النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
الأوّل - أي: تصحيحه (١) .
(وقضى) الإمام (البخاري) أي: جعل الحكم (بوصل) حديث: ((لاً
نِكَأَحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ)) الذي اختلف فيه على راويه (٢) أبي إسحاق السَّبِيْعِيِّ.
فرواه شعبة وسفيان الثّوريُّ عنه، عن أبي بُرَدَةَ ، عن النبيِّ صلى اللّه
عليه وسلم مرسلاً ، ورواه إسرائيل بن يونس - في آخرين - عن جدّ أبي
إسحاق المذكور، عن أبي بُردَة ، عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ ، عن النَّبي صلى الله
عليه وسلم موصولاً ، فقدَّم البخاري وصله وقال : الزَّيادة من الثِّقة
مقبولة (٣) .
(مع) بالإسكان (كون من أرسله) وهو شعبة والثَّوْرِيُّ (كالجبل) لأنَّ
لهما الدَّرَجَةَ العاليَةَ في الحفظ والاتقان .
(وقيل) : الحكم لما قاله (الأكثر) بالدرج - من وصلٍ أو إرسالٍ ؛ لأنَّ
تطرّقَ السَّهْوِ والخَطَأ إليهم أَبْعَد .
(وقيل) : الحكم لما قاله (الأحفظ) من ذلك .
فهذه أربعة أقوالٍ ، وبقي خامس ذكره السُّبْكِيُّ وهو : تساويهما .
ومحل الخلاف كما دل عليه كلامهم فيما لم يظهر فيه ترجيح بغير
كثرةٍ ، وحفظٍ ، واتقانٍ ، وإلا فالحكم دائر مع الترجيح .
فقد يقدَّم جزماً الوصلُ أو الإرسال لمرجح من نحو ملازمةٍ ، ومن ثمَّ قدّم
البخاري - كما أفاده شيخنا - الإرسال في أحاديثَ لقرائنَ قامت عنده (٤) .
١- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٦٥).
٢- في ص ، س : رواية ، وفي ظ : على راويه على أبي إسحاق .
٣- راجع (السنن الكبرى)) للبيهقي (١٢٥/٧)، ((سنن أبي داوود)) مع العون (١٠٢/٦)، ((سنن
الدارقطني)) مع التعليق المغني (٢٢٠/٣).
٤- قلت : ليس عند المحدثين رحمهم الله تعالى في مثل هذه الصور ضابط مطرد يرجع إليه إطلاقاً
=

١٦٢
منها : أنَّه ذكر لأبي داوود الطَّيَالِسِيَّ حديثاً وصله ، وقال : إرساله
أثبت .
(ثم) إذا قلنا بأنَّ الحكم للأحفظ (فما إرسال عدلٍ يحفظ يقدح) أي :
فليس إرسال العدل الأحفظ قادحاً (في أهلية الواصل) من ضبطٍ وعدالةٍ .
(أو) أي: ولا في (مسنده) الذي لم يقع فيه التعارض [(على
الأصح) لاحتمال إصابته ووهم الأحفظ ، بخلاف مسنده الذي وقع فيه
(١)
التعارض]
٥
وردُّه ليس للقدح في عدالته بل للاحتياط .
ومقابل الأصح يقول : يقدح ذلك فيما ذكر [نظراً] (٢) للظاهر.
(ورأوا) أي: [أهل] (٣) الحديث فيما يختلف فيه الثَّقاتُ من الحديث
بأن يَرْوِيّه بعضُهم مرفوعاً وبعضُهم موقوفاً (أنَّ الأصح الحكم للرفع) لأنَّ
راويه مثْبِتٌ وهو مقدَّم على النافي ، فعلى الساكت أولى ؛ لأنَّ معه زيادة
(٤)
علم (٤) .
ولا من طبيعة هذه الأمور الإطلاق، بل قد يحكمون للرفع والوصل وقد للوقف والإرسال على
حسب القرائن وما تقتضيه النظرة الحديثية وصنيعهم في كتب العلل دال عليه . وما اشتهر من أن
الحكم للرفع والوصل لأنهما من زيادة الثقة فهو على رأي أهل الأصول والفقهاء ودأبهم في
إطلاق الحكم الواحد على صور يحتاج كل صورة منها حكماً يوافق طبيعتها معروف في الأصل
ولذلك نرى مجموعة كبيرة من أصولهم وقواعدهم لا يوجد فيها شيء من الاستقامة والثبات في
محال التخريج والتفريع ، وهذا من جملة الفروق التي تجعل منهج المحدثين في التأصيل فائقاً
على منهجهم . قال الحافظ ابن حجر : ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن
لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل بل بما يظهر من قرائن الترجيح. ((النكت))
(٦٠٧/٢)، ((فتح المغيث)) للسخاوي (١٦٦/١).
١- ما بين المعكوفتين ساقط من ز .
٢- أيضاً .
٣- ساقطة من ز .
٤- راجع ((تدريب الراوي)» (٢٢١/١)، ((التقييد والإيضاح)» (ص: ٩٤ - ٩٥).

١٦٣
وقيل : الحكم لمن وقف .
وقيل : للأكثر .
وقيل : للأحفظ .
وعليه لا يقدح وقفُ الأحفظ في أهلية الرافع ولا في مسنده على الأصح
والأول من كل من التعارضين (١) أصح .
(ولو) كان الاختلاف (من) راوٍ (واحدٍ في ذا وذا) أي : في كل
منهما كأن يرويه مرةً موصولاً أو مرفوعاً ، ومرةً مرسلاً أو موقوفاً (كما
حكوا) أي : الجمهور .
وصرَّح ابن الصلاح بتصحيحه ؛ لأن معه في حالة الوصل أو الرَّفع
زيادة علم ، فهذا هو الراجح عند المحدثين .
وأما الأصوليين فصحَّحوا أنَّ الاعتبار بما وقع منه أكثر . قاله
(٢)
الناظم (٢) .
١- في ط : المتعارضين .
٢- قال : أما الأصوليون فصححوا أن الاعتبار بما وقع منه الأكثر، فإن وقع وصله أو رفعه أكثر
من إرساله ووقفه فالحكم للوصل والرفع ، وإن كان الإرسال أو الوقف أكثر فالحكم له واللّه
أعلم. ((فتح المغيث)) له (١ / ٨٣).

١٦٤
التدليس
تَدْلِيْسُ الإِسْنَادِ كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ حَدَّثَهُ وَيَرْتَقِيْ بِعَنْ وَأنّ
فِيْ أُهْلِهِ فَالرَّدُّ مُطْلَقاً ثُقِفْ
وَقَالَ یُوْهِمُ اتَّصَالاً واخْتُلِفْ
وَالأُكْثَرُوْنَ قَبِلُواْ مَا صَرَّحَا ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ وَصُحِّحَا
وَفِيْ الصَّحِيْحِ عِدَّةٌ كَالأعْمَشِ وَكَهُشَيْرٍبَعْدَهُ وَقَتْشٍ
(التدليس) هو كَتْمُ العَيْبِ في المَبِيْع ونحوه ، وهو مأخوذ من الدَّلْسِ -
بالتحريك - وهو الظلمة ، كأنَّه لتغطيته على الواقف على الحديث أو غيره
أُظْلَم أُمْره .
وهو على ثلاثة أقسام على ما ذكره الناظم :
أحدها : (تدليس الإسناد) بالدرج (كمن يسقط من حدثه) من الثقات
لصغَره، أو من الضُّعفاء (١) ، ولو عند غيره فقط (ويرتقي) لشيخ شيخه
فمن فوقه ممن عرف له منه سماعٌ وإن اقتضى كلام ابن الصلاح أنَّه ليس
بشرطٍ (بـ ((عن)) و ((أنّ))) بتشديد النون المسَكَّنة (٢) للوقف (وقال) ونحوها
مما لا يقتضي اتصالاً لئلاً يكون كذباً (يوهم) بذلك (اتصالاً) .
فالتدليس : أن يَرْوِيَ عمَّن سمع منه ما لم يسمع منه موهماً أنَّه سَمِعَه
منه (٣) .
(٣)
وهذا بخلاف الإرسال الخفي فإنَّه وإن شارك التدليسَ في الانقطاع
١- في س : لضعفه .
٢- في ز : المشددة وهو خطأ .
٣- قال ابن حجر: اعتبار اللقي في التدليس دون المعاصرة وحدها لابد منه. ((شرح النخبة))
(ص : ٧٣) بتصرف .

١٦٥
يختصّ بمن روى عن من عاصره ولم يسمع منه .
ومن تدليس الإسناد أن يُسْقِطَ الرَّأوي أداة الرّواية مقتصراً على اسم
الشيخ ، ويفعله أهل الحديث كثيراً .
مثاله : ما قال ابن خَشْرَم (١): ((كنا عند ابن عُبَيْنَة فقال : الزهري .
فقيل له : حدثك الزهري ؟ فسكت ، ثم قال : الزهري . فقيل له :
سمعته من الزهري ؟ فقال : لا ، لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من
الزهري ، حدثني عبدالرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري)) رواه الحاكم (٢).
وسمَّاه شيخنا تدليس القَطْع ، لكنَّه مثَّل له بما رواه ابن عديٌّ وغيره عن
عمر بن عُبَيْدٍ (٣) الطَّنَافسيِّ (٤) أنَّه كان يقول: حدَّثنا ، ثم سكت وينوي
القطع، ثم يقول : هشام بن عُروَة، عن أبيه، عن عائشة (٥) [رضي اللّه
تعالى عنها] (٦) .
ومنه تدليس العَطْفِ : وهو أن يصرِّح بالتحديث عن شيخ له ويعطف
عليه شيخاً آخر له ، ولا يكون سمع ذلك المرويَّ منه .
مثاله: ما رواه الحاكم في ((علومه)) قال : اجتمع أصحاب هُشَيم
فقالوا : لانكتب عنه اليوم شيئاً مما يدلّسه، ففطن لذلك فلما جلس ، قال :
حدثنا حصين ومغيرة ، عن إبراهيم ، وساق عدَّة أحاديث ، فلما فرغ قال :
١- هو علي بن خشرم بن عبدالرحمان المروزي، ثقة، حافظ. ((التقريب)) (٣٦/٢)، ((تهذيب
التهذيب)» (٣١٦/٧).
٢- راجع ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٠٥).
٣- في ظ : عبيدالله وهو خطأ .
٤- حافظ، ثقة، روى عنه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما. ((تهذيب التهذيب))
(٤٨٠/٧) .
٥ - راجع ((النكت)) (٦١٧/٢).
٦- هذه الزيادة من ط ،

١٦٦
هل دلّست لكم شيئاً ؟ قالوا : لا. فقال: [بلى] (١) كل ما حدثتكم عن
حصين فهو سماعي ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئاً (٢).
ومع ذلك هو محمول على أنَّه نوى القطع ، ثم قال : وفلان ، أي :
وحدث فلان .
(واختلف في أهله) أي : أهل هذا القسم أيُرَدُّ حديثهم أم لا ؟ (فالرد)
له (مطلقاً) أي: سواء أ بيِّنوا (٣) الاتصال أم لا، دلْسوا عن الثقات أم
غيرهم ، نَدُر تدليسهم أم لا (ثقف) [بضم المثلثة] (٤) أي : وجد عن جمع من
المحدثين والفقهاء . حتى عن بعض من يحتجُّ بالمرسل ؛ لأنَّ التدليس جرح
لما فيه من التُّهْمَة والغشِّ .
وقيل : يقبل مطلقاً كالمرسل عند من يحتجُّ به .
وقيل : إن لم يدلِّس إلا عن الثقات - كسُفْيَانَ بن عُبَيْنَة - قُبِل ، وإلا
فلا .
وقيل : إن نَدُرَ تدليسه قبل ، وإلا فلا .
(والأكثرون) من المحدثين والفقهاء والأصوليين ، ومنهم الإمام
الشَّافعيُّ (٥) [رحمه اللّه] (٦) (قبلوا) من حديثهم (ما صرحا) بألف الإطلاق
(ثقاتھم بوصله) کسمعت ، وحدثنا .
لأنَّ التدليس ليس كذباً ، وإنَّما هو تحسين لظاهر الإسناد ، وضرب من
الإيهام بلفظٍ محتمل ، فإذا صرَّح بوصله قُبِل .
١- ساقطة من ظ .
٣- في ظ : أثبتوا .
٢- راجع ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٠٥).
٤- ساقطة من ز .
٥- قال: لا نقبل من مدلس حديثاً حتى يقول فيه: حدثني، أو سمعت. ((الرسالة))
(ص : ٣٨٠) .
٦- ساقطة من س ، ز .

١٦٧
(وصححا) ببنائه للمفعول - أي: هذا القول، ومَمن (١) صحَّحه الخطيب (٢)
وابن الصلاح ، لكنَّه لم يعزه للأكثرين ، فعزوه لهم من زيادة الناظم وحكاه
عن شيخه أبي سعيد العَلآئِيِّ (٣) .
(وفي) كتب (الصحيح) لكل من البخاري ومسلم وغيرهما (عدة) من
الرُّواة المدلّسين خرج فيها ما صرَّحوا فيه بالتحديث (كالأعْمَش وكهُشَيْم)
بالتصغير - ابن بَشِيْرٍ بالتكبير (بعده) أي : بعد الأعمش وقد أخذ عنه .
(وفَتَّشْ) أي : الصِّحاحَ تَجِدْ فيها (٤) التخريج لكثير مما صرَّحوا فيه (٥)
بالتحديث ، بل قد يقع فيها [التخريج] (٦) من معنعنهم لكنَّه محمول - كما
قاله ابن الصلاح وغيره - على ثبوت السِّماع عندهم فيه من جهةٍ أخرى إذا
كان في أحاديث الأصول ، لا المتابعات .
وَذَمَّهُ شُعْبَةُ ذُوْ الرُّسُوْخِ وَدُوْنَهُ التَّدْلِيْسُ لِلشُّيُوْخِ
أُنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَاَ لاَ يُعْرَفُ بِهِ وَذَا بِمَقْصِدٍ يَخْتَلِفُ
وَكَالْخَطِيْبِ يُوْهِمُ اسْتِكْفَارا
فَشَرُّهُ للضَّعْفِ وَاسْتِصْغاَرا
وَالشَّافِعِيْ أُثْبَتَهُ بِمَرَّةٍ قُلْتُ: وَشَرُّهَا أَخُو التَّسْوية
١- في ظ : ومن .
٢- قال : الصحيح عندنا أن خبر المدلس لا يقبل إلا أن يورده على وجه مبين غير محتمل للإيهام .
((الكفاية)) (ص: ٣٦١) ملخصاً .
٣- هو الإمام صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلاني الشافعي ، محدث ، فقيه ، أصولي
توفي سنة ٧٦١هـ راجع ((طبقات السبكي)) (١٠٤/٦)، ((الدرر الكامنة)) (٩٠/٢)، ((البدر
الطالع» (٢٤٥/١) .
٤- في ط : فيهما .
٦- هذه الزيادة من ظ .
٥ - في ط : به .

١٦٨
(وذمَّه) أي : التدليسَ بأقسامه نصاً فيما مرّ ، واقتضاءاً فيما يأتي
(شعبة) ابن الحجّاج (ذو الرسوخ) في الحفظ والاتقان .
فروى الشَّافعي عنه أنه قال : التدليس أخو الكذب ، وقال : لأن أزني
أحبُّ إليَّ من أن أدلّس (١).
ولم ينفرد شعبة بذمِّه بل شاركه فيه غيره ، إلا أنَّه مع تقدُّمه زاد
بالمبالغة فيه .
(ودونه) أي : دون القسم الأوّل من أقسام التدليس وهو ثاني
أقسامه : (التدليس للشيوخ) وهو :
(أن يصف) المدلّس (الشيخ) الذي سمع ذلك الحديثَ [منه] (٢) (بما
لا يعرف) أي: يشتهر (به) من اسم، أو كنيَّةٍ ، أو لقبٍ، أو نسبةٍ (٣) إلى
قبيلةٍ ، أو بلدةٍ ، أو صُنْعةٍ ، أو نحوها كي يُوْعِرَ معرفةَ الطَريقِ على
السّامع منه .
فـ ((أن)) بمدخولها خبر مبتدأ محذوف كما تقرّر ، أو بيان لما قبلها .
ومثاله : قول أبي بكر بن مجاهد المُقْرِئ (٤): حدثنا عبدالله بن أبي
عبدالله . يريد به الحافظ عبدالله بن أبي داوود السُّجِسْتَانِيَّ.
قال ابن الصَّلاح : وفيه تضييع للمرويِّ عنه (٥) .
قال الناظم : وللمرويِّ أيضاً بأن لا يتنبّه له فيصير بعضُ رواته
١- راجع (الكفاية)) للخطيب (ص: ٣٥٥).
٢- ساقطة من ز .
٣- كذا في ظ ، وفي الأخرى نسب .
٤- هو أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد ، أبو بكر ، شيخ القراء في وقته ، كان ثقة مأمونا .
توفي سنة ٣٢٤هـ ((تاريخ بغداد)) (١٤٤/٥- ١٤٨).
٥- راجع ((علوم الحديث)) (ص : ٦٨).

١٦٩
مجهولاً (١).
(وذا) الفعل (بمقصد) بكسر المهملة - أي : باختلاف مقصد حامل
لفاعله عليه (يختلف) حاله في الكراهة .
(فشرّه) ما كان الوصف بما ذكر، إما (للضعف) في المرويِّ عنه
لتضمُّنه الخيانةَ والغشَّ، وحكم من عرف به : أن لا يقبل خبره . كما نقله
الناظم (٢) عن ابن الصبَّاغ (٣).
وذلك حرام هنا ، وفيما مر حيث لم يكن المرويُّ عنه ثقةً عند المدلس .
(و) إما (استصغاراً) للمروي عنه سناً أو تكبراً بأن يكون أصغر من
المدلّس ، أو أكبر لكن بيَسِيْرٍ ، أو بكثير لكن تأخّرت وفاته حتى شاركه في
الأخذ [عنه] (٤) من هو دونه ، ومعلوم أنَّ من استصغر غيره استكبر عليه.
فلو قال بدل استصغاراً : استكباراً - أي من المدلّس - كان في البيت
جناس خطي (٥) مع حصول الغرض .
(و) إما لكونه (كالخطيب) أي : كفعله (يوهم) الفاعل بذلك
(استكثاراً) من الشيوخ بأن يروي عن شيخ واحدٍ في مواضع ، فيصفه في
موضع بصفةٍ ، وفي آخر بأخرى ، يوهم أنَّه غيره ، كما كان الخطيب يفعل
ذلك .
(والشافعي) بالإسكان للوزن أو لنية الوقف (أثبته) يعني تدليس
الإسناد (بمرة) واحدةٍ صدرت من فاعله ، حيث قال:
((من عرف بالتدليس مرةً لا يقبل منه ما يقبل من أهل النصيحة في
١- راجع ((فتح المغيث)) له (٨٧/١).
٢- أيضا .
٣- هو عبدالسيد بن محمد بن عبدالواحد ، أبو نصر، المعروف بابن الصباغ الشافعي ، ثقة ، فقيه
أصولي، توفي سنة ٤٧٧هـ. ((أصول الفقه تاريخه ورجاله)) (ص: ١٧٨).
٤- ساقطة من س ، ز .
٥- في ظ : جناس خط .

١٧٠
الصِّدق، حتى يقول: حدثني أو سمعت)) (١).
وذلك لأنه بثبوت تدليسه مرةً صار ذلك ظاهر حاله في معنعناته ، كما
أنَّه بثبوت اللّقاء مرةً صار ظاهر حاله السِّماع .
القسم الثالث : تدليس التسوية المعيِّر عنه عند القدماء بـ ((التجويد))
حيث قالوا : ((جوَّد فلان)) يريدون ذكر من فيه من الأجواد وحذف الأدنياء
وهو ما ذكره بقوله :
(قلت : وشرطها) أي : أقسام التدليس (أخو) أي : صاحب
(التسوية) كأن يَرْوِيّ حديثاً عن ضعيفٍ بين ثقتين لقي أحدُهما الآخَرَ ،
فيُسْقِطِ الضَّعِيفَ ويَرْوِي الحديث عن شيخه الثِّقةِ الثاني بلفظٍ محتملٍ ؛
فيستوي الإسناد كله ثقات .
وإنَّما كان هذا شرَّ (٢) الأقسام لأنَّ الثقةَ الأوَّلَ قد لا يكون معروفاً
بالتدليس ، ويجده الواقف على السند بعد التسوية قد رواه [عن] (٣) ثقةٍ آخر
فیحکم له بالصحّة ، وفيه غرور شديد .
وخرج باللقاء الإرسالُ (٤).
وهذا الذي جعله قسماً ثالثاً جعله شيخنا نوعاً من الأول .
فالتدليس قسمان : تدليس الإسناد ، وتدليس الشيوخ ، وعليهما
اقتصر ابن الصَّلاحِ والنَّوَويُّ .
وفي الحقيقة هذا الأخير داخل في المنقطع على قولٍ فيه ، لكن شرطه
أن يكون الساقط ضعيفاً كما تقرر .
نعم ! بعضهم لم يقيِّده (٥) بالضعيف ، بل سوَّى بينه وبين الثقة.
١ - انظر ((الرسالة)» (ص : ٣٧٩ - ٣٨٠).
٢- في ز : أشر الأقسام .
٣- ليست في ظ .
٥- في س ، ز ، ط : لم يقيد .
٤- في د : الإرسال الخفي .

١٧١
الشاذ
وَذُوا الشُّذُوْذِ مَا يُخَالفُ الثَّقَةُ فِيْهِ الْمَلاَ فَالشَّافِعِيُّ حَقَّقَهْ
وَالْحَاكِمُ الْخِلاَفَ فِيْهِ مَا اشْتَرَطْ وَلِلْخَلِيْلِ مُفْرَدَ الرَّاوِيْ فَقَطْ
(وذو الشذوذ) أي : والشاذ في الحديث اصطلاحاً :
(ما يخالف) الرَّأوي (الثقة فيه) بزيادةٍ أو نَقْصٍ في السَّندِ أو الْمَتْنِ
(الملا) بالإسكان للوزن أو لنية الوقف - أي : الجماعة الثقات فيما رووه
وتعذّر الجمع بينهما .
(فالشافعي) بهذا التعريف (حققه) لأنَّ العدد أولى بالحفظ من
الواحد .
ويؤخذ منه أنَّ ما يخالف الثِّقةُ فيه الوَاحدَ الأحْفَظَ شاذ ، وفي كلام ابن
الصَّلاح وغيره ما یفهمه ، وجری علیه شيخنا (١) .
مثال الشذوذ في السَّنَد : ما رواه التِّرْمِذِيُّ وغيره من طريق ابن عُيَيْنَة ،
عن عمرو بن دينار ، عن عَوْسَجَةَ ، عن ابن عباس: ((أنَّ رَجُلاً تُوُنِّيَ عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللّه صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَدَعْ وَارِثاً إِلاَّ مَوَلَّى هُوَ أُعْتَقَهُ)) (٢)
الحديث .
فإنَّ حماد بن زيد رواه عن عمرو ، عن عوسجة ، ولم يذكر ابن
عباس (٣) لكن تابع ابن عيينة على وصله ابنُ جريج وغيرُه .
١- انظر ((شرح النخبة)) (ص: ٥٢).
٢- راجع ((جامع الترمذي)» مع التحفة (٢٨٥/٦) قال : هذا حديث حسن.
٣- وفي سند أبي داوود تصريح ابن عباس، راجع (السنن)) مع العون (١١٣/٨-١١٤).

١٧٢
قال أبو حاتم : المحفوظ حديث ابن عيينة (١) .
فحمّاد مع كونه من أهل العدالة والضَّبْطِ رجِّح أبو حاتم روايةً من هم
أكثر عدداً منه .
ومثاله في المتن: زيادة يوم عَرَفَةَ في حديث: ((أُيَّامُ التَّشْرِيْقِ أُيَّامُ أُكْلٍ
وَشُرْبٍ)) فإنَّه من جميع طرقه بدونها ، وإنَّما جاء بها موسى بن عُلَيّ بن
رَبَاح (٣) ، عن أبيه ، عن عُقْبَةَ بن عامر .
فحديث موسى شاذ ، لكنه (٣) صحَّحه ابن حبَّان والحاكم، وقال: إنَّه
على شرط مسلم . وقال الترمذي: إنَّه حسن صحيح (٤) .
ولعله (*) زيادة ثقةٍ غير منافيةٍ .
(والحاكم الخلاف فيه) أي: الشاذ (ما اشترط) بل قال: ((هو ما
انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة)) .
فقيَّد بالثقة دون المخالفة .
وذكر أنَّه يغاير المعَلَّل ، بأن المعَلَّل وُقُفَ على علَّته الدالة على جهة
الْوَهْم فيه، والشَّاذ لم يُؤْقَفُ فيه على علَّةٍ كذلك (١) .
(وللخليلي) بالإسكان لما مرَّ غير مرّةٍ ، نسبة لجدِّ الأعلى، لأنَّه أبو
يَعْلَى الْخَلِيْل بن عبدالله بن أحمد بن إبراهيم بن الخليل القَزْوِيْنِيُّ (٧) -
١- انظر ((علل الحديث)) (٥٢/٢).
٢- صدوق ربما أخطأ، من السابعة. ((التقريب)) (٢٨٦/٢).
٢- في ظ : لكن .
٤- راجع ((المستدرك)) (٤٣٤/١)، ((جامع الترمذي)) مع التحفة (٦٣/٢)، «الإحسان بترتيب
صحيح ابن حبان)) (٥/ ٢٤٥) .
٥- في ظ ٥٠ : لأنها .
٦- راجع ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١١٩).
٧- محدث، حافظ، عارف بالرجال، من تصانيفه ((الإرشاد)»، توفي سنة ٤٤٦هـ. ((تذكرة
الحفاظ)) (١١٢٣/٣).
،

١٧٣
قول ثالث نسبه إلى حُفَّاظ الحديث . وهو : أنَّ الشاذ (مفرد الراوي فقط)
ثقة أو غير ثقة ، خالف أو لم يخالف .
فما انفرد به الثقة يتوقّف فيه ولا يحتجُّ به لكنَّه يصلح أن يكون
شاهداً ، وما انفرد به غير الثقة متروك (١) .
وَرَدَّ مَا قَالاَ بِفَرْدِ الثَّقَةِ كَالنَّهْىِ عَنْ بَيْعِ الْوَلاَء والْهِبَةِ
تَسْعِيْنَ فَرْداً كُلُّهَا قَوِيُّ
وَقَوَّلٍ مُسْلِمٍ: رَوَى الزُّهْرِيُّ
يَقْرُبُ مِنْ ضَبْطٍ فَفَرْدُهُ حَسَنْ
وَأَخْتَارَ فِيْمَا لَمْ يُخَالِفْ أُنَّ مَنْ
أُوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ. أُوْ بَعُدْ عَنْهُ فَمِمًا شَذَّ فَاطِرَحْهُ وَرُدّ
* *
* *
·· (ورد) ابن الصَّلاح (ما قالا) أي: الحاكم والخليلي (تفرد الثقة)
المخرج [له] (٢) في كتب الصحيح المشترط فيه نفي الشذوذ ، فإنَّ العدد
ليس بشرط فيه على المعتمد .
(ك) حديث (النهي عن بيع الولا) بالقصر للوزن (والهبة) له ، فإنَّه لم
يصح إلا من رواية عبدالله بن دينار ، عن ابن عمر ، مع أنّه في
((الصحيحين)) (٣).
(وقول) أي : ورد أيضاً ما قالا بقول الإمام (مسلم) في باب الأيمان
والنُّذُور من ((صحيحه)) (٤): (روى الزهري) نحو (تسعين فرداً) لا يشاركه
في روايتها أحد (كلها قوي) إسنادها .
١- راجع ((الإرشاد)) (ورقة: ٨).
٢- الزيادة من ظ .
٣- راجع ((فتح الباري)) (٤٢/١٢)، ((صحيح مسلم)) (١٤٨/١٠).
٤- راجع ((صحيح مسلم)) (١٠٧/١١).

١٧٤
(و) بعد ردِّه ما قالاه (اختار) مما استخرجه من كلام الأئمة (فيما لم
يخالف) فيه الثقة غيره وإنَّما أتى بشيء انفرد به (أن من يقرب من ضبط)
تام (ففرده حسن) .
كحديث إسرائيل ، عن يوسف بن أبي بُرْدَةً ، عن أبيه ، عن عائشة
قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاَ قَالَ :
غُفْرِأَنَكَ)) .
فقد قال الترمذي فيه : حسن (١) غريب لانعرفه إلا من حديث إسرائيل
عن يوسف ، عن أبي بردة (٢) .
(أو بلغ الضبط) التام (فصحَّح) أنت فَرْدَهُ كحديث النَّهي عن بيع
الولاء وهبته (أو بعد عنه) بأن قلَّ ضبطه (فمما شذّ) أي : ففرده من الشاذ
(فاطرحه ورد )
فالشاذ المردود كما قاله ابن الصَّلاح قسمان :
أحدهما : الحديث الفرد المخالف ، وهو ما عرفه الشَّافعيُّ .
وثانيهما : الفرد الذي ليس في راويه من الثِّقةِ والضبط ما يقع جابراً
لما يوجبه التفرُّد والشُّذُوذ من النكارة والضُّعْفِ (٣).
وقوله : ((ورُدَّ)) تاكيد وتكملة .
١- في ظ : حديث غريب .
٢- راجع ((جامع الترمذي)) مع التحفة (١٦/١).
٣- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٧١).

١٧٥
المنكر
أُطْلَقَ وَالصَّوَاَبُ في التِّخْرِيْجِ
وَالْمُنْكَرُ الْفَرْدُ كَذَا الْبَرْدِيْجِي
فَهْوَ بِمَعْنَهُ كَذَا الشَّيْخُ ذَكَرْ
إِجْراَءُ تَفْصِيْلٍ لَدَى الشُّذُوْذِ مَّرْ
وَمَالِكٌ سَمَّى ابْنَ عُثْمَانَ عُمَرْ
نَحْوُ كُلُومُ الْبَلَحْ بِالتَّمْرِ الْخَبَرْ
خَاتَمَهُ عنْدَ الخَلاَ وَوَضْعِهِ
قُلْتُ : فَمَاذَا بَلْ حَدِيْثُ نَزْعِهِ
(والمنكر) الحديث (الفرد) وهو : الذي لا يعرف متنه من غير جهة راويه
(كذا) الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون (البَرْدِيْجِيُّ) أطلق .
(والصواب في التخريج) يعني في المرويِّ كذلك (إجراء تفصيل لدى)
أي : عند (الشذوذ مر) حتى أنَّه ينقسم قسمين كالشاذ .
(فهو بمعناه، كذا الشيخ) ابن الصَّلاح (ذكر) فلم يميِّز بينهما،
والمعتمد أنَّهما متميّزان كما جرى عليه شيخنا (١).
فالشاذ : ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه ، أو تفرد به قليل
الضَّبْط كما مر .
والمنكر : ما خالف فيه المستور ، أو الضعيف الذي يَنْجَبَرُ بمتابعة مثله
أو تفرد به الضعيف الذي لم يَنْجَبِرْ بذلك .
فعلم أنَّهما متميِّزان ، وأنَّ كلاً منهما قسمان .
والمقابل للشاذ المحفوظ ، وللمنكر المعروف .
وبهذا علم تفسير المحفوظ والمعروف ، وقد أهملهما (٢) الناظم تبعاً
١ - راجع ((شرح النخبة)) (ص: ٥٢).
٢- في س : أهملها .

١٧٦
لابن الصّلاح ، واللائق ذكرهما كما ذكر مع المتصل ما يقابله من المرسل
والمنقطع والمعضل .
ولكل من قسمي المنكر الذي هو بمعنى الشاذ أمثلة :
فمثال الثاني منهما: (نحو كُلُومُ الْبَلْحَ بِالتَّمْرِ الخبر) وتمامه : ((فإنَّ ابْنَ
آدَمَ إِذَا أَكَلَّهُ غَضِبَ الشَّيْطَانُ. وقالَ : عَاشَ ابْنُ آدَمَ حَتَّى أُكَلَ الْجَدِيْدَ مَعَ
الْخَلْقِ)) (١).
فهذا الحديث منكر كما قاله النَّسائيُّ وابنُ الصَّلاح وغيرهما ، فإنَّ
راويه (٢) أبا زُكَيْرٍ وهو يحيى بن محمد بن قيس البَصْرِيُّ ، عن هشام بن
عُرْوَةَ ، عن أبيه ، عن عائشة تفرَّدَ به ، وأخرج ه مسلم في المتابعات ، غير
أنه لم يبلغ رُتْبَةً من يحتمل تفرُّده .
ولأنَّ معناه ركيك لاينطبق على محاسن الشَّريعة ؛ لأنَّ الشيطان
لا يغضب من مجرّد حياةِ ابنِ آدم ، بل حياته مسلماً مطيعاً للّه تعالى .
ومثال الأوّل : نحو (مالك) حيث (سمى ابن عثمان) المعروف عند غيره
بعَمْروٍ بفتح العين (عمر) بضمها في روايته حديث (٣): ((لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ
الْكَافِرَ وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)) (٤) عن الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن عمر
بن عثمان ، عن أسامة بن زيد .
وعمرو وعمر ثقتان ، وكلاهما ولد عثمان ، غير أن هذا الحديث إنّما
١- ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢٦/٣)، والشوكاني في ((الفوائد المجموعة)»
(ص : ١٨١).
٢- في ز : رواية وهو خطأ .
٣- في س : حيث وهو تحريف .
٤- أخرجه البخاري ومسلم راجع ((فتح الباري)) (٥٠/١٢)، ((صحيح مسلم)) (٥١/١١ - ٥٢)،
وأبو داوود في ((السنن)) مع العون (١٢٠/٨)، والترمذي في ((الجامع)) في كتاب الفرائض
برقم (٢١٠٧) . كلهم عن عمرو بن عثمان .

١٧٧
هو عن عَمْرٍ بفتح العين .
وقد حكم مسلم وغيره على مالك بالوهم ، وقال ابن الصَّلاح : فهو
منكر، وكأنَّه أراد أنَّه منكر السَّنَد وإلا فهو مُنْتَقَد بقول الناظم : (قلت :
فماذا) يلزم من تفرُّد مالك بذلك مع كون كل من ولدي عثمان ثقةً ؟
غايته أنَّ السَّنَد منكر أو شاذ لمخالفة مالك الثقات في ذلك ، ولا يلزم
منه نكارةُ المتن ولا شذوذه بدليل ما ذكره - أعني ابن الصَّلاح - في المعلّل
مثالاً لما يكون معلول السَّنَد مع صحَّةٍ متنه وهو خبر: ((البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ))
حيث رواه يعلى بن عُبَيْدٍ ، عن الثَّوْرِيِّ ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عمر .
قال : والعلّة في قوله : عن عمرو بن دينار، وإنَّما هو عن عبدالله بن
دينار والمتن صحيح بكل حال ؛ فلايصلح ذلك الخبر مثالاً لمنكر المتن .
بل مثاله : (حديث: نَزْعِه) صلى الله عليه وسلم (خَاتَمَه عِنْدَ) دخول
(الخَلاَ) بالقصر للوزن (وَوَضْعِه) .
فإن (١) همَّم بن يحيى رواه عن ابن جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس،
كما رواه أصحاب ((السنن)) الأربعة (٢).
فقد قال أبو داوود : إنَّه منكر . قال : وإنَّما يعرف عن ابن جريج ، عن
زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: «أُنَّ النّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلّم
اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أُلْقَاهُ)) .
قال: والوهم فيه من همّام ولم يروه غيره (٣).
لكن قال [التِّر مِذِيُّ] (٤): إنَّه حسن صحيح غريب (٩).
١- في ط : بأن .
٢- راجع ((سنن النسائي)) مع التعليقات السلفية (٢٨٤/٢)، ((سنن ابن ماجة)) (٣٠٣).
٣- راجع ((سنن أبي داوود)) مع العون (٣٥/١).
٤- ليست في ظ .
٥- راجع ((جامع)) الترمذي مع التحفة (٤٢٦/٥).

١٧٨
قال الناظم : وهمام ثقة احتج به أهل الصحيح ، لكنَّه خالف الناس
فيما ذكر
(١)
.
واعلم أنَّ ما ذكره من ردِّ لتمثيل ابن الصَّلاح، و[من] (٢) تمثيله بهذا
مبنيٌّ على أنَّ المنكر خاص بالمتن ، وأنَّ المخالف يستوي فيه الثقة وغيره ،
والأول ممنوع .
والثاني إنما يأتي على قول البَرْدِيْجي ، لا على نحو ما مر عن شيخنا
ولهذا مثل شيخنا بما يوافق ما مر عنه .
١- راجع ((فتح المغيث)) له (١/ ٩٣).
٢ - ساقطة من ظ .

١٧٩
الاعتبار والمتابعات والشواهد
اللتان يستفاد بكل منهما التقوية .
أَلاعْتَبَارُ سَبْرُكَ الْحَدِيْثَ هَلْ شَارَكَ رَاوٍ غَيْرَهُ فِيْمَا حَمَلْ
مُعْتَبَرٍبِهِ فَتَابِعٌ وَإِنْ
عَنْ شَيْخِهِ فَإِنْ يَكُنْ شُوْرِكَ مِنْ
شُوْرِكَ شَيْخُهُ فَفَوْقُ فَكَذَا وَقَدْ يُسَمِى شَاهِدَاً ثَمَّ إِذَا
مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ أُتَّى فَالشَّاهِدُ وَمَا خَلاَ عَنْ كُلِّ ذَا مَفَارِدُ
** *
*** *
(الاعتبار سبرك) أي : اختبارك ونظرك (الحديث) الذي تجده في كتبه
بأن تنظر طرقه لتعرف (هل شارك) راويه الذي يظن تفرُّده به (راوٍ غيره
فيما حمل) من ذلك الحديث (عن شيخه) سواء اتفقا في روايته بلفظه (١)
عنه أم لا ؟
فالاعتبار ليس قسيماً لتاليَيْهِ بل طريق لهما (٢).
ومفعول ((شارك)) محذوف كما تقرر، أو ((راو)) على لغة من جعل
إعراب المنقوص نصباً كإعرابه رفعاً وجراً. فالفاعل (٣) على الأول ((راو))،
[و] (٤) على الثاني ((غيره)).
١- في ط : بلفظ .
٢- اعترض ابن حجر على قول ابن الصلاح، ((معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد)» بأن هذه العبارة
توهم أن الاعتبار قسيم للمتابعة والشاهد ، وليس كذلك ، بل الاعتبار هو : الهيئة الحاصلة في
الكشف عن المتابعة والشاهد. ((النكت)) (٦٨١/٢).
واعتذر السخاوي بأن ابن الصلاح إنما أراد شرح هذه الألفاظ الثلاثة لوقوعها في كلام
أئمتهم. ((فتح المغيث)) (١٩٥/١).
٣- في ز: فإنها، ولفظة ((عل)) ساقطة منها .
٤- ساقطة من ص .

١٨٠
(فإن يكن) راوي الحديث (شورك من) راوٍ (معتبر به) بأن يصلح أن
يخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد به كما يأتي بيانه في مراتب الجرح
والتعديل (ف) حديث [من شارك] (١) (تابع) حقيقةً وهذه متابعة تامة إن
اتفقا [في] (٣) رجال السند كلهم .
(وإن شورك شيخه) في روايته له عن شيخه (ففوق) ببنائه على الضم
أي : ففوق شيخه إلى آخر السَّنَد واحداً بعد واحدٍ حتى الصَّحابي (فكذا)
أي : فهو تابع أيضاً لكنه قاصر عن مشاركته هو ، وكلما بعد فيه المتابع
كان أقصر .
(وقد يسمى) أي : كل من المتابع لشيخه فمن فوقه (شاهداً) أيضاً .
(ثم) بعد فقد التابع (إذا متن) آخر في الباب إما عن ذلك الصحابي
أو غيره (بمعناه أتى ف) فهو (شاهد) .
والحاصل أنَّ التابع مختصُّ (٣) بما كان باللفظ، سواء أ كان (٤) من
رواية [ذلك] (٥) الصحابي أم لا، وأنَّ الشاهد مختصٌّ بما كان بالمعنى كذلك
وأنَّه قد يطلق على المتابعة القاصرة .
وقد نقل ذلك شيخنا لكنَّه رجح ما عليه الجمهور من أنَّه لا اختصاص
فيهما بذلك ، وأنَّ افتراقَهما بالصَّحابيِّ فقط ، فكل ما جاء عن ذلك
الصحابي فتابع ، أو عن غيره فشاهد .
قال : وقد يطلق كل منهما على الآخر ، والأمر فيه سهل (٦) .
١ - ساقطة من د .
٢- ساقطة من ز .
٣- في س : يختص .
٤- في س : بدون همزة التسوية .
٥- ساقطة من ز .
٦- راجع ((شرح النخبة)) (ص: ٥٦).