد ڼ وأشباهه من الرسل.
وروى ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه
الآية ﴿﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ
ـج
قال: نرى هذه
رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىُّ حَكِيمُ لـ
الآية تعد من أوحى الله إليه من البشر، فالكلام: ما كلم الله به
موسى من وراء حجاب، والوحي: ما يوحي الله إلى النبي من
الهداية، فيثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النبي، فيتكلم به النبي
وَ له ويكتبه، فهو كلام الله ووحيه؛ ومنه ما يكون بين الله وبين
رسله، لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدا من الناس، ولكنه يكون
سر غيب بين الله وبين رسله؛ ومنه ما يتكلم به الأنبياء، ولا يكتبونه
ولكنهم يحدثون به الناس ويأمرونهم ببيانه؛ ويبينون لهم أن الله
أمرهم أن يبينوه للناس ويعلموهم إياه.
ومن الوحي ما يرسل الله من يشاء من ملائكته فيوحيه وحيا في
قلوب من يشاء من رسله، وقد بین لنا في كتابه أنه کان يرسل
جبريل إلى محمد - عليهما السلام - فقال في كتابه ﴿قُلْ مَن كَانَ
عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: (٩٧)]. وقال - عز
عَلَى قَلِكَ﴾ إلى
١٩٣
وجل - ﴿ وَإِنَُّ لَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (*) نَزَّلَ بِهِ اُلُُّعُ الْأَمِينُ
[الشعراء: (١٩٢ _ ١٩٥)].
١٩٥
قوله ﴿ پِلِسَانٍ عَرَبٍ مُبِينٍ

فتح البر
٦٢
وأما قوله: فيفصم عني، فمعناه: ينفرج عني ويذهب، كما
تفصم الخلخال إذا فصمته لتخرجه من الرجل، وكل عقدة حللتها
فقد فصمتها؛ قال الله - عز وجل - ﴿فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
[البقرة: (٢٥٦)]. وانفصام العروة أن
لَا أَنْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ
تفك عن موضعها، وأصل الفصم عند العرب أن يفك الخلخال ولا
يبين كسره؛ فإذا كسرته، فقد قصمته - بالقاف، قال ذو الرمة:
كأنه دملج من فضة نبه في ملعب من عذارى الحي مفصوم.

النبوة والوحي
٦٣
باب منه
[٨] مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أن رسول
الله وَ يُ قال: ((الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ست وأربعين جزءا
من النبوة))(١).
قال أبو عمر:
هذا حديث لا يختلف في صحته وروي أيضا من وجوه كثيرة عن
جماعة من الصحابة، عن النبي وَّ بألفاظ مختلفة، فمن ذلك
حديث أنس عن النبي عليه السلام كما رواه شعبة، عن ثابت، عن
أنس، عن النبي ◌َ ◌ّ- كما رواه مالك، وقد روي عن أنس، عن
عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه، ورواه شعبة عن قتادة،
عن أنس، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه قال:
((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة))(٢) وكذلك رواه
أبو هريرة عن النبي عليه السلام من حديث سعيد بن المسيب(٣) وأبي
سلمة بن عبد الرحمن(٤) وأبي صالح السمان(٥) وعبد الرحمن
الأعرج (٦) ومحمد بن سيرين(٧)، عن أبي هريرة؛ وكذلك رواه عبد
(١) خ (٦٩٨٣/٤٤٨/١٢). جه (٣٨٩٣/١٢٨٢/٢).
(٢) خ (١٢ / ٦٩٨٧/٤٦١). م (٤/ ٢٢٦٤/١٧٧٤). د (٥٠١٨/٢٨١/٥).
ت (٤ / ٤٦١ - ٤٦٢ /٢٢٧١).
(٣) م (٤ / ١٧٧٤ / ٢٢٦٣).
(٤) م (٤ / ١٧٧٤ / ٢٢٦٣).
(٥) م (٤ / ١٧٧٤ / ٢٢٦٣).
(٦) مالك في الموطأ: (شرح الزرقاني: ١٨٤٦/٤).
(٧) خ (١٢ /٧٠١٧/٥٠٠). م (٤ / ١٧٧٣ / ٢٢٦٣).

٦٤
فتح البر
الله بن عمرو بن العاص، عن النبي عليه السلام من حديث ابن
وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج أبي السمح، عن عبد
الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخطأ فيه
رشدين بن سعد، فرواه عن عمرو بن الحارث، عن دراج بإسناده
فقال فيه: ((جزء من تسعة وأربعين جزءا من النبوة)) (١) ورواه أبو
سعيد الخدري عن النبي عليه السلام فقال فيه: ((جزء من خمسة
وأربعين جزءا من النبوة)) من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن
الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، وكذلك رواه
ابن جريج، عن ابن أبي حسين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن
النبي عليه السلام قال: ((الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وأربعين
جزءا من النبوة)) وقد روي من حديث عبادة، عن النبي عليه السلام
قال: ((الرؤيا الصالحة جزء من أربعة وأربعين جزءا من النبوة)) (٢)
بإسناد فيه لين.
وقد حدثنا خلف بن قاسم قال حدثنا ابن أبي العقب قال حدثنا
أبو زرعة الدمشقي، قال حدثنا أحمد بن خالد الذهبي، قال حدثنا
محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن سلمان
بن عريب، قال سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَله: ((رؤيا
الرجل الصالح بشرى من الله جزء من ستة وأربعين جزءا من
النبوة))(٣) قال سلمان: فحدثت به ابن عباس فقال: ((من خمسين
(١) ذكره الهيثمي في المجمع (١٧٨/٧) وقال: رواه أحمد من طريق ابن لهيعة عن دراج
وحديثهما حسن وفيهما ضعف وبقية رجاله ثقات.
(٢) ذكرها ابن حجر في الفتح وعزاها للطبراني وقال: والمحفوظ عن عبادة كالجادة (يقصد الرواية
المشهورة بلفظ (ستة وأربعين) (١٢ / ٤٥٠) من كتاب التعبير.
(٣) الحديث في الصحيحين وغيرهما من غير طريق ابن عبد البر. حم (٣١٤/٢). خ
(١٢ / ٧٠١٧/٥٠٠). م (٤ / ١٧٧٤ / ٢٢٦٣). ت (٤ /٤٦١ /٢٢٧٠).

النبوة والوحي
٦٥ =
جزءا من النبوة)) فقلت: إني سمعت أبا هريرة يقول: إنه سمع رسول
الله وَل يقول: ((جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)) فقال ابن
عباس: سمعت العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله وعلى
((الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من خمسين جزءا من النبوة)) وقد
حدث هذا الحديث أبو سلمة عمر بن عبد العزيز فقال عمر: لو كانت
جزءا من عدد الحصى لرأيتها صدقا. وقد روي عن النبي وَلو أنه
قال: ((الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة)) من حديث عبد
الله بن عمر عن النبي وَجُل، رواه عبيد الله بن عمر، وابن جريج،
وعبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّه.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة، قال
حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول
الله صلى الله عليه ((الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من
النبوة))(١) وهذا حديث صحيح الإسناد لا يختلف في صحته، وقد
روي عن ابن عباس، عن النبي وَل مثله.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر،
قال: حدثنا أسود بن عامر، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك بن
حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((رؤيا المسلم جزء من
سبعين جزءا من النبوة))(٢) وروى عاصم بن كليب عن أبيه، عن أبي
هريرة عن النبي وَجلاء مثله(٣).
(١) م (٤ / ١٧٧٥ / ٢٢٦٥).
(٢) حم (٣١٥/١). وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ١٧٢) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار
والطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) حم (٢/ ٣٤٢). وذكره الهيثمي في المجمع (١٧٦/٧) وقال: رواه أحمد وفيه كليب بن
شهاب وهو ثقة وفيه كلام لا يضر.

٦٦
فتح البر
قال أبو عمر:
حديث أنس بن مالك أخبرناه عبد الله بن محمد بن أسد، حدثنا
بكر بن محمد بن العلاء، حدثنا الحسن بن المثنى بن دجانة، حدثنا
عفان بن مسلم، قال حدثنا عبد العزيز بن المختار، قال حدثنا ثابت
عن أنس، قال رسول الله وَجله: ((من رآني في المنام فقد رآني، فإن
الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وعشرين جزءا من
النبوة)) (١) هكذا في حديث أنس هذا، وهو حسن الإسناد ((جزء من
ستة وعشرين جزءا)) ورواه أبو رزين العقيلي، فقال فيه: ((جزء من
أربعين جزءا)) حدثناه عبد الله، حدثنا بكر، حدثنا الحسن بن المثنى،
حدثنا عفان، حدثنا حماد قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، عن وكيع بن
عدس، عن عمه أبي رزين العقيلي، أن النبي بَّ، قال: ((الرؤيا
جزء من أربعين جزءا من النبوة، والرؤيا معلقة برجل طائر، ما لم
يحدث بها صاحبها، فإذا حدث بها وقعت، فلا تحدثوا بها إلا عاقلا
أو محبا، أو ناصحا))(٢).
قال أبو عمر:
اختلاف آثار هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا من النبوة، ليس
ذلك عندي باختلاف تضاد وتدافع، والله أعلم، لأنه يحتمل أن
(١) ذكره ابن حجر في الفتح (١٢ / ٤٥٠) من كتاب التعبير. وعزاه لابن عبد البر وقال:
((والمحفوظ من هذا الوجه كالجادة (يقصد الرواية المشهورة بلفظ (ستة وأربعين).
(٢) حم (٤/ ١٠-١٢-١٣). ت (٤ / ٢٢٧٨/٤٦٤). وذكره ابن حجر في الفتح (١٢ / ٤٥٠)
وعزاه للترمذي والطبري، وقد أخرج الترمذي (٢٢٧٩/٤٦٥/٤) من حديث أبي رزين
العقيلي بمعناه ولكن فيه (ستة وأربعين) كما هو المشهور بدلا من (أربعين) وقال: وهذا
أصح.

النبوة والوحي
٦٧
تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على ستة وأربعين جزءا، أو
خمسة وأربعين جزءا، أو أربعة وأربعين جزءا، أو خمسين جزءا، أو
سبعين جزءا، على حسب ما يكون الذي يراها، من صدق الحديث،
وأداء الأمانة، والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف
الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد،
والله أعلم، فمن خلصت له نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق
حديثه، كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب، كما أن الأنبياء
يتفاضلون، والنبوة كذلك، والله أعلم، قال الله عز وجل ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا
بَعْضَ النَّبِرْعِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: (٥٥)].
حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم، قال: حدثنا محمد بن
معاوية، قال: حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي، قال: حدثنا
هشام بن عمار، قال: حدثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا
إبراهيم بن عثمان، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن
عباس، عن النبي وَ ل 4* قال: ((كان من الأنبياء من يسمع الصوت،
فیکون به نبيا، وكان منهم من يرى في المنام فيكون بذلك نبيا، وكان
منهم من ينفث في أذنه وقلبه فيكون بذلك نبيا، وإن جبريل يأتيني
فيكلمني كما يكلم أحدكم صاحبه))(١).
قال أبو عمر: هذا على أنه يكلمه جبريل كثيرا بالوحي في
الأغلب من أمره، وقد قال وَّ ((إن روح القدس نفث في روعي أنه
لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في
(١) وفي سنده إبراهيم بن عثمان متروك الحديث كما قال في التقريب (٢١٥/٦١/١).

فتح البر
٦٨
=
الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم)) (١)، وفي حديث عائشة أن
رسول الله صلى الله عليه قيل له: كيف يأتيك الوحي؟ قال: ((يأتيني
الوحي أحيانا في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني
وقد وعيت ما قال))(٢)، وقد كان يتراءى له جبريل من السحاب،
وكان أول ما ابتدئ من النبوة أنه كان يرى الرؤيا فتأتي كأنها فلق
الصبح، وربما جاء جبريل في صفة إنسان حسن الصورة فيكلمه،
وربما اشتد عليه، حتى يغط غطيط البكر ويئن ويحمر وجهه، إلى
ضروب كثيرة يطول ذكرها .
وقد يحتمل أن تكون الرؤيا، جزءا من النبوة، لأن فيها ما يعجز
ويمتنع كالطيران، وقلب الأعيان، ولها التأويل الحسن، وربما أغنى
بعضها عن التأويل.
وجملة القول في هذا الباب أن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من
النبوة، وأن التصديق بها حق، وفيها من بديع حكمة الله ولطفه، ما
يزيد المؤمن في إيمانه. ولا أعلم بين أهل الدين والحق من أهل الرأي
والأثر خلافا فيما وصفت لك، ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد،
وشرذمة من المعتزلة.
وأما قوله صلى الله عليه في الحديث ((الرؤيا الصالحة من الرجل
الصالح)) وربما جاء في الحديث ((الرؤيا الصالحة)) فقط، وربما جاء في
(١) ذكره ابن حجر في الفتح (٢٦/١) وقال: ((أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة وصححه الحاكم
من طريق ابن مسعود»، وللحديث شواهد يتقوى بها وردت عن بعض الصحابة انظر المجمع
(٧٣/٤-٧٤-٧٥). والحاكم (٤/٢) و(٣٢٥/٤).
(٢) حم (٢٥٧/٦-٢٥٨). خ (٢/٢٣/١). م (٤ /١٨١٦ - ١٨١٧/ ٢٣٣٣).
ت (٥٥٧/٥-٣٦٣٤/٥٥٨). ن (٤٨٥/٢- ٩٣٣/٤٨٦).

٦٩
النبوة والوحي
الحديث أيضا ((رؤيا المؤمن)) فقط، وربما جاء ((يراها الرجل الصالح
أو ترى له)) يعني من صالح وغير صالح، وهي ألفاظ المحدثين،
والله أعلم بها .
والمعنى عندي في ذلك على نحو ما ظهر إلي في الأجزاء المختلفة
من النبوة، والرؤيا إذا لم تكن من الأضغاث، والأهاويل، فهي
الرؤيا الصادقة، وقد تكون الرؤيا الصادقة من الكافر، ومن الفاسق،
كرؤيا الملك التي فسرها يوسف وَّ، ورؤيا الفتيين في السجن،
ورؤيا بختنصر التي فسرها دانيال في ذهاب ملكه، ورؤيا كسرى في
ظهور النبي وَخلّ، ورؤيا عاتكة عمة رسول الله وَّلّ في أمر النبي
وَخل، ومثل هذا كثير، وقد قسم رسول الله وَّ الرؤيا أقساما تغني
عن قول كل قائل.
حدثا خلف بن القاسم، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد
الحلي القاضي، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن يحيى بن رزين
بحمص قال: حدثا هشام بن عمار، قال: حدثنا يحيى بن حمزة،
قال: حدثنا يزيد بن عبيدة، قال: حدثنا مسلم بن مشكم، عن
عوف بن مالك، عن رسول الله وح اله قال: ((الرؤيا ثلاثة: منها
أهاويل الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهم به في يقظته فيراه في
منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة))(١) قال: قلت:
سمعت من رسول الله وَالر قال: نعم، سمعته من رسول الله وَالجله،
وذكره ابن أبي شيبة، عن المعلى بن منصور، عن يحيى بن حمزة،
عن يزيد بن عبيدة، عن أبي عبد الله، عن عوف بن مالك، عن
النبي وَلّ مثله، وهذا يفسر قوله في حديث إسحاق ((الرؤيا الحسنة))
(١) جه (٢/ ٣٩٠٧) وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.

فتح البر
٧٠
-
أنها ما لم تكن من أهاويل الشيطان، ولا مما يهم به الإنسان في
يقظته، ويشغل بها نفسه، ذكرعبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن
أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ قال: ((في
آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم
حديثا، والرؤيا ثلاثة: الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدث
بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزين من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا
يكرهها، فلا يحدث بها أحدا وليقم فليصل)) (١) قال أبو هريرة:
يعجبني القيد، وأكره الغل، القيد ثبات في الدين.
وقرأت علی عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ حدثهم،
قال: حدثنا مضر بن محمد الكوفي، قال: حدثنا إبراهيم بن عثمان
ابن زياد المصيصي، قال: حدثنا مخلد بن حسين، عن هشام ابن
حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَالاله
((إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا
أصدقهم حديثا، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة،
والرؤيا ثلاثة: فالرؤيا الحسنة من الله، والرؤيا من تحزين الشيطان،
والرؤيا يحدث بها الإنسان نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا
يحدث به، وليقم فليصل)) قال أبو هريرة: أحب القيد في النوم،
وأكره الغل، والقيد ثبات في الدين(٢). وروى قتادة عن ابن سيرين
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه بعض هذا الحديث، وذكر
ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن
أبي ظبيان، عن علقمة، قال: قال عبد الله: ((الرؤيا ثلاثة: حضور
(١) و(٢) تقدم تخريجهما في الباب نفسه.

النبوة والوحي
٧١
الشيطان، والرجل يحدث نفسه بالنهار فيراه بالليل، والرؤيا التي هي
الرؤيا)، وأولى ما اعتمد عليه في عبارة الرؤيا والأدب فيها لمن رآها
أو قصت عليه ما حدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا ابن
المفسرقال: حدثنا أحمد بن علي، قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا
يحيى بن صالح، عن سليمان بن بلال، عن العلاء بن عبد
الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله
عليه ((إذا رأى أحدكم الرؤيا تعجبه فليذكرها وليفسرها، وإذا رأى
أحدكم الرؤيا تسوؤه فلا يذكرها، ولا يفسرها))(١) وقيل لمالك رحمه
الله: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟ وقال مالك: لا
يعبر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيرا أخبر به، وإن رأى
مكروها فليقل خيرا أو ليصمت، قيل: فهل يعبرها على الخير وهي
عنده على المكروه لقول من قال إنها على ما أولت عليه؟ فقال: لا،
ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة، فلا يتلاعب بالنبوة.
(١) قال الألباني في الصحيحة (١٣٤٠) بعدما عزاه لابن عبد البر: وهذا إسناد صحيح رجاله
كلهم ثقات رجال مسلم.)) والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع الصغير) للترمذي، ورمز له
بالحسن، قال المناوي في الفيض (٣٤٩/١) ((رمز لحسنه تبعا للترمذي وحقه الرمز لصحته
وظهار صنيع المصنف أن الترمذي تفرد بإخراجه عن الستة ولا كذلك فقد رواه ابن ماجه عن
أبي هريرة باللفظ المذكور». قال الألباني ((كذا ولم أجد الحديث عند الترمذي وابن ماجه
باللفظ المذكور بعد مزيد من البحث عنه وتعاطى كل الوسائل الممكنة، ... ، فلعله وقع في
بعض النسخ منه)).

٧٢
فتح البر
من الرؤية وراء ظهره
ما خص به علاء
[٩] مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله وج لال قال:
أترون قبلتي ههنا؟ فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم، إني
لأراكم من وراء ظهري (١)
هذا كما قال ◌َّله ولا سبيل إلى كيفية ذلك، وهو علم من أعلام
نبوته ◌َآلله .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال أخبرنا
عبد الحميد بن أحمد بن عيسى الوراق أخبرنا الخضر بن داود قال
أخبرنا أبو بكر الأثرم قال قلت لأبي عبد الله -يعني أحمد بن
حنبل- رحمه الله: قول النبي 143 إني أراكم من وراء ظهري؟
فقال: كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، قلت له: إن إنسانا
قال لي: هو في ذلك مثل غيره، وإنما كان يراهم كما ينظر الإمام
عن يمينه وشماله، فأنكر ذلك إنكارا شديدا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد
ابن وضاح حدثنا حامد بن يحيى حدثنا سفيان عن داود وحميد
وابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ﴿ وَتَقَّلُّكَ فِ السّجِدِينَ
[الشعراء: (٢١٩)]. قال: كان النبي ◌ّ و يرى من خلفه في الصلاة كما يرى
(٢)
من بین یدیه(٢) .
(١) حم (٣٠٣/٢ -٣٦٥-٣٧٥). خ (٤١٨/٦٨٦/١). م (٤٢٤/٣١٩/١).
(٢) الحميدي (٩٦٢/٤٢٧/٢). البيهقي: دلائل النبوة (٧٤/٦). ابن جرير (١٢٤/١١). وعزاه
في المطالب العالية: (٣٦٩٠/٣٥٤/٣) للحميدي. وقال محققه: ضعف سنده البوصيري
لضعف حميد بن علي الأعرج. أورده السيوطي في الدر المنثور (٣٣١/٦) وعزاه لسفيان بن
عيينة والفريابي والحميدي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي
حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل (١٨٣/٥).

النبوة والوحي
٧٣
قال: وحدثنا موسى وأبو بكر قالا: حدثنا وكيع عن سفيان عن
لیث عن مجاهد قال: کان یری من خلفه کما یری من أمامه.
قال: وحدثنا موسى حدثنا وكيع عن سفيان عن أبيه عن عكرمة
((وتقلبك في الساجدين)) قال: ركوعه وسجوده، قال معمر عن قتاده
((في الساجدين)) في المصلين، قال: وقال عكرمة: قائما وراكعا
وساجدا وجالسا. وذكر سنيد حدثنا حجاج عن ابن أبي ذئب عن
عجلان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ ◌ّ ((والذي نفسي بيده
إني لأنظر إلى من ورائي، كما أنظر إلى من بين يدي؛ فسووا
صفوفكم، وأحسنوا ركوعكم وسجودكم))(١).
(١) حم (٢٣٤/٢-٢٧٩). حب الإحسان (١٤ /٦٣٣٨/٢٥٠). عبد الرزاق
(٣٧٣٧/٣٦٩/٢). وقال الهيثمي في المجمع (٨٩/٢) رواه البزار ورجاله ثقات.

٧٤
فتح البر
إنى لأنسي أو أنسي لأمن
[١٠] مالك أنه بلغه أن رسول الله يسار قال: إني لأنسى أو أنسى لأسن.
أما هذا الحديث بهذا اللفظ، فلا أعلمه يروى عن النبي ◌َّه بوجه
من الوجوه مسندا ولا مقطوعا من غير هذا الوجه، والله أعلم، وهو
أحد الأحاديث الأربعة في الموطأ التي لا توجد في غيره مسندة ولا
مرسلة -والله أعلم- ومعناه صحيح في الأصول؛ وقد مضت آثار
في باب نومه عن الصلاة تدل على هذا المعنى، نحو قوله وَله ((إن
الله قبض أرواحنا لتكون سنة لمن بعدكم)).
وقال وَله: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون))(١)، وثبت
صَلَ اللَّه
وَسِيَّلة
عالية
معلما، فما سن لنا اتبعناه، وقد بلغ ما أمر به؛ ولم يتوفاه الله حتى
أکمل دینه سننا وفرائض، والحمد لله.
حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الطيب وجيه بن الحسن بن
يوسف، قال حدثنا أبو بكرة بكار بن قتيبة القاضي، قال حدثنا أبو
داود الطيالسي، حدثنا أبو بكر النهشلي، حدثنا عبد الرحمن بن
الأسود بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله أن رسول الله وَ له صلى
الظهر أو العصر - شك أبو بكر لا يدري أيهما، قال عبد الرحمن:
وقد سماها عبد الرحمن فصلى خمسا، فقيل: يا رسول الله، أزيد
في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسا، فقال رسول الله
وَله: ((إنما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون، وأنسى كما
تنسون))(٢) .
(١) خ (٤٠١/٦٦١/١). م (١ / ٣٩٨/ ٥٧٢). د (١ / ٦٢٠ / ١٠٢٠- ١٠٢٢).
ن (٣٣/٣ -١٢٤٢/٣٤-١٢٤٣). جه (١/ ٣٨٢/ ١٢١١).
(٢) م (١ / ٤٠٢ /٩٣). ن (٣٩/٣/ ١٢٥٨).

٧٥
النبوة والوحي
صَلى الله
صى
وفاة النبى
[١١] مالك أنه بلغه أن رسول الله وَ ﴾ توفي يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء
وصلى الناس عليه أفذاذا لا يؤمهم أحد، فقال ناس: يدفن عند المنبر،
وقال آخرون: يدفن بالبقيع؛ فجاء أبو بكر فقال: سمعت رسول الله وال
يقول: ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه، فحفر له فيه؛ فلما
كان عند غسله أرادوا نزع قميصه، فسمعوا صوتا يقول: لا تنزعوا
القميص، فلم ينزع القميص، وغسل وهو عليه وَلقد
قال أبو عمر:
هذا الحديث لا أعلمه يروى على هذا النسق بوجه من الوجوه غير
بلاغ مالك هذا، ولكنه صحيح من وجوه مختلفة، وأحاديث شتى
جمعها مالك، والله أعلم.
فأما وفاته يوم الاثنين، فقرأت على أبي القاسم خلف بن القاسم
ابن سهل أن أبا بكر محمد بن أحمد بن المسور حدثھم، قال حدثنا
أبو القاسم عبد الرحمن بن معاوية العتبي، قال حدثنا يحيى بن
بكير، قال حدثني الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب،
قال: أخبرني أنس بن مالك أن المسلمين بيناهم في صلاة الفجر من
يوم الاثنين - وأبو بكر رضي الله عنه يصلي بهم لم يفجأهم إلا
رسول الله 3 14ه قد كشف حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف
في الصلاة، فتبسم يضحك؛ فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل
الصف - يظن أن رسول الله وَّخلو يريد أن يخرج إلى الصلاة، قال
أنس: فهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله وَ ظله،

فتح البر
٧٦
فأشار إليهم رسول الله وَّ بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة
وأرخى الستر؛ قال أنس بن مالك: فتوفى رسول الله وَخل في ذلك
اليوم(١).
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال حدثنا
إبراهيم بن سعد، قال أخبرنا ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بكر،
عن الزهري، عن أنس، قال: لما كان يوم الاثنين الذي قبض فيه
رسول الله ◌َّله وذكر الحديث(٢).
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن
زهیر، قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا حماد بن سلمة،
قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن أبا بكر قال
لعائشة: أي يوم توفي فيه رسول الله وَ لاه؟ قالت: يوم الاثنين(٣).
وهذا لا خلاف بين العلماء فيه، وقالت عائشة: توفي بين سحري
ونحري وفي يومي ودولتي لم أظلم فيه أحدا(٤). ذكره ابن إسحاق
عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة
بالإسناد المتقدم عن ابن إسحاق. وأما دفنه يوم الثلاثاء فمختلف فيه،
فمن أهل العلم بالسير من يصحح ذلك على ما قال مالك، ومنهم
من يقول: دفن ليلة الأربعاء، وقد جاء الوجهان في أحاديث بأسانيد
صحيحة :
(١) و(٢) خ (٧٥٤/٢٩٩/٢).
(٢) خ (١٣٨٧/٣٢٢/٣).
(٣) خ (٤٧٨/٢ / ٨٩٠). م (٤/ ١٨٩٣/ ٢٤٤٣).

النبوة والوحي
٧٧ =
حدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهير
قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا عبد العزيز بن محمد
الدراوردي، عن شريك بن أبي نمر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن
أن رسول الله وَجّ دفن يوم الثلاثاء(١).
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن
زهير، قال حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فليح، عن
موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: توفي رسول الله وَ خلاله على
صدر عائشة حين زاغت الشمس، فشغل الناس عن دفنه بشأن
الأنصار؛ فلم يدفن حتى كانت العتمة، ولم يله إلا أقاربه؛ ولم
يصل الناس عليه إلا عصابا بعضهم قبل بعض(٢).
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن
زهير، قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، حدثنا إبراهيم بن
سعد، عن محمد بن إسحاق، قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم، عن امرأته فاطمة ابنة محمد بن عمارة،
عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: ما علمنا بدفن
رسول الله وَل4* حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة
الأربعاء(٣). قال ابن إسحاق: وحدثتني فاطمة بنت محمد بن عمارة
بهذا الحديث.
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن
زهير، قال حدثني أبي، قال حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن
(١) انظر حديث الباب وكلام ابن عبد البر.
(٢) البيهقي دلائل النبوة (٢٣٤/٧).
(٣) حم (٦٢/٦). ابن أبي شيبة (١١٨٣٩/٣٢/٣).

فتح البر
٧٨
إسحاق، عن فاطمة بنت محمد بن عمارة، عن عمرة، عن عائشة -
فذكره(١).
وأما صلاة الناس عليه أفذاذا، فمجتمع عليه عند أهل السير
وجماعة أهل النقل لا يختلفون فيه، وقد ذكرناه عن ابن شهاب
أيضا في هذا الباب؛ وهو محفوظ في حديث سالم بن عبيد
الأشجعي صاحب رسول الله وَّجله، وهو الحديث الطويل في مرضه
ووفاته وَّله؛ أخبرناه عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا محمد بن العباس الكابلي، قال حدثنا عاصم بن علي،
قال حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سلمة بن نبيط، عن نعيم
ابن أبي هند، عن نبيط بن شريط - وكان قد أدرك النبي بَ لّ عن
سالم بن عبيد - وكان من أهل الصفة - فذكر الحديث؛ قال فيه:
فلما توفي رسول الله وَجّ كانوا قوما أميين ولم يكن فيهم نبي قبله،
قال عمر: لا يتكلمن بموته أحد إلا ضربته بسيفي هذا، فقالوا لي:
اذهب إلى صاحب رسول الله وَجُلّ فادعه - يعني أبا بكر - قال:
فذهبت أمشي فوجدته في المسجد، فأجهشت؛ فقال لي: لعل
رسول الله وَّ توفي، فقلت: إن عمر قال: لا يتكلمن بموته أحد
إلا ضربته بسيفي هذا؛ قال: فأخذ بساعدي ثم أقبل يمشي حتى
دخل بيته، فأكب على رسول الله ◌َالظل حتى كاد وجهه يمس وجه
رسول الله وَله حتى استبان له أنه قد توفي، فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ
[الزمر: (٣٠)]. قالوا: يا صاحب رسول الله، توفي
وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُنَ
رسول الله عَ لّ؟ قال: نعم، قال: قالوا: يا صاحب رسول الله، هل
(١) انظر الذي قبله.

٧٩.
النبوة والوحي
يصلى على الأنبياء؟ قال: يجيء قوم فيكبرون ويدعون، ويجيء
آخرون حتى يفرغ الناس، قال: فعرفوا أنه كما قال؛ ثم قال: قالوا:
يا صاحب رسول الله، هل يدفن رسول الله وَلخلّ؟ قال: نعم، قالوا:
أين؟ قال: حيث قبض الله روحه، فإنه لم يقبضه إلا في مكان
طيب، قال: فعرفوا أنه كما قال؛ ثم قال: عندكم صاحبكم؛ ثم
خرج فاجتمع إليه المهاجرون - وذكر تمام الحديث(١).
ورواه مسدد بن مسرهد، قال حدثنا عبد الله بن داود، قال حدثنا
سلمة بن نبيط، عن نعيم بن أبي هند، عن نبيط بن شريط، عن
سالم بن عبيد، قال: قبض رسول الله وَلاه فقال عمر: لا أسمع
رجلا يقول: مات رسول الله وَظله إلا ضربته بالسيف، وكانوا أميين
ولم يكن فيهم نبي قبله، فقال: اسكتوا أو اسكنوا؛ قالوا: يا سالم
ابن عبيد، اذهب إلى صاحب رسول الله وَله فادعه - وساق
الحديث بمعنى ما تقدم إلى آخره (٢).
وأما دفنه في الموضع الذي دفن فيه، وحديث أبي بكر في ذلك،
فمعروف أيضا، رواه عن أبي بكر عائشة وابن عباس:
حدثنا خلف بن سعید، قال حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا
أحمد بن خالد، قال حدثنا علي بن عبد العزیز، قال حدثنا يحيى
ابن عبد الحميد الحماني، حدثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن أبي
بكر عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: اختلفوا في دفن رسول الله
وَله حين قبض، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله وَ ظله يقول: ((لا
(١) و(٢) البيهقي (٢٥٩/٧). وفيه سلمة بن نبيط بن شريط. قال البخاري: اختلط بآخرة.

فتح البر
=٨٠
يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه))، فقال: ادفنوه حيث
قبض(١).
وحدثنا إبراهيم بن شاکر، قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى،
قال حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب الرقي، قال حدثنا أحمد بن
عمرو بن عبد الخالق، قال: وجدت في كتابي عن أبي كريب قال
حدثنا أبو معاوية، قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي
مليكة عن عائشة عن أبي بكر عن النبي ◌َّ - فذكره(٢).
وحدثنا إبراهيم بن شاکر، قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا
محمد بن أيوب، قال حدثنا أحمد بن عمرو، قال حدثنا محمد بن
عبد الله بن عبيد بن عقيل، قال حدثني جدي عبيد بن عقيل، قال
حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن
أبي بكر قال: سمعت رسول الله وَّله يقول: ما قبض نبي إلا دفن
حيث يقبض(٣).
وحدثنا ابن شاکر، قال حدثنا محمد بن أحمد، قال حدثنا محمد
ابن أيوب، قال حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا محمد بن عثمان
العقيلي، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن
إسحاق، حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال:
(١) و(٢) (٣) ت (١٠١٨/٣٣٨/٣). وقال: (هذا حديث غريب وعبد الرحمن بن أبي بكر
المليكي يضعف من قبل حفظه. وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه. فرواه ابن عباس
عن أبي بكر الصديق، عن النبي ولا أيضا). ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده
(٤٥/٤٦/١). بتحقيق حسين سليم أسد وانظر البداية لابن كثير (٢٣٣/٥).