النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
عبدالعظيم (١) ، ومن بعدهم انتهى (٢) .
وما قيل: ((من أنَّ ذلك لا ينتهض دليلاً على ابن الصلاح)» فيه وقفة .
١- هو الحافظ أبو محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري ، صاحب مختصر سنن أبي
داوود وغيره من الكتب القيمة، توفي سنة ٦٥٦هـ. ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٣٦/٤).
٢- قلت : لا وجه للرد على ابن الصلاح في هذه المسألة لأنه يمنع عن الجزم بالصحة والجزم هو القطع
فالتصحيح بالظن جائز عنده ، بل لا يمكن تصحيح ما وصفه هو إلا بالظن والله أعلم .
قال السيوطي : والتحقيق عندي أنه لا اعتراض على ابن الصلاح ، ولا مخالفة بينه وبين من
صحح في عصره أو بعده . وتقرير ذلك : أن الصحيح على قسمين: صحيح لذاته ، وصحيح
لغيره كما هو مقرر في كتاب ابن الصلاح وغيره .
وذالك أن يوجد في جزء من الأجزاء حديث بسند من طريق واحد لم يتعدد طرقه ، ويكون
ظاهر ذلك الإسناد الصحة لاتصاله وثقة رجاله فيريد الإنسان أن يحكم عليه بالصحة لذاته بمجرد
هذا الظاهر ولم يوجد لأحد من الأئمة الحكم عليه بالصحة فهذا ممنوع قطعاً .
لأن مجرد ذلك لا يكتفي به في الحكم بالصحة . بل لابد من فقد الشذوذ والعلة ، والوقوف
على ذلك الآن متعسر بل متعذر ؛ لأن الاطلاع على العلل الخفية إنما كان للأئمة المتقدمين لقرب
أعمارهم من عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان الواحد منهم يكون شيوخه التابعين أو
أتباع التابعين ، أو الطبقة الرابعة فكان الوقوف على العلل إذ ذاك متيسراً للحفاظ .
أما الآن فقد طالت الأسانيد وتعذر الوقوف على العلل إلا بالنقل من الكتب المصنفة في
العلل ، فإذا وجد الانسان في جزء من الأجزاء حديثاً بسند واحد ظاهره الصحة لم يمكنه الحكم
عليه بالصحة لذاته .
وأما القسم الثاني - وهو الصحيح لغيره - فهذا لا يمنعه ابن الصلاح وغيره ، وعليه يحمل
صنيع من كان في عصره ، فإني استقريت ما صححه هؤلاء فوجدته من قسم الصحيح لغيره لا
لذاته .
وقد أعطى أئمة الحديث قاعدة عامة وهي : أنه إذا وجد للحسن طريق آخر يشبهه حكم
بصحته ويكون صحيحاً لغيره لا لذاته ؛ فعمل هؤلاء المصححون بهذه القاعدة فصححوا
الأحاديث التي صححوها لتعدد طرقها عملاً بالقاعدة المذكورة ؛ فلاينسب إليهم منافاة ولا
مخالفة ، وبهذا انجلت المسئلة وعلم أن ابن الصلاح مانع من التصحيح لذاته وهؤلاء يجوزون
التصحيح لغيره وابن الصلاح لا يمنع ذلك .
انتهى ملخصاً من كتابه ((التنقيح في مسئلة التصحيح)» نسخته بيدي عن نسخة مخطوطة
ضمن مجموعة [٥٧٤] في دار الكتب المصرية بالقاهرة أثناء رحلتنا العلمية الأولى إلى مصر
سنة ١٤٠٣ هـ .

٨٢
حكم الصحيحين والتعليق
وأَقْطَعْ بِصِحَّةٌ لَّمَا قَدْ أُسْنَدَاَ كَذَا لَه، وقيْلَ: ظناً وَلَدَى
وَفِيّ الصَّحِيْحِ بَعْضُ شَيْءٍ قَدْ رُوِي
مُحَقِّقِيْهِمْ قَدْ عَزَاهُ النِّوَوِي
مُضَعَّفاً وَلَهُمَا بِلاَ سَنَدْ أُشْيَا فَإِن يُجْزِمْ فَصَحَّ أُوْ وَرَدْ
مُمَرَّضاً فَلاَ ، وَلَكِنْ يُشْعِرُ بِصِحَّةِ الأُصْلِ لَه كَيُذكَرُ
* * *
(حكم الصحيحين) فيما أُسْند فيهما وغيره (و) حكم (التعليق) الواقع
فيهما مع تعريفه :
(واقطع بصحة لما قد أسندا) أي : البخاري ومسلم مجتمعين
ومنفردين؛ لتلقّي الأمَّة المَعْصُوْمةِ في إجماعها بخبر: ((لاَتَجْتَمِعُ أُمَّتِيْ
عَلَى ضَلَآلَةٍ)) (١) لذلك بالقبول .
وهذا يفيد علماً نظرياً ؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ.
(كذا له) أي : لابن الصلاح . أي : كذا قاله تبعاً لجماعةٍ .
وحاصله: أنَّ ذلك صحيح قطعاً ، وأنَّه يفيد علماً (٢).
١- أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (١١٥/١-١١٦)، وأبو داوود في ((السنن)) (٣٢٦/١١).
والترمذي في ((الجامع)) (٣٨٦/٦) مع التحفة، وأحمد في ((المسند)» (١٤٥/٥)، وابن أبي
عاصم في ((السنة)) (٣٩/١-٤٢) وابن ماجة في ((السنن)) (١٣٠٣/٢).
قال الحافظ ابن حزم: وهذا وإن لم يصح لفظه ولا سنده فمعناه صحيح. ((الإحكام)»
(٤ / ٦٤٣) .
وقال الحافظ ابن حجر : هذا في حديث مشهور له طرق كثيرة لا يخلو واحد منها من مقال .
((التلخيص الحبير)) (١٦٢/٣) .
وأخرجه الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (١٦١/١، ١٦٨) وحكم بصحة معناه .
٢- قلت : وافق ابن الصلاح في هذه المسئلة جماعة كبيرة من الفقهاء والمحدثين منهم : الإمام ابن

٨٣
(وقيل:) صحيح ، أو يفيد (ظناً) بنصبه على الأول تمييزاً ، وعلى
الثاني مفعولاً (و) هذا القول (لدى) أي : عند (محققيهم) وأكثرهم هو
المعتبر كما (قد عزاه) إليهم (النووي) محتجاً بأنَّ أخبار الآحاد لا تفيد إلا
الظنَّ، ولا يلزم من إجماع الأمَّةِ على العملِ بما فيهما (١) إجماعها على أنَّه
مقطوعٌ بأنَّه من كلام النَّبي صلى اللَّه عليه وسلم (٣) .
(وفي الصحيح) لكل من البخاريِّ ومسلمٍ (بعض شيء) (٣) من
أحاديثهما (قد روي مضعف) بالرفع صفةٌ لـ ((بعض)» ، وفي نسخةٍ :
((مضعفاً)) بالنصب بالحالية .
تيمية ، وابن القيم ، والحافظ ابن كثير، وسراج الدين البلقيني ، وأبو إسحاق الإسفرائيني ،
وإمام الحرمين ، وابن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني ، والحافظ صلاح الدين العلائي .
وأبو نصر الوائلي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني ، وجلال الدين السيوطي ، ومحمد جمال الدين
القاسمي ، والإمام الشوكاني ، والشاه ولي اللّه الدهلوي، والحافظ أبو طاهر السلفي ، وأبو
عبد الله الحميدي ، وعبد الرحيم بن عبد الخالق اليوسفي ، وإبراهيم بن الحسن الكوراني ،
والسيد أبو الطيب صديق حسن خان ، والعلامة محمد المعين السندي ، والعلامة أحمد محمد
شاكر المصري ، والعلامة عبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي ، وغيرهم ، ورأيهم هو الرأي .
راجع ((مجموع الفتاوى)) (٤٠/١٨-٤٨)، ((مقدمة في أصول التفسير)) (ص: ٦٦ -٦٩)
كلاهما لابن تيمية، ((مختصر الصواعق المرسلة)) (٣٧٣/٢)، ((اختصار علوم الحديث))
(ص: ٣٥)، ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ١٠١)، ((تحقيق المراد في أن النهي يقتضي
الفساد)» (ص: ١١٤)، ((شروط الأئمة الخمسة)) (ص: ١٥)، ((تدريب الراوي)) (١٣٤/١)
((شرح النخبة)) لابن حجر (ص: ٣٠-٣٣)، ((قطر الولي)) للشوكاني (ص: ٢٣٠)، حجة
الله البالغة)) (١٣٤/١). ((فيض الباري)) (٤٥/١)، ((دراسات اللبيب)) (ص: ٣٠٨) وما
بعده، ((بهجة النظر)) لأبي الحسن بن محمد صادق السندي ((ص: ٤٤)، ((الحطة في ذكر
الصحاح الستة)) (ص: ١٢٦)، (الباعث الحثيث)) (ص: ٣٥-٣٧)، ((نشر البنود)»
(٣٧/٢)، ((قواعد التحديث)) (ص: ٨٥).
وراجع للتفصيل رسالتنا المسماة بـ ((أحاديث الصحيحين بين الظن والبقين)).
١- في ز، ط : فيها .
٣- ساقطة من ز .
٢- راجع ((مقدمة شرح مسلم)) (١٩/١).

٨٤
وأشار كما قال ببعض [شيء] إلى تقليل ذلك ، وحاصله استثناء ذلك
مما ذكر .
ومن ثم قال ابن الصلاح (١): ((سوى أحرفٍ يسيرةٍ تكلّم عليها بعض
أهل النَّقْد من الحفّاظ كالدارقطني ، وهي معروفةٌ عند أهل هذا
الشأن)) (٢).
قال شيخنا (٣): «وسوی ما وقع التجاذب بين مدلولیه حیث لا ترجيح
لاستحالة أن يُفْيْدَ المتناقضان العلمَ بصدقهما من غير ترجيحٍ لأحدهما على
الآخر)) (٤) .
قال: ((وقد ضعَّف الدارقطني من أحاديثهما مائتين وعشرة ، يختصّ
البخاري بثمانين إلا اثنين ، ومسلم بمائةٍ ، ويشتركان في اثنين وثلاثين))(٥) .
قال الناظم في نكته: ((وقد أجاب عنها العلماء ، ومع ذلك فليست
١- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٢٥).
٢- قلت : هذا النقد غير قادح في أصل الصحة ، ولم تقبله الأمة ، ودأب أهل العلم مستمر في
الاحتجاج بأحاديثهما من غير نظر وبحث في أسانيدهما فإخراجها من جملة ما اتفق عليه أهل
العلم غير سديد .
٣- راجع ((شرح النخبة)) (ص: ٢٢ -٢٣).
٤- قلت : انتزاع حكم القطعية عما وقع الإجماع على صحته استناداً إلى وقوع التعارض في ظاهر
نظر المجتهد غير سديد ، ومرفوض عند العلماء في حق القرآن ؛ فيجب أن يكون مرفوضاً في
حق السنة أيضاً ، وذلك لعدم وجود الفارق المؤثر بين الكتاب والسنة في الوصف المذكور ،
فافهم .
قال ابن الحفيد الهروي رداً على ابن حجر في هذه المسئلة : وهاهنا إشكال قوي وهو أنه
يجوز صدور المتناقضين ظاهراً في زمانين ومن وجهين ؛ فالتجاذب والتعارض لا يمنع من إفادته
العلم لصدورهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بل يمنع عن الحكم بمدلوليها معاً بلا تعدد وجهٍ
واعتبارٍ . راجع ((الدر النضيد)) (ص: ٩٥).
٥- راجع ((هدي الساري)) (ص : ٣٤٦).

٨٥
يسيرةً بل كثيرةٌ، وقد جمعتها في تصنيفٍ مع الجواب عنها)) (١).
قلت : ما ردَّ به على ابن الصلاح من أنَّها كثيرةٌ يردُّ به عليه أيضاً
لموافقته كما مر فالأوجه أن يقال : إنَّ كثرتها إنما هي كثرتها في نفسها ،
فلاينافي كونَها يسيرةً بالنظر إلى ما لم يضعَّفْ في ((الصحيحين)).
ثم بيِّن حكم التعليق الواقع فيهما فقال :
(ولهما) أي : البخاري ومسلم في صحيحيهما (٢) (بلا سند) أصلاً أو
كاملٍ (أشيا) بالقصر للوزن، (أو لنية الوقف] (٣). كقال النبي صلى اللَّه
عليه وسلم ، أو كما قال ابن عباس [رضي اللَّه عنهما] (٤)، أو الزهري ، أو
يُروى عن فلانٍ ، أو يُذكَر عنه ، كما سيأتي ، وذلك كثير في البخاري قليل
في مسلم .
حتى قال الناظم : «ليس عنده بعد مقدَّمة الكتاب حديثٌ لم يوصله فيه
سوى موضعٍ واحدٍ في التيمم ، وهو حديث أبي الجَهْمِ (٩) بنِ الحارِثِ بن
الصِّمَّة: ((أُقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نَحْوِ بِثْرِ جَمَلٍ))
الحديث (٦) .
قال فيه مسلم : ((وروى الليثُ بنُ سَعْد)) ولم يوصِل إسناده إلى الليث ،
وقد أسنده البخاري (٧) عن يحيى بن بُكَيْرٍ عن الليث)) (٨).
١- راجع ((التقييد والإيضاح)) (ص : ٤٢) .
قال الحافظ ابن حجر : كأن مسودة هذا التصنيف ضاعت ، وقد طال بحثي منها وسؤالى عن
الشيخ أن يخرجها لي فلم أظفر بها ، ثم حكى ولده أنه ضاع منها كراسان أولان ، فكان هذا
سبب إهمالها وعدم انتشارها. ((النكت على ابن الصلاح)) (٣٨٠/١).
٣- هذه الزيادة من س ، ز ، ط .
٢- في د : صحيحهما .
٥- في د ، ظ : الجھیم .
٤- هذه الزيادة في ظ .
٦- راجع ((صحيح مسلم)) مع شرح النووي (٦٣/٤).
٧- راجع ((فتح الباري)) (١ / ٤٤١).
٨- راجع ((فتح المغيث)) له (٢٩/١)، ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٣٢-٣٣).

٨٦
(فإن يجزم) (١) أي المعلق منها بشيء من ذلك كـ ((قال)) و ((ذكر))
و((زاد)) و((روى)) فلان (فصححه) أنت عمن علَّقه عنه؛ فإن معلّقه
لا یستجیز إطلاقہ إلا وقد صحَّ عنده عنه .
(أو) لم يجزم به ، بل (ورد ممرضاً فلا) تصحِّحه عملاً بظاهر الصِّيْغة ،
ولأنَّ استعمالَها في الضعيفِ أكثر منه في الصحيح .
وحمل ابنُ الصَّلاح قولَ البخاري: ((ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما
صح))، وقول الأئمة: ((ما فيه محكوم بصحته)) على أنَّ المرادَ مقاصد
الكتاب وموضوعه ، ومتُون الأبواب ، دون التراجم ونحوها (٢) .
(ولكن) إيراد المعلّق لذلك في أثناء صحيحه ((يشعر بصحة الأصل له)
إشعاراً يُؤنَس به ويُرُكَنُ إليه .
وألفاظ التمريض: (كيُذْكَر)، و((يروى))، و((يقال))، و((ذُكِرَ))،
و (رُوِيَ))، و «قيل)) .
وكتعليقهما تعليق كل من التزم الصحة .
*
وإِنِ يكُن أُوَّلُ الإسْنَادِ حُذِفْ مَعْ صِيْغَةِ الْجَزْمِ فَتَعْلِيْقاً عُرِفْ
وَلَو إلى آخِرِهِ أُمَّا الَّذِيْ لِشَيْخِهِ عَزَا بِقَالَ فَكَذِيْ
عَنْعَنَةٍ كَخَبَرِ الْمَعَازِفِ لاَ تُصْغِ لابْنِ حَزْمِ الْمُخَالِفِ
ثم عرَّف التعليق بقوله : (وإن يكن أول) رواة (الإسناد) بدرج الهمزة
من جهة المعلّق (حذف) واحداً كان أو أكثرَ ، وعزا الحديثَ لمن فوق المحذوف
(مع) ذكرِ (صيغة الجزم) بل أو صيغة التمريض كما قاله النَّوويُّ وغيره
١- في سائر النسخ ما عدا ((د)) : بأن يجزم.
٢- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٢٢).

٨٧
(فتعليقاً) أي : فبالتعليق (عرف) عندَ أئمَّةِ هذا الشأن .
فتعليقاً منصوب بِنَزْعِ الخافضِ، ويجوز نصبه بـ ((عرف)) بتَضْمينه
٠٠٠
معنى ((سُمِّيَ)).
والتعليق مأخوذٌ من تعليقِ الجدار ، وتعليقِ الطَّلاقِ ونحوِهِ بجامعٍ قَطْعِ
الاتصال .
(ولو) حَذفَ رواةَ الإسناد من أوَّلَه (إلى آخره) بأن اقتصر على الرسول
[صلى اللّه عليه وسلم] (١) في المرفوع ، أو على الصحابي في الموقوف ،
فإنَّه يسمَّى تعليقاً .
وأما [ما] (٣) حُذفَ من آخره أو أثنائه فليس تعليقاً لاختصاصه بألقاب
غيرَه كالعَضْلِ (٣) ، والقَطْع، والإرسال.
(أما الذي [لشيخه) أي: أما الذي] (٤) (عزا) ، مصنّف [لشيخه] (٥)
(يقال)، أو زاد ، أو نحوه من صِيَغِ الْجَزْمِ (فكـ) إسناد (ذي عنعنة)
فيكون متصلاً من البخاري ونحوه ؛ لثبوت اللّقاء ، والسَّلامة من التدليس ،
إذ شرط اتصال المعَنْعَنِ ثبوتُ ذلك كما سيأتي في محلّه ؛ فلايكون ذلك
تعليقاً .
وقيل : إنَّه تعليق . وعليه جرى الحُمَيْدِيُّ وغيره ، وتوسّط بعض
متأخري المغَارِبَة فوسم ذلك بالتعليق المتَّصلِ من حيثُ الظاهر ، المنفصلِ من
حيثُ المعنى، لكنه أدرج معه («قال لي)» ونحوها مما هو متصل جزماً ،
ونُوْزِعَ فيه كما سيأتي في أقسام التحمل (٦).
١- هذه الزيادة مني .
٣- في ظ : المعضل .
٢- ساقطة من ز .
٤- ما بين المعكوفتين ساقط من س . ٥- ساقطة من س .
٦- قال الحافظ ابن حجر: لم يصب هذا المغربي في التسوية بين قوله: ((وقال فلان)»، وبين قوله :
((قال لي فلان)» فإن الفرق بينهما ظاهر لايحتاج إلى دليل، فإن ((قال لي)) مثل التصريح في
السماع، و((قال)) المجردة ليست صريحة أصلاً. ((النكت)) (٦٠١/٢).

٨٨
والمختار الذي لا مَحِيْدَ عَنْهُ كما قال شيخنا: ((إن حكم ((قال)» في
الشيوخ مثل غيرها من التعاليق المجزومة)» (١) وأمثلة ذلك كثيرة .
(كخبر (٢) المعازف) بفتح الميم ، وبالزاي والفاء - أي : آلات الملاهي،
حيث قال البخاري في ((باب الأشربة)): قال هشام بن عَمَّار : حدثنا صَدَقَة
بن خالد ، قال : حدثنا عبد الرحمان بن يزيد بن جابر ، قال : حدثنا عَطيَّة
بن قيس ، قال : حدثني عبد الرحمان بن غَنْم ، قال : حدثني أبو عامر ، أو
أبو مالك الأشعري أنَّه سمع رسول اللَّه عليه وسلّم يقول: ((لَيَكُونَنَّ فِيْ
أُمْتِيْ أُقْوَمٌ يَسْتَحِلُوْنَ الحِرَ وَالْحَرِيْرَ (٣) وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ)) (٤).
فهذا حكمه الاتصال أو التعليق على ما مر ؛ لأنَّ هشاماً من شيوخ
البخاري وقد عزاه إليه بـ ((قال)) فاعتمد ذلك، و (لاتصغ) أي : تمل
(لابن حزم) الحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (*) ، فهو
منسوب لجد أبيه (المخالف) في ذلك وغيره لجموده على الظاهر حيث حكم
في موضع من ((محلاه)) (٦) بعدم اتصال ذلك (٧) .
وقال في الحديث المذكور : إنه منقطع ، لم يتصل ما بين البخاري
وصدقة .
وحقه أن يقول: ((وهشام)) بدل ((وصدقة)).
١- راجع ((فتح الباري)) (١٠/ ٥٢-٥٣) .
٢- في ز : لخبر المعازف .
٣- في ز : أو الحرير . وهو خطأ مخالف لما في أصل الحديث
٤- راجع ((فتح الباري)) (٥١/١٠) .
٥- انظر ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) (١١٤٦/٣)، ((البداية والنهاية)) (٩١/١٢)، ((لسان
الميزان» (١٩٨/٤) .
٦ - انظر ((المحلى)) (٥٩/٩).
٧- قلت: صرح في كتابه: ((الإحكام في أصول الأحكام)) (١٥٨/١) بأن قول الحافظ العدل :
أخبرنا فلان ، أو عن فلان ، أو قال فلان عن فلان كله سواءٌ وواجب قبوله ما لم يتيقن أنه أورد
حديثاً بعينه إيراداً غير مسند .

٨٩
ولم يكتف بذلك بل صرح لتقرير (١) قوله بإباحة الملاهي : بأنه مع جميع
ما في هذا الباب موضوع (٢).
قال ابن الصلاح : ولا التفات إليه في ذلك بل أخطأ فيه من وجوه ،
والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح (٣).
قال : والبخاري قد يفصل ذلك لكون الحديث معروفاً من جهة الثقات
عن الراوي الذي علقه عنه ، أو لكونه ذكره في موضع آخر من كتابه متصلاً
أو لغير ذلك من الأسباب (4) التي لا يصحبها خلل الانقطاع (٥) .
١- في ز : بتقرير .
٢- راجع ((المحلى)) (٥٩/٩).
٣- قال الحافظ ابن الحجر: رواية هشام بن عمار وصلها الحسن بن سفيان في مسنده، والإسماعيلي
والطبراني في ((الكبير))، وأبو نعيم من أربعة طرق، وابن حبان في ((صحيحه))، وغيرهم .
راجع («هدي الساري)» (ص: ٥٩).
٤- في ز : أو من الأسباب .
٥- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٦٢).

٩٠
نقل الحديث من الكتب المعتمدة
وَأُخْذُ مَتْنٍ مِنْ كِتَابٍ لِعَمَلْ أُوِ احْتِجَاجٍ حَيْثُ سَاغَ قَدْ جَعَلْ
عرضاً لَّهُ عَلَى أُصُوَّلٍ يُشْتَرَطْ وَقَالَ يَحْيَى النَّوَوِي: أُصْلٍ فَقَطْ
قُلْتُ: وَلَابْنِ خَيْرٍ امْتِناَعِ نقلٍ سِوَى مَرْوِيِّهِ إِجْمَاعِ
*** *
*
أي التي صحَّتْ أو اشتهرت نسبتُها لمصنَّفيها كالصَّحيحَيْن .
وقدَّم هذا على الحسن المشارك للصَّحيح في الحجِّية لمشابهته
للتعليق (١) .
(وأخذ متن) مبتدأ، خبره: ((قد جعل)) إلى آخره . أي : وأخذ حديثٍ
(من كتاب) من الكتب المعتمدة العمل) بمضمونه (أو احتجاج) به لذي
مذهبٍ (حيث ساغ) أي : جاز للآخذ ذلك بأن يكون متأهلاً له بحيث يكون
عالماً بمضمون الحديث ، له مَلَكَةُ يقوى بها على معرفة المطلوب منه في
ذلك .
(قد جعل) أي : ابن الصلاح (عرضا له) أي : مقابلة للمأخوذ مع ثقةٍ
(على أصول) صحيحةٍ متعدّدة ، مرويةٍ برواياتٍ متنوعةٍ .
أي : [أن] (٢) تنوعَّت بأن تعدَّدت رُوَتُه (٣) كالفَرَبْرِيِّ، والنَّسَفِيِّ،
وحمَّاد بن شاكر بالنسبة لصحيح البخاري .
(يشترط) أي : جعله شرطاً لجواز الأخذ ليحصل به جبر الخلل الواقع
١- في س : بالتعليق .
٢ - ساقطة من ز .
٣- في ط : رواية وهو خطأ .

٩١
في أثناء الأسانيد .
(وقال) أبو زكريا (يحيى النووي) بالإسكان للوزن ، أو لنيَّة الوقف :
يكفي عَرْضُه على (أصل) معتمدٍ (فقط) لحصول الثِّقة به ؛ فلا يشترط
التعدُّد (١) .
على أنَّ ابنَ الصَّلاح قال بذلك في عرض (٣) المروي ، وكلامه في قسم
الحسن حين (٣) ذكر أنَّ نُسَخَ الترمذي تختلف في قوله: ((حسن)) أو ((حسن
صحيح)) ، أو نحوه (٤) قد يشير - كما قال الناظم - إلى حمل ما قاله هنا
على الاستحباب ؛ فلا مخالفةً .
لكن قد يفرّق بزيادة الاحتياط للعمل والاحتجاج دون الرِّواية نظراً
للأصل فيهما [وللوصف في الرواية] (*) [للمقصود من الخبر في العمل،
والأصل دون الوصف في الاحتجاج] (١) إذا متن الحديث أصل [وكونه
صحيحاً أو حسناً وصف] (٧) .
وسواءٌ فيما ذكر أكان (٨) الكتاب المأخوذ منه مروياً للآخذ أم لا .
(قلت : ولابن خير) بفتح المعجمة ، وسكون التحتية - الحافظ أبي
بكر محمد الأُمَوِيِّ - بفتح الهمزة - الإِشْبِيْلِيِّ (٩) (امتناع) أي: تحريم
(نقل) وفي نسخة ((جَزْمٍ)) (سوى) أي: غير (مرويه) سواء أنَقَلَ (١٠)
١- راجع ((تدريب الراوي)) (١ / ١٥٠)
٣- د : حيث .
٥- الزيادة من د ، ظ .
٧- في س ، ز : ونقله وصف له .
٢- في ط : العرض .
٤- انظر «علوم الحديث)) (ص: ٣٢).
٦- ما بين المعكوفتين ساقط من س ، ز ، ط ، ظ .
٨- في ز ، ط : بدون همزة التسوية .
٩- هو الحافظ محمد بن خير بن عمر بن خليفة، محدث، حافظ، أديب، نحوي، ولد سنة ٥٠٢هـ
وتوفي سنة ٥٧٥هـ. ((تذكرة الحفاظ)) (١٣٦٦/٤).
١٠- في ط : نقله .

٩٢
للرواية أم للعمل ، أم للاحتجاج (١١)، والامتناع فيه عنده (إجماع) .
وعبارته : «وقد اتفق العلماء - رحمهم الله - على أنَّه لا يصحُّ لمسلمٍ
أن يقولَ : قال رسول اللّه صلى اللَّه عليه وسلم كذا ، حتى يكون عنده ذلك
القولُ مروياً ولو على أقلِّ وجوهِ الرِّواياتِ؛ لقول رسول اللّه صلى اللَّه عليه
وسلم: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) (١) .
وفي بعض الرِّوايات ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ)) مطلقاً بدون تقييدٍ)) .
وفي مطابقة دليله لمدعاه (٣) نظر؛ إذ لايقال لمن نقل من ((صحيح
البخاري)) مثلاً حديثاً ولا رواية له به: إنَّه كذب على رسول اللَّه صلى اللَّه
عليه وسلم ، وافهم قوله .
نقل أنَّه إذا وجد حديثاً له به روايةٌ ، ساغ له نَقْلُه وإن كان ضعيفاً ،
لکن لا یجزم به .
وقضية النسخة الثانية أنَّ له أن يجزم به ، وليس مراداً .
وامتناع مبتدأ خبره ((إجماع))، و ((لابن خير)) صلة محذوفٍ ، أي :
إجماع منقول لابن خير ، أو خبر للجملة بجعلها في محل المبتدأ ، أي : هذا
الكلام لابن خير .
١- في ظ : الاحتياج .
٢- متواتر، راجع ((فتح الباري)) (١٦٠/٣)، ((صحيح مسلم)) (١٢٩/١٨)، ((مسند أحمد))
(٤ /١٠٠، ٥/ ٢٩٢) .
٣- في ظ : لما ادعاه .

٩٣
القسم الثاني : الحسن
وَالْحَسَنُ الْمَعْرُوْفُ مَخْرَجاً وَقَدْ اشْتَهَرَتْ رِجَالُه بِذَاكَ حَدّ
حَمْدٌ، وقالَ التِّرْمِذِي: مَا سَلِمْ مِنَ الشُّذُوْذِ مَعَ راوٍ مَّا اتّهِمْ
بِكَذِبٍ ولم يكنْ فَرْداً وَرَدْ قُلْتُ وقَدْ حَسَّن بَعْضَ مَا انْفَرَدْ
وقيل: ما ضُعْفٌ قريبٌ مُحْتَمَلْ فِيْهِ وَمَا بِكُلِّ ذَ حَدٌّ حَصَلْ
*
من أقسام السُّنن : (الحسن) قد اختلفت أقوال أئمة الحديث في حَدِّ
بالنظر لقسميه الآتيين ، وقد شرع في بيانه فقال :
(والحسن المعروف مخرجاً) بنصبه تمييزاً محوّلاً من نائب الفاعل أي :
المعروف مخرجه ، أي : رجاله ، وكل منهم مخرج خرج منه الحديث ودار
عليه ، وذلك كنايةً عن الاتصال : إذ المرسل، والمنقطع، والمُعْضَل ،
والمدلّس - بفتح اللام - قبل أن يتبيَّن (١) تدليسه لا يعرف مخرج الحديث
منها .
(وقد اشتهرت رجاله) بالعدالة والضبط اشتهاراً دون اشتهار [رجال] (٢)
الصحيح ، (بذاك) أي : بما ذكر من الاتصال والشهرة (حدًّ) الحافظ أبو
سليمان (حَمْد) بإسكان الميم - ابن محمد بن إبراهيم ابن الخطّاب البُسْتِيُّ،
الشافعيُّ، المشهور بـ ((الخَطَّابيِّ)) نسبة إلى جدًّ أبيه (٣).
وبما قرَّرته في الاشتهار سقط الاعتراض بأنَّ الخطابي لم يميِّز الحسن من
١- في ط : يبين .
٢ - ساقطة من س ، ز .
٣- راجع ((معالم السنن)) (١١/١).
٠
٠٠٠

٩٤
الصحيح ، ولا من الضعيف .
(وقال) الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة (الترمذي) بكسر
التاء والميم على المشهور، وبالمعجمة نسبة إلى ((ترْمذ)) مدينة بطرف (١)
جِيْحُوْن نهر بلخ - في ((العلل)) التي [في] (٢) آخر جامعه ما حاصله :
الحسن عندنا (ما سلم من الشذوذ مع راو) [أي] (٣): مع أنَّ راوياً من رُواته
(ما اتهم بكذب) بأن لم يَظْهَر منه تعمُّده (٤) .
ولما شمل هذا ما كان بعض رواته سيءَ الحفظ أو مستوراً أو مدلّساً
بالعَنْعَنَةِ أو مخْتَلَطاً ، شَرَطَ شرطاً آخر ؛ فقال : (ولم يكن فرداً ورد) بل
جاء من وجه آخر فأكثر مثله أو فوقه بلفظه أو بمعناه ؛ ليترجح به أحد
الاحتمالين .
لأنَّ سيئَ الحفظ - مثلاً - يحتمل أن يكون ضَبَط مرويَّه ، ويحتمل
خلافُه . فإذا وَرَدَ مثل ما رواه من وجهٍ آخر غَلَبَ على الظنِّ أَنَّهِ ضَبَطَ .
واعترض عليه بأنَّ ما حدَّ به الحسن لم يميِّزه عن الصحيح ، وردّ بأنَّه
ميَّزه عنه حيث شرط فيه أن يُرْوَى من وجهٍ آخر دون الصحيح .
رُدّ بأنَّه لم يشترط ذلك في كلِّ حسنٍ ، بل فيما قال فيه ((حسن)) فقط
وهو الحسن لغيره، دون ما قال فيه ((حسن صحيح))، أو ((حسن غريب)) ،
أو ((حسن صحيح غريب)) وهو الحسن لذاته .
كما أشار إلى ذلك بقوله : (قلت: و) مع شرطه عدَمَ التفرُّد به (قد
حسِّن) في جامعه (بعض ما انفرد) به راويه (*) حيث يقول عقب الحديث :
١- في س : بطريق .
٣- أيضاً .
٢- ساقطة من ز .
٤- راجع ((شرح علل الترمذي)» لابن رجب (ص : ٢٥٧).
٥- في ص ، س، ز ، د : رواية . وهو خطأ .

٩٥
«حسن غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه)) فانتقض شرطه المذكور .
لكن أجاب عنه شيخنا تبعاً لغيره: ((بأنَّه إنَّما حَدَّ ما يقول فيه
((حسن)) فقط، لا الحسن مطلقاً إما لغُمُوضه أو لأنّه اصطلاحٌ جديدٌ
له» (١).
(وقيل) يعني وقال الحافظ أبو الفَرَجِ ابن الجَوْزِيّ (٢) في كتابَيْ (٢)
((الموضوعات)) و((العلل المتناهية)): الحسن (ما) به (ضعف قريب
محتمل) بفتح الميم (فيه) (٤) .
فالحسن لذاته ضعيف بالنسبة للصحيح ، والحسن لغيره ضعيف أصالةً
وإنما طرأ عليه الحسن بما عضده فاحتمل الضعف لوجود العاضد .
فهذه ثلاثة أقوال .
(وما بكل ذا) أي : بكُلِّ قولٍ منها (حدٍّ) صحيح (حصل) للحسن بل
هو كما قال ابن الصلاح : مُسْتَبْهَمٌ لا يشفي الغليل (٥) .
لأنَّه غير جامعٍ لأفراد الحسن في الأولين، ولعدم ضَبْطِ القَدْر المحتَمَلِ
في الأخير .
وقال بَانَ لي بِإِمْعَنِي النَّظَرْ أُنَّ لَهُ قِسْمَيْنِ كُلُّ قَدْ ذَكَرْ
قسْماً، وزادَ كونَه ما عُلِّلاً وَلاَ بِنُكْرٍ أو شُذُوْقٍ شُمِّلاً
١ - راجع ((شرح النخبة)) (ص: ٤٥) .
٢- هو الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمان بن علي بن محمد، المعروف بابن الجوزي ، الحنبلي ،
توفي سنة ٥٩٧هـ .
راجع ((تذكرة الحفاظ)» (١٣٤٢/٤)، ((البداية والنهاية)) (٢٨/١٣ - ٣٠).
٣- في ط : كتاب .
٤- راجع ((الموضوعات)) (٣٥/١).
٥- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٢٦).

٩٦
وَالْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ يَسْتَعْمِلُهِ وَالْعُلَمَاءُ الْجُلُّ مِنْهُمْ يَقْبَلُه
وَهْوَ بِأُقْسَامِ الصَّحِيْحِ مُلْحَقُ حُجِّيَّةً وَإِن يَكُنْ لاَيَلْحَقُ
****
*
(وقال) [أي : ابن الصلاح] (١) (بان) أي : ظهر (لي بإمعان) أي :
إكثاري (النظر) في ذلك ، والبحث به جامعاً بين أطراف كلامهم ، ملاحظاً
فيه مواقع استعمالهم (أن له) أي : للحسن (٢) (قسمين) : أحدهما أي وهو
المسمى بالحسن لغيره :
(«ما في إسناده مستور لم تتحقق أهليته ، غير أنَّه ليس مغَفَّلاً ولا
كثيرَ الخطأ فيما يرويه ، ولا متّهماً بالكذب فيه ، ولا يُنْسَب إلى مفَسَّقٍ آخر
واعتُضِدَ بمتابعٍ أو شاهدٍ)) .
وثانيهما [أي] (٣) وهو المسمَّى بالحسن لذاته:
((ما اشتهر راويه (٤) بالصِّدْق والأمَانَةِ، ولم يَصِلْ في الحفظ والاتقان
رتبةً رجال الصحيح)) .
فالقسمان (كل) من التِّرْمِذِيِّ والخَطَّابِيِّ (قد ذكر) منهما (قسما) وترك
الآخر لظهوره عنده ، أو لذهوله عنه ، أو لغيره .
فكلام الترمذي ينزّل (٥) على الأوّل، وكلام الخَطَّابيِّ على الثاني (٦).
(وزاد) ابن الصلاح في كل منهما (كونه ما عللا) بألف الإطلاق (ولا
ينكر أو) [بالدرج] (٢) (شذوذ شملا) ببنائه للمفعول ، وبألف الإطلاق بأن
يَسْلَم من كلٍّ من الثلاثة، لكن زيادته (٨) الثالثَ [أي: الشذوذ] (٩) إنما هي
١- هذه الزيادة من ط ، د .
٣ - ساقطة من س .
٥- في د ، ظ : منزل .
٧- ساقطة من س ، ز، ط ، د ، ظ .
٩- هذه الزيادة من س .
٢- في ص . ز ، د : الحسن .
٤- في د : رواية . وفي ظ : رواته .
٦- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٢٧-٢٨).
٨- في س : زيادة .

٩٧
على الخطابي دون الترمذي لما مر .
(والفقهاء كلهم يستعمله) في الاحتجاج والعمل به (والعلماء) من
المحدثين وغيرهم (الجُلُّ) أي : المعظم (منهم يقبله) فيهما أيضاً .
(وهو) أي: الحسن بقسميه (١) (بأقسام الصحيح ملحق حجيةً) أي :
في الاحتجاج به (وإن يكن لا يلحق) الصحيح رتبةً لضُعْفٍ راويه ، أو
انحطاطِ ضَبْطِهِ .
بل قال ابن الصلاح : من سمَّاه صحيحاً لاندراجه فيما يحتجُّ به لا ينكر
أنَّه دونه ، فهذا اختلاف في العبارة دون المعنى (٢).
فَإِنْ يُقَلْ: يُحْتَجُّ بِالضَّعِيْفِ فَقُلْ : إِذَا كَانَ مِنَ الْمَوْصُوْفِ
رُوَتُهُ بِسُوْءٍ حِفْظٍ يُجْبَرُ بِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ يُذْكَرُ
وَإِنْ يَكُنْ لِكَذِبٍ أو شَذَا أَوْ قَوِي الضُّعْفُ فَلَمْ يُجْبَرِ ذَا
أُلاَتَرَى الْمُرْسَلَ حَيْثُ أُسْنِدَا أُوْ أَرْسَلُوا كَمَا يَجِيْءُ اعْتُضِدَاً
(فإن قيل) فيما مر من أنَّ الحسن لغيره يُكْتَفَى فيه بكونِ راويه غير
متَّهَم ، وفي عاضده بكونه مِثْلَه مع أنَّ كلاً (٣) منهما ضعيف لا يحتج به :
[كيف] (٤) (يحتج بالضعيف) إذا انضم إليه ضعيف مع اشتراطهم الثِّقةَ في
القبول ؟
(فقل) : لامانع منه ؛ لأنَّ الحديث (إذا كان من الموصوف رواته) واحد
١- في ز : بقسميه .
٢- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٣٧).
٣- في ز : كل .
٤- ساقطة من ز .
١

٩٨
أو أكثر (بسوء حفظ) أو باختلاطٍ ، أو بتدليسٍ مع اتصافهم بالصِّدق
والدِّيانة (يجبر بكونه من غير وجه يذكر) فانجبر لاكتسابه من الهيئة
المجموعة قوةً ، كما في الصحيح لغيره الآتي بيانه .
ولأنَّ الحكمَ عليه بالضعف إنَّما كان لاحتمال ما يمنع القُبُولَ ، فلما جاء
العاضد غَلَب على الظَّن زوالُ ذلك الاحتمال .
وليس هذا مثل شهادة غير عدلٍ انضم إليها (١) شهادة مثله ؛ لأنَّ باب
الشَّهادة أضيقُ من باب الرواية .
(وإن يكن) ضعفه (الكذب) في راويه (٢) (أو شذا) أي : أو شذوذٍ في
روايته (٣) (أو قوي الضعف) بشيء آخر مما يقتضي الرَِّّ (فلم يجبر ذا) أي
الضعف بوجهٍ آخر وإن قويت (٤) طرقه .
كَحديث: ((مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِيْ أُرْبَعِيْنَ حَدِيْئاً مِنْ أُمْرِ دِيْنِهَا بَعَثَهُ اللَّه
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيْ زُمْرَةِ الفُقَّهَاءِ والعُلَمَاءِ)) (٥) .
فقد اتفق الحفّاظ على ضعفه مع كثرة طرقه ؛ لقوّة ضعفه وقصورها من
جبره ، بخلاف ما مر ؛ لما خفَّ ضعفه ، ولم يقصر الجابر عن جبره ، انجبر ،
واعتضد .
(ألاترى) الحديثَ (المرسل) مع ضعفه عند الشَّافعيِّ وموافقيه (حيث
أسندا) من وجهٍ آخر (أو أرسلوا) أي : أرسل من وجهٍ آخر ، بأن أرسله من
أخذ العِلْمَ من غير رجال التابعي الأول (كما يجيء) بيانه في بابه
(اعتضدا) وصار بذلك حجةً .
١- في د : إليه .
٢- في س ، ز ، د : رواته .
٣- في س ، ز : رواته وهو خطأ .
٤- في ظ ، د : كثرت .
٥- راجعه في ((المقاصد الحسنة)) (ص: ٤١١)، (العلل المتناهية)) (١١٢/١)، ((الفوائد
المجموعة)) للشوكاني (ص: ٢٩٠).

٩٩
واعترض بأن الحديث إذا أسند فالاحتجاج بالمسند .
وأجيب : بأنَّ المراد مسندٌ لا يحتج به منفرداً ، وبأن ثمرته تظهر فيما لو
عارضه مسندٌ مثله فإنَّه يرجّح عليه لاعتضاده (١) بالمرسل .
وَالْحَسَنُ المَشْهُوْرُ بِالْعَدَالَهْ والصِّدْقِ رَاوِيْهِ إِذَا أُتِى لَهْ
طُرُقٌ أُخْرَى نَحْوُها مِنَ الطُّرُقْ صَحِّحَتْهُ كَمَتْنِ لَولا أُنْ أُشُقّ
إِذْ تَابَعُواْ محمدَ بْنَ عَمْرٍوِ عَلَيْهِ فَارْتَقَى الصَّحِيْحَ يَجْرِي
* * * *
(والحسن) لذاته الذي هو (المشهور بالعدالة والصدق راويه) برفعه
بالمشهور - أي : المشهور رواته (٣) بذلك اشتهاراً دون اشتهار رجال
الصحيح كما مرَّ (إذا أتى له طرق أخرى) بالدرج (نحوها) أي : نحو
طريقةٍ (من الطرق) التي دونها (صححته) .
فإن ساوتها أو رجحتها فمجيئه (٣) من طريق آخر كافٍ ، وهذا هو
الصحيح لغيره ، وما مر قبل هو الصحيح لذاته ، كما مر التنبيه عليه .
وذلك (كمتن) أي: حديث: (((لَولاً أُنْ أُشُقَّ) عَلَى أُمَّتِيْ لِأُمَرْتُهُمْ
بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ)) (٤) (إذ تابعوا) راويه (٥) (محمد بن عمرو) بن
عَلَقَمَة ، عن أبي سلمة (٦) ، عن أبي هريرة [عليه في شيخ شيخه حيث رواه
١- في ز : لاعتضافه . وهو خطأ من الناسخ .
٢- في س ، ط، ظ ، د : راويه.
٣- في ص : فمجيئها .
٤- راجع ((فتح الباري)» (٣٧٤/٢)، ((صحيح مسلم)) (١٤٢/٣)، ((صحيح ابن خزيمة))
(٧٢/١)، ((سنن أبي داوود)) مع العون (٦٩/١)، ((جامع الترمذي)) مع التحفة (٣٤/١).
٥- في د : رواية .
٦- في س : ابن أبي سلمة. وهو خطأ مخالف لما في ((الجامع)) للترمذي.

١٠٠
جماعة غير أبي سلمة عن أبي هريرة] (١) .
(فارتقى) من طريق محمد بهذه المتابعات (الصحيح يجري) أي :
جارياً إليه .
ولولاها لم يرتق ؛ لأنّ راويه محمداً وإن اشتهر بالصِّدْق والصِّيانة
ووثّقه بعضهم لذلك (٢)، لم يكن متقناً حتى ضعَّفه بعضُهم لسوء حفظه (٣).
والحديث رواه الشيخان من طريق عبد الرَّحمان بن هُرْمُز [الأعرج](٤) فهو
صحيح لذاته من طريقه ، صحيح لغيره حسن لذاته من طريق محمد
باعتبارين .
*
قال : وَمِن مَّظِنَّةٍ لَّلْحَسَنِ جَمْعُ أبي داوودَ أَيْ في السُّنَنِ
فَإِنَّهُ قال: ذَكَرْتُ فِيْهِ مَا صَحَّ أُوْ قَارَبَ أُوْ يَحْكِيْهِ
وَمَا بِهِ وَهْنٌ شَدِيْدٌ قُلَتُهُ وَحَيْثُ لاَ فَصَالِحٌ خَرَّجْتُهُ
فَمَا بِهِ وَلَمْ يُصَحِّحْ وَسَكَتْ عَلَيْهِ عِندَهُ لَهُ الْحَسَنُ ثَبَتْ
*
(قال) ابن الصلاح : (من مظنة) بكسر الظاء - أي : موضع الظنِّ
بمعنى العلم (للحسن) أي : ومن مَظَانِّه غير ما مر (جمع) الإمام الحافظ
(أبي داوود) سليمان بن الأشعث السِّجسْتَاني (أي في) كتابه (السنن ،
فإنه (٥) قال: ذكرت فيه ما صح، أو) ما (قارب)، يعني الحسن لغيره
(أو) ما (يحكيه) أي: يشبهه يعني الحسن لذاته، و ((أو)) للتقسيم.
١- هذه الزيادة من ظ .
٢- في س : لكن . وهو خطأ .
٣- قال الحافظ: صدوق له أوهام. (التقريب)) (١٩٦/٢).
٤- ساقطة من س .
٥- في س : لأنه .