النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
النبوة والوحي
وعمرو بن دينار كلهم عن ابن عباس: أن رسول الله وَ ظله قبض وهو
ابن ثلاث وستين(١).
قال أبو عمر:
قد روي عن علي بن زيد، عن یوسف بن مهران، عن ابن عباس
أن رسول الله وَل توفي وهو ابن خمس وستين، (٢) ذكره أحمد بن
زهير، عن أحمد بن حنبل، عن هشيم، عن علي بن زيد وإنما ذكرنا
هذا، وإن كان الصحيح عندنا غيره، لقول البخاري: إنه لم يتابع
عليه عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم، عن ابن عباس.
والذي ذكره البخاري أنهم رووا عن ابن عباس: أن رسول الله
45* توفي وهو ابن ثلاث وستين، فكما ذكر. وقد روى أبو حمزة،
ومحمد بن سيرين أيضا عن ابن عباس: إن رسول الله وَل* توفي
وهو ابن ثلاث وستين، ولم يختلف عن عائشة ومعاوية أن رسول
الله وَّ توفي وهو ابن ثلاث وستين.
وأما حديث عمار بن أبي عمار فرواه سفيان الثوري، عن خالد
الحذاء، عن عمار مولى بني هاشم، عن ابن عباس، قال: بعث
النبي وَجُلّ وهو ابن أربعين سنة فأقام بمكة خمس عشرة سنة وبالمدينة
عشر سنين، وقبض وهو ابن خمس وستين سنة(٣)، ورواه شعبة عن
يونس، عن عمار مولى بني هاشم، قال: سألت ابن عباس: ابن
كم توفي رسول الله وَ جله؟ فقال: إن هذا الشديد على مثلك، ألا
تعلم مثل هذا في قومك؟ توفي وهو ابن خمس وستين (٤)، ورواه
حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس مثله.
(١) .. (٤) تقدم تخريجه.

٢٢
فتح البر
فالاختلاف على ابن عباس في هذا قوي، لأن عمار بن أبي عمار
مولى بني هاشم، وسعيد بن جبير من رواية العلاء بن صالح، عن
المنهال، عن سعيد، ويوسف بن مهران كلهم اتفقوا، عن ابن عباس
أن رسول الله ﴾ توفي وهو ابن خمس وستين سنة.
وروى أبو سلمة وعكرمة ومحمد بن سيرين وأبو حمزة وأبو
حصين ومقسم وأبو ظبيان وعمرو بن دينار كلهم عن ابن عباس أن
رسول الله 3 14 توفي وهو ابن ثلاث وستين.
وقد روى معاذ بن معاذ، عن بشر بن المفضل، عن حميد، عن
أنس قال: توفي رسول الله وَل وهو ابن خمس وستين، ذكره ابن
أبي خيثمة عن المثنى بن معاذ، هكذا، وذكره المستملي عن معاذ بن
هشام، عن أبيه عن قتادة، عن أنس مثله: أن رسول الله وَ خلال توفي
وهو ابن خمس وستین.
والصحيح عندي حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن
الحسن عن دغفل بن حنظلة، قال: توفي النبي وَلّ وهو ابن خمس
وستين(١).
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
إسماعيل بن إسحق القاضي، قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة،
وإسحق بن إبراهيم بن حبيب، قال إسحق: أخبرني أبي، وقال
إبراهيم بن حمزة: حدثني محمد بن فليح، كلاهما عن موسى بن
(١) رواه ت في الشمائل (مختصر الشمائل للألباني رقم ٣٢١) وقال: الترمذي: ودغفل لا
نعرف له سماعا من النبي ◌َّ ر وكان في زمن النبي ◌َّ- رجلا. وقال في السنن (٥٦٥/٥):
ولا يصح لدغفل سماع من النبي وَجُلٌ ولا رؤية.

٢٣
النبوة والوحي
عقبة عن ابن شهاب قال حدثني عروة عن عائشة قالت: ((توفي
رسول الله (صَل* وهو ابن ثلاث وستين))(١).
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم
الترجماني، قال: حدثنا حسان بن إبراهيم، قال: حدثنا يونس بن
يزيد عن الزهري، قال: أخبرني عروة عن عائشة قالت: توفي
رسول الله و له وهو ابن ثلاث وستين(٢)، قال الزهري: وأخبرني
سعيد بن المسيب عن عائشة عن النبي وَّجُلّ مثل ذلك.
قال أبو عمر:
هذا أصح شيء جاء في هذا الباب إلا أني أعجب من رواية هشام
ابن عروة، وعمرو بن دينار عن عروة، وقوله بخلاف هذا الحديث
على ما قدمنا عنه، وما أدري كيف هذا؟ .
وروى شعبة وإسرائيل عن أبي إسحق عن عامر بن سعد عن
جرير بن عبد الله أنه سمع معاوية يقول: قبض رسول الله وح ظله وهو
ابن ثلاث وستين(٣).
قاله أبو إسحق، وعامر بن سعد، وعبد الله بن عتبة، وسعيد ابن
المسيب، والشعبي، وعليه أكثر الناس، لأنه يجتمع على هذا القول
كل من قال: تنبيء على رأس أربعين فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة،
وكل من قال: بعث على رأس ثلاث وأربعين فأقام بمكة عشرا، وهو
الذي يسكن إليه القلب في وفاته، والله أعلم.
ولا خلاف أنه ولد يوم الاثنين بمكة في ربيع الأول عام الفيل، وأن
يوم الاثنين أول يوم أوحى الله إليه فيه وأنه قدم المدينة في ربيع الأول.
(١) .. (٣) تقدم تخريجه.

٢٤
فتح البر
قال ابن إسحق: وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وأنه توفي يوم
الاثنين في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة وعَ ظله.
وروى كريب عن ابن عباس، قال: أوحى الله إلى النبي ◌َُّلّ وهو
ابن أربعين سنة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرا،
وتوفي وهو ابن ثلاث وستين(١).
وذكر يعقوب بن شيبة، قال: حدثنا عارم بن الفضل، قال:
حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، قال:
توفي رسول الله وَ ل وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأنزل عليه وهو
ابن أربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرا.
قال أبو عمر: هذا ما في ذلك عندي والله أعلم.
وحدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر أبو
الميمون بدمشق، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: حدثنا أحمد بن
صالح، قال: حدثنا عنبسة بن خالد، قال: حدثنا يونس بن یزید،
عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: توفي رسول الله
وَّله، وهو ابن ثلاث وستين، وصدق ذلك حديث علي بن الحسين
أن رسول الله وَ﴾ توفي وهو ابن ثلاث وستين(٢).
وأما شيبه وَ له، فأكثر الآثار على نحو حديث ربيعة، عن أنس
في تقليل شيبه عليه السلام، وأن ذلك كان منه في عنفقته.
(١) و(٢) تقدم تخريجه.

٢٥
النبوة والوحي
وقد روى أنه كان يخضب(١) وليس بقوي، والصحيح أنه لم
يخضب، ولم يبلغ من الشيب ما يخضب له(٢).
وسنذكر ذلك في باب حديث سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج
عن ابن عمر من كتابنا هذا إن شاء الله .
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا محمد بن وضاح إملاء، قال: حدثنا يوسف بن عدي، قال:
حدثنا الوليد بن كثير، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: سألت
أو سئل أنس هل خضب رسول الله وَخير؟ قال: لم يدرك الخضاب،
ولکن خضب أبو بكر وعمر.
وقد أكثر الناس في صفته وَل فمنهم المطول، ومنهم المقتصد،
ومن أراد الوقوف على ذلك تأمله في كتاب أحمد بن زهير، وغيره.
وأحسن الناس له صفة في اختصار: علي بن أبي طالب:
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني،
(١) خ (٥٨٩٧/٤٣١/١٠). جه (٣٦٢٣/١١٩٦/٢) عن عبد الله بن موهب قال: دخلت
على أم سلمة فأخرجت إلينا شعرا من شعر النبي (َّ مخضوباً)). ت في الشمال (مختصرا
الشمائل (٤٠)) عن أنس قال: رأيت شعر رسول الله وَلقه مخضوبا.
(٢) خ (٦ / ٧٠٠/ ٣٥٥٠). م (٤ / ١٨٢١/ ٢٣٤١). ن (٨/ ١٧ ٥١٠١/٥) وغيرهم أن أنس
سئل هل خضب النبي ◌َلو؟ فقال: لا إنما كان شيء في صدغيه)) وفي رواية قال: إنه لم ير
من الشيب إلا قليلا .
والجمع بين كون شعره رَّ رؤي مخضوبا وبين نفي أنس ذلك، هو ما رواه ك (٦٠٧/٢):
عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قدم أنس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز واليها
فبعث إليه عمر وقال للرسول : سله هل خضب رسول الله وَّل فإني رأيت شعرا من شعري
قد لون فقال أنس: إن رسول الله وَ لو كان قد متع بالسواد ولو عددت ما أقبل علي من
شيبه في رأسه ولحيته ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة شيبة، وإنما هذا الذي لون من
الطيب الذي كان يطيب شعر رسول الله صلى الله علي وسلم)). وقال ك : صحيح الإسناد
ووافقه الذهبي.

فتح البر
٢٦
وحدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا ابن وضاح،
قال: حدثنا يوسف بن عدي، وزهير بن عباد، وابن أبي شيبة،
قالوا: حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن عبد الله مولى غفرة،
عن إبراهيم بن محمد من ولد علي، قال: ((كان علي إذا نعت النبي
وَالره قال: لم يكن بالطويل الممغط، ولا بالقصير المتردد، كان ربعة
من القوم، ولم يكن بالجعد القطط، ولا بالسبط، كان جعدا،
رجلا، ولم يكن بالمطهم، ولا بالمكلثم، وكان في الوجه تدوير،
أبيض، مشرب حمرة أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل
المشاش، والكتد، أجرد ذو مسربة، شئن الكفين، والقدمين، إذا
مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه
خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس كفا، وأجرؤ الناس
صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس بذمة، وألينهم عريكة،
وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول
ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، وَلآل))(١).
قوله ((الممغط)) هو الطويل المديد، وقال الخليل بن أحمد: الفرس
المطهم، التام الخلق، وقال أبو عبيد: المشاش رؤوس العظام، وقال
الخليل الكتد: ما بين الثبج إلى منتصف الكاهل من الظهر، والمسربة
شعرات تتصل من الصدر إلى السرة.
(١) ت (٣٦٣٨/٥٥٩/٥) وقال حديث حسن غريب ليس إسناده بمتصل.

٢٧
النبوة والوحي
ما من نبى إلا قد رعي الغنم
[٣] مالك أنه بلغه أن رسول الله و ير قال: ((ما من نبي إلا قد رعى الغنم، قيل:
وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا)).
وفي هذا الحديث إباحة التحدث عن الماضين من الأنبياء والأمم
لسيرهم وأخبارهم، وفيه أن التحرف في المعيشة ليس في شيء منها
إذا لم تنه عنه الشريعة نقيصة، وفيه أن الأنبياء والمرسلين أحوالهم
في تواضعهم غير أحوال الملوك والجبارين، وكذلك أحوال
الصالحين، والحمد لله رب العالمين.
وهذا الحديث لا أعلمه يروى إلا من حديث أبي سلمة بن عبد
الرحمن بعضهم يجعله عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وبعضهم
يجعله عن أبي سلمة مرسلا، وبعضهم يجعله عن أبي سلمة عن
أبيه، وبعضهم يجعله عن جابر: حدثناه خلف بن القاسم، قال
حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد قاضي حلب، قال حدثنا أبو سعيد
عمر بن حفص العسكري، قال حدثنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد
بحلب إملاء، قال حدثنا عيسى بن يونس، عن مسعر، عن سعد بن
إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن
بن عوف، قال: مررنا بثمر الأراك، فقال النبي وَل: ((عليكم
بالأسود منه، فإني قد كنت أجتنيه وأنا أرعى الغنم))؛ قالوا: يا
رسول الله، ورعيت الغنم؟ قال: ((نعم، وما من نبي إلا وقد رعى
الغنم))(١).
(١) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٢٩/٨ - ٢٣٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط. وأبو سلمة
لم يسمع من أبيه.

فتح البر
٢٨
وحدثنا یعیش بن سعید، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن غالب، قال حدثنا ثابت بن محمد الزاهد بالكوفة، قال
حدثنا مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن، قال: مر النبي وَجُل بثمر أراك، فقال: عليكم بأسوده،
فإني كنت أجتنيه إذ كنت أرعى الغنم؛ قالوا: يا رسول الله، وكنت
ترعى الغنم؟ قال: نعم، وما من نبي إلا وقد رعى الغنم(١).
وحدثنا يعيش، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن غالب،
حدثنا بشر بن آدم، حدثنا إبراهيم بن سعد، قال حدثنا أبي سعد بن
إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي وَخُلّ مثله(٢).
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا أحمد ابن
جعفر بن حمدان، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال
حدثنا أبي، قال حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري،
عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، قال: كنا مع رسول الله
وَسـ
نجني الكباث، فقال: عليكم بالأسود منه، فإنه أطيبه؛ قال: قلنا:
وكنت ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال: نعم، وهل من نبي إلا وقد
رعاها(٣).
قال أبو عمر:
هذا الإسناد هكذا عند عثمان بن عمر، وخالفه الليث بن سعد،
وقد أخبرناه عبد الله بن محمد بن يحيى، قال حدثنا محمد بن
(١) ابن سعد (١٢٥/١-١٢٦).
(٢) خ (٤ /٢٢٦٢/٥٥٦). جه (٢١٤٩/٧٢٧/٢).
(٣) خ (٣٤٠٦/٥٤١/٦) و(٥٤٥٣/٧١٨/٩). م (٢٠٥٠/١٦٢١/٣).

النبوة والوحي
٢٩
عبد الله الشافعي إملاء في الجامع ببغداد سنة تسع وأربعين
وثلاثمائة، قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد، قال حدثنا يحيى بن
بكير، قال حدثنا الليث بن سعد، عن يونس، عن ابن شهاب، عن
أبي سلمة أن جابرا قال: كنا مع رسول الله وَجُل بمر الظهران نجني
الكباث، وإن رسول الله وَخُلّ قال: عليكم بالأسود منه، فإنه أطيبه،
قالوا: كنت ترعى الغنم؟ قال: نعم، قال: وهل من نبي إلا وقد
رعاها(١). قول الليث فيه عن جابر أولى بالصواب عندي من قول
عثمان بن عمر - والله أعلم.
(١) تقدم تخريجه. فائدة: قال الحافظ في الفتح: (٤/ ٥٥٧ كتاب الإجارة): قال العلماء : الحكمة
في إلهام الأنبياء من رعى الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من
القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة، لانهم إذا صبروا على رعيها
وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيرها
كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها وأحسنوا
التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل
لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك، لكونها أضعف من غيرها، ولان
تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لامكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع
أكثرية تفرقها، فهي اسرع انقيادا من غيرها، وفي ذكر النبي و ﴿ لذلك بعد أن علم كونه أكرم
الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه، والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من
الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.

فتح البر
= ٣٠
من آيات نبوته طعام قليل لجم غفير من الناس
[٤] مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك
يقول، قال أبو طلحة لأم سليم، لقد سمعت صوت رسول الله ◌َ ل# ضعيفا،
أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت نعم، قال: فأخرجت أقراصا
من شعير، ثم أخذت خمارا لها، ثم لفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي،
وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله وَلتر قال: فذهبت به، فوجدت
رسول الله وَ جالسا في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله
وَالر: أرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم، فقال: بطعام؟ قال: قلت نعم، فقال
رسول الله وَالقر لمن معه: قوموا، فانطلقوا، وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت
أبا طلحة، فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله إليه
والناس، وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم،
قال: فانطلق أبو طلحة، حتى لقي رسول الله وَلافي، فأقبل رسول الله وأبو
طلحة معه، حتى دخلا، فقال رسول الله وَليٍ: هلمي يا أم سليم ما عندك،
فأنت بذلك الخبز، فأمر به، ففت، وعصرت عليه أم سليم عكة لها، فأدمته،
ثم قال رسول الله ما شاء الله أن يقول، ثم قال: أئذن لعشرة، فأذن لهم،
فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: أئذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى
شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: أئذن لعشرة، فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم
سبعون أو ثمانون رجلا (١).
قال أبو عمر:
هذا من أثبت ما یروی من الحدیث وأحسنه اتصالا، وكذلك سائر
حديث إسحاق عن أنس.
قال أبو عمر:
احتج بعض أصحابنا، بهذا الحديث في جواز شهادة الأعمى على
(١) خ (٣٥٧٨/٧٢٧/٦). م (١٦١٢/٣ / ٢٠٤٠).

النبوة والوحي
٣١
الصوت، وقال: لم يمنع أبا طلحة ضعف صوت رسول الله وحّ له عن
تمييزه، لعلمه به، فكذلك الأعمى إذا عرف الصوت.
وعارضه بعض من لا يرى شهادة الأعمى جائزة على الكلام، بأن
أبا طلحة قد تغير عنده صوت رسول الله وَخلال، مع علمه بصوته،
ولولا رؤيته له، لاشتبه عليه، في حين سماعه منه، وما عرفه،
والتشغيب في هذه المسألة طويل.
وفي هذا الحديث ما كان عليه رسول الله وَله وأصحابه من ضيق
الحال، وشظف العيش، وأنه كان ◌َخلال يجوع حتى يبلغ به الجوع
والجهد إلى ضعف الصوت، وهو غير صائم.
وفيه أن الطعام الذي لمثله يدعى الضيف - ولا يدعى إلا لأرفع ما
يقدر عليه- كان عندهم الشعير، وقد كان أكثر طعامهم التمر في
أول الإسلام، وكان يمر بهم الشهر والشهران ما توقد في بيت
أحدهم نار، وذلك محفوظ معناه من حديث عائشة وغيرها.
وفيه قبول مواساة الصديق، وأکل طعامه، وأن ذلك ليس
بصدقة، وإنما كان صلة، وهدية، ولو كان صدقة ما أكله رسول الله
صلی الله علیه.
وفيه أن الرجل إذا دعي إلى طعام، جاز لجلسائه أن يأتوا معه إذا
دعاهم الرجل، وإن لم يدعهم صاحب الطعام، وذلك عندي
محمول على أنهم علموا أن صاحب الطعام تطيب لهم نفسه بذلك،
ووجه آخر أن يكون الطعام يكفيهم، وقد قال مالك: لا ينبغي لمن
دعي إلى طعام أن يحمل مع نفسه غيره، إذ لا يدري هل يسر بذلك
صاحب الطعام أم لا. قال مالك: إلا أن يقال له ادع من لقيت.

فتح البر
٣٢
وفيه اكتراث المؤمن عند ضيق الحال، إذا نزل به ضيف وليس معه
ما يكفيه من الطعام.
وفيه فضل فطنة أم سليم، لحسن جوابها زوجها، حين شكى إليها
كثرة من حل به، مع قلة طعامه، فقالت له: الله ورسوله أعلم، أي
لم يأت بهم إلا وسيطعمهم.
وفيه الخروج إلى الطريق، لمن قصد له إذا كان أهلا لذلك، لأنه
من البر.
وفيه أن صاحب الدار لا يستأذن في داره وأن من دخل معه
يستغني عن الإذن.
وفيه أن الصديق الملاطف يأمر في دار صديقه بما يحب، ويظهر
دالته في الأمر والنهي والتحكم، لأنه اشترط عليهم أن يفت الخبز،
وهو فعل يرضاه أهل الكرم من الضيف، ولقد أحسن القائل:
يستأنس الضيف في أبياتنا أبدا فليس يعرف خلق أينا الضيف
وفيه أن الإنسان لا يدخل عليه بيته إلا معه، أو بإذنه، ألا ترى
إلى قوله {وَلّ أئذن لعشرة، وقد استحب أهل العلم أن لا يكون
على الخوان الذي عليه الطعام أكثر من عشرة، وفيه أن الثريد أعظم
بركة من غيره من الطعام، ولذلك اشترط به رسول الله، والله
أعلم.
وفيه أن لصاحب الطعام، أن يقدم إلى طعامه ممن حضره من شاء
من غير قرعة، وإن كان دعاهم جميعا، إذا علم أن كل واحد منهم
يصل من الطعام إلى ما يكفيه في ذلك الوقت.
وفيه إباحة الشبع للصالحين، وقد روي أن رسول الله وَاجله كان

٣٣
النبوة والوحي
من الله
عليـ
وَسـ
آخرهم أکلا، وذلك من مكارم الأخلاق، وقد روي عن النبي
أنه قال: ((ساقي القوم آخرهم شربا))(١).
وفيه العلم الساطع النير، والبرهان الواضح، من أعلام نبوته
صلى الله عليه، وقد روي هذا المعنى وشبهه من وجوه كثيرة، منها
ما حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا
عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه
قال: قلت لجابر بن عبد الله: حدثنا بحديث سمعته من رسول الله
وَلخير أرويه عنك، قال: فقال جابر: كنا مع رسول الله صلى الله
عليه يوم الخندق نحفره فلبثنا ثلاثة أيام لا نطعم طعاما ولا نقدر
عليه، فعرضت في الخندق كدية، فجئت إلى رسول الله صلى الله
عليه، فقلت يا رسول الله، هذه كدية قد عرضت في الخندق،
فرششنا عليها الماء، فقام رسول الله وبطنه معصوب بحجر، فأخذ
المعول أو المسحاة، ثم سمى ثلاثا، ثم ضرب، فعادت كئيبا أهيل.
فلما رأيت ذلك من رسول الله وَيخلو قلت يا رسول الله أئذن لي،
فأذن لي، فجئت امرأتي فقلت ثكلتك أمك، إني قد رأيت من
رسول الله وَخلّ شيئا لا صبر لي عليه، فما عندك، قالت: عندي
صاع من شعير، قال: فطحنا الشعير، وذبحنا العناق، وأصلحناها،
وجعلناها في البرمة، وعجنت الشعير، فرجعت إلى رسول الله وَ جله
فلبثت ساعة، ثم استأذنت الثانية، فأذن لي، فجئت فإذا العجين قد
أمكن، فأمرتها بالخبز، وجعلت القدر على الأثافي، ثم جئت رسول
(١) م (١ / ٤٧٤ / ٦٨١). د (٤ / ١١٣ / ٣٧٢٥). ت (٤ / ٣٠٧/ ١٨٩٤).
جه (٣٤٣٤/١١٣٥/٢).

فتح البر
٣٤
الله وَخَلَّه، فساررته فقلت يا رسول الله إن عندنا طعاما لنا، فإن رأيت
أن تقوم معي أنت ورجل أو رجلان معك فعلت.
فقال: كم هو؟ وما هو؟ فقلت: صاع من شعير، وعناق، قال:
إرجع إلى أهلك، فقل لها لا تنزع القدر من الأثافي، ولا تخرج
الخبز من التنور حتى آتي، ثم قال للناس: قوموا إلى بيت جابر،
فاستحييت حياء لا يعلمه إلا الله .
فقلت لامرأتي: ثكلتك أمك، قد جاء رسول الله بأصحابه
أجمعين. فقالت: أكان رسول الله وَلَه سألك كم الطعام؟ قلت:
نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، قد أخبرته بما كان عندنا.
قال: فذهب عني بعض ما أجد، وقلت لقد صدقت، قال: فجاء
رسول الله وَ لّه، فدخل وقال لأصحابه: لا تضاغطوا. قال: ثم برك
على التنور، وعلى البرمة، فجعلنا نأخذ من التنور الخبز، ونأخذ
اللحم من البرمة، فنثرد، ونغرف، ونقرب إليهم، وقال رسول الله:
ليجلس على الصحفة سبعة، أو ثمانية، فلما أكلوا كشفنا التنور
والبرمة، فإذا هما قد عادا إلى أملأ مما كانا، فنثرد، ونغرف، ونقرب
إليهم، فلم يزل ذلك كلما فتحنا عن التنور، وكشفنا عن البرمة،
وجدناهما أملأ مما كانا، حتى شبع المسلمون كلهم، وبقي طائفة من
الطعام، فقال لنا رسول الله وَله: إن الناس قد أصابتهم مخمصة،
فكلوا وأطعموا، قال: فلم نزل يومنا نأكل، ونطعم(١).
قال: وأخبرني جابر أنهم كانوا ثمانمائة، أو ثلاثمائة، شك أيمن.
حدثنا خلف بن قاسم الحافظ قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن
(١) خ (٥٠٢/٧ -٥٠٣/ ٤١٠١ - ٤١٠٢). م (٣ / ١٦١٠ - ١٦١١ / ٢٠٣٩).

النبوة والوحي
٣٥
ناصح المفسر، قال: حدثنا أحمد بن علي بن سعيد، قال: حدثنا
يحيى بن معين، قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد
الجريري عن أبي الورد، عن أبي محمد الحضرمي، عن أبي أيوب
الأنصاري، قال: صنعت لرسول الله ولأبي بكر طعاما قدر ما
يكفيهما وأتيتهما به، فقال رسول الله وَجلول: اذهب فادع لي ثلاثين
من أشراف الأنصار، قال: فشق ذلك علي، وقلت ما عندي شيء
أزيده، قال: فكأني تغافلت، ثم قال: اذهب فادع لي ثلاثين من
أشراف الأنصار، قال: فدعوتهم، فجاؤوا، فقال: أطعموا، فأكلوا،
ثم صدوا، ثم شهدوا أنه رسول الله، ثم بايعوه قبل أن يخرجوا، ثم
قال: اذهب فادع لي بستين من الأنصار، قال أبو أيوب: فوالله لأنا
بالستين أجود مني بالثلاثين، قال: فدعوتهم، فقال رسول الله وعَظله :
كلوا، فأكلوا حتى صدوا، وشهدوا أنه رسول الله، وبايعوه قبل أن
يخرجوا، ثم قال: اذهب فادع لي بتسعين من الأنصار، قال: فلأنا
أجود بالتسعين والستين مني بالثلاثين، قال فدعوتهم، فأكلوا حتى
صدوا، وشهدوا أنه رسول الله وَ له وبايعوه قبل أن يخرجوا، قال:
فأكل من طعامي ذلك مائة وثمانون رجلا(١).
(١) البيهقي في الدلائل (٩٤/٦). الطبراني (١٨٥/٤/ ٤٠٩٠)، قال ابن كثير في البداية
(٦/ ١١١): حديث غريب جدا إسناداً ومتنا. وقال الهيثمي في المجمع (٣٠٦/٨) ((رواه
الطبراني وفي إسناده من أعرفه)) قلت: لعله يقصد أبا محمد الحضرمي فقد قال فيه الحافظ في
التقريب (٤٦٣/٢) («أبو محمد الحضرمي غلام أبي أيوب قيل هو أفلح، وإلا فمجهول)).

فتح البر
٣٦
من آيات نبوته وقوع ما أخبر به ◌َاله
[٥] مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: كان
رسول الله ﴿ إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه،
وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله وَ ليل يوما،
فأطعمته، وجلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ثم استيقظ وهو يضحك،
قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي، عرضوا
علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة، أو مثل
الملوك على الأسرة، يشك إسحاق. قالت: فقلت يا رسول الله ادع الله أن
يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ يضحك، قالت:
فقلت يا رسول الله، ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، كما قال
في الأول، قالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني الله منهم، قال: أنت من
الأولين، قال: فركبت البحر، في زمن معاوية بن أبي سفيان، فصرعت عن
دابتها، حين خرجت من البحر، فهلكت(١).
هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة الموطأ، فيما علمت، جعلوه
من مسند أنس بن مالك، ورواه بشر بن عمر الزهراني عن مالك،
عن إسحق عن أنس، عن أم حرام بنت ملحان، قالت: استيقظ
رسول الله وَّل ، الحديث، جعله من مسند أم حرام، هكذا حدث
عنه به بندار محمد بن بشار.
وأم حرام هذه خالة أنس بن مالك، أخت أم سليم، بنت
ملحان، أم أنس بن مالك وقد ذكرناهما، ونسبناهما، وذكرنا أشياء
(١) خ (٢٧٨٨/١٢/٦ و٢٧٨٩) له أطراف. م (١٥١٨/٣-١٩١٢/١٥١٩).
د (٣ / ١٤ / ٢٤٩ و٢٤٩١)، ت (١٧٨/٤ - ١٧٩ /١٦٤٥)
ن (٣٤٧/٦-٣٤٨/ ٣١٧١). جه (٢ /٩٢٧ /٢٧٧٦)

٣٧
النبوة والوحي
من أخبارهما، في كتابنا كتاب الصحابة، فأغنى عن ذكره ههنا،
وأظنها أرضعت رسول الله وَّجله ، أو أم سليم أرضعت رسول الله
وَالله فحصلت أم حرام خالة له من الرضاعة، فلذلك كانت تفلي
رأسه، وينام عندها، وكذلك كان ينام عند أم سليم، وتنال منه ما
يجوز لذي المحرم أن يناله من محارمه، ولا يشك مسلم أن أم حرام
كانت من رسول الله لمحرم، فلذلك كان منها ما ذكر في هذا
الحديث، والله أعلم.
وقد أخبرنا غير واحد من شيوخنا، عن أبي محمد الباجي عبد
الله بن محمد بن علي، أن محمد بن فطيس أخبره عن يحيى بن
إبراهيم بن مزين، قال: إنما استجاز رسول الله وَ لآل أن تفلي أم
حرام رأسه لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته، لأن أم عبد
المطلب بن هاشم كانت من بني النجار، وقال يونس بن عبد
الأعلى: قال لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات النبي وَخَلّ من
الرضاع، فلهذا كان يقيل عندها وينام في حجرها، وتفلي رأسه.
قال أبو عمر: أي ذلك كان فأم حرام محرم من رسول الله وعَظله
والدليل على ذلك ما حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال: حدثنا
حمزة بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن شعيب، قال: حدثنا علي
بن حجر، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي الزبير عن جابر قال: قال
رسول الله صَلّ ((ألا لا يبيتن رجل عند امرأة، إلا أن يكون ناكحا،
أو ذا محرم)) (١) وروى عمر بن الخطاب عن النبي عليه السلام قال
(١) م (٤ / ١٧١٠ / ٢١٧١).

فتح البر
٣٨
((لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما)) (١) وروى ابن عباس أن
رسول الله وَ لاي قال ((لا يخلون رجل بامرأة إلا أن تكون منه ذات
محرم)»(٢) .
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله وَّجله قال: ((لا
يدخلن رجل على مغيبة إلا ومعه رجل أو رجلان))(٣)، وحدثنا
محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن معاوية قال: حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث، عن
يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير عن عقبة بن عامر، أن رسول الله
وَال قال: ((إياكم والدخول على النساء))، فقال رجل من الأنصار:
أرأيت الحمو؟ قال: ((الحمو الموت)) (٤).
وعدله
وسام
وهذه آثار ثابتة بالنهي عن ذلك، ومحال أن يأتي رسول الله
ما ینھی عنه.
وفي هذا الحديث أيضا إباحة أكل ما قدمته المرأة إلى ضيفها في
بيتها من مالها ومال زوجها، لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام
هو للرجل، وأن يد زوجته فيه عارية، وقد اختلف العلماء في هذا
(١) ت (٤٠٤/٤ /٢١٦٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
ك (١١٤/١) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فإني لا أعلم خلافا بين
أصحاب عبد الله بن المبارك في إقامة هذا الإسناد عنه ولم يخرجاه ووافقه الذهبي)).
(٢) خ (٣٠٠٦/١٧٦/٦) و(٥٢٣٣/٤١٣/٩)، م (٩٧٨/٢ / ١٣٤١).
(٣) م (٤ / ١٧١١ / ٢١٧٣).
(٤) خ (٩/ ٥٢٣٢/٤١٣). م (٤ / ١٧١١/ ٢١٧٢)، ت (٣ /٤٧٤ /١١٧١).

٣٩
النبوة والوحي
المعنى لاختلاف الآثار فيه، وأحسن حديث في ذلك وأصحه من
جهة النقل ما رواه ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عباد بن عبد
الله بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر أنها جاءت رسول الله وَ الخلفه
فقالت: يا نبي الله ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل
علي جناح أن أرضخ مما يدخل علي؟ فقال ((ارضخي ما استطعت،
ولا توكي فیوکي الله عليك)»(١).
وروى الأعمش ومنصور بن المعتمر جميعا عن شقيق أبي وائل،
عن مسروق، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَخلفه ((إذا أنفقت امرأة
من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجر بما أنفقت ولزوجها أجر ما
كسب، وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم من أجر بعض
شيئا))(٢).
وهذان حديثان صحيحان، مشهوران، لا يختلف في صحتهما
وثبوتهما، تركت الإتيان بطرقهما خشية التطويل، أخبرنا عبد
الرحمن بن مروان قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن يحيى بن
الحسن القلزمي القاضي في داره بمصر سنة ثمان وستين قال حدثنا
أبو غسان عبد الله بن محمد بن يوسف القاضي القلزمي، قال:
حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا إسحاق بن الفرات،
عن نافع بن زيد، عن ابن الهادي، عن مسلم بن الوليد بن رباح،
(١) خ (٣/ ١٤٣٣/٣٨٢). م (٧١٣/٢ - ١٠٢٩/٧١٤). ن (٧٧/٥-٧٨ /٢٥٥٠)،
(٢) خ (٤ / ٣٧٧ /٢٠٦٥). م (٢ / ٧١٠/ ١٠٢٤). د (٣١٥/٢/ ١٦٨٥).
جه (٢ / ٧٧٠ /٢٢٩٤).

فتح البر
٤٠
عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله وَخلال يقول: ((لا يحل
لامرأة تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن لرجل في بيتها وهو
له كاره، وما تصدقت مما كسبه فله أجر نصف صدقة، وإنما خلقت
المرأة من ضلع، فلن يصاحبها إلا وفيها عوج، فإن ذهبت تقيمها
كسرتها، وكسرك إياها فراقها))(١).
وأما الآثار الواردة في الكراهة لذلك، فروى ابن المبارك، عن عبد
الرحمن بن زيد بن جابر عن سعيد بن أبي سعيد، قال: حدثني من
سمع النبي وَلا يقول: ((لا تنفقن امرأة من بيتها شيئا إلا بإذن
زوجها)) فقال رجل: من الطعام يا رسول الله؟ قال: ((وهل أموالنا
إلا الطعام)) (٢).
وحدثنا سعيد بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا
محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا
إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: سمعت أبا
أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله وَلا يقول في خطبته عام
حجة الوداع: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية
لوارث)) وذكر الحديث، وفيه ((لا تنفق امرأة من بيت زوجها إلا بإذن
زوجها)) قيل يا رسول الله: ولا الطعام؟ قال: ((ذلك أفضل أموالنا))
وساق تمام الحديث(٣).
وحدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن
(١) خ (٤ / ٣٧٧ /٢٠٦٦) م (٢ / ١٠٢٦/٧١١). د (٢ / ٣١٧/ ١٦٨٧).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) د (٣٥٦٥/٨٢٤/٣) ت (٧٥/٣-٧٦ / ٦٧٠) وقال أبو عيسى الترمذي حديث حسن
صحيح. جه (٢ / ٢٢٩٥/٧٧٠).