النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كتاب ابن الصلاح] (١) (المهمة) أي : التي يُهْتَمُّ بها (توضح) أي : تبين
لك (من علم الحديث رسمه) أي : أثره الذي تبني (٢) عليه (٣) أصوله.
يعنى ما خفي عليك منه .
ومنه : رسم الدار وهو ما كان من آثارها لاصقاً بالأرض .
وعبّر - كما قال - بالرسم هنا إشارةً إلى دروس كثير من هذا العلم ،
وإنه بقيت منه آثار يُهتدى بها ويبنى عليها .
والحديث - ويرادفه الخبر - على الصحيح : ما أضيف إلى النبي (٤)
صلى الله عليه وسلم - قيل : أو إلى صحابي ، أو إلى من دونه - قولاً ،
أو فعلاً، أو تقريراً ، أو صفةً .
ويعبر عن هذا بعلم الحديث روايةً ، ويحدُّ بأنَّه: علم يشتمل على نقل
ذلك .
وموضوعه : ذات النبي صلى اللّه عليه وسلم من حيث أنه نبي .
وغايته : الفوز بسعادة الدارين .
وأما علم الحديث درايةً - وهو المراد عند الإطلاق كما في النظم -
فهو (٥) : علم بعرف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد .
وموضوعه : الراوي والمروي من حيث ذلك .
وغايته : معرفة ما يقبل وما يرد من ذلك .
ومسائله : ما يذكر في كتبه من المقاصد .
(نظمتها) أي : المقاصد . أي جمعتها على بحر يسمى ببحر الرجز
[ووزنه مستفعلن ست مرات] (٦) .
١- هذه الزيادة من ز ، ظ .
٢- في س : بني . وفي ط : تنبني .
٣- في ط : عليها . وهو خطأ .
٤- في د : للنبي .
٥- في ز : وهو . وهو خطأ .
٦- هذه الزيادة من ز .

٤٢
(تبصرةً للمبتدي) - بترك الهمزة - يتبصّر بها ما لم يعلمه (وتذكرةً
للمنتهي) يتذكر بها ما علمه وغفل عنه .
(و) للراوي (المسند) بكسر النون الذي اعتنى بالأسناد خاصةً يتبصر
أو يتذكر بها كيفية التحمل والأداء ومتعلقاتهما .
والمبتدي : من حصل شيئاً ما من الفن .
والمنتهي : من حصل [منه] (١) أكثره وصلح لإفادته .
والمتوسط مفهوم بالأولى فلا يخرج (٢) عنهما؛ لأنَّه بالنسبة (٣) لما
أتقنه منتهٍ ، ولما لم يتقنه مبتدٍ .
ويقال : من شرع في فن فإن لم يستقل بتصوَّر مسائله فمبتدٍ ، وإلا
فمنتهٍ إن استحضر غالب أحكامه وأمكنه الاستدلال عليها ، وإلا فمتوسط .
وأشار بـ «التبصرة والتذكرة)» إلى اسم منظومته.
(لخصت فيها) عثمان أبا عمرو (ابن الصلاح) أي : مقاصد كتابه
(أجمعه) .
فلاينافي ذلك حذف كثير من أمثلته ، وتعاليله ، ونسبة أقوالٍ لقائليها
وما تكرر فيه .
(و) مع تلخيصي (٤) مقاصده فيها (زدتها علماً تراه) أي : الزائد
(موضعه) متميزاً (٥) أول كثير منه بـ ((قلت))، أو بدونه كأن يكون حكايةً
عن متأخر عن ابن الصلاح ، أو تعقباً لكلامه برد أو نحوه ، أو إيضاحاً له
وما لم يتميِّز سأميِّزه في محالّه .
١- ليست في ظ .
٣- في ظ : إلى ما .
٤- في س : تلخيص .
٥- في س : مميزاً .
٢- في ز، ظ : إذ لا يخرج.

٤٣
فَحَيْثُ جَاءَ الْفِعْلُ وَالضَّمِيْرُ لِوَاحِدٍ وَّمَنْ لَهُ مَسْتُوْرُ
كقالَ أو أُطلَقْتُ لَفْظَ الشَّيْخِ مَا أُرِيْدُ إِلَّ ابْنَ الصَّلاَحِ مُبْهَما
وَإِنْ يَكُن لاثْنَيْنِ نَحْوُ الْتَزَمَا فَمُسْلِمٌ مَعَ الْبُخَارِيُّ هُمَا
وَاللَّهَ أَرْجُوْ فِي أُمُوْرِيْ كُلُّهَا مُعْتَصماً فِي صَعْبِهَا وَسَهْلِهَا
*
*
وقد اصطلح على شيء للاختصار في نظمه فبيَّنه بقوله :
(فحيث جاء الفعل والضمير) أي أحدهما الواحد) فقط (ومن له)
أي : الفعل أو الضمير (مستور) أي: غير مذكور (كقال)، وله (أو
أطلقت لفظ الشيخ ، ما أريد) بكل من ذلك (إلا ابن الصلاح مبهما) بتلك
الألفاظ .
بفتح الـ ((ها)) حال من مفعول ((أريد))، ويكسرها حال من فاعله، مع
أن هذا يغني عنه إطلاق تلك الألفاظ ؛ إذ المتبادر منها الإبهام .
(وإن يكن) أي : ما ذكر من الفعل أو الضمير (لاثنين نحو) قولك:
(التزما) كقوله: ((واقطع بصحة لما قد أسندا)). وقوله: ((وأرفع الصحيح
مروبهما)) (فمسلم مع البخاري هما) وهما: إماما المحدثين أبو عبدالله
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة بن بَرْدِزِيَة الْجُعْفِيُّ الْبُخَارِيُّ، وأبو
الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُوْرِيّ.
وقدَّمه على البخاري مع أنَّ البخاري مقدم عليه رتبةً اكتفاءاً بما هو
معلوم، أو بتعبيره (١) بـ ((مع)) المشعرة بتبعية ما قبلها لما بعدها ، أو
لضرورة النظم عنده (٣) .
١- في ز : لتعبيره .
٢- في س : عنه . وهو تحريف من الناسخ .

٤٤
(واللَّه) لا غير (أرجو) أي: أؤمل (١) (في أموري كلها)
الدنيوية (٢) والأخروية (معتصما) بفتح الصاد تمييز للنسبة . أي :
أرجوه من جهة العصمة بمعنى الحفظ .
ويكسرها حال من فاعل ((أرجو)» بجعل العصمة بمعنى المنع من العصمة
أي : مانعاً نفسي منا بلطف اللَّه [تعالى] (٣) في أموري كلها .
(في صعبها وسهلها) عطف بيان على ((في أموري)) (٤) أو بدل منه.
١- في س : أومله .
٢- د : الدنوية .
٣- الزيادة من ظ .
٤- في ز، د ، ظ : على ما قبله .

٤٥
أقسام الحديث
وَأَهْلُ هَذَ الشَّأَنِ قَسَّمُواْ السُّنَنْ إِلَى صَحِيْحٍ وَضَعِيْفٍ وَحَسَنْ
فَالأوَّلُ: الْمُتَصِلُ الإِسْتَادِ بِنَقْلِ عَدَلٍ ضَابِطِ الفُؤَادِ
عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَا شُدُوْنِ وَعِلَةٍ قَادِحَةٍ فَتُؤْذِيّ
(وأهل هذا الشأن) أي : الحديث . أي معظم أهله (قسموا السنن)
المضافة للنبي صلى الله عليه وسلم قولاً، أو فعلاً، أو تقريراً [أو صفة] (١)
أوّلاً وبالذات (إلى صحيح وضعيف وحسن) لأنها إن اشتملت من أوصاف(٢)
القبول على أعلاها فالصحيح ، أو على أدناها فالحسن ، أو لم تشتمل على
شيء منها (٣) فالضعيف .
وقدمه على الحسن مع أنه مؤخر [عنه] (٤) رتبةً، بل لا يسمى سنة؛
لضرورة النظم عنده ، أو لرعاية مقابلته بالصحيح .
قال : وتعبيري بالسنة أولى من تعبير الخطابي وغيره بالحديث ؛ لأنه
لا يختص عند بعضهم بالمرفوع بل يشمل الموقوف ، بخلاف السنة .
وبما قاله عرف أن بينهما عموماً مطلقاً .
(فالأول) يعني الصحيح المجمع على صحته عند المحدثين هو : المتن
(المتصل الإسناد) الذي هو : حكاية طريق المتن (بنقل عدل) وهو من له
ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة . والمراد عدل الرواية لا عدل
الشهادة ؛ فلايختص بالذكر الحر (ضابط الفؤاد) أي : جازم (٥) القلب
(عن) أي : بنقل عدل عن (مثله) من أول السند إلى آخره .
١- ساقطة من س .
٤- ساقطة من ز .
٣- في ظ : منها .
٢- في ز : صفات .
٥- في ز ، ط ، غ : حازم .

٤٦
بأن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخذاً مما قاله الناظم آنفاً ،
أو إلى الصحابي ، أو إلى من دونه ؛ ليشمل الموقوف وغيره كما قاله
غيره .
ولا ينافيه تفسير السنة بما مر ؛ لأن القسم قد يكون أعم من المقسم
كقولك : الحيوان إما أبيض أو غيره ، والأبيض إما عاج أو غيره .
(من غير ما شذوذ) بزيادة ما (و) غير (علة قادحة) فهذه
خمسة قيود لا ستة؛ [للاغتناء] (١) بقوله: ((بنقل عدل)» عن قوله: ((عن
مثله» .
فخرج بالأول منها : المنقطع ، والمرسل ، والمعضل الآتي بيانها في
محالها .
وبالثاني (٢): ما في سنده من عرف ضعفه، أو جهلت عينه أو حاله
كما سيأتي .
وبالثالث : ما في سنده مغفَّل كثير الخطأ وإن عرف بالصدق والعدالة
لعدم ضبطه .
والضبط كما سيأتي ضبط صدر ، وهو : أن يثبت (٣) الراوي ما سمعه
بحیث یتمکن من استحضاره متى شاء .
وضبط كتاب ، وهو : صيانته عنده منذ سمع فيه وصححه إلى أن
يؤدي منه .
والمراد [بالضبط] (٤) الضبط التام كما يفهمه الإطلاق المحمول على
١- ليست في ظ .
٢- من هنا بداية نقص نسخة ظ .
٣- في ز : يضبط .
٤- هذه الزيادة من د .

٤٧
الكامل ؛ فيخرج الحسن لذاته المشترط فيه مسمى الضبط فقط .
لكن قد يقال : يلزم عليه خروجه إذا اعتضد وصار صحيحاً لغيره .
ويجاب : بأنَّ التعريف للصحيح لذاته .
وخرج بالرابع الشاذ . وهو : ما خالف فيه الراوي من هو أرجح منه .
كما سيأتي في بابه مع زيادة .
ولا يرد عليه الشاذ الصحيح عند بعضهم (١) ؛ لأن التعريف للصحيح
المجمع على صحته - كما مر - لا مطلقاً .
وبالخامس ما فيه علة قادحة كإرساله ، وسيأتي بيانها مع بيان غير
القادحة .
ومن قيّدها بكونها خفيَّة (٣) لم يرد إخراج الظاهرة؛ لأنَّ الخفية إذا
أثرت فالظاهرة أولى ، وإنما قيد بذلك لأنَّ الظاهرة راجعة إلى ضعف الراوي
أو عدم اتصال السند ، وذلك محتَرَز عنه بما مر .
(فتؤذي) أي : العلة القادحة صحةَ الحديث . أي تمنع من الحكم
والعمل به وهذا تصريح بما علم .
واعلم أن الصحيح قسمان كالحسن ؛ لأنَّ المقبول من الحديث إن اشتمل
من صفات القبول على أعلاها فهو الصحيح لذاته .
أو لا ، فإن وجد ما يجبر قصوره ككثرة الطرق فهو الصحيح أيضاً ،
لكن لا لذاته .
١- وهم الحاكم والخليلي حيث جعلوا التفرد مطلقاً شاذاً فيصح إن كان راويه ثقة ، وتفصيله في
مبحث الشاذ .
٢- هو ابن حجر قال: من غيّر عبارة ابن الصلاح فقال: ((من غير شذوذ ولا علة)) احتاج أن يصف
العلة بكونها قادحة وبكونها خفية ، وقد ذكر العراقي في منظومته الوصف الأول وأهمل الثاني
ولا بد منه. انظر «تدريب الراوي)» (٦٧/١) .

٤٨
أو لم يوجد ذلك فهو الحسن لذاته .
وإن قامت قرينة ترجح قبول ما يتوقف فيه فهو الحسن أيضاً ، لكن لا
لذاته كذا ذكره شيخنا (١) .
***
*
وَبِالصَّحِيْحِ وَالضَّعِيْفِ قَصَدُواْ في ظاهِرٍ لاَ الْقَطْعَ وَالْمُعْتَمَدُ
إِمْسَاكُنَا عَنْ حُكْمِنَا على سَنَدْ بِأَنَّهُ أُصَحُّ مُطْلَقاً وَقَدْ
خَاضَ بِهِ قَوْمٌ فَقِيْلَ: مَالِكُ عَنْ نَافِعٍ بِمَا رَوَاهُ النَّاسِكُ
مَوْلاَهُ وَاخْتَرْ عَنْهُ حَيْثُ يُسْنِدُ الشَّافِعِي قُلْتُ: وَعَنْهُ أَحْمَدُ
*** *
(وبالصحيح والضعيف) في قولهم : هذا حديث صحيح أو ضعيف
(قصدوا) الصحة والضعف (في ظاهر) أي : فيما ظهر (٣) لهم عملاً
بظاهر الإسناد (لا القطع) بصحته أو ضعفه في نفس الأمر ؛ لجواز الخطأ.
والنسيان على الثقة ، والضبط والصدق على غيره .
والقطع إنما يستفاد من المتواتر (٣)، أو مما احتف بالقرائن (٤).
١- انظر ((شرح النخبة)) (ص: ٣١).
٣- في ز : التواتر .
٢- في ز : يظهر .
٤- يعني خبر الواحد المحتف بالقرائن ، وهو المختار عند جمهور الأصوليين .
أنظر («الإحكام)) للآمدي بتعليق عفيفي (٣٢/٣)، ((المحصول)) للرازي (٤٠٠/٢/١-٤٠٣)،
((التحرير)» (ص: ٣٣١)، ((اللمع)) للشيرازي (ص: ٤٠)، ((غاية الوصول)) (ص: ٩٧)،
((البرهان)) للجويني (٥٧٤/١-٥٨٠)، ((المسودة)) (ص: ٢١٦)، ((الإيهاج)) (٣١١/٢)،
((العدة)) (٩٠٠/٣)، ((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي (ص: ٣٥٥).
أما إفادة خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم العلمَ والعمل معاً بنفسه
فهو ما اختاره ابن حزم ونسبه إلى حسين بن علي الكرابيسي وحارث بن أسد المحاسبي ، وعزاه
عن أحمد بن إسحاق المعروف بابن خويز منداد إلى الإمام مالك .
وهو المختار عند الشيخ أحمد شاكر ، وغيره من المعاصرين .
انظر («الإحكام)) لابن حزم (١٣٢/١)، ((الباعث الحثيث)) (ص: ٢٥ - ٣٧)، ((علوم الحديث

٤٩
وخالف ابن الصلاح فيما وجد في ((الصحيحين)) أو أحدهما فاختار
القطع بصحته وسيأتي بيانه في حكم «الصحيحين)).
فـ ((بالصحيح والضعيف)) متعلق بـ ((قصدوا)) و ((في ظاهر))
[متعلق] (١) بمحذوف، و ((القطع)) معطوف على المحذوف ، أو على محل
((في ظاهر)) أي : قصدوا الصحة والضعف ظاهراً لا قطعاً .
وسكت كغيره عن الحسن إما لشمول الصحيح له بأن يراد به المقبول ،
أو لأنه يعرف بالمقايسة .
(والمعتمد) عليه (إمساكنا) أي : كفُّنا (عن حكمنا على سند) معيَّنٍ .
والسند : الطريق الموصلة إلى المتن . وتقدم تعريف الإسناد .
وعبر عنه البدر بن جماعة (٢) بأنَّه: الإخبار عن طريق المتن، وعن
الإسناد بأنَّه : رفع الحديث إلى قائله .
قال : والمحدثون يستعملونهما لشيء واحد (٣).
ومصطلحه)) (ص : ١٥١).
ونسب هذا القول إلى الإمام أحمد السبكي في ((جمع الجوامع)» وأقره المحلي في شرحه عليه
(١٣٠/٢)، وابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)) (٥٥/٢)، والشوكاني في ((إرشاد الفحول)»
(ص: ٤٨)، والآمدي في («الإحكام)) (٣٢/٢) إلا أنه قيده بكونه من إحدى الروايتين عنه.
وأورد القاضي أبو يعلى الروايتين عنه في ((العدة)) (٩٠٠/٣) وقال: ذهب إلى ظاهر هذا الكلام
جماعة من أصحابنا وقالوا: ((خبر الواحد إن كان شرعاً أوجب العلم» وهذا عندي محمول على
وجهٍ صحيح من كلام أحمد وأنه يوجب العلم من طريق الاستدلال لا من جهة الضرورة .
راجع أيضاً ((المسودة)) (ص: ٢١٦)، ((شرح الكوكب المنير)) (٣٤٥/٢ - ٣٥٤)، ((أصول
مذهب الإمام أحمد)» (ص : ٢٥٠ - ٢٥٦).
١- الزيادة من د .
٢- هو الشيخ الإمام بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة
الحموي ، الشافعي ، كان إماماً في الفقه والحديث والتفسير ، أخذ عن ابن مالك النحوي ، وابن
دقيق العيد ، والحافظ الرشيد العطار وغيرهم ولد سنة ٦٣٩ هـ وتوفي سنة ٧٣٣ هـ . انظر
(البداية والنهاية)) (١٦٣/١٤)، ((الدرر الكامنة)) (٢٨٠/٣)، ((شذرات الذهب)) (١٠٥/٦)
((معجم المؤلفين)) (٢٠١/٨).
٣- انظر ((المنهل الروي)) (ص: ٢٩ - ٣٠).

٥٠
(بأنه أصح) الأسانيد (مطلقا) لأنَّ تفاوت مراتب الصحيح مترتب (١)
على تمكن الأسناد من شروط الصحة ، ويعسر الاطلاع على ارتقاء (٣) جميع
رجال ترجمةٍ واحدةٍ إلى أعلى صفات الكمال من سائر الوجوه .
(وقد خاض) أي : اقتحم الغمرات (به) أي : بالحكم بأنه أصح مطلقاً
(قوم) فتكلموا فيه ، واضطربت فيه أقوالهم بحسب اجتهادهم .
(فقيل:) يعني قال البخاري: أصح (٣) الأسانيد (مالك عن نافع
بما) أي : بالذي (رواه) له (الناسك) أي : العابد (مولاه) أي : مولى
نافع . أي : مُعْتَقُهُ - بكسر التاء - وهو عبدالله بن عمر بن الخطاب .
وكان جديراً بوصفه بالنُّسْك لشدة تمسكه بالأخبار النبوية ، وقد قال فيه
النبي صلى الله عليه وسلم: ((نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلَّيْ مِنَ
اللَّيْلِ)) (٤) فكان بعد [ذلك] (٥) لاينام من الليل إلا قليلاً .
وفي قول الناظم في شرحه: ((أصح الأسانيد ما رواه مالك)) (٦) تجوّز
لأنَّ ما رواه متن لا سند ، فكان حقه [أن يقول] (٧) كابن الصلاح: أصح
الأسانيد مالك إلى آخره .
وكذا الكلام في نظائره الآتية .
(واختر) إذا قلت بذلك وزدت راوياً عن مالك (حيث عنه يسند) إمامنا
(الشافعي) (٨) بالإسكان للوزن ، أو لنية الوقف .
٢- في ط : ارتفاع .
١- في ط : مرتب .
٣- في س : بأنه أصح الأسانيد .
٤- أخرجه البخاري ومسلم في مناقبه، انظر ((فتح الباري)) (٨٩/٧)، ((شرح مسلم)» للنووي
(٣٩/١٦)، وكذا الترمذي في ((الجامع)) (٣٢٨/١٠) مع «تحفة الأحوذي)».
٥- هذه الزيادة من ز .
٦- انظر ((فتح المغيث)) للعراقي (١٢/١).
٧- ساقطة من ز .
٨ - إلى هنا انتهاء نقص نسخة ظ .

٥١
إن أصح الأسانيد: الشافعي ، عن مالك ، [عن نافع] (١) ، عن ابن
عمر ؛ فقد قال الأستاذ أبو منصور التميمي (٢): إنه أجلُّ الأسانيد لإجماع
أهل الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي .
فمفعول ((اختر)) محذوف ، أو مابعده بمعنى اختر محل إسناد [الشافعي
المذكور وهو سنده ، أو مفعوله الشافعي (أو ضمير يعود إليه] (٣) بطريق
التنازع .
(قلت : و) اختر] (٤) أيضاً إذا قلت بذلك وزدت راوياً عن الشافعي
حيث (عنه) يسند الإمام (أحمد) بن محمد بن حنبل إن أصح الأسانيد (٥)
[الإمام] (٦) أحمد ، عن الشافعي ، عمن ذكر ؛ لاتفاق أهل الحديث على أنَّ
أجل من أخذ عن الشافعي من أهل الحديث أحمد .
ولم يقع [من] (٢) ذلك في ((مسنده)) إلا حديث واحد : قال أحمد :
حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي
اللَّه عنهما - أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: ((لاَيَبِيْعُ بَعْضُكُمْ
عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وتَهَى عَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَنَهَى عَنِ
الْمُزْابَنَةِ، وَالْمُزْابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ (٨) كَيْلاً، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيْبِ
كَيْلاً)) (١).
١- ساقطة من س .
٢- هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التميمي ، البغدادي ، الشافعي ، فقيه ، أصولي
متكلم، توفي سنة ٤٢٩ هـ. انظر ((وفيات الأعيان)) (٢٠٣/٣)، ((طبقات السبكي))
(٢٣٨/٣)، ((البداية والنهاية)) (٤٤/١٢).
٣- هذه الزيادة من س .
٤- ما بين المعكونتين ساقط من ط .
٥- في ز : الأحاديث . وهو خطأ .
٧- ساقطة من ز ، ظ .
٦- ساقطة من ز .
٨- في ص: التمر بالثمر . وفي الباقية : التمر بالتمر . والتصحيح من المسند .
٩- انظر ((مسند أحمد)) (١٠٨/٢).

٥٢
وأخرجه البخاري مفرَّقاً من حديث مالك (١) .
*
#
عَنْ سَالِمٍ أَيْ عَنْ أَبِيْهِ الْبَرِّ
وَجَزَمَ ابْنُ حَنْبَلٍ بِالزُّهْرِي
عَنْ جَدِّهِ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ بِهْ
وقيل : زَيْنُ الْعَابِدِيْنَ عَنْ أَبِهْ
عَنْهُ أُوِالأَعْمَشُ عَنْ ذِي الشَّأن
أُوْ فَابْنُ سِيْرِيْنَ عَنِ السَّلْمَاني
النَّخَعِي عَنِ ابْنِ قَيْسٍ عَلَقَمَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ
* * * * *
*
(وجزم) الإمام أحمد بن محمد هو (ابن حنبل) وكذا إسحاق بن راهويه
(بالزهري) أي: بأن أصح الأسانيد - وإن كانت عبارة الأول ((أجودها)) -
أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب الزهري (عن
سالم) هو ابن عبدالله بن عمر (أي) راوياً (عن أبيه) عبدالله (البرِّ) بفتح
الباء أي : المحسن في جميع أعمال البِرِّ بكسرها .
(وقيل :) يعني وقال عبد الرزاق بن همام : أصح الأسانيد (زين
العابدين) علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب (عن أبه) الحسين بحذف
الياء على لغة النقص على حد :
[ومن يشابه أبه فما ظلم] (٣)
بأبه اقتدى عدي في الکرم
(عن جده) علي بن أبي طالب (وابن شهاب) أي والحالة أن الراوي
(عنه) أي : عن زين العابدين ابن شهاب الزهري (به) أي : بالسند
المذكور .
وحاصله أن أصح الأسانيد : ابن شهاب ، عن زين العابدين ، عن
أبيه ، عن جده .
١- انظر (فتح الباري)) (٣٥٢/٤، ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٨٤).
٢- هذه الزيادة من ط .

٥٣
(أو فابن سيرين) أو هنا وفيما يأتي ليست للتخيير ولا للشك ، بل
لتنويع الخلاف كما قال ، فالمعنى على الواو يعني .
وقال عمرو بن علي الفلاس وغيره : أصح الأسانيد : أبو بكر محمد بن
سيرين الأنصاري (عن) أبي عمرو عبيدة بفتح العين (السلماني) بإسكان
اللام على الصحيح نسبة إلى سلمان حي من مراد ، قال ابن الأثير :
والمحدثون يفتحون اللام (١) . (عنه) أي : عن جد زين العابدين وهو علي بن
أبي طالب كما مر .
(أو) يعني وقال يحيى بن معين: أصح الأسانيد: سليمان بن مهران
(الأعمش عن ذي الشأن) أي الحال إبراهيم بن يزيد بن قيس (النخعي)
بالإسكان للوزن أو لنية الوقف نسبة للنجع قبيلة من اليمن (عن ابن قيس
علقمة ، عن ابن مسعود) عبد الله .
فجملة الأقوال التي في النظم خمسة ، وهي التي حكاها (٢) ابن
(٣)
الصلاح (٣) .
قال الناظم: وفي المسألة أقوال أخر ذكرتها في ((الشرح الكبير)) (٤).
جملتها على ما ذكره ستة ، وتمكن الزيادة عليها .
(ولم من عممه) من زيادته ، أي : واعْتُبْ من عمَّم الحكم بأصحية
الأسانيد في ترجمة واحدة لصحابي واحد بأن جعله عاماً لجميع الأسانيد
كأن يقول : أصح الأسانيد مالك عن نافع ، عن ابن عمر كما مر لشدة
الانتشار .
١- انظر: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) (١٢٧/٢).
٢- في ط : حكى .
٣- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ١٢).
٤- راجع «فتح المغيث)) له (ص : ١٤).

٥٤
والحاكم بذلك على خطر من الخطأ كما قيل بمثله (١) [في قولهم] (٣):
ليس في الرواة من اسمه كذا سوى فلان .
بل - إن كان ولا بد - ينبغي له أن يقيِّد كل ترجمةٍ بصحابيها ، أو
بالبلدة التي منها أصحاب تلك الترجمة ، كما اختاره الحاكم (٣)؛ لأنه أقل
انتشاراً ، فيقول : أصح أسانيد عمر : الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن
جده .
وأصح أسانيد ابن عمر : مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر .
وأصح أسانيد المكييين : سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن
جابر .
وأصح أسانيد اليمانيين : معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة .
وأصح أسانيد المصريين : الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي
الخير (٤) ، عن عقبة بن عامر. وهكذا .
قال النَّوَوِيُّ في ((أذكاره)):
((ولا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث؛ فإنهم يقولون: «هذا أصح
ما جاء في الباب)) وإن كان ضعيفاً ، ومرادهم أرجحه أو أقله ضعفاً)»
(٥)
انتهى (٥) .
ومن ذلك أصح مسلسل وسيأتي في محله .
واقتصر في ((النظم)) على تكلمهم - على اختلافهم - في أصحية
١- في ز : بمثلثه . وهو تصحيف .
٢- ساقطة من ز .
٣- في ((معرفة علوم الحديث)) (ص : ٥٤ - ٥٥).
٤- هو مرثد بن عبد الله الیزني، الفقيه، المصري. راجع ((تهذيب التهذيب)) (٨٢/١٠).
٥ - ((الأذكار» (ص : ١٥٨) .

٥٥
الأسانيد لأنها الأهم وإلا فقد تكلموا على أوهاها كما قال الحاكم
وغيره (١) :
أوهى أسانيد أبي هريرة: السَّرِيِّ (٢) بن إسماعيل، عن داوود بن يزيد
الأوديِّ (٣)، عن أبيه ، عن أبي هريرة .
وأوهى أسانيد ابن مسعود : شريك ، عن أبي فَزارة ، عن أبي زيد ،
عن ابن مسعود .
وأوهى أسانيد أنس : داوود بن المحبّر ، عن أبيه ، عن أبان بن أبي
عياش ، عن أنس .
وفائدته : ترجيح بعضها على بعض وتمييز ما يصلح للاعتبار مما
لايصلح [له] (٤) .
١- راجع ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٥٦ - ٥٨)، ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٨٧ - ٨٨)،
«تدريب الراوي)» (١ / ١٨٠).
٢- في د : السدي وهو خطأ .
٣- في د، ظ : الأزدي وهو خطأ .
٤- الزيادة من د .

٥٦
أصح كتب الحديث
مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتِّرْجِيْحِ
أُوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيْ الصَّحِيْحِ
أُبِيْ عَلِيٍّ فَضْلُواْ ذَا لَوْ نَفَعْ
وَمُسْلِمٌ بَعْدُ وبَعْضُ الْغَرْبِ مَعْ
** * * *
(أول من صنف) الحديث (الصحيح) الإمام (محمد) هو ابن إسماعيل
البخاري، ولا يرد («موطأ)» الإمام مالك ؛ لأنه وإن كان سابقاً فمؤلّفه لم
يتقيِّد بالصحيح الذي مر تعريفه لأنَّه أدخل فيه المرسل ، والبلاغ ،
والمقطوع ، ونحوها على سبيل الاحتجاج ؛ فليس هو أول من صنف [في] (١)
الصحيح لانصراف الصحيح بقرينة ((ال)) العهدية إلى الصحيح المذكور .
(وخص) أي : البخاري ، أي : صحيحه (بالترجيح) أي بترجيح ما
أسنده فيه دون تعاليقه ، وتراجمه ، وأقوال الصحابة وغيرهم على سائر
الصحاح لتقدمه على غيره في الفن .
(و) الإمام (مسلم) أي : صحيحه (بعد) أي : بعد صحيح البخاري
وضعاً بلا نزاع ، وصحةً كما ذهب إليه الجمهور ، وهو الصحيح المشهور .
(وبعض) أهل (الغرب مع) حافظ عصره (أبي علي) الحسين بن علي
النيسابوري ، شيخ الحاكم (فضلوا ذا) أي : صحيح مسلم على صحيح
البخاري لكن (لو نفع) تفضيلهم لقبل منهم ، لكنه لم ينفع ؛ لعدم تصريحهم
بالتفضيل وإن كان كلامهم ظاهراً فيه عرفاً .
ولأنَّ البخاري اشترط في الصحة اللُّقيَّ، ومسلم اكتفى بالمعاصرة
وإمكان اللقي ، ولاتفاق العلماء على أنَّ البخاري أجل منه وأعلم منه
١- ليست في ظ .

٥٧
بصناعة الحديث ، مع أنَّ مسلماً تلميذه (١) حتى قال الدَّارَقُطْنِيُّ: ((لولا
البخاري لما راح مسلم ، ولا جاء)) .
وقيل : هما سواء .
وقيل : بالوقف .
وبالجملة فكتاباهما أصح كتب الحديث .
وأما قول الشافعي: ((ما على وجه الأرض بعد كتاب الله
[تعالى] (٢) أصح من كتاب مالك)) فذاك قبل وجودهما .
وما ذكر فيهما من الضعفاء كمطر الوراق ، وبقية ، وابن إسحاق ،
ونعمان بن راشد ، لم يذكر على سبيل الاحتجاج بل على سبيل المتابعة
والاستشهاد ، أو ذكر لعُلوِّ الإسناد ، أو هو ضعيف عند غيرهما ثقة عندهما.
ولا يقال : الجرح مقدم [على التعديل] (٣) لأنَّ شرط قبوله بيان السبب،
حكى ذلك النووي عن ابن الصلاح وأقره (٤) .
ولكن قال شيخنا في تفضيل البخاري على مسلم : إن البخاري يذكر
هؤلاء غالباً في المتابعات والاستشهادات والتعليقات بخلاف مسلم فإنه
يذكرهم كثيراً في الأصول والاحتجاج (٤) انتهى (٥).
١ - في ز : تلميذ .
٣- ساقطة من ص ، د .
٢- الزيادة من د .
٤- انظر ((تدريب الراوي)) (٣٠٥/١).
٥- قلت : صاحبا الصحيح - رحمهما الله - إذا أخرجا لمن تكلم فيه فإنهم ينتقون من حديثه ما
توبع عليه، وظهرت شواهده وعلم أن له أصلاً ، ولا يروون ما تفرد به سيما إذا خالفه الثقات .
راجع ((نصب الراية)) (٣٤١/١). وقال الحافظ ابن القيم مجيباً عن تعليل ابن القطان حديث
مسلم بمطر الوراق: ((ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه ؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب
ما يعلم أنه حفظه ، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه ؛ فغلط في هذا المقام من
استدرك عليه إخراج جميع أحاديث الثقة ، ومن ضعف جميع أحاديث سيء الحفظ فالأولى طريقة
الحاكم وأمثاله، والثانية طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله ، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا
الشأن)). راجع ((زاد المعاد)) (٣٦٤/١).
٦- راجع ((هدي السارى)) (ص: ١١ - ١٢)، ((النكت على ابن الصلاح)) (٢٨٨/١).

٥٨
عِنْدَ ابْنِ الأُخْرَم مِّنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا
وَلَمْ يَعُمَّاهُ وَلَكِنْ قَلَّ ما
لَمْ يَفْتِ الْخَمْسَةَ إِلاَّ النَّزْرُ
وَرَدَّ لكنْ قَالَ يَحْيَى الْبَرُّ
أَحْفَطُ مِنْهُ عَشْرَ أَلْفِ أُلْفِ
وَفَيْهُ ما فِيْهِ لِقَوْلِ الْجُعْفِي
لَهَا وَمَوْقُوْفٍ وَفِي الْبُخَارِي
وَعَلَّهُ أُرَادَ بِالتِّكْرَارِ
فَوْقَ ثَلاثَةٍ أَلُوْفاً ذكَرُواْ
أُرْبَعَةُ الآلاف وَالْمُكَرَّرُ
*
* *
(و) مع كون كتابيهما أصح (لم يعماه) أي : الصحيح . أي : لم
يستوعبا فيهما كل صحيح على شرطهما فضلاً عن مطلقه ، كما صرّحا
بذلك (١) .
فإلزام الدارقطني وغيره (٢) إياهما بأحاديث على شرطهما ليس بلازم .
(ولكن قلما) حديث (عند) الحافظ أبي عبد الله محمد بن يعقوب
النيسابوري (٣) (ابن الأخرم) بالدرج وبالخاء المعجمة شيخ الحاكم ، وميمه
مدغمة في ميم (منه) أي : من الصحيح (قد فاتهما) في كتابيهما .
وحق ((قلما)) أن يليها الفعل صريحاً لكنه (٤) أخره للضرورة عنده ،
كما قيل به في قول المرار :
وصال على طول الصدور يدوم
صدرت فاطولت الصدور قلما
فـ ((ما)) كافة إن وصلت بـ ((قل)) كما تقرر ، وفي نسخة فصلها عنها
١- قال مسلم في صحيحه : ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا ، إنما وضعت هاهنا ما
أجمعوا عليه . راجع مع شرح النووي (١٢٢/٤).
أما البخاري فقد روى الخطيب عنه بسنده أنه قال: ما أدخلت في كتابي ((الجامع)) إلا ما
صح وتركت من الصحاح لحال الطول. انظر («تاريخ بغداد)) (٨/٢).
٢- في س: غيرهما. ٣- ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)): (٨٦٤/٣). ٤- في ظ : لكن .

٥٩
فهي موصولة ، وهي (١) أولى لسلامتها مما مر .
(ورد) أي : رده ابن الصلاح بأنَّ ذلك كثير لا قليل كما يعلم (٢) من
((مستدرك)) الحاكم عليهما (٣).
(لكن قال) الشيخ محي الدين (يحيى) النَّوَوِيُّ (البَرُّ) أي : المحسن
في جميع أعمال (٤) البِرِّ بعد تصحيحه لما قاله ابن الصلاح :
والصواب أنَّه (لم يفت) الأصول (الخمسة) : الصحيحين ، وسنن أبي
داوود ، والترمذي ، والنسائي (إلا النزر) أي: القليل (٥) .
(وفيه) أي : في كلام النووي (ما فيه) أي : ضعف ظاهر القول
الجعفي) أي : البخاري نسبة لجد أبيه المغيرة لكونه مولى ليمان الجعفي
والي ((بخارا)): (أحفظ منه) أي : من الصحيح (عشر ألف ألف) حديث ،
أي : مائة ألف كما عبر بها (١) حيث قال :
((أحفظ مائة ألف حديث صحيح ، ومائتي ألف حديث غير صحيح)).
والأصول الخمسة فضلاً عن ((الصحيحين)) أقل من ذلك بكثير ؛
ففاتهما كثير .
(وعله) لغة في ((لعله) (٧) أي: ولعل البخاري (أراد) بلوغَ ما حفظه
من الأحاديث العددَ المذكورَ (بالتكرار لها ، وموقوف) أي : بعد المكرر
والموقوف منها .
أي وما ألحق به من آثار الصحابة وغيرهم مع غير المكرر ؛ فلاينافي
كلامه كلامي ابن الأخرم والنووي .
٢- في ز: علم. ٣- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ١٦).
١- في ظ ، د ، ط ، : وهذه .
٤- في ط : الأفعال .
٥ - انظر ((التقريب)) مع ((التدريب)) (٩٩/١).
٦- في ط : عنها ، وفي ز: عنه. ٧ - في ز : لعل .

٦٠
على أن شيخنا قال : والظاهر أنَّ ابن الأخرم إنما أراد ما فاتهما مما عرفاه
واطلعا عليه مما يبلغ شرطهما ، لا بقيد كتابيهما كما فهمه ابن الصلاح .
قال: وقول النووي: ((لم يفت الخمسة إلا القليل)) مراده من أحاديث
الأحكام خاصةً أما غيرها فكثير (١) .
ثم بيِّن الناظم عدة أحاديث ((صحيح)) البخاري بقوله : (وفي) صحيح
(البخاري) منها بغير تكرار (٢) (أربعة آلاف (٢)، والمكرر) منها (فوق
ثلاثة ألوفاً) بنصبه تمييزاً ، يعني ثلاثة آلاف ومائتين وخمسة وسبعين حديثاً
على ما (ذكروا) أي : جماعة من رواته .
فجملة مافيه من المكرر وغيره : سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون .
كذا جزم به ابن الصلاح (٤) ، ومختصرو كلامه (٥) .
قال الناظم (٦): هو مسلّم في رواية الفَرَبْرِيِّ (٧)، وأما رواية حماد بن
شاكر (٨) فهي دونها بمائتي حديث ، ودون هذه بمائة حديث رواية إبراهيم بن
١- راجع ((النكت على ابن الصلاح)) (٢٩٨/١).
٢- في ظ : المكرر .
٣- في د : الألف .
٤- انظر ((علوم الحديث)) (ص: ١٦).
٥- انظر ((تقريب النووي)) مع التدريب (١٠٢/١)، ((اختصار علوم الحديث)) (ص: ٢٥).
٦- في ((فتح المغيث)) له (١٨/١).
٧- هو محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر أبو عبد اللَّه الفَرَبْرِيُّ - نسبة إلى ((فَرَبْرَ)) وقيل :
بكسر الفاء بليدة بين جيحون وبخارى - ثقة مشهور، سمع ((صحيح)) البخارى من مؤلفه مرتين
مرة بفربر سنة ٢٤٨ هـ، ومرة ببخارى سنة ٢٥٢هـ، وتوفي سنة ٣٢٠هـ. راجع ((فتح الباري))
(٥/١)، ((إفادة النصيح)) (ص: ١٠ - ٢٨).
٨- هو حماد بن شاكر بن سويه أبو محمد ، الوراق ، النسفي ، ثقة مأمون ، روى عن البخاري
صحيحه ، توفي سنة ٣١١هـ . وقال الحافظ ابن حجر: أظنه مات في حدود التسعين، وقال في
نسبته : النسوي .
راجع ((التقييد)) لابن نقطة (٣١٤/١)، ((فتح البارى)) (٥/١)، ((هدي الساري))
(ص : ٤٩١) .