النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
معقل (١) .
ورده شيخنا بأن عدة أحاديث البخاري في رواية (٢) الثلاثة سواء، وإنما
حصل الاشتباه من جهة أن الأخيرين فاتهما من سماع ((الصحيح)) على
البخاري ما ذكر من آخر الكتاب فروياه بالإجازة ؛ فالنقص إنما هو في
السماع لا في الكتاب (٣) .
قال : ((والذي تحرر لي أنها بالمكرر - سوى المعلقات ، والمتابعات ،
والموقوفات ، والمقطوعات - سبعة آلاف وثلاث مائة وسبعة وتسعون
حديثاً .
وبغير المكرر من المتون الموصولة ألفان وست مائة وحديثان .
ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها (٤) في موضع آخر منه مائة
وتسعة وخمسون .
فمجموع غير المكرر ألفان وسبع مائة وواحد وستون)) (٥) .
قال الناظم : ولم يذكر ابن الصلاح عدة أحاديث مسلم ، وقد ذكر
النووي أنها نحو : أربعة آلاف بإسقاط المكرر (٦) .
ولم يذكر عدتها بالمكرر ، وهي تزيد على عدة كتاب البخاري لكثرة
طرقه .
١- هو إبراهيم بن معقل بن الحجاج ، أبو إسحاق النسفي ، كان من الحفاظ ، وله تصانيف وكان
فاته من ((الجامع)) أوراق رواها بالإجازة عن البخاري ، نبه على ذلك أبو علي الجياني في
((تقييد المهمل)»، توفي سنة ٢٩٤هـ.
٢- كذا في ظ ، وفي الأخرى رويات.
راجع ((فتح الباري)) (٥/١)، ((تذكرة الحفاظ)) (٦٨٦/٢).
٣- انظر ((النكت على ابن الصلاح)) (٢٩٤/١ - ٢٩٥).
٥ - انظر («هدي الساري)» (ص : ٤٦٩ - ٤٧٧).
٦- انظر ((الإرشاد)) (١٢١/١).
٤- د : يصلها .

٦٢
قال: ورأيت عن أبي الفضل أحمد بن سلمة (١) أنها اثنا عشر (٢)
ألفاً (٣).
قال الزَّرْكَشِيُّ (٤) بعد نقله كلام ابن سلمة: وقال أبو حفص الميانجي(٥):
إنها ثمانية آلاف (٦) .
قال : ولعل هذا أقرب (٧).
قال شيخنا: وقول الناظم: ((وفي البخاري إلى آخره)) جعله فائدةً
[مستقلة] (٨) زائدةً وليس مراداً لابن الصلاح . بل هو تتمة ردِّ لكلام ابن
الأخرم بمعنى أنَّ كلامه يرَدُّ بأنَّ ما فات البخاري ومسلماً أكثر مما خرجاه
لقول البخاري: ((أحفظ منه مائة ألف حديث صحيح)) وليس في كتابه
بالنسبة إليها إلا القليل ؛ فإنَّ جميع ما فيه بغير تكرار أربعة آلاف
وبالتكرار نحو سبعة آلاف ، ومسلم أكثر ما يكون فيه نحو ذلك كما مر ،
ففاتهما كثير لا قليل (٩) .
٠٫٠
أما أول من صنّف مطلقاً فابن جريج بمكة ، ومالك وابن أبي ذئب
١- هو أحمد بن سلمة بن عبدالله أبو الفضل البزار ، النيسابوري، ، أحد الحفاظ المتقنين رافق
مسلماً في رحلته إلى قتيبة بن سعيد ، وفي رحلته الثانية إلى البصرة ، توفي سنة ٢٨٦هـ .
«تاريخ بغداد)» (١٨٦/٤).
٢- في س ، ز : اثني عشر.
٣- راجع ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٢٧).
٤- هو محمد بن بهادر بن عبد الله، بدر الدين ، المصري ، الشافعي، فقيه ، أصولي ، محدث ،
أخذ عن جمال الدين الإسنوي ، والسراج البلقيني ، توفي سنة ٧٩٤هـ .
راجع ((الدرر الكامنة)) (٣٩٧/٣)، طبقات ابن هداية)) (ص: ٢٤١).
٥- هو أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي ، الحنفي ، من مؤلفاته رسالة «ما لا يسع المحدث
جهله)). قال في ((معجم المؤلفين)) (٢٩٥/٧): كان حياً سنة ٥٧٩هـ .
٦- انظر الرسالة المذكورة (ص : ٢٦) .
٧- انظر ((النكت على ابن الصلاح)) للزركشي (ورقة / ٩).
٩- راجع ((النكت على ابن الصلاح)) (٢٩٦/١ - ٢٩٧).
٨- الزيادة من د .

٦٣
بالمدينة ، والأوزاعي بالشام ، والثوري بالكوفة ، وسعيد بن أبي عَرُوْبة
والربيع بن صُبَيْح وحماد بن سلمة بالبصرة ، ومعمر بن راشد وخالد بن جميل
باليمن ، وجرير بن عبد الحميد بالرَّي ، وابن المبارك بخراسان .
وهؤلاء في عصر واحد فلا يدرى أيهم أسبق (١) ، ذكره شيخنا
کالناظم (٢) .
١- في ز : سبق .
٢- انظر («هدي الساري)) (ص: ٦).

٦٤
الصحيح الزائد على ((الصحيحين))
وإن لم يكن على شرطهما :
صحّتُهُ أو مِنْ مُصَنَّف يُخَصُّ
وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيْحِ إذْ تُنَصّ
وابْنِ خُزَيْمَةٍ وكَالْمُسْتَدْرِك
بِجَمْعِهِ نَحْوَ ابْنِ حِبَّانِ الزکي
به فذاك حَسَنّ ما لم يُرَدّ
على تساهُلٍ وقال : ما انْفَرَدْ
يَلِيْقُ ، وَالبُسْتِي يُداني الحَاكِمَا
بعّةٍ ، وَالْحَقُّ أُن يُحْكَمْ بِمَا
#
* *
(وخذ) بعد معرفتك أن مؤلّفيهما (١) لم يستوعباه (زيادة الصحيح إذ)
أي : حيث (تنص) أي : ترفع (صحته) بأن ينص عليها إمام معتمد كأبي
داوود ، والترمذي ، والنسائي، والدَّارَقُطْنِيّ، والخَطَّابي، والبيهقي في
مصنفاتهم الشهيرة (٢) أو في غيرها ، وصح الطريق إليهم .
أو ينص عليها حينئذٍ من لم يشتهر له تصنيف من الأئمة كيحيى بن
سعيد القَطَّان، وابن مَعِين خلافاً لابن الصلاح حيث قيَّد بالمصنفات الشهيرة
بناءاً على ما ذهب إليه من أنه ليس لأحد في هذه الأعصار أن يصحِّح
الأحاديث كما سيأتي .
وإنما تبعه النووي في التقييد هنا بذلك اكتفاءاً بما صححه بعد من أنَّ له
ذلك فلتؤخذ زيادة الصحيح من جميع ذلك (٣) .
(أو من مصنّف) بفتح النون (يخص بجمعه) أي : الصحيح (نحو)
١- في ز : مؤلفهما .
٢- في ز : الشهير . وهو خطأ .
٣- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ١٣)، ((تدريب الراوي)) (١/ ١٤٢).

٦٥
صحيح الإمام محمد أبي حاتم (١) (ابن حبان) بكسر الحاء البُسْتِيِّ (الزكي)
أي : الزاكي . سمي به لنموه في الصفات الجميلة ، ومصنَّفه مسمى بـ
«التقاسيم والأنواع)» .
(و) نحو صحيح الإمام محمد أبي بكر (ابن) إسحاق بن
(خُزَيْمَة) شيخ ابن حبَّان .
(وكالمستدرك) على ((الصحيحين)) مما فاتهما للحاكم أبي عبدالله
محمد بن عبد الله النيسابوري حالة كونه (على تساهل) منه فيه بإدخاله
فيه عدَّة أحاديث ضعاف وموضوعاتٍ (٢) إمَّا لأنَّه لم يتيسَّر له تحريره، أو
لأنَّه صنَّفه أواخر (٣) عمره وقد تغير حاله ، أو لغير ذلك.
وبالجملة فهو معروف عند أهل العلم بالتساهل في التصحيح (٤) .
(و) لهذا (قال) ابن الصلاح : (ما انفرد) أي : الحاكم (به) أي :
بتصحيحه لا بتخريجه فقط ، ولا ما شاركه (٥) غيره في تصحيحه
(فذاك) إن لم يكن صحيحاً فهو (حسن ما لم يردّ) بتشديد الدال (بـ) ظهور
(٦)
(علة) توجب ضعفه
٠
فابن الصلاح جعل ما انفرد الحاكم بتصحيحه ولم يكن مردوداً دائراً
بين الصحيح والحسن احتياطاً ، لا حسناً مطلقاً كما اقتضاه النظم ، وإن
جرى عليه النووي وغيره (٧) مع أنَّ في ذلك تحكماً .
ويمكن تصحيح ذلك بأن يقال : إنّه حسن في الحكم من حيث الحجِّيَّة ،
وإن لم يتميّز فيه الصحيح من الحسن اصطلاحاً .
١- في ز : أحمد بن حاتم . وهو خطأ .
٣- في ط : آخر .
٥- في ز ، د : ولا بمشاركة .
٧- راجع ((تدريب الراوي)) (١٠٧/١).
٢- في ط : ولأنه .
٤- في ط : الصحيح .
٦- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ١٨).

٦٦
ثم بيِّن الناظم تحرير ذلك ، فقال : (والحق أن) يتتبع (١) كتابه بالكشف
عنه و (يحكم) [أي يقضى بكل منها] (٣) بالجزم في لغة أو بالإخفاء فيما
يأتي على كل حديث غير مردود (مما يليق) به من الصحة ، أو الحسن ، أو
الضعف .
ولما كان رأي ابن الصلاح أنَّه ليس لأحد في هذه الأعصار أن يصحِّح
حديثاً قطع النظر عن تتبّع ذلك .
(و) ابن حبَّان (البُسْتي) بالإسكان للوزن أو لنية الوقف ، ويضم
الموحدة نسبة إلى ((بُسْتَ)) مدينة ببلاد كابُل (٣) (يداني) أي: يقارب
(الحاكما) بألف الإطلاق - في التساهل وإن شرط في كتابه ما يقتضي أنّه
لا يتساهل (٤) فهو أخفُ (*) تساهلاً من الحاكم .
قال الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي (١) : ابن حبّان أمكن في
الحديث من الحاكم (٧) .
وعلى كل حالٍ لابد من تتبّع كتابه للتمييز أيضاً .
١- في س : يتبع .
٢- هذه الزيادة من ط .
٣- راجع ((اللباب)) لابن الأثير الجزري (١٥١/١، ٧٢/٣).
٤- قال : ونبدأ منه بأنواع تراجم الكتاب ، ثم غلي الأخبار بألفاظ الخطاب بأشهرها إسناداً وأوثقها
عماداً ، من غير وجود قطع في سندها ، ولا ثبوت جرح في ناقليها ؛ لأن الاقتصار على أتم
المتون أولى، والاعتبار بأشهر الأسانيد أحرى من الخوض في تخريج التكرار وإن آل أمره إلى
صحيح الاعتبار. راجع ((صحيح ابن حبان)) بترتيب ابن بلبان الفارسي (٣٧/١) .
٥- في ز : أحق . وهو خطأ .
٦- هو محمد بن موسى بن عثمان بن موسى أبو بكر الحازمي ، الهمداني ، الشافعي ، حافظ ،
فقيه ، أصولي ، تخرج بالحافظ أبي موسى المديني ، وكان يقول : هو أحفظ من الحافظ عبد
الغني المقدسي ، له مؤلفات قيمة نافعة ، توفي سنة ٥٨٤هـ عن خمس وثلاثين سنة.
راجع ((الطبقات)) لابن قاضي شهبة (٤٦/٢)، ((البداية والنهاية)) (٣٣٢/١٢)، ((تذكرة
٧- انظر ((شروط الأئمة الخمسة)) (ص: ٤١) .
الحفاظ)) (١٣٦٣/٤).

٦٧
المستخرجات
عَوَاَنَةٍ وَنَحْوِهِ وَاجْتَنِبٍ
وَاسْتَخْرَجُوا عَلَى الصَّحِيْحِ كأبِيْ
إِذْ خَالَفَتْ لَفْظاً وَمَعْنَي رَبَّمَا
عَزْوَكَ أَلْفَاظَ الْمُتُوْنِ لَهُمَا
فَهْوَ مَعَ الْعُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ
وَمَا تَزِيْدُ فَاحْكُمَنْ بِصِحْتِهْ
وَلَيْتَ إذْ زَادَ الْحُمَيْدِي مَيِّزًا
والأُصْلَ يَعْنِيْ البَيْهَقِي ومَنْ عَزَا
*
المستخرجات جمع مُسْتَخْرَجٍ ، وهو مشتق من الاستخراج ، وهو :
أن يأتي حافظ إلى ((صحيح)) البخاري - مثلاً - فيورد أحاديثه بأسانيد
لنفسه من غير طريق البخاري إلى أن يلتقي معه في شيخه أو في من
فوقه .
قال شيخنا : وشرطه : أن لا يصل إلى شيخٍ أبعدَ مع وجود سند يُوصله
إلى الأقرب إلا لغرض من علوٍّ [سنداً] (١) أو زيادة حكمٍ أو نحوه ، وإلا فلا
يسمَّى مستخرجاً (٢).
(واستخرجوا) أي : جمعٌ من الحفّاظ (على الصحيح) لكل من
البخاري ومسلم بقرينة ما يأتي ، وإن لم يختص الاستخراج بهما ، بل ولا
بالصحيح (٣) .
والمخرِّجون عليهما أو على أحدهما كثير (كأبي عَوَانَة) بالصرف للوزن
١- هذه الزيادة من ظ .
٢- في ز، د : استخراجاً .
٣- فقد استخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن على ((سنن أبي داوود))، وأبو علي الطوسي على
الترمذي، وأبو نعيم على ((التوحيد)» لابن خزيمة، وأملى الحافظ أبو الفضل العراقي على
((المستدرك)» مستخرجاً لم يكمل. ((تدريب الراوي)» (١١٦/١ -١١٧).

٦٨
يعقوب بن إسحاق الإِسْفَرائِيْنِيِّ (١) استخرج على ((صحيح)) مسلم .
(ونحوه) هذا علم من الكاف - أي : ونحو أبي عَوَاَنَةَ كأبي بكر أحمد
بن إبراهيم بن إسماعيل (٢) استخرج على ((صحيح)) البخاري .
(٤)
وكأبي بكر أحمد بن محمد البَرْقَانيّ (٣)، وأبي نُعَيم الأصبهاني
استخرج كل منهما على ((الصحيحين)) .
والمخرِّجون عليهما لم يلتزموا لفظهما بل رووهما بالألفاظ التي وقعت
لهم عن شيوخهم .
(و) لهذا قال كغيره للناقل من المستخرجات عليهما : (اجتنب) وجوباً
(عزوك) أي : نسبتَك (ألفاظ المتون) أي : الأحاديث التي (٥) تنقلها منها (٦)
(لهما) حيث توردها للحجة كما في المصنّف على أبواب الأحكام لا
على غيرهما كالمعاجم والمشيخات - نقله شيخنا عن ابن دقيق العيد (٧)
وأقره - فلاتقل : أخرجه الشيخان بهذا اللفظ إلا بعد مقابلته أو تصريح
المخرّج به .
١- أحد من حفاظ الدنيا، سافر في طلب الحديث في البلاد، توفي سنة ٣١٦هـ. راجع ((تذكرة
الحفاظ)) (٧٧٩/٣)، ((اللباب)) لابن الأثير (٥٥/١)، ((وفيات الأعيان)) (٣٩٣/٦).
٢- يعرف بأبي بكر الإسماعيلي. حافظ، إمام من أئمة الشافعية ، توفي سنة ٣٧١هـ ، راجع
((تذكرة الحفاظ)) (٩٣٧/٣).
٣- قال الخطيب : كتبنا عنه وكان ثقة ورعاً، متقناً فهماً، لم نر في شيوخنا أثبت منه ، كان عارفاً
بالفقه ، كثير الحديث ، له حظ من علم العربية ، توفي سنة ٤٢٥ هـ .
راجع ((تاريخ بغداد)) (٣٧٣/٤ -٣٧٦)، ((تذكرة الحفاظ)) (١٠٧٣/٣).
٤- هو الحافظ الكبير ، محدث عصره : أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصفهاني ، صاحب
((حلية الأولياء)» توفي سنة ٤٣٠هـ. راجع ((تذكرة الحفاظ)) (١٠٩٣/٣).
٥- في ز : أي .
٦- في ط : منهما .
٧- هو الإمام محمد بن علي بن وهب بن مطيع ابن أبي طاعة ، المعروف بابن دقيق العيد ، المالكي
الشافعي، توفي سنة ٧٠٢هـ. راجع ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٨١/٤)، ((البدر الطالع))
(٢٢٩/٢)، ((الدرر الكامنة)) (٩١/٤).

٦٩
(إذ) قد (خالفت) أي: المستخرجات ((الصحيحين)) لفظاً كثيراً لتقيُّد (١)
مخرِّجيهما (٢) بألفاظ رواتهم كما مر (ومعنى) غير منافٍ قليلاً (ربما).
فربما داخلة على ((خَالَفَتْ)) أي ربما خالفتهما لفظاً ومعنى، وهي
تستعمل تارةً للتكثير وتارةً للتقليل بناءاً على الأصح أنَّها لا تختصُّ
بأحدهما ، وقد استعملت هنا فيهما معاً كما تقرر ، فهو (٣) من استعمال
المشْتَركِ في معنييه وإن كان الشارح جعلها مستعملةً في الثاني فقط .
والمتون: جمع ((مَتْنٍ)) من المماتنة ، وهي : المباعدة في الغاية؛ لأنَّ
المتنَ غايةُ السَّند .
أو من «المَتْنِ)) وهو: ما صلُبَ وارتفع من الأرض ؛ لأنَّ راوي الحديث
يقَوِّيه بالسَّند ، ويرفعه [به] (٤) إلى قائله .
(وما تزيد) بالمثناة فوقُ أو تحتُ - أي : المستخرجات أو المستخّرْجِ
من تتمَّةٍ كلامٍ ، أو زيادة شرحٍ [لحديث] (٥) أو نحو ذلك، ووجدت شروطُ
الصحّة في رُواةِ المخرِّجِ (فاحكمن بصحته) (٦) .
١- في ز: تقييد. ٢- في د: مخرجها. ٣- في ز، د: تشبيهاً باستعمال المشترك الخ .
٥ - ساقطة من س .
٤ - ساقطة من ز .
٦- قال الحافظ العراقي : اعلم أن الزيادات التي تقع في كتاب الحميدي ليس لها حكم الصحيح
خلاف ما اقتضاه كلام ابن الصلاح ؛ لأنه ما رواها بسنده كالمستخرج ، ولا ذكر أنه يزيد ألفاظاً
واشترط فيها الصحة حتى يقلد في ذلك . فهذا هو الصواب .
راجع ((فتح المغيث)) له (٢٣/١)، ((التقييد والإيضاح)) (ص/٢٨-٢٩).
وقال الحافظ ابن حجر : والحكم بصحتها متوقف على أحوال رواتها ؛ فرب حديث أخرجه
البخاري من طريق بعض أصحاب الزهري عنه مثلاً فاستخرجه الإسماعيلي وساقه من طريق آخر
من أصحاب الزهري بزيادة فيه ، وذلك الآخر ممن تكلم فيه ؛ فلا يحتج بزيادته .
وقال : بل رأيت في مستخرج أبي نعيم وغيره الرواية عن جماعة من الضعفاء، لأن أصل
مقصودهم بهذه المستخرجات أن يعلو إسنادهم ، ولم يقصدوا إخراج هذه الزيادات وإنما وقعت
اتفاقاً. راجع ((النكت على ابن الصلاح)) (٢٩٢/١-٢٩٣)، ((تدريب الراوي)) (١١٥/١).

٧٠
ثم أشار إلى فوائد الاستخراج فقال :
(فهو) أي : ما يزاد (مع العلو) أي: علوِّ الإسناد الذي هو جلُّ قصد
المخرِّجين (من فائدته) وزاد لفظة ((مِنْ)) ليفيد أنَّ لَه فوائد أخر منها : القوة
بكثرة الطرق للترجيح عند المعارضة .
ومنها :
١- تسمية المبهم والمهمل .
٢- والتصريح بالمدلّس.
٣- واتصال المرسل .
٤- ووصل المعلَّق .
ومثال العلوِّ : أنَّ أبا نعيم الأصبهاني مثلاً لو روى حديثاً عن
عبدالرزاق (١) من طريق البخاري مثلاً لم يصل إليه إلا بأربعة ، اثنان بينه
وبين البخاري ، و [البخاري] (٣) وشيخه .
وإذا رواه عن الطبراني (٣) عن إسحاق بن إبراهيم الدِّبُريّ (٤) -
يفتح الموحدة - عنه وصل إليه باثنين فقط .
وأشار إلى جواب سوال بقوله : (والأصل) بالنصب بقوله :
(يعني) الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين (البَيْهَقِيُّ) بالإسكان [للوزن] (*) .
١- في ظ : حديث في جامع عبد الرزاق فلو رواه أبو نعيم .
٢- ساقطة من ز .
٣- هو الإمام الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي ، الطبراني ، صاحب المعاجم الثلاثة ،
توفي سنة ٣٦٠هـ. راجع ((تذكرة الحفاظ)) (٩١٢/٣)، (البداية والنهاية)) (٤٥/١٢).
٤- قال الذهبي : ما كان صاحب حديث، وإنما أسمعه أبوه واعتنى به ، سمع من عبدالرزاق
تصانيفه ، وهو ابن سبع سنين ، وروي عنه أحاديث منكرة ، احتج به أبوعوانة ، وأكثر عنه
الطبراني ، وقال الدارقطني في رواية الحاكم : صدوق ما رأيت فيه خلافاً ، إنما قيل : لم يكن
من رجال هذا الشأن. ((ميزان الاعتدال)) (١٨١/١).
٥- هذه الزيادة من ظ .

٧١
أو لنية الوقف نسبةً لـ «بَيْهَقَ)) قرى مجتمعة بنواحي نيسابور - في («السنن
الكبرى))، و((المعرفة)) وغيرهما (ومن عزا) أي : نسب للشيخين أو
أحدهما كالإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البَغَوِيِّ (١) في ((شرح
السُّنة)» .
كأنَّه قيل : فالبيهقي والبغوي وغيرهما يروون الحديث بأسانيدهم ثم
يعزونه للشيخين أو أحدهما مع اختلاف اللفظ أو المعنى .
فأجاب : بأنّهم إِنَّما عَنَواْ بعَزْوهم أهل الحديث ، لا عزوَ ألفاظه .
(وليت إذا زاد) الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر (٢)
(الحميدي) بالإسكان للوزن أو لنية الوقف ، وبالتصغير نسبة لجده الأعلى :
حميد الأندلسي - في كتابه ((الجمع بين الصحيحين)) ألفاظاً (ميزا) أي :
ليته ميزها عن ألفاظ ((الصحيح)» في جميع كتابه ، وإلا فقد ميز في (٣)
الأكثر منه ، بل قيل : في جميعه .
[فيقول] (٤) بعد إيراده الحديث: اقتصر منه البخاري - مثلاً - على
كذا ، أو زاد (٥) فيه فلان كذا ، أو نحو ذلك .
وقد لايميز بعض ما يجده فيه عن الصحيحين أو أحدهما وهو مخطئ
لكونه زيادة ليست في واحد منهما .
أما الجمع بينهما لعبد الحق (٦) ومختصراتهما فلك أن تعزو منها لهما
١- راجع ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)» (١٢٥٧/٤).
٢- راجع ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) (١٢١٨/٤).
٣- في س : ميز فيه .
٤- ليست في ظ .
٥- في ز : يزاد .
٦- هو: الإمام الحافظ عبد الحق بن عبد الرحمان الأشبيلي، صاحب ((الأحكام الكبرى)) وغيره من
الكتب النافعة ، توفي سنة ٥٨١هـ .
راجع ((تذكرة الحفاظ)» (١٣٠٥/٤)، ((تهذيب الأسماء)» للنووي (٢٩٢/١).

٧٢
ولو باللفظ ؛ لأنهم أتوا (١) فيها بألفاظهما ، ذكره الناظم (٢).
ومن نظم الحميدي :
لقاء الناس ليس يفيد شيئاً سوى الهذيان من قيل وقال
فاقلل من لقاء الناس إلا لأخذ العلم أو إصلاح حال
١- في س : فيهما . وهو خطأ .
٢- راجع ((فتح المغيث) له (٢٣/١).

٧٣
مراتب الصحيح
ثُمّ البُخَارِيُّ فَمُسْلِمٌ فَمَا
وَأُرْفَعُ الصَّحِيْحِ مَرْوِيُّهما
فَمُسْلِمٌ فَشَرْطُ غَيْرٍ يَكْفِيْ
شَرْطُهُمَا حَوَى فَشَرْطُ الْجُعْفي
وَعِنْدَهُ التَّصْحِيْحُ لَيْسَ يُمْكِنُ فِي عَصْرِنَا وَقَالَ يَحْيَى: مُمْكِنُ
* *
مراتب الصحيح مطلقاً ، وهي تتفاوت بحسب تمكُّنه من شروط الصحّة
وعدم تمگُّته منها .
(وأرفع الصحيح مرويهما) أي : البخاري ومسلم ؛ لاشتماله على
أعلى مقتضيات الصحّة، ويعبّر عنها (١) بـ ((المتفق عليه)) أي: [بما] (٢)
اتفقا عليه ، لا بما اتفق عليه الأمَّة لكن اتفاقهما عليه لازم من ذلك ؛
لاتفاقها على تلقّي ما اتفقا عليه بالقبول .
(ثم) مروي (البخاري) وحده ؛ لأنَّ شرطه أضْيَق [كما مر] (٣) (فـ)
مروي (مسلم) وحده لمشاركته (٤) البخاري في اتفاق الأمَّة على تلقّ كتابه
بالقبول .
(فما شرطهما) أي : فما (حوى) أي : جمع شرطهما ، والمراد به
رُواتهما ، أو مثلُهم (٥) مع باقي شُروط الصَّحيح من اتصالِ السَّند ونفي
١- في ظ: عنه. ٢- ساقطة من ز. ٣- أيضاً. ٤- في ز: لا لمشاركته، وهو خطأ.
٥- أي : في الصفات المقتضية للصحة ولم يخرج لهم الشيخان شيئاً ، فهؤلاء ليسوا على شرط
الشيخين في رأي النووي ، والحاكم ، والذهبي ، والزيلعي ، وابن حجر ، وابن دقيق العيد
وغيرهم .
راجع ((فتح المغيث)) للسخاوي (٤٨/١-٤٩)، ((نصب الراية)) (٤١١/٢ : ٤١٦،
٢٣/٤، ٢٤)، ((شرح النخبة)» لابن حجر (ص: ٣٨-٣٩).

٧٤
الشُّذوذ والعلة .
(فـ) ما حوى (شرط الجعفي) أي : البخاري (فـ) ما حوى شرط
(مسلم فـ) ما حوى (شرط غير) أي : غيرهما من سائر الأئمة .
فهذه سبعة أقسام وهي شاملةً للمتواتر الذي هو أرفعها ، وللمشهور
وهو: ((ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين))، ولما وُصِف بأنَّه أصحُّ
الأسانيد، ولغيرها مما أُوْرد على الحصر فيها (١) .
١- قد وافق ابنَ الصلاحِ على التقسيم المذكور الحديث الصحيح النوويّ، والعراقي ، والكافيجي ،
وابن حجر ، والسخاوي ، والسيوطي ، وغيرهم من المحققين ، بل كاد أن يكون مجمعاً عليه بين
المتبحرين كما صرح به اللّكْنويُّ في ((الأجوبة)) (ص: ٢٠٢ -٢٠٣)، ولكن بعض من ليس له
اختصاص بالفن خالفهم ، اعتماداً على وجوهٍ غالبها أوهام مع ما اقترن بها من العصبية
بالشيخين وخاصةً البخاري رحمه الله، وأنا أذكر نص كلامهم ، ثم ما يناسبه من الجواب عند
الحفاظ المحققين .
قال ابن الهمام معترضاً على هذا التقسيم: وقول من قال: ((أصح الأحاديث ما في
الصحيحين ، ثم ما انفرد به البخارى ، ثم ما انفرد به مسلم ، ثم ما اشتمل على شرطهما من
غيرهما ، ثم ما اشتمل على شرط أحدهما)) تحكم لا يجوز التقليد فيه؛ إذ الأصحية ليس إلا
لاشتمال رواتها على الشروط التي اعتبرها ، فإذا فرض وجود تلك الشروط في رواة حديث في
غير الكتابين أفلا يكون الحكم بأصحية ما في الكتابين عين التحكم ؟
ثم حكمهما أو أحدهما بأن الراوي المعين مجتمع تلك الشروط ليس مما يقطع فيه بمطابقة
الواقع ؛ فيجوز كون الواقع خلافه ، وقد أخرج مسلم عن كثير في كتابه ممن لم يسلم من غوائل
الجرح ، وكذا في البخاري جماعة تكلم فيهم ؛ فدار الأمر في الرواة على اجتهاد العلماء فيهم
الخ (فتح القدير)) (٣٨٨/١).
هكذا قال هذا الإمام مستدلاً على ما ذهب إليه بأمرين :
١- الإمكان والاحتمال في معارضته شروط الأصحية للكتابين - وهي عنده صفات القبول
الموجودة في الرواة فقط - بفرض نفس تلك الشروط في رواة أحاديث غير الكتابين .
٢- خطأ الشيخين - في نفس الأمر - في حكمهما بوجود تلك الشروط في بعض الرواة ؛
حيث وجد في كتابيهما جماعة من الرواة قد تكلم فيهم غيرهما .
فهذان الوجهان في غاية من الفساد ، والبعد عن المعرفة بالفن وخاصةً بمنهج الشيخين في
صحيحيهما ، أما الأول فلأن الصحة عند المحدثين لا تتوقف على فرض صفات معينة في الرواة

٧٥
٠٠٠٠
فقط كما توهم الإمام بل ينظر في أمور أخرى شاملة لمعنى العلة والشذوذ نفياً لها ، وبمجموع
ذلك يحكم على الحديث بالصحة .
فوجه الأصحية لهذين الكتابين : كون الشيخين على منزلة عظيمة ورفيعة جداً في معرفة
العلل الغامضة والقادمة في صحة الأحاديث التي يشترط نفيها في تعريف الحديث الصحيح ،
مع ما اقترن بهذين الكتابين من التلقي بالقبول ، وهو الإجماع على صحة ما في هذين الكتابين
والعمل بها بدون بحث ونظر في الأسانيد .
ولهذا صرح الحفاظ المتقنون الذين رزقهم الله سبحانه وتعالى فهماً ثاقباً وبصيرةً نافذةً ،
وخصهم بخدمة حديث نبيه - عليه الصلاة والسلام - رواية ودرايةً بأن وجود رواة الشيخين في
سند متن لم يخرجه الشيخان في كتابيهما أو أحدهما لا يعني أنه على شرطهما أو على شرط
أحدهما ، بل ليس بلازم أن يكون صحيحاً مطلقاً .
قال الزيلعي : لا يلزم من كون الراوي محتجاً به في الصحيح أنه إذا وجد في أي حديث كان
ذلك الحديث على شرطه. ((نصب الراية)) (١/ ٣٤٢).
وقال الحافظ ابن حجر : ولا يلزم من كون رجال الإسناد من رجال ((الصحيح)» أن يكون الحديث
الوارد به صحيحاً؛ لاحتمال أن يكون فيه شذوذ أو علة. ((النكت على ابن الصلاح)).
(٢٧٤/١ - ٢٧٣) .
وقال ابن الصلاح : من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط
الصحيح عند مسلم فقد غفل وأخطأ ، بل يتوقف ذلك على النظر في أنه كيف روى عنه وعلى
أي وجه روى عنه .
انظر ((النكت)) لابن حجر (٢٧٥/١)، ((شرح مسلم» للنووي (٢٦/١).
وهذا القدر من المعرفة قد تنبه لها من هو أدنى علماً من الإمام ابن الهمام بمراحل ، فقال
الشيخ شبير أحمد العثماني الديويندي ثم الحنفي رداً على ابن الهمام :
ولا يخفى أن صاحبي الصحيح لم يكتفيا في التصحيح بمجرد النظر إلى حال الراوي في
العدالة والضبط ، كما يتوهمه كثير من لم يعن بهما ولم يكن له إمعان نظر في أصول الأثر .
بل ضما إلى ذلك النظر فى أمور أخرى بمجموعها يظهر الحكم بالصحة . ((مقدمة فتح الملهم)»
(ص: ٢٣٦)، ((توجيه النظر)) للجزائري (ص: ١٢٠).
وقال عبد الرحمان عيد المحلاوي الحنفي : وإنما قدم ما أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما
على غيره لتلقي الأمة كتابيهما بالقبول ، وبهذا التعليل تعلم سقوط ما اعترض به الكمال في
((فتح القدير)» بأن هذا التقديم بغير سبب موجب. ((حسن الحديث)) (ص: ٢٦).

٧٦
٠٠
وأما الوجه الثاني وهو إخراجهما حديث بعض من تكلم فيهم غيرهما ، فشأنهما في ذلك
شأن أهل الاجتهاد والمعرفة والخبرة الواسعة ، لا شأن المقلدين المقصوري النظر والتوفيق ؛ فإنهما
ينتقيان أحاديث الناس صحيحهم عن سقيمهم وقويهم عن ضعيفهم ، وليست أحاديث ثقةٍ كلها
صحيحة ولا أحاديث ضعيفٍ كلها سقيمة ، فنظر الإمام الجهبذ والناقد أوسع بكثير عن فهم من
لا يتقن تعريف الحديث الصحيح بشروطه عند أهله فضلاً عن أن يكون متقناً في الصناعة .
فننقل أولاً كلام بعض أهل العلم بالحديث في وجوه رواية الشيخين عن الضعفاء ثم تذكر كلام
الآخرين تصريحاً منهم بأن ما أخرجاه وإن كان فيه بعض شيء من النقد فإن الاعتماد عليهما
لا على غيرهما .
قال الحافظ ابن حجر: البخاري لا يخرج عن من فيه مقال شيئاً مما أنكر عليه. ((فتح
الباري) (١٨٩/١).
وقال : البخاري يعتمد على الضعيف في مقام الاحتجاج به لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه
((فتح الباري)) (٣٧٧/٥).
وقال ابن عبدالهادي الحافظ : عادة مسلم غالباً إذا روى لرجل قد تكلم فيه ونسب إلى ضعف
وسوء حفظ ، وقلة ضبط : إنما يروي له في الشواهد والمتابعات . ولا يخرج له شيئاً انفرد به ولم
يتابع عليه. ((الصارم المنكي)) (ص: ٢٥٨).
وقال الزيلعي : الشيخان قد يخرجان لمن تكلم فيه بشرط : أن يكون مما توبع عليه ، أو
ظهرت شواهده، أو علم أن له أصلاً. ((نصب الراية)) (٣٤١/١ -٣٤٢، ٤٨٠/٢)، وبمثله
قال العيني في ((عمدة القاري)) (٢٨٦/٥) .
وقال ابن القيم : لا عيب على مسلم في إخراج حديثه عن بعض الضعفاء ؛ لأنه ينتقي من
أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه ،
فطريقته هي طريقة أئمة هذا الشأن. ((زاد المعاد)) (٣٦٤/١).
وأما الرد على الجروح والمطاعن الواردة على أحاديث («الصحيحين)» وعدم الاعتداد بها -
بناءاً على ما سبق من منهج الشيخين - فثبت عن كثير من الأئمة .
قال عبد العزيز البخاري مجيباً عن جروح ابن معين وغيره من المحدثين في حديث: ((تكثر
لكم الأحاديث)»: والجواب : إن الإمام أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري أورد هذا
الحديث في كتابه ، وهو الطود المتبع في هذا الفن ، وإمام أهل هذه الصنعة : فكفى بإيراده دليلاً
على صحته، ولم يلتفت إلى طعن غيره بعد. ((كشف الأسرار)) (١٠/٣).
وقال العيني : كم من حديث فيهما (أي الصحيحين) ضعف ابن معين أحد رواته وكذا غير

٧٧
٠٠٠٠
.
ابن معين ومع هذا لم يلتفتوا إلى ذلك. ((عمدة القاري)) (٢٣/٧).
وقال ابن التركماني رداً على البيهقي : لو كانت هذه الرواية غير محفوظة لما أوردها مسلم
في صحيحه. راجع كتابه ((الجوهر النقي)) (٣٢٧/٣، ٣٩١، ١٦٦/٧ : ١٢٣/٨،
١٠،٢٩١/٩/ ٢٨٢) .
راجع أيضاً: ((المجموع)) للنووي (٣٥٠/٣، ٣٥١، ٣٦٩، ٣٠٠/٥، ٣١١/٧)، و
((حراشي ابن قطلوبغا)» على شرح النخبة لابن حجر المطبوعة على هامش ((بهجة النظر)» للسندي
(ص: ٧١)، و ((الإحكام)) لابن دقيق العيد (٢٢٧/٤، ٢٦٠)، و((طرح التثريب))
(١٩٦/٧)، و((مختصر سنن أبي داوود)) للمنذري (٢٥٥/٦-٢٥٦)، و ((جامع التحصيل)»
للعلائي (ص: ٨١) و((قطر الولي)) للشوكاني (ص: ٢٣٠-٢٣١).
فثبت مما قدمناه بأن صحة الحديث عند المحدثين لا تتوقف على أهلية الرواة فقط حتى يصح
القول بمعارضة أحاديث ((الصحيحين)) بأحاديث فرضت فيها شروط رواة الشيخين ، مع أن
الأصحية والترجيح لأحاديث الصحيحين إنما جاء من جلالة الشيخين في معرفة العلل مع ما اقترن
بها من إجماع الأمة على صحة ما فيهما .
وكذا إخراج الشيخين بعض شيء عن من تكلم فيه ليس لأجل خطأهما في فرض الشروط في
الرواة ، وإنما كان ذلك لأجل ما تقتضيه نظرة الناقد الجهبذ في الفن .
فالقول بعد هذا : ((بأن مجرد كون حديث في أوراق معينة لا يحتمل وجهاً من الأصحية
والترجيح)) قول يحط قسطاً عظيماً من قيمة قائله عند أصحاب الفن وإن استحق أن يسمى
((محققاً)) عند أهل بيته .
قال الجزائري في مثل هؤلاء : وقد ظن بعض أرباب الأهواء الذين لا يميلون إلى كتاب
البخاري ولا إلى كتاب مسلم أنهم يجدون بسبب هذه المسألة ذريعة إلى الخلاص من حكمهما
ليتسع لهم المجال فيما وافق أهوائهم من الآراء وصار دأبهم أن يقولوا: ((كم من حديث صحيح
لم يرد في الصحيحين وهو مع ذلك أصح مما ورد فيهما)) يظنون أنهم بذلك يوهنون أمرهما
ويضعون قدرهما .
والحال أن مزية الصحيحين ثابتة ثبوت الجبال الرواسي لا ينكرها إلا غمر يزري بنفسه وهو
لا يشعر ، والعلماء إنما فتحوا هذا الباب لأرباب النقد والتمييز الذين يرجحون ما يرجحون بدليل
صحيح مبني على القواعد التي قررها المحققون في هذا الفن .
وأما المموهون الذين يريدون أن يجعلوا الصحيح سقيماً والسقيم صحيحاً بشبه واهية جعلوها
في صورة الأدلة ؛ فينبغي الإعراض عنهم مع حل الشبه التي يخشى أن تعلق بأذهان من يريدون

٧٨
مع أنَّ المتواتر لايضرُّ خروجه ؛ إذ لا يشترط فيه عدالة الراوي ، فليس
هو من الصحيح الذي مر تعريفه .
نعم ! يرد عليه ما وصف بأنّه أصح الأسانيد ولم يخرجه الشيخان (١) ،
أن يوقعوه في أشراكهم. «توجيه النظر» (ص: ١٢٠).
وقد كتب في هذه المسئلة مفصلاً العلامة محمد المعين بن محمد الأمين السندي في كتابه
((دراسات اللبيب)) وأفرد لهذا الموضوع الدراسة الحادية عشرة من صفحة ٣٢٨ - ٤٠٢ فأجاد
رحمه اللَّه وأفاد ، فراجعه لزاماً فإن فيه كلاماً حسناً .
وقد كتب على هذا الكتاب أحد من متعصبي الحنفية اسمه عبدالرشيد النعماني تعليقاً باسم
((التعقبات على صاحب الدراسات)) فأتى بأدلة وشبه واهية جداً للرد على صاحب الكتاب في هذا
الموضوع وغيره . قال الشيخ النعماني بعد أن وصف المؤلف وراقاً وغير متقن في الصناعة :
القول الذي نصره لم يقله أحد قبل ابن الصلاح وهو أول من قسم الأحاديث الصحاح إلى سبعة
أقسام. ((التعقبات)) (ص: ٣٧٤) على هامش الدراسات .
هكذا قال المتقن في الصناعة ، وهو جهل منه أو تجاهل ؛ لأن التصريح بذلك موجود في
كتب كثير من المحدثين ، هذا الشيخ الإمام أبو حفص الميانجي من الحنفية يقول في رسالته
المسماة بـ ((ما لا يسع المحدث جهله)) (ص: ٢٣): ((الصحيح من أحاديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم على مراتب : أصحها وأعلاها ما اتفق على تخريجه الشيخان البخاري ومسلم -
رضي الله عنهما - في صحيحيهما ، ويتلوه ما انفرد به واحد منهما ، ويتلوه ما كان على
شرطهما وإن لم يخرجاه في صحيحيهما)).
وقال ابن الجوزي من الحنابلة : الأحاديث على ستة أقسام : القسم الأول : ما اتفق على
صحته ، والقسم الثاني : ما انفرد به البخاري أو مسلم ، القسم الثالث: ما صح سنده على رأي
أحد الشيخين، فيلحق بما أخرجاه إذا لم يعرف علة مانعة. ((الموضوعات)) (٣٢/١، ٣٥).
والمعروف من منهج ابن الصلاح في كتابه أنه يعتمد في التأصيل والتقعيد على آراء من
سبقه من أهل العلم ، وما تفرد به من الآراء فهو قليل جداً .
ثم سود الشيخ عدة أوراق بنقل انتقادات بعض أهل العلم على الصحيحين التي برئ حفاظ
الحديث من الجواب عنها قبل قرون ، كما نقل عن السيوطي وغيره نقولاً طويلة التي ليس لها
علاقة بأصل الأصحية لأحاديث الصحيحين لا قريبة ولا بعيدة ، فيجب على الطالب الحذر من
هؤلاء الذين جل قصدهم التمويه وإلباس الحق لباس الباطل ، والباطل لباس الحق ونعوذ بالله من
ذلك .
١- قلت : المتن الذي لم يخرجه الشيخان وهو مروي بترجمة وصفت بكونها من أصح الأسانيد لا يبلغ

٧٩
ومشهور ليس من المتفق عليه (١) ولكن توقف شيخنا في رتبته هل هي
[قبل] (٣) المتفق عليه ، أو بعده (٣)؟
واعلم : أنه قد يعرض للمفوق ما يصيِّره فائقاً كأن يجيء من طرق يبلغ
بها المتواتر أو الشهرة القوية .
كما لو كان الحديث الذي لم يخرجه الشيخان من ترجمة وصفت بكونها
أصح الأسانيد كمالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ؛ فإنَّه يقدم على ما قبله ،
نبَّه عليه شيخنا (٤) .
ثم لو لوحظ الترجيح بين شروط غيرهما كما لوحظ في شروطهما
لذادت الأقسام ، لكن ما ذكر (يكفي) في المقصود ، والتصريح بهذا من
زيادته .
(وعنده) أي : ابن الصلاح (التصحيح) وكذا التحسين والتضعيف
(ليس يمكن) حيث جنح لمنع الحكم بذلك في الأعصار المتأخرة الشاملة له
مرتبة ما أخرجه الشيخان صحةً ؛ لأن أصحية السند لا يستلزم الأصحية للمتن ، بل ولا الصحة له
مطلقاً لاحتمال أن يتخلله الشذوذ أو العلة ، مع أن الأصحية في متون الصحيحين لم يأت من
مجرد الأسانيد فقط بل من تلقي الأمة لها بالقبول أيضاً . فيجب أن يفرق بين الأصحية في المتن
وبين الأصحبة في السند .
١- قلت المشهور الذي لم يخرجه الشيخان أنزل مرتبة مما أخرجه الشيخان وليس بمشهور ، لأن ما
أخرجه الشيخان مجمع على صحته ، ودلالة الإجماع أقوى من الخبر المشهور كما صرح به
الحافظ ابن حجر، والحافظ بدر الدين العيني. راجع ((النكت على ابن الصلاح)) (٣٧٨/١)،
٢- ساقطة من ط .
((عمدة القاري)) (٢٣٣/٢٠) .
٣- كذا نقل عنه السيوطي في ((التدريب)) (١٢٣/١)، ولكن الحافظ رحمه اللّه صرح بأن التلقي
وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر ، ولذلك أخر المشهور عن
أحاديث الصحيحين عند ما ذكر أنواع الخبر المحتف بالقرائن وفي هذا إشعار قوي بأن درجة ما
أخرجه الشيخان أعلى عنده من الخبر المشهور الذي ليس في الصحيحين ، والله أعلم.
٤- راجع ((شرح النخبة)» (ص : ٤١).

٨٠
(في عصرنا) واقتصر فيها على ما نصّ عليه الأئمة في تصانيفهم المعتمدة
التي يؤمن فيها لشهرتها (١) من التغيير والتحريف ، محتجاً بأنَّه ما من
إسنادٍ إلا وفي رواته من اعتمد على ما في كتابه عريا (٢) عن الضبط
والاتقان .
قال : فإذا وجدنا حديثاً صحيح الإسناد ، ولم نجده في أحد
((الصحيحين)) ولا منصوصاً على صحته في شيء من مصنَّفات أئمة الحديث
المعتمدة المشهورة فإنا لانتجاسر على جزم (٣) الحكم بصحته.
وصار معظم المقصود (٤) بما يتداول من الأسانيد خارجاً من ذلك إبقاءاً
لسلسنة (٥) الإسناد التي خُصَّت بها (٦) هذه الأمَّة زادها اللَّه شرفاً (٧).
(وقال) أبو زكريا (يحيى) النووي : الأظهر عندي أنَّ ذلك (ممكن)
لمن تمكَّن وقويت معرفته ؛ لأنَّ شروطه لا تختص بمعين من راوٍ أو غيره ، إذ
المقصود معانيها في السند فإذا وجدت فيه رتب عليها مقتضاها (٨).
قال الناظم (١): وعلى هذا عمل أهل الحديث، فقد صحَّح غير واحد
من المعاصرين لابن الصلاح وبعده أحاديثَ لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحاً
كأبي الحسن بن القَطَّان (١٠)، والضباء المقْدَسيِّ (١١)، والزُكِيِّ
١- في ز : بشهرتها .
٢- في ظ : عارياً .
٣- في ز : خزم . وهو خطأ .
٦- في ز : به .
٤- في س : المعقود . وهو خطأ . ٥- في ز، ظ : سلسلة .
٧- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ١٣).
٨- راجع ((التقريب)) مع التدريب (١٤٣/١).
٩- راجع (فتح المغيث)) له (٢٦/١).
١٠- هو الحافظ أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى القطان الفاسي ، صاحب الكتاب
((الوهم والإيهام)) توفي سنة ٦٢٨هـ. راجع ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٠٧/٤).
١١- هو الحافظ الحجة ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد السعدي، الدمشقي ، الحنبلي
توفي سنة ٦٤٣هـ. راجع ((تذكرة الحفاظ)) (٤ /١٤٠٥).