النص المفهرس

صفحات 141-160

وفي بعضِ الرِّواياتِ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ)) مطلقاً بدون تقييدٍ (١).
وفي مطابقةِ دليله لُدَّعاهُ نظرٌ، إذ لا يُقالُ لِمَنْ نَقَلَ من " صَحِيْحِ
الْبُخَارِيِّ " - مثلاً - حديثاً، ولا روايةَ لَهُ بِهِ: إِنَّه كذبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ:﴿ .. وافهمَ
قولَه : ( نَقْلِ ) أنَّه إذَا وَجَدَ حديثاً لَهُ بِهِ روايةٌ، سَاغَ لَهُ نَقْلُه ، وإِنْ كَانَ ضَعِيفاً ، لكنْ لا
يجزم بهِ .
وقضيةُ النُّسْخةِ الثانيةِ ، أنَّ لَهُ أَنْ يجزمَ بِهِ ، وَلَيْسَ مُرادً .
و (امتناعُ) مبتدأٌ ، خَبْرُهُ (إِجْمَاعُ)، و (لابْنِ خَيْرٍ ) صلةُ محذوف أي:
إجماعٌ منقولٌ لابن خَيْرِ ، أَوْ خبرٌ للجملةِ بجعلها في محلِ المبتدٍ أي: هَذَا الكلامُ لابنِ
خَيْرٍ .
=وابن مسعود ، عند أحمد ١ / ٤٠٢ و٤٠٥ و٤٥٤، والترمذي ( ٢٦٥٩).
وعقبة بن عامر ، عند أحمد ٤ / ١٥٦ .
وعلي ابن أبي طالب ، عند أحمد ١ / ١٣٠.
ومعاوية ابن أبي سفيان ، عند أحمد ٤ / ١٠٠.
ويعلى بن مرّة ، عند الدارمي (٢٤٠).
: والمغيرة بن شعبة عند البخاري ٢ / ١٠٢ (١٢٩١)، ومسلم ١ / ١٠ عقب (٤).
وأبو هريرة ، عند أحمد ٤١٣/٢، والدارمي (٥٩٩)، والبخاري ٣٨/١ (١١٠)، ومسلم ٨/١
حديث (٣).
قلنا : وقد رواها جميعها ، ابن الجوزي في تقدمة الموضوعات ١ / ٥٥ - ٩٣ وبسط الكلام في تخريجها
اللكنوي في الآثار المرفوعة : ٢١ - ٣٦ .
(١) رواية الإطلاق: أخرجها أحمد ١١٦/٣ و١٦٦ و١٧٦، والدارمي (٢٤٢)، وعبد الله ابن أحمد
٢٧٨/٣، من حديث أنس بن مالك .
وأخرجه أحمد ١/ ١٦٥ و١٦٦، والبخاري ١/ ٣٨ (١٠٧)، وأبو داود (٣٦٥١)، من حديث
عبد الله بن الزبير ، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩٠٤ )، من حديث أبي قتادة الأنصاري .
وأخرجه أحمد ٤ / ١٥٩ و ٢٠١ ، من حديث عقبة بن عامر.
١٤١
::

الْقِسْمُ الثَّانِ: الْحَسَنُ (١)
(١) انظر في الحسن :
جامع الأصول ١٧٤/١-١٧٨، ومعرفة أنواع علم الحديث: ١١١، وإرشاد طلاب الحقائق ١٣٧/١-١٥٢،
والتقريب: ٤٢ - ٤٩، والاقتراح: ١٦٢، والنفح الشذي ١٩٦/١ - ٣٠٨، والمنهل الروي: ٣٥،
والخلاصة: ٣٨، والموقظة: ٢٦، واختصار علوم الحديث: ٣٧، ونكت الزركشي ٣٠٤/١ - ٣٨٨،
والشذا الفياح ١٠٧/١ - ١٣٢، والمقنع ٨٣/١، وشرح التبصرة والتذكرة ١٧٧/١، ونزهة النظر: ٩١ ،
ونكت ابن حجر ٣٨٥/١-٤٩٠، والمختصر: ٧٣، وفتح المغيث ٦١/١، وألفية السيوطي: ١٥-١٩،
وشرح السيوطي على ألفية العراقي : ١٢٦، والبحر الذي زخر ٨٤٥/٢ - ١٣١٦، وتوضيح الأفكار
١٥٤/١، وظفر الأماني: ١٧٤، وقواعد التحديث: ١٠٥، وتوجيه النظر ٣٥٤/١ - ٣٩٥.
والحديث الحسن: وسطّ بين الصحيح والضعيف، قال ابن القطّان في " بيان الوهم والإيهام" ( ١١١٨ ):
(( الحسن معناه الذي له حال بين حالي الصحيح والضعيف)) وبنحوه قال عقب ( ١١٧٣). وقال
عقيب ( ١٤٣٢ ) : (( ونعني بالحسن : ما له من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف ، ويكون
الحديث حسناً هكذا ؛ إما بأن يكون أحد رواته مختلفاً فيه ، وثقّه قوم وضعّفه آخرون ، ولا يكون ما
ضعّف به جرحاً مفسراً ، فإنّه إن كان مفسراً قدّم على توثيق من وثّقه، فصار به الحديث ضعيفاً)) ؛ ولما
كان كذلك عسر على أهل العلم تعريفه .
قال الحافظ ابن كثير : ((وذلك لأنّه أمر نسيّ، شيءٌ ينقدح عند الحافظ، ربّما تقصر عبارته عنه)).
اختصار علوم الحديث : ٣٧ .
وقال ابن دقيق العيد: (( وفي تحرير معناه اضطرابٌ)). الاقتراح : ١٦٢ .
وذلك لأنّه من أدق علوم الحديث وأصعبها ؛ لأنّ مداره عَلَى من اختلف فِيهِ ، ومن وهم في بَعْض مَا
يَرْوِي . فَلا يتمكّن كلّ ناقدٍ من التوفيق بَيْن أقوال المتقدّمين أو ترجيح قولٍ عَلَى قولٍ إلا من رزقه الله
علماً واسعاً بأحوال وقواعد هَذَا الفن ومعرفةٍ قوية بعلم الجرح والتعديل، وأمعن في النظر في كتب العلل ،
ومارس النقد والتخريج والتعليل عمراً طويلاً، ومارس كتب الجهابذة النقاد حتّى اختلط بلحمه ودمه ،
وعرف المتشددين والمتساهلين من المتكلمين في الرّجال، ومن هم وسطٌ فِي ذَلِكَ؛ كي لا يقع فيما لا
تحمد عقباه ؛ ولذلك قال الحافظ الذهبي : ((ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدةً تندرج كل الأحاديث الحسان
فيها ؛ فأنا على إياسٍ من ذلك، فكم من حديثٍ تردد فيه الحفاظ هل هو حسنٌ أو ضعيفٌ أو صحيحٌ ؟)).
الموقظة : ٢٨ .=
١٤٢

٥٠. وَالَحَسَنُ الْمَعْرُوْفُ مَخْرَجاً وَقَدْ اشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ بِذَاكَ حَدْ
-وللحافظ ابن حجر محاولةٌ جيّدةٌ في وضعه تحت قاعدة كليةٍ فقد قال في النخبة : ((وخبر الآحاد بنقل
عدلٍ تامّ الضّبط ، متّصل السّند غير معللٍ ولا شاذٍ : هو الصّحيح لذاته ... فإن خفّ الضّبط ، فالحسن
لذاته)). النخبة: ٢٩، ٣٤.
وهي محاولة جيدةٌ . وقد مشى أهل المصطلح على هذا من بعده . وحدّوا الحسن لذاته : بأنه ما اتصل
سنده بنقل عدل خف ضبطه من غير شذوذ ولا علةٍ )). وشرط الحسن لذاته نفس شرط الصحيح ، إلا
أنّ راوي الصحيح تامّ الضبط ، وراوي الحسن لذاته خفيف الضبط . وسمّي حسناً لذاته لأنّ حسنه ناشئ
عن توافر شروط خاصّة فيه ، لا نتيجة شيء خارج عنه .
وقد تبين لنا : أنّ راوي الحسن لذاته هو الراوي الوسط الذي روى جملة من الأحاديث ، فأخطأ في بعض
ما روى ، وتوبع على أكثر ما رواه ؛ فراوي الحَسَن : الأصل في روايته المتابعة والمخالفة وَهُوَ الذي يطلق
عَلَيْهِ الصدوق ، لأنّ الصدوق هُوَ الذي يهم بَعْض الشيء فنزل من رتبة الثقة إلى رتبة الصدوق. فما
أخطأ فيه وخولف فيه فهو من ضعيف حديثه ، وما توبع عليه ووافقه من هو بمرتبته أو أعلى فهو من
صحيح حديثه . أما التي لم نجد لها متابعة ولا شاهداً فهي التي تسمّى بـ ( الحسان)؛ لأنّا لا ندري
آأخطأ فيها أم حفظها لعدم وجود المتابع والمخالف ؟ وَقَدْ احتفظنا بهذه الأحاديث التي لَمْ نجد لها متابعاً
ولا مخالفاً وسميناها حساناً؛ لحسن ظننا بالرواة ؛ ولأنّ الأصل في رواية الراوي عدم الخطأ، والخطأ طارئً؛
ولأنّ الصدوق هُوَ الذي أكثر مَا يرويه مِمَّا يتابع عَلَيْهِ. فجعلنا مَا تفرد بِهِ من ضمن مَا لَمْ يخطأ فِيهِ تجوزاً ؛
لأنّ ذلك هو غالب حديثه ، ولاحتياجنا إليه في الفقه . وبمعنى هذا قول الخطّابي: (( ... وهو الذي يقبله
أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء)). ولا بأس أن نحد ذلك بنسبة مئوية فكأن راوي الحسن من روى
- مثلاً لا حصراً - مئتي حديث فأخطأ في عشرين حديثاً وتوبع في ثمانين . فالعشرون التي أخطأ فيها من
ضعيف حديثه. والثمانون التي توبع عليها من صحيح حديثه. أما المئة الأخرى وهي التي لم نجد لها متابعاً ولا
مخالفاً فهي من قبيل (الحسن). ومن حاله كهذا: عاصم ابن أبي النجود ، فقد روى حملة كثيرة من الأحاديث
فأخطأ في بعض وتوبع على الأكثر فما وجدنا له به متابعاً فهو صحيحٍ ، وما وجدنا له به مخالفاً أوثق منه
عدداً أو حفظاً فهو من ضعيف حديثه . وما لم نجد له متابعاً ولا مخالفاً فهو (حسن) خلا روايته عن أبي
وائل، وزر بن حبيش. وانظر: كتابنا كشف الإيهام الترجمة (٣٢٨). وممن حاله كحال عاصم: ((عبيدة
ابن حميد الكوفي ، وسليمان بن عتبة وأيوب ابن هانئ ، وداود بن بكر ابن أبي الفرات ، ومحمد بن عمرو
ابن علقمة، والحارث ابن عبد الرحمن ابن أبي ذباب، ويونس ابن أبي إسحاق ، وسماك بن حرب )).
وهذا الرأي وإن كان بنحو ما انتهى إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني إلا أننا لم نجد من فصّله هكذا . وهو
جدير بالقبول والتداول بين أهل العلم . وقد يتساءل إنسانٌ بأن من قيل فيهم : صدوق أو حسن الحديث
قد اختلف المتقدمون في الحكم عليهم تجريحاً وتعديلاً . وجواب ذلك : أنّ الأئمة النقاد قد اطّلعوا على ما
أخطأ فيه الراوي وما توبع عليه فكأنّ المجرّح رأى أن ما خولف فيه الراوي هو الغالب من حديثه، والمعدّل
كذلك رأى أن ما توبع عليه هو غالب حديثه فحكم كلِّ بما رآه غالباً ، غير أنا نعلم أنّ فيهم متشددين
يغمز الراوي بالجرح وإن كان خطؤه قليلاً ، ومنهم متساهلين لا يبالي بكثرة الخطأ ، وعند ذلك يؤخذ
بقول المتوسطين المعتدلين .
ولذا نجد الحافظ ابن عدي في الكامل ، والإمام الذهبي في الميزان يسوقان أحياناً ما أنكر على الراوي
الوسط ثم يحكمان بحسن رواياته الأخرى . والله أعلم .
١٤٣

٥١ .. (حَمْدٌ) وَقَالَ (التِّرمِذِيُّ): مَا سَلِمْ
مِنَ الشُّذُوْذِ مَعَ رَاوِ مَا أُّهِمْ
ء
قُلْتُ: وَقَدْ حَسَّنَ بَعْضَ مَا انفَرَدْ
٥٢. بِكَذِبٍ وَلَمْ يَكُنْ فَرْداً وَرَدْ
٥٣. وَقِيْلَ: مَا ضَعْفٌ قَرِيْبٌ مُحْتَمَلْ
فِيْهِ ، وَمَا بِكُلّ ذَا حَدٌّ حَصَلْ
مِن أقسامِ السُّنَنِ: (الحَسَنُ). قَدِ اختلفتْ أقوالُ أئِمَّةِ الحَدِيْثِ في حَدِّهِ (١)، بالنظرِ
لِقِسمَيْهِ الآتيينِ ، وَقَدْ شَرَعَ فِي بَيَانِهِ ، فَقَالَ :
( والحَسَنُ المَعْرُوفُ مَخْرَجاً ) بِنَصْبِهِ تمييزاً مُحوَّلاً من نائبِ الفاعِلِ أي: المعروفُ
مَخْرَجُهُ أي : رجالُهُ ، وكلٌّ مِنْهُمْ مَخْرَجٌ خَرَجَ مِنْهُ الحديثُ ، ودارَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ كنايةٌ
عَنِ الأَنِّصَالِ : إذِ المرسَلُ، والمنقطعُ، والمُعْضَلُ، والمدلِّسُ - بفتح اللامِ - قَبْلَ أَنْ يتبيَّنَ
تدليسَهُ لا يُعرفُ مَخْرَجُ الحديثِ مِنْها .
(وَقَدْ اشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ) بالعدالةِ والضبطِ اشتهاراً دُوْنَ اشتهارِ رجالِ الصَّحِيحِ،
( بذاكَ ) أي: بما ذكرَ من الاتّصالِ والشُّهرةِ (حَدْ) الحافظُ أَبو سليمانَ (حَمْدٌ)
- بإسكان الميم - بنُ مُحَمَّدٍ بِنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ الخطّابِ البُسْتِيُّ ، الشافعيُّ ، المشهور
بـ ((الخَطَّابِيِّ)) نسبةً إلى حَدِّ أبيهِ (٢) .
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٨٠/١.
(٢) فقد قال في معالم السّنن ١١/١: ((الحسن: ما عرف مخرجه واشتهر رجاله. قال: وعليه مدار أكثر
الحديث ، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء)). وهذا التعريف نقله الإمام المزي في
تهذيب الكمال ٧١/١. قال الحافظ العراقي: (( ورأيت في كلام بعض المتأخرين أن في قوله: ما عرف
مخرجه ؛ احترازاً عن المنقطع، وعن حديث المدلس قبل أن يتبين تدليسه . قال ابن دقيق العيد: (( ليس في
عبارة الخطابيّ كبير تلخيص . وأيضاً فالصحيح قد عرف مخرجه واشتهر رجاله . فيدخل الصّحيح في حد
الحسن . قال : وكأنه يريد مما لم يبلغ درجة الصّحيح)).
قال الشّيخ تاج الدين التبريزي: فيه نظر ؛ لأنه - أي : ابن دقيق العيد - ذكر من بَعْدَ : أن الصّحيح
أخص من الحَسَن. قَالَ : ودخول الخاص في حد العام ضروري. والتقييد بما يخرجه عَنْهُ مخلٌّ للحدّ
وهو اعتراضٌ متجة)). انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٨٠/١-١٨١، والاقتراح ١٦٣-١٦٥ ،
ونكت الزّركشيّ ٣٠٤/١، والتقييد والإيضاح ٤٣، ونكت ابن حجر ٣٨٥/١، والبحر الذي زخر
٩٥٠/٣.
١٤٤

وبما قرَّرتُه في الاشتهار، سقطَ الاعتراضُ بأنْ الخطَّابِيَّ لَمْ يَميِّزِ الحَسنَ مِنَ الصَّحِيحِ ،
ولا من الضَّعِيفِ .
( وَقَالَ ) الحافِظُ أَبُو عِيسى مُحَمَّدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرَةَ ( التِّرْمِذِيّ) - بكسرِ
التاءِ والميمٍ عَلَى المشهورِ، وبالمُعجَمةِ - نسبةً إلى تِرْمِذَ مدينةٍ بطرفٍ حَيْحُوْنَ هَرِ بَلْخَ (١) -
في " العِللِ " التي في آخر جامعِهِ ما حَاصِلُهُ: الحسنُ عندنا: ( ما سَلِمْ مِنَ الشُّذوذِ مَعَ
راوٍ ) أي: مَعَ أنَّ راوياً من رُواتِهِ ( ما اتُّهِمْ بِكَذِبٍ ) بأن لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَعمُّدُهُ (٢) .
ولَمَّا شَمِلَ هَذَا مَا كَانَ بَعْضُ رواتِهِ سَيِّيءَ الْحِفْظِ، أَوْ مستوراً ، أَوْ مدلّساً بالعَنْعَنَةِ ،
أَوْ مُخْتُلِطاً، شَرَطَ شَرْطً آخرَ ؛ فقالَ: ( وَلَمْ يَكُنْ فَرْداً وَرَدْ ) ، بَلْ جَاءَ مِن وجهٍ آخرَ
فأكثرَ ، مِثْلَهُ ، أَوْ فوقَهُ، بلفظِهِ ، أَوْ بِمعناهُ ؛ لِيَتَرجَّحَ بِهِ أحدُ الاحتمالينِ .
لأنّ سِيءَ الحفظِ -مثلاً- يُحتملُ أَنْ يكونَ ضَبَط مرويَّهُ، ويُحتملُ خلافُه. فإذا
وَرَدَ مثلُ مَا رَوَاهُ مِن وجهٍ آخرَ ، غَلَبَ عَلَى الظنِّ أَنَّهِ ضَبَطَ .
واعتُرِضَ عَلَيْهِ: بأنَّ مَا حدَّ بِهِ الحَسنَ، لَمْ يَمِّرْهُ عَنْ الصَّحِيحِ، وَرَدَّه بأنَّه مَيَّزَهُ عَنْهُ،
حيثُ شَرَطَ فِيهِ أن يُرْوَى مِن وجهٍ آخرَ ، دُوْنَ الصَّحِيحِ (٣).
رُدِّ بَأَنَّهُ لَمْ يَشترطْ (٤) ذَلِكَ في كلِّ حَسَنِ ، بَلْ فَيَمَا قَالَ فِيهِ: حَسَنٌ فَقَطْ، وَهُوَ
الحسنُ لغيره، دُوْنَ ما قَالَ فِيهِ: ((حَسَنٌ صَحِيْحٌ))، أَوْ ((حسنٌ غريبٌ))، أَوْ ((حسنٌ
صَحِيْحٌ غريبٌ)) وَهُوَ الحسنُ لذاتِهِ (٥) .
كَمَا أشارَ إِلَى ذَلِكَ بقولهِ: (قُلتُ: و) مَعَ شَرْطِهِ عَدَمَ التفرَّدِ بِهِ (قَدْ حَسَّنَ)
في "جامعِهِ " (بَعضَ ما انْفَرَدْ) بِهِ راويهِ، حيث يَقُولُ عَقِبَ الَحَدِيثِ: ((حَسَنٌ غَرِيبٌ ،
(١) انظر: معجم البلدان ٢٦/٢ .
(٢) الجامع ٢٥١/٦ ( العلل )
(٣) انظر مناقشات العلماء لتعريف الترمذي للحديث الحسن في معرفة أنواع علم الحديث: ١١١، وشرح
التبصرة والتذكرة ١٨١/١ وما بعدها، ونكت الزّركشيّ ٣٠٧/١، وتدريب الراوي ١٥٨/١ وما بعدها،
والمنهل الروي ٥٣، وتوضيح الأفكار ١٦٠/١، والنكت لابن حجر ٣٨٥/١ وما بعدها .
(٤) في (ص ) : ((يشرط)).
(٥) انظر : النزهة : ٩٤ .
١٤٥

لا نعْرِفُهُ إِلاَّ مِن هَذَا الوجهِ)) فانتقضَ شرطُه المذكورُ (١) .
لكِنْ أَجابَ عَنْهُ شيخُنا تَبَعاً لغيره: ((بأنَّه إِنَّمَا حَدَّ مَا يَقُولُ فِيهِ ((حَسَنٌ)) فَقَطْ، لا
الحَسَنُ مُطْلَقاً، إما لِغُمُوضِهِ، أَوْ لأَنَّهُ اصْطلاحٌ جديدٌ لَهُ)) (٢) .
(وَقِيلَ)، يَعْنِ: وَقَالَ الحافِظُ أَبُو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزِيِّ في كتابَي (٣) "الموضوعات" (٤)
و " العِللِ المتناهِيةِ " (٥): الحسَنُ (مَا) بِهِ (ضَعْفٌ قَرِيبٌ محتَمَلْ) - بفتح الِيْمِ - (فِيهِ).
فالحَسَنُ لِذاتِهِ ضعيفٌ بالنّسبةِ للصَّحِيحِ ، والحسنُ لغيرِهِ ضَعِيفٌ أصالةً، وإنّما طَرأ
عَلَيْهِ الْحُسْنُ بما عَضَدَهُ ، فَاحْتَمَلَ الضّعفَ لوجودِ العاضدِ .
فهذه ثلاثةُ أقوال .
( وَمَا بِكُلِّ ذَا) أي: بِكُلِّ قولٍ مِنْها ( حَدٌّ) صَحِيْحٌ (حَصَلْ) للحَسَنِ ، بَلْ هُوَ
كَمَا قَالَ ابنُ الصَّلَاحِ: «مُسْتَبْهَمٌ لا يَشْفِي الغَليلَ)) (٦) .
لأَنَّه غَيْرُ جامعٍ لأفرادِ الحَسَنِ في الأولينَ، ولِعَدمِ ضَبْطِ القَدْرِ المحتَمَلِ في الأخيرِ (٧) .
٥٤. وَقَالَ (٨): بَانَ لِي يامْعَانِ (٩) النَّظَرْ أَنَّ لَهُ قِسْمَيْنِ كُلِّ قَدْ ذَكَرْ
(١) قال الحافظ العراقي: ((هذا من الزوائد على ابن الصّلاح. وهو إيراد على التّرمذي ، حيث اشترط في
الحسن أن يروى من غير وجهٍ نحوه . ومع ذلك فقد حسّن أحاديث لا تروى إلا من وجه واحد)).
وضرب لذلك مثالاً. انظر : شرح التبصرة والتذكرة ١٨٢/١-٠١٨٣
(٢) نزهة النظر : ٩٥ .
(٣) في ( ق ) : (( كتاب)) .
(٤) الموضوعات ٣٥/١، ونقله العراقي في التقييد والإيضاح: ٦١، وهذا التعريف انتقده السخاوي في فتح
المغيث ٦٦/١ بقوله: ((هذا كلام صحيح في نفسه، لكنه ليس على طريقة التعاريف)).
(٥) لم نجده ، ولعله مما سقط من المطبوع، وقد ذكره العراقي في التقييد والإيضاح : ٦١ .
(٦) معرفة أنواع علم الحديث : ١١٢.
(٧) انظر : شرح التبصرة والتذكرة ١٨٤/١.
(٨) في النفائس: ((قد بان))، وفي جميع النسخ: ((وقال بان))، وهو الصحيح ؛ لأن :
(( ذكر)) في نهاية البيت بصيغة الغياب، و((قال)) مشعرة به، على العكس من: ((قد)).
(٩) في نسخة ب وج من متن الألفية: ((بإمعاني)).
١٤٦

وَلاَ بِنُكْرِ أوْ شُذُوْذِ شُمِلاً
٥٥. قِسْماً، وَزَادَ كَونَهُ مَا ◌ُلِّلا
وَالْعُلَمَاءُ الْجُلُّ مِنْهُمْ يَقْبُلُهْ
٥٦. وَالفُقَهَاءُ (١) كلُّهُمْ تَسْتَعمِلُهْ (٢)
حُجَّيَّةً وإِنْ يَكُنْ لا يَلْحَقُ
٥٧. وَهْوَ بِأَفْسَامِ الصَّحِيْحِ مُلْحَقُ
( وَقَالَ ) أي : ابنُ الصلاحِ ( بَانَ) أي: ظَهَرَ ( لي يامْعَانٍ ) أي : إكثاري
( النَّظَرْ) فِي ذَلِكَ، والبحثِ فِيهِ (٣) ، جامعاً بَيْن أطرافٍ كلامِهِم ، مُلاحظاً فِيهِ مواقعَ
استعمالِهم. (أَنَّ لَهُ) أي: للحَسَنِ ( قسمينِ ) (٤): أحدُهما أي: وَهُوَ المسمَّى بالحسنِ
لغيره :
(( مَا في إسناده مستورٌ لَمْ تَتَحَقَّقْ (٥) أهْلِيَّتُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مُغفّلاً، ولا كثيرَ الخطإِ
فِيمَا يَروِيهِ ، ولا مُتَّهماً بالكَذِبِ فِيهِ ، ولا يُنْسَبُ إلى مفَسِّقٍ آخَرَ ، واعتضدَ بمتابعٍ أَوْ
شاهدٍ)) (٦) .
وثانيْهِما أي: وَهُوَ المسمَّى بالحسَنِ لذاتِهِ :
((ما اشتَهَرَ راويهِ (٧) بالصِّدْقِ والأمَانَةِ، وَلَمْ يَصِلْ في الحفظِ ، والإتقان، رُتبةَ
رجالِ الصَّحِيحِ)).
فالقسمانِ (كُلِّ ) مِنَ التِّرْمِذِيّ والَخَطَّابِيِّ (قَدْ ذَكَرْ) مِنْهُمَا ( قِسْماً)، وتركَ
الآخرَ لظهورِهِ عنده، أَوْ لذهولِهِ عَنْهُ، أَوْ لغيرِه (٨) .
(١) انظر: النكت الوفية : ٦٥ / ب .
(٢) في (م ): ((يستعمله)) ، وكلاهما جائز.
(٣) المثبت من (ص) و (ق) و (ع) وفي (م): ((به )) .
(٤) اعترض على ابن الصلاح في تقسيمه هذا باعتراضات ، أوردها الزّركشيّ مع أجوبته عنها فانظر: نكته
٣١٣/١-٠٣١٧
(٥) في ( ق ): ((يتحقق )) .
(٦) معرفة أنواع علم الحديث : ١١٣ .
(٧) في (ق): ((رجاله))، وفي (ع): ((رواته))، والأصح ((راويه))؛ لأن ضمير الفعل: (( يصل))
يعود على مفرد لا جمع .
(٨) في (ص): ((أي ولغيره))، وفي (ع): ((أي أو لغيره)) .
١٤٧

فَكَلامُ التِّرْمِذِيِّ يُنَزَّلُ (١) عَلَى الأَوْلِ ، وكلامُ الخَطَّابِيِّ عَلَى الثّاني (٢).
(وَزَادَ ) ابنُ الصَّلَاحِ فِي كُلِّ مِنْهُمَا (كَوْنَهُ مَا عُلِّلًا ) بأَلِفِ الإطلاقِ ( وَلاَ بِنُكْرٍ
أَوْ (٣) شُذُوذِ شُمِلاَ ) ببنائِهِ للمَفْعولِ (٤)، وبألفو الإطلاقِ، بأَنْ يَسْلَمَ مِن كُلِّ من الثلاثةِ ،
لكنْ زيادتُّهُ الْثّالِثُ (٥) إِنَّمَا هِيَ عَلَى الْخَطّبِيِّ دُوْنَ التِّرْمِذِيِّ، لما مَرَّ .
( والفُقَهَاءُ كُلُّهِمْ تَسْتَعْمِلُهْ ) في الاحتجاجِ والعَملِ بِهِ، ( وَالعُلَمَاءُ ) مِنَ الُحدِّثِينَ،
وغَيْرِهِم ( الْجُلُّ) أي: المعظَمُ ( مِنْهُمْ يَقْبَلُهْ ) فِيهِمَا أَيْضَاً (١٦).
(وَهْوَ) أي : الحسنُ بِقِسْمَيْهِ ( بأقسامِ الصَّحِيحِ مُلْحِقُ حُجِيَّةً ) أي : في
الاحْتِجاجِ بِهِ، (وإِن يَكُنْ لا يَلْحَقُ ) الصَّحِيحَ رُئبةً، لضَعْفِ راوِيهِ ، أَو انحطاطِ ضَبْطِهِ.
بَلْ قَالَ ابنُ الصلاحِ: (( مَنْ سَّاهُ صَحِيحاً لاندراجِهِ فِيمَا يَحْتَجُّ بِهِ، لا يُنْكِرُ أَنَّه
دونَّهُ، فهذا اخْتَلافٌ في العِبارةِ دُوْنَ المَعْنَى)) (٧).
فَقُلْ: إذا كَانَ مِنَ المَوْصُوْف
٥٨. فَإِنْ يُقَلْ: يُحْتَجُّ بِالضَّعِيْفِ
بِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ يُذْكَرُ
٥٩. رُوَاتُهُ بِسُوْءٍ حِفْظٍ يُجْبَرُ
أَوْ قَوِيَ الضَّعْفُ فَلَمْ يُجْبَرِ ذَا
٦٠. وَإِنْ يَكُنْ لِكَذِبِ أوْ شَذَّا
أوْ أرْسَلُوا كَمَا يَجِيءُ اعْتُضِدَا
٦١. أَلاَ تَرَى الْمُرْسَلَ حَيْثُ أُسْندَا
(١) في ( ق) و (ص): ((منزل)).
(٢) معرفة أنواع علم الحديث : ١١٣، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٨٥/١.
(٣) بعد هذا في (م): (( بالدرج)) .
(٤) ويسمّى أيضاً : مبنياً للمجهول .
(٥) في (ق): ((زيادة الثلاثة)) وفي (ع): ((زيادة الثّالث)). وجاء بعدها في (م): (( أي الشذوذ))،
وقد سقطت من أصولنا .
(٦) قال العراقي: ((البيت الأول مأخوذ من كلام الخطّابِيّ. وقد تقدم نقله عنه إلا أنه قال: عامة الفقهاء،
وعامة الشيء يطلق بإزاء معظم الشيء وبإزاء جميعه. والظاهر أن الخطّابِيّ أراد الكلّ. ولو أراد الأكثر لما
فرّق بين العلماء والفقهاء)). انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٨٧/١.
(٧) معرفة أنواع علم الحديث : ١٢٧، وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٨٧/١.
١.٤٨

( فَإِنْ يُقَلْ)(١)، فِيْمَا مَرَّ: من أَنَّ الَحَسَنَ لغيرِهِ يُكْتَفَى فِيهِ بكونِ راويهِ غيرَ مَّهَمٍ،
وفي عَاضِدِهِ بكونِهِ مِثْلَه، مَعَ أنَّ كلاّ مِنْهُمَا ضَعِيْفٌ، لا يُحتجُّ بِهِ: كيفَ (يُحْتَجُّ
بالصَّعِيفِ ) إذَا انضمَ إِليهِ ضَعِيْفٌ مَعَ اشتراطِهِم الثّقةَ في القَبولِ ؟
( فَقُلْ ) : لا مانعَ مِنْهُ؛ لأنَّ الحديثَ (إِذَا كَانَ مِنَ المَوْصُوفِ رُوَاتُهُ) واحدٌ أَوْ
أكثرُ ( بِسُوْءٍ حِفْظٍ ) أَوْ باختلاطِ، أَوْ بتدليسٍ ، مَعَ انِّصافِهِم بالصِّدِقِ والدِّيانةِ ، ( يُجْبَرُ
بكَونِهِ مِنْ غيرِ وجهٍ يُذْكَرُ ) فانجبرَ لاكتسابهِ من الهيئةِ المجموعةِ قوةً (٢) ، كما في الصَّحِيحِ
لغيره الآتي بيانُه .
ولأنّ الحكمَ عَلَيْهِ بِالضَّعْفِ إِنَّمَا كَانَ لاحتمالِ ما يمنعُ القُبولَ ، فلمَّا جاءَ العاضدُ
غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ زوالُ ذَلِكَ الاحتمالِ .
وليسَ هَذَا مِثْلُ شهادةٍ غيرِ عدلٍ ، انضمَّ إليها شهادةٌ مثلِهِ ؛ لأنَّ بابَ الشهادة
أضيقُ من باب الروايةِ .
( وإِنْ يَكُنْ ) ضَعْفُهُ ( لِكَذبِ ) في راوِهِ، (أَوْ شَذَّا) أي : أَوْ شذوذٍ في روايته
( أَوْ قَوِيَ الصَّعْفُ ) بشيءٍ آخرَ ، مما يقتضي الرَّدِّ ، ( فَلَمْ يُجَبَرْ ذَا ) أي الضَّعفُ بوجهٍ
آخرَ ، وإِن كَثُرَتْ (٣) طُرُّتُهُ .
كحديثِ: (( مَنْ حَفِظَ عَلَى أَمَّتِيْ أَرْبَعِيْنَ حَدِيْثً مِنْ أَمْرِ دِيْنِهَا، بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فِيْ زُمْرَةِ الفُقَهَاءِ والعُلَمَاءِ)) (٤) .
٠
(١) المثبت من أصولنا ومن متن الألفية، وفي ( م): ((قيل)).
(٢) انظر: النزهة : ٩٢ .
(٣) المثبت من ( ق) و (ع) و (ص): وفي (م): ((قويت)).
(٤) العلل المتناهية ١١٩/١، والتذكرة للزركشي ١٨٨٥/٢، والدرر المنتثرة ٣٨٧/١، وجاء في نسخة ( ق )
تعليقة للعلامة الآلوسي، قال فيها: ((هكذا روي عن عليّ ◌َظُّه، وفي رواية بعثه الله فقيهاً عالماً، وفي
رواية أبي الدرداء (( وكنت له يوم القيامة شافعاً وشهيداً)) ، وفي رواية ابن مسعود : (( وقيل له ادخل من
أي أبواب الجنة شئت)) ، وفي رواية ابن عمر ((كتب في زمرة العلماء وحشر في زمرة الشهداء)) كذا
ذكره بعض المحدّثين ، وفي بعض الروايات نوع تخالف وقد يجمع باختلاف المراتب فتدبر)).
١٤٩

فَقَدْ أَّفقَ الْحُفّاظُ عَلَى ضَعْفِهِ مَعَ كَثْرَةِ طُرُقِهِ؛ لقوَّةِ ضعفِه (١) ، وقصورِها من جَبْرِهِ،
بخلاف مَا مَرَّ ؛ لما خفّ ضَعْفُهُ ، وَلَمْ يَقْصُرِ الجابرُ عَنْ حَبْرِهِ ، انجبرَ ، واعتضدَ .
( ألا تَرى) الحديثَ (المرسلَ) مَعَ ضَعْفِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، ومُوَافِقِيْهِ (حَيْثُ
أُسْندا) من وجهٍ آخرَ ( أَوْ أرسَلُوا) أي: أُرْسِلَ من وجهٍ آخرَ، بأن أرْسَلَهُ مَنْ أخذَ
العِلْمَ مِنْ غِيرِ رجالِ التَّابِعِيِّ الأَوْلِ ( كما يَجيءُ ) بيانُهُ في بابِهِ (اعتضدا) ، وصارَ بذلك
حُجَّةً .
واعتُرضَ : بأنَّ الحديثَ إذَا أُسندَ ، فالاحتجاجُ بالمسندِ .
وأُجيبَ : بأنّ المرادَ: مُسْندٌ، لا يُحتجُّ بِهِ منفرداً، وبأنّ ثَمرتَهُ تَظْهَرُ فيما لَوْ
عارضَهُ مسندٌ مثلُهُ ، فإِنَّهُ يُرجِّحُ عَلَيْهِ لاعتضادِهِ بالمرسَلِ .
وَالصِّدْقِ رَاوِيهِ، إِذَا أَتَى لَهْ
٦٢. وَالحَسَنُ: الْمشهُوْرُ بِالعَدَالَة
صَحَّحْتُهُ كَمَتْنِ (لَوْلاَ أنْ أَشُقْ )
طُرُقٌ اخْرَى نَحْوُهَا مِن الطُّرُقْ
٦٣.
عَلَيْهِ فَارْتَقَى الصَّحِيْحَ يَجْرِي
إِذْ تَابَعُوْا (مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو)
٦٤.
( وَالَحَسنُ ) لذاتِهِ الذي (٢) هُوَ (المشهورُ بالعَدَالَهْ والصِّدَقِ راويهِ )، برفعِهِ
بـ: (المشهورُ) أي: المشهورُ رواتُه (٣) بِذَلِكَ اشتهاراً دُوْنَ اشتهارِ رجالِ الصَّحِيحِ،
كَمَا مرَّ (إِذَا أَتَى لَهْ طُرُقِ اخْرَى) - بالدرج - ( نحوُها ) أي: نحوُ طريقهِ ( من
الطُرُقِ ) التي دُونَها ( صَحَّحْتُهُ) (٤) .
فإنْ ساوتها، أَوْ رجحَتْهَا ، فمجيئُهُ من طريقٍ آخرَ كافٍ ، وهذا هُوَ الصَّحِيحُ
لغيره ، وما مَرَّ قبلُ ، هُوَ الصَّحِيحُ لذاتِهِ ، كَمَا مَرَّ التنبيهُ عَلَيْهِ .
ذَلِكَ ( كـ: مَتْنِ ) أي: حديثِ: ((( لَولاَ أنْ أشُقْ) عَلَى أَمَّتِي لِأَمَرَّتُهُمٍ بِالسِّوَاكِ
(١) هذا الكلام اقتبسه الشارح من كلام الإمام النووي في ديباجة أربعينِه : ٤ .
(٢) ((الذي )) سقطت من ( ق ).
(٣) في (ق) و (ع): ((راويه)) .
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٩١/١، وللبقاعي تعليق مفيد في هذا الموضع، يراجع النكت الوفية: ٧٠/ أ.
١٥٠

٠٠٠٠
عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ) (١)، (إذ(٢) تَابَعُوا ) راويِهِ ( مُحَمَّدَ بنَ عَمْرٍو ) بِنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ، فِي شَيخِ شيخِهِ، حَيْثُ رَوَاهُ جماعةٌ غَيْرُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(٣).
( فارْتَقى ) من طريقٍ مُحَمَّدٍ بهذهِ المتابعاتِ ( الصَّحِيحَ يَجْرِي ) أي : جارياً إليهِ .
ولولاها لَمْ يرتَقِ (٤)؛ لأنّ راويه مُحَمَّداً ، وإنْ اشتهرَ بالصِّدْقِ، والصِّيانةِ، ووثّقَهُ
بعضُهم لذلك، لَمْ يكنْ متقناً، حَتَّى ضَعَّفَه بعضُهم لِسُوءِ حِفْظِهِ (٥) .
والحديثُ رواهُ الشيخانِ مِن طريقِ عبدِ الرَّحمانِ بنِ هُرْمُزَ الأعرجِ (٦) ، فَهُوَ صَحِيْحٌ
لذاتِهِ مِنْ طريقِهِ، صَحِيْحٌ لغيرِهِ ، حَسَنٌ لذاتِهِ من طريقِ مُحَمَّدٍ باعتبارَيْنِ (٧) .
جَمْعُ (أَبِي دَاوُدَ) أيْ في السُّنَنِ
٦٥. قَالَ: وَمِنْ مَظِئَّةٍ لِلحَسَنِ
ما صَحَّ أوْ قَارَبَ أوْ يَحْكِيْهِ
٦٦. فإِنَّهُ قَالَ: ذَكَرْتُ فِيْهِ
وَحَيْثُ لاَ فَصَالِحٌ خَرَّجْتُهُ
٦٧. وَمَا بِهِ وَهْنّ شَدِيْدٌ قُلْتُهُ
عَلَيْهِ عِنْدَهُ لَهُ الْحُسْنُ ثَبَتْ
٦٨. فَمَا بِهِ وَلَمْ يُصَخَّحْ وَسَكَتْ
(١) أخرجه أحمد ٥٨/٢ و٢٨٧ و٣٩٩ و٤٢٩، والترمذي (٢٢)، والطحاوي في شرح المعاني ٤٤/١،
والطبراني في الأوسط (٧٤٢٠)، والبيهقي ٣٧/١، وأبو نعيم في الحلية ٣٨٦/٨.
(٢) في ( ق ): ((إذا)).
(٣) منهم: حميد بن عبد الرحمان، وحديثه أخرجه: أحمد في مسنده٤٦٠/٢ و ٥١٧، والنسائي في الكبرى (٣٠٤٣)
و (٣٠٤٤) و (٣٠٤٥)، وابن الجارود في المنتقى (٦٣)، وابن خزيمة في صحيحه (١٤٠)،
والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤٣/١، والطبراني في الأوسط (٧٤٢٠)، والبيهقي في الكبرى ٣٥/١.
وكذلك أخرجه من طريق عطاء مولى أم صبيّة عن أبي هريرة مرفوعاً: أحمد في مسنده ١٢٠/١ و
٥٠٩/٢، والدارمي (١٤٩٢)، والنسائي في الكبرى (٣٠٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار
٤٣/١. والبيهقي في الكبرى ٣٦/١ .
ورواه مالك في الموطأ ٨٥/١ (بشرحه تنوير الحوالك) من طريقه موقوفاً على أبي هريرة . قال ابن عبد
البر في التمهيد ١٩٩/٧ : ((هذا الحديث يدخل في المسند لاتصاله من غير وجه، ولما يدل عليه اللفظ)).
ثم قال: (( وبهذا اللفظ رواه أكثر الرواة عن مالك)).
(٤) في ( ق ): ((يرتق إليه)) .
(٥) معرفة أنواع علم الحديث : ١١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١٩٢/١.
(٦) صحيح البخاري ٥/٢ (٨٨٧) و١٠٥/٩ (٧٢٣٩)، وصحيح مسلم ١٥١/١ (٢٥٢).
(٧) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١٩٢/١-١٩٤.
١٥١

( قَالَ ) ابنُ الصلاحِ : ( ومِنْ (١) مَظِنَّةٍ) - بكسر الظاء - أي : موضعُ الظنِّ ،
بمعنى: العِلْم (لِلحَسَنِ ) أي: ومن مَظَانِّهِ (٢) غيرُ مَا مَرَّ: (جَمْعُ ) الإمامِ الحافظِ ( أبي
داودَ) سليمانَ بنِ الأشعثِ السِّحِسْتَانيّ، (أيْ فِي ) كتابِهِ (السُّتَنِ، فَإِنَّهُ قَالَ :
ذَكَرْتُ فِيْهِ مَا صَحَّ، أَوْ) ما (قَارَ) ◌ُ، يعني: الحسنَ لغيرِهِ، (أَوْ) ما (يَحْكِيْهِ ) أي:
يُشْبِهُهُ ، يعني: الحسنَ لذاتِهِ، و ((أَوْ)) للتقسيم .
وعبّر أَبُو دَاوُدَ بـ ((الواو))، وَهِيَ فِيهِ أجودُ مِن ((أَوْ))، فَقَالَ: ذكرتُ فِيهِ
الصَّحِيحَ ، وما يُشْبِهُهُ، وما يُقارِبُهُ (٣) .
قَالَ: ( وَمَا ) كَانَ فِيهِ من حديثٍ (بِهِ وَهْنٌ ) أي: ضَعْفٌ (شديدٌ، قُلْتُهُ) أي:
بَيَّنْتُ وَهْنَهُ أي: إلاَّ أَنْ يكونَ ظاهراً، فلم أَبَيِّنْهُ لظهورِهِ .
(وحَّيْثُ لاَ) وَهْنَ بِهِ شديدٌ ، ولم أذكرْ فِيهِ شيئاً، (فـ) (٤) هُوَ (صالِحٌ خَرَّجْتُهُ)،
(١) في (م): ((من )) بدون (واو ).
(٢) قال في الصحاح: ((مظنّة الشيء: موضعه ومألفه الذي يظنّ كونه فيه، والجمع المظانّ)، وقال في
اللسان: (( المظان جمع مظنّة -بكسر الظاء- وهي موضع الشيء ومعدنه ، مفعلة من الظن بمعنى: العلم)).
انظر: الصحاح ٢١٦٠/٦، واللسان ٢٧٤/١٣ (ظنن).
(٣) هذا النصّ الذي يذكر في كتب المصطلح بلفظ: ((ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه))، لم
نجده في رسالة أبي داود إلى أهل مكة المطبوع مع مقدّمة عون المعبود ٥٣/١ ، وكذا في المطبوع مع بذل
المجهود ١ / ٣٥، ولا في المطبوعة بتحقيق الدكتور محمد لطفي الصباغ . على الرغم من تضافر العديد من
كتب المصطلح على نسبته إلى الرسالة . ينظر: التقييد والإيضاح: ٥٥، وفتح المغيث ١ / ٧٧ ،
وكشف الظنون ٢ / ١٠٠٥، وقد رواه عنه الخطيب في تاريخ بغداد ٥٧/٩ ، من طريق ابن داسة، عنه،
من غير عزو إلى رسالته ، والذي يدّل عليه صنيع الحازمي في شروط الأئمة الخمسة : ٦٧ - ٦٨ ، أنّ
هذا المقطع ليس في رسالة أبي داود ، فإنّه نقل بسنده نصّاً من الرسالة ، ثم قال عقبه: (( وقد روينا عن أبي
بكر بن داسة أنّه قال : سمعت أبا داود يقول : ... فذكره)). وهذا هو مقصد ابن الصلاح في معرفة
أنواع علم الحديث: ١١٩ - ١٢٠، فإنه قال: ((وروينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح ... )). ثم
قال : (( وروينا عنه أيضاً ما معناه: أنه يذكر في كل باب أصحّ ما عرفه)). وهذا النقل الثاني عن رسالة
أبي داود إلى أهل مكّة ١ / ٣٥، فكأنه يشير إلى أنّ الأول ليس في الرسالة . فرحمه الله ما أنبل قصده
وأدق مسلكه . وينظر ما كتبه محقق النفح الشذي ١ / ٢٠٧ - ٢٠٨ .
(٤) سقطت من (ص ) .
١٥٢

وبعضُه أصحُّ مِنْ بعضٍ (١) .
قَالَ ابنُ الصلاحِ (٢): (فَـ) عَلَيْهِ: (مَا) وَجَدْنَاهُ ( بِهِ) أي : بكتابِهِ ، ( وَلَمْ
يُصَحَّحْ) - ببنائِهِ للمفعول - أي: لَمْ يُصَحِّحْهُ أحدٌ مِنَ الشَّيْخِينِ، ولا غَيْرِهِما، ◌َّنْ
يُمِّزُ بَيْنَ (٣) الصَّحِيحِ والحَسَنِ، (وَسَكَتْ) أي (٤): أَبُو داودَ (عَلَيْهِ)، فَهُوَ ( عِندَهُ لَهُ
الْحُسْنُ ثَبَتْ)، وإِنْ كَانَ فِيهِ مَا ليسَ (٥) بحسَنٍ عِنْدَ غَيرِهِ (٦) .
قَالَ شيخُنا : «ويمكنُ أَنْ يَكونَ فِيهِ مّا بِهِ وهنٌ غيرُ شديدٍ ، ما ليسَ بحسنٍ عندَهُ
أَيْضَاً)) (٧) .
: قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ عِنْدَ مُخْرِجِةْ
٦٩. و(ابْنُ رُشَيْدٍ) قَالَ -وَهْوَ مُتَّجه۔
قَوْلُ(٨) (أبِي دَاوُدَ) يَحْكِي (مُسْلِما)
وَلِلإِمَامِ (الْيَعْمُرِيّ) إِنَّمَا
٧٠.
(١) رسالة أبي داود إلى أهل مكة ، مطبوعة مع بذل المجهود ٣٥/١، وفي نص الرسالة التي ساقها السيوطي
بسنده في كتابه " البحر الذي زخر " ١١١٧/٣. وانظر: النفح الشذي ٢٠٨/١، ونكت الزّركشيّ
٣٣٦/١ - ٠٣٤٢
(٢) معرفة أنواع علم الحديث : ١٢٠ .
(٣) (( بين )): سقطت من ( ق ) .
(٤) (( أي)) : سقطت من (ص ).
(٥) في ( ق ): (( ما ليس فيه)).
(٦) فيه نظر ، بل هو خطأ محض ! لعدّة أمور ، يطول المقام في سردها ، منها : اختلاف روايات السنن ، ففي
بعض الروايات من أقوال أبي داود ما ليس في الأخرى ، ثمّ إنّ أبا داود قد يضعّف الحديث بالراوي فإذا
جاء هذا الراوي بحديث آخر يسكت أحياناً ؛ لأنّه تقدم الكلام عليه عنده ، ثم إنّ أبا عبيد الآجري في
سؤالاته ينقل كثيراً من تضعيف أبي داود لبعض الأحاديث ، وهو قد سكت عنها في سننه . وقد أطال
الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح ٤٣٢/١ - ٤٤٥ في بحث هذه المسألة ، وذكر أمثلة كثيرة من
الأحاديث الضعيفة التي سكت عنها أبو داود .
فينبغي التنبيه على : أنّ سكوت أبي داود لا يستفيد منه كل أحد ، فقد قال الحافظ ابن حجر في النكت
٤٣٩/١: (( فلا ينبغي للناقد أن يقلّده في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل طريقه
أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به ، أو هو غريب فيتوقف فيه ؟ )).
(٧) النكت ٤٣٥/١ بتصرف .
(٨) في نسخة (ب) من متن الألفية: (( جمع)).
١٥٣

حَيثُ يَقُوْلُ : جُمْلَةُ الصَّحِيْحِ لا تُوجَدُ عِنْدَ (مَالِكٍ) وَالتُّبَلا
٧١.
( و) اعترضَ الحافظُ (ابنُ رُشَيْدٍ) - بضم الراء وفتح الشين - وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللهِ
مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ السَّبِيُّ (١) الإسكندرانيُّ ابنَ الصَّلاحِ حيثُ (قَالَ: وَهْوَ) أي: وَمَا قاله ابنُ
رُشِيدٍ (٢) (مُتَّجِهْ) كما قالَهُ أَبُو الفتحِ الْيَعْمُرِيُّ: (( لا يلزمُ (٣) من كونِ الحديثِ لَمْ ينصَّ
عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ بِضَعْفٍ ، ولا غيرُهُ بِصِحَّةٍ ، أَنْ يكونَ الحديثُ عندَه حَسَّناً)) (٤) .
بَلْ ( قَدْ يبلغُ الصِّحَّةَ عِنْدَ مُخْرِجِهْ ) أي: أبِي دَاوُدَ ، وإِنْ لَمْ يبلغْهُ عِنْدَ غيرِهِ ؛
فالحكمُ لَهُ بالحسنِ ، لا بالصحَّةِ تحكُّمٌ .
وجملةُ : ( وَهْوَ مَّجِهْ ) معترِضةٌ بَيْن القولِ ومقولِهِ ، كَمَا أشرتُ إِليهِ . وأجابَ
الناظمُ عَنِ الاعتراضِ : (( بأنَّ ابنَ الصَّلاحِ إِنَّما ذكرَ مالنا أنْ نعرفَ الحديثَ بِهِ عِنْدَ أبي
داودَ ، والاحتياطُ أَنْ لا يُبْلَغَ (٥) بِهِ (٦) درجةَ الصحةِ ، وإنْ جازَ أنْ يبلغَها عِندَهُ ؛ لأنّ
عِبارتَهُ: ((فَهُوَ صالحٌ)) أي: للاحتجاجِ والعملِ بِهِ .
فإِن كَانَ يرى الحسنَ رتبةً بَيْنِ الصَّحِيحِ والضَّعِيفِ، فالاحتياطُ مَا قالَهُ ابنُ الصلاحِ،
أَوْ يرى - كبعضهم - أَنَّهُ ينقسمُ إلى صَحِيْحٍ وضعيفٍ ، فما سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ صَحِيْحٌ ،
والاحتياطُ - أي (٧): عَلَى الرأيينِ - أَنْ يُقالَ: صالِحٌ كَمَا عَبَّرَ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ)) (٨) .
أي : لأنا لا نعلمُ أَيُّهما رَأْيُهُ .
وَقَدْ أفاد كلامُ أبي داودَ عَلَى الرأي الأولِ مَعَ ما تقرَّرَ : أنّ الحديثَ إِذَا كَانَ بِهِ
وَهْنٌ غيرُ شديدٍ ، فَهُوَ حَسَنٌ يُحتجُّ بِهِ، سواءٌ أَوُ جِدَ لَهُ جابرٌ أَمْ لا ؟ وإِن كَانَ عِنْدَ (٩)
(١) في (ق ): ((البستيّ)).
(٢) (( ابن رشيد)): لم ترد في (ص) و (ع).
(٣) في (م): (( إذ لا يلزم)).
(٤) النفح الشذي ٢١٨/١، وشرح التبصرة والتذكرة ١٩٨/١.
(٥) في (ع) و (ص): ((نبلغ)).
(٦) (( به )) : لم ترد في ( ق ).
(٧) (( أي)): لم ترد في ( ق) و (ع ).
(٨) شرح التبصرة والتذكرة ١٩٨/١-١٩٩، والتقييد والإيضاح : ٥٣.
(٩) في (ص ) : ((عنده )) .
١٥٤

غيرِهِ يحتاجُ إلى جابرٍ .
فما في كتابهِ سِتَّةُ أقسامٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ (١):
١- صَحِيْحٌ لذاتِهِ .
٢- صَحِيْحٌ لغيرِهِ .
٣- حَسَنٌ لذاتِهِ .
٤- حَسَنٌ لغيرِهِ ، بِلا وَهْنٍ فِيْهِمَا .
٥- ما بِهِ وَهْنٌ شديدٌ .
٦- ما بِهِ وَهْنٌ غيرُ شدیدٍ .
وهذا قسمان :
١- ما لَهُ جابرٌ .
٢ - وَمَا لا جابرَ لَهُ .
وما قَبْلَهُ قِسمانِ :
١- مَا بَيَّنَ وَهْتَهُ .
٢- وما لَمْ يُبِيِّنْ وَهْتَهُ .
( وللإمام ) الحافظِ أبي الفَتْحِ مُحَمَّدٍ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ (٢) بنِ أَحْمَدَ ابنِ سيِّدِ
الناسِ ( الْيَعْمُرِيّ) - بفتحِ الياءِ ، مَعَ فَتح الميمِ وضَمِّها - نسبةً إلى يَعْمُرَ بنِ شَدَّاخٍ (٣) -
هو
بفتح المعجمةِ ، وتشديدِ (٤) المهملةِ، وآخرُه خاءٌ (٥) معجمةٌ - من بني ليث - ، اعتراض
آخرُ عَلَى ابنِ الصلاحِ ، فإِنَّه قَالَ (٦):
لَمْ يَرْسُمْ أَبُو دَاوُدَ شيئاً بالحسن، (إنَّما قولُ أَبِي دَاوُدَ) أي: السابقُ، وَهُوَ :
ذكرتُ فِيهِ الصحيحَ ، وما يُشْبِهُهُ أي : في الصِّحَّةِ، ويقاربُهُ أي: فِيْهَا، كَمَا دَلِّ لِذلِكَ
(١) انظر: النكت لابن حجر ٤٣٥/١.
(٢) كلمة: ((محمّد)) الأخيرة : لم ترد في ( ص ) .
(٣) انظر : الاشتقاق لابن دريد: ١٧١، والتاج ٢٧٨/٧.
(٤) في (ص ) : (( وتشديد الدال)) .
(٥) (( خاء)): سقطت من (ع) و (ص).
(٦) النفح الشذي ٢٠٨/١.
١٥٥

قولُهُ: بعضُها أصحُّ من بعضٍ، فإِنَّه يُشيرُ إلى القَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُما، كَمَا (١) تَقْتَضِيهِ
صيغةُ أفعلَ في الأكثرِ، ( يَحْكِي مُسْلِما) أي: يُشْبِه قولَهُ، (حَيثُ يَقُولُ) أي : مُسلمٌ في
"صحيحِه" (٢): (جملةُ الصَّحِيحِ لا تُوجَدُ عِنْدَ) الإِمامِ (مَالِكٍ، والنُّبلا (٣)) أي:
الفُضلَاءِ، كشُعبةَ ، والثوريِّ .
إلى ( يَزِيْدَ بنِ أبي زِيَادٍ )
٧٢. فَاحْتَاجَ أنْ يَنْزِلَ في الإسْنَادِ
قَدْ فَاتَهُ، أَدْرَكَ بِاسْمِ الصِّدْقِ
وَنَحْوِهِ ، وإِنْ يَكُنْ ذُو السَّبْقِ
٧٣.
بِمَا قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّحَكْمِ
٧٤. هَلَّ قَضَى عَلَى كِتَابِ (مُسْلِمٍ )
(فَاحْتَاجَ ) أي : مسلمٌ (أَنْ يَنْزِلَ فِي الإِسْنَادِ ) ، عَنْ حَدِيثِ أهلِ الطَّبِقَةِ الْعُليا في
الحفظِ والإتقان، (إلى) حديثٍ مَنْ يَلِيْهِم فِي ذَلِكَ ، كحديثِ (يزيدَ بنِ أبي زيادٍ ، ونحوِهِ)،
كـ: ليثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ ، وعطاءِ بنِ السَّائبِ (٤).
(وإِنْ يَكُنْ ذُو) أي : صاحبُ (السَّبْقِ) في الحفظِ والإتقانِ، كمالكٍ (٥) (قَدْ فَاتَهُ)
أي : سَبَقَ بهما يزيدَ - مثلاً - فَقَدْ (أَدْرَكَ ) أي: لحِقَه المسْبُوقُ (بِاسْمِ الصِّدْقِ)،
والعدالةِ. فالضميرُ في ((فَاتَّهُ)) عائدٌ لمنْ ذُكِرَ من يزيدَ ، ونحوِهِ ، ويجوزُ عودُه لمسلمٍ .
أي: وإِنْ يكنْ قَدْ فاتَ مسلماً الأخْذُ عَنْ ذي السَّبْقِ ، لكونِ أحدِهِمَا لَمْ يَسمعْ
ذَلِكَ الحديثَ ، فَقَدْ أدركَ غَرَضَهُ بالأخذِ عمَّنْ شَارَكَ ذا السبقِ في اسمِ الصِّدْقِ والعدالةِ .
فمعنى كلامٍ مسلمٍ ، وأبي داودَ واحدٌ ، غَيْرَ أنّ مسلماً اشترطَ الصَّحِيحَ، فاجتنبَ
حديثَ الطََّقَةِ الثالثةِ، وَهُوَ الضَّعِيفُ الواهي، وأتى بالقسمينِ الأخيرين؛ وأبا داودَ لَمْ
يشترطْهُ ، فذكرَ ما يشتدُّ وَهْه عندَهُ ، والتَزَمَ بيانَهُ (٦) .
(١) في (ص ): ((لما)).
(٢) صحيح مسلم ٥/١-٦ ( ط عبد الباقي ).
(٣) في (م) : ((النبلاء)) بتجويد الهمزة ، خطأ.
(٤) شرح ألفية العراقي للسيوطي : ١٣٤.
(٥) المصدر السابق .
(٦) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢٠٠/١-٢٠١.
١٥٦

فَـ (هَلّ قَضى ) أي: ابنُ الصَّلاح (عَلَى كتابٍ مُسْلِم بِما قَضى
عَلَيْهِ (١)) أي : عَلَى أبي داودَ ( بالتحكُّمِ ) السابقِ .
فـ: (التَّحَكُّمُ)) عائدٌ عَلَى(٢) (( مَا) بإقامة الظاهرِ مقامَ الْمُضْمَرِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ
عائِدُها محذوفاً، و ((التَّحَكُمُ)) بدلٌ مِنْها ، أَوْ عطفُ بيانٍ عَلَيْهَا .
وأجابَ الناظمُ عَنْ الاعتراضِ: بأنّ مسلماً التزمَ الصحةَ في كتابه ، فليسَ لَنَا أنْ
نحكمَ عَلَى حديثٍ فِيهِ بأَنَّهُ حَسَنٌ عندَهُ، وأبو دَاوُدَ إِنَّمَا قَالَ: (( ما سكَتُّ عَنْهُ، فَهُوَ
صالحٌ)). والصالحُ يصدقُ بالصحيحِ وبالحسنِ، فالاحتياطُ أَنْ يُحكَمَ عَلَيْهِ بالحسنِ (٣) .
٧٥. وَ (الْبَقَوِيْ) إِذْ قَسَّمَ المَصَابَحَا إلى الصِّحَاحِ والحِسَانِ جَانِحا
رَدْ عَلَيهِ إِذْ بِهَا غَيْرُ الحَسَنْ
أنَّ الْحِسَانَ مَا رَؤُوْهُ في السُّنَنْ
٧٦.
يَرْوِيهِ، والضَّعِيْفَ حَيْثُ لاَ يَجِدْ
كَانَ(أَبُوْ دَاوُدَ) أَقْوَى مَا وَجَدْ(٤)
٧٧.
مِنْ رَأيِ اقْوَى قَالَهُ (ابْنُ مَنْدَهْ)
في البَابِ غَيْرَهُ فَذَاكَ عِنْدَهْ
٧٨.
عَليْهِ تَرْكاً، مَذْهَبٌ مُتَّسِعُ
٧٩. وَالنَّسَئِيُّ(*) ◌ُخْرِجُ مَنْ لَمْ يُجْمِعُها
(و) الإِمامُ الحافظُ، مُحْبِي السَُّّةِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَينُ بنُ مسعودِ ( الْبَغَوِيّ)
- بالإسكان لوزن، أَوْ لنيّةِ الوقفِ -، نسبةً إلى («بَغْ)) بلدة من بلادِ خُرَاسَانَ ، بَيْن
مَرْوَ وهراةً (٦)، (إذ) أي: لكونِهِ ( قَسَّمَ ) كتابَهُ ( الْمَصَابحا) - بحذف الياء ؛ تخفيفاً -،
( إلى الصِّحَاحِ والحِسَّانِ جَانحا) أي: مائلاً إلى (أنَّ الِحِسَانَ مَا رَوُوْهُ) أي: أَبُو داودَ،
والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائيُّ، وغيرُهم (في ) كُتُبِ ( السُّنَنْ) من مؤلّفاِهِم، وإِنَّ الصِّحَاحَ مَا
(١) في (ص): (( قضى به)).
(٢) ((على)): سقطت من ( ص ) .
(٣) التقييد والإيضاح : ٥٤.
(٤) ضبطت في بعض النسخ بالبناء للمجهول ، وكلاهما جائز .
(٥) قصد النّسائي وإنما قال: ((النسئي))؛ لضرورة الوزن، كما نبّه على ذلك الشارح .
(٦) انظر: معجم البلدان ٤٦٧/١، والتاج ٢٢٥/١٠.
١٥٧

رواه الشيخان في صَحِيحَيْهما، أَوْ أحدِهما (١).
(رَدَّ) أي: رَدّهُ (عَلَيْهِ ) ابنُ الصَّلَاحِ بِأنّ هَذَا اصطلاحٌ لا يُعْرَفُ ، وَلَيسَ
الحَسَنُ عِنْدَ أَهْلِ الحديثِ عبارةً عمَّ في السُّنَنِ، (إذ بها غَيْرُ الْحَسَنْ) مِنَ الصَّحِيحِ
والضَّعِيفِ (٢).
فَقَدْ (كَانَ أَبُو داودَ) يتبعُ مِن حديثِه ( أَقْوَى مَا وَجَدْ) فـ (يَرْوِيهِ، و)
يَروي (الضَّعِيفَ ) الذي يُحْبَرُ، (حَيْثُ لاَ يَجِدْ فِي الْبَابِ) حَدِيثاً (غَيْرَهُ، فَذَاكَ) أي :
الضعيفُ ( عِنْدَهْ مِنْ رأي ) أي : رأيٍ (٣) الرجالِ ( اقْوَى)
-بالدرجِ- كَمَا ( قَالَهُ ابْنُ مَنْدَهْ)، وَهُوَ أَبُو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ إسحاقَ (٤). وتقدمُ
(مِنْ) عَلَى أفعلِ التفضيلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مجرورُها اسمَ استفهام - كَمَا هنا- قليلٌ (٥) .
(و) كَانَ أَبُو عبدِ الرَّحمانِ أَحْمَدُ بنُ شُعَيْبِ (النَّسئيْ) بحذفِ الألفِ،
وبالإِسكان للوزن ، أَوْ لنيةِ الوقْفِ - لا يَقْتَصِرُ في تخريجِهِ عَلَى الَّفَقِ عَلَى قَبَولِهِ، بَلْ
(يُخْرِجُ) حَدِيثَ (مَنْ لَمْ يُجْمِعُوا ) أي: أئِمَّةُ الَحَدِيثِ (عَلَيْهِ تَرْكاً ) أي : عَلَى تركِهِ ،
(١) مصابيح السّنّة ١/ ٢، ١٨٩.
(٢) انظر: معرفة أنواع علم الحديث : ١٢٢، وقد تعقبه البلقيني في " محاسن الاصطلاح": ١١١، فقال :
(( لا يقال الاصطلاحات لا مشاحة فيها،فقد قال البغويّ : أردت بالصحیح ما خرج في كتاب الشیخین،
وبالحسن : ما أورده أبو عيسى وأبو داود ، وغيرهما ، وما كان فيهما من غريب وضعيفٍ أشرت إليه ،
وأعرضت عن ذكر ما كان منكراً أو موضوعاً)). وكذلك رد عليه التاج التبريزي بنحو هذا كما سيأتي .
وقد رجعنا إلى مصابيح السّنّة للإِمام البغويّ، فوجدنا الحق مع البلقيني ، فقد قال البغويّ في ديباجة كتابه :
(( أعني بالصحاح : ما أخرجه الشيخان ، أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل الجعفي البخاريّ ، وأبو الحسين
مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري - رحمهما الله - في جامعهما أو أحدهما . وأعني بالحسان : ما
أورده أبو داود، ... ، وما كان فيهما من ضعيف أو غريب أشرت إليه وأعرضت عن ذكر ما كان
منكراً أو موضوعاً ... )). المصابيح ١١٠/١ وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢٠٢/١-٢٠٣ .
(٣) في (ص ) : (( من رأي)) .
(٤) معرفة أنواع علم الحديث: ١٢١. وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢٠٣/١، والنكت الوفية: ٨٦/ب.
(٥) انظر على سبيل المثال: شرح ابن عقيل ١٨٤/٢.
١٥٨

حَتَّى إِنَّه يُخْرِجُ للمجهولينَ (١).
وَهُوَ - كَمَا زَادَه الناظمُ - ( مَذْهَبٌ مُتَّسِعُ ) .
قَالَ شَيْخُنا: فقولُ ابنِ مَنْدَه: ((وأبو (٢) داودَ يأخذُ مأخذَ النَّسائِيِّ)) (٣)، يعني: فِي
عَدمِ التقييدِ بالثّقةِ ، وإن اخْتَلَفَ صَنِيعُهُمَا .
قَالَ: وما رُدْ بِهِ عَلَى الْبَغَوِيِّ فِيْمَا مَرَّ ، رَدّه التاجُ التِّبْرِيزِيُّ: بَأَنَّهُ لا مُشَاحَّةَ في
الاصطلاحِ، وَقَدْ صرَّحِ البَغَوِيُّ فِي أَوْلِ كتابِه بقوله : أعني بالصِّحاح: كَذَا ، وبالحسان :
كَذَا ، وَلَمْ يقلْ أرادَ الْمُحَدِّثُوْنَ بِهِمَا كَذَا ، فلا يَرِدُ عَلَيْهِ شيءٌ مما ذُكِرَ، خصوصاً وَقَدْ قَالَ:
ومَا كَانَ فيها من ضَعِيْفٍ، أَوْ غريبٍ أَشرْتُ إِليهِ ، وأَعْرِضْتُ عَمَّا كَانَ مُنْكَراً أَوْ
مَوْضُوْعاً (٤).
(١) شروط الأئمة الستة : ١٩ لذا نجد في " سنن النسائي " الصحيح وغير الصحيح ، وكتاب النسائي هو
"السنن الكبرى" وهو عدّة روايات استعمل منها المزّي في التحفة تسع روايات، وقد طبع الكتاب في دار
الكتب العلمية ، ١٩٩١ ، بتحقيق: الدكتور عبد الغفار البنداري، وسيد كسروي ، وهي طبعة ملفقة من
عدّة روايات ، وفيها من التصحيف والتحريف والسقط ما لا يخفى على أدنى طالب علم. وكتاب "المجتبى"
- الذي طبع قديماً وهو المشهور المتداول، وإليه العزو عند الإطلاق - ليس من اختيار النسائي، بل هو من
اختيار تلميذه أبي بكر أحمد بن محمد بن السني. نصّ على هذا الذهبي في " تذكرة الحفاظ " ٩٤٠/٣،
وَفِي " السّير" ١٣١/١٤، وقد أخطأ ابن الأثير في "جامع الأصول" ١٩٦/١-١٩٧ في أن المجتبى من
اختيار النسائي، وأنّه أهدى السنن لأميرٍ فقال: ((أصحيح كلّه؟)) قال: ((لا)) قال: فاكتب لنا منه
الصّحيح ، فجرد المجتبى. وقد ردّ الذهبي هذا في " السير" ١٣١/١٤ فقال: (( ... هذا لم يصحّ بل
المجتبى اختيار ابن السني )).
وللشيخ شعيب الأرناؤوط تعليق نفيس في هذا الموضع دبجه يراعه في مراجعته لتهذيب الكمال ٣٢٨/١
هامش (٤) بعد قول الدكتور بشّار : (( مما يؤسف عليه أن كتاب " السنن الكبرى " لم يصل إلينا،
ويظهر أنّه كان عزيزاً في فترات طويلة)) . والعجب من الشيخ شعيب كيف سكت على هذا الكلام وفيه
ما فيه ، ولو كان في المقام سعة لتناولناه بالنقد ، ولربّما كان السكوت خيراً من كل كلامٍ .
(٢) في ( ق ) : (( أبي)) .
(٣) انظر: النكت لابن حجر ٤٨٤/١ .
(٤) انظر : النكت لابن حجر ٤٤٥/١ - ٤٤٦ .
١٥٩

فَقَدْ أَتَى تَسَاهُلاً صَرِيْحَا
٨٠. وَمَنْ عَليها أطْلَقَ الصَّحِيْحَا
عَلى المَسَانِيْدِ ، فَيُدْعَى الَجَفَلَى (١)
وَدُوْنَهَا فِي رُتِبَةٍ مَا جُعِلاَ
٨١.
وَعَدُّهُ (لِلدَّارِمِيِّ) الْتُقِدَا (٢)
كَمُسْنَدِ (الطَّيَالَسِيْ) و(أحْمَدَا)
٨٢.
بِالْحُسْنِ دُوْنَ الحُكْمِ لِلمَتْنِ رَأَوْا
والْحُكْمُ لِلإِسْنَادِ بِالصِّحَّةِ أوْ
٨٣.
وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بضَعْفٍ يُنْتَقَدْ
٨٤. وَاقْتُلْهُ إِنْ أَطْلَقَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ
(وَمَنْ عَلَيْهَا) أي: كُتُبُ السُّنَنِ كُلُّها، أَوْ بعضُها (أطْلَقَ الصَّحِيْحَا)، كالحاكم(٣)،
حَيْثُ أَطْلقَهُ عَلَى "سُنَنِ" أبي داودَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وكابنٍ مَنْدَه(٤) حَيْثُ أطلقَهُ عَلَى سُنَنِ أبي
دَاوُد، وَالنَّسَائِيِّ؛ وكأبي طاهرِ السِّلَفِيِّ (٥)، حَيْثُ قَالَ: أَّفَقَ عُلَمَاءُ المشْرِقِ والمغْرب (٦)
عَلَى صِحَّةِ الكُتُبِ الخمسةِ (٧) ؛ ( فَقَدْ أَتَّى تَسَاهُلاً صَرِيحًا ) ، إذ فِيها مَا صرَّحُوا بِأَنَّهُ
ضَعِيْفٌ، أَوْ منكرٌ، أَوْ نحوُهُ (٨).
(١) في نسخة (أ) و (ب) و (جـ) من متن الألفية و (ص) و (ق) و(ع) و(م): ((الجفلا))،
والصواب ما أثبتناه ، انظر: اللسان ١١٤/١١ (جفل).
(٢) هذا البيت ساقط من نسخة ( جـ ) من متن الألفية .
(٣) معرفة أنواع علم الحديث : ١٢٥ - ١٢٦ .
(٤) النكت لابن حجر ٤٨١/١ .
(٥) بكسر السين وفتح اللام وانظر في سبب هذه النسبة: الأنساب ٢٩٧/٣، ووفيات الأعيان ١٠٧/١،
ونكت الزّركشيّ ٣٨١/١، ونكت ابن حجر ٤٨٩/١، وتاج العروس ٤٦٠/٢٣ .
(٦) قول أبي طاهر السلفي، أجاب عنه المصنّف في كتابه " التقييد والإيضاح": ٦٢ فقال - معقّباً على ابن
الصّلاح -: ((وإنّما قال السلفي بصحة أصولها كذا ذكره في مقدّمة الخطّابي (معالم السنن ٣٥٧/٤)، فقال:
وكتاب أبي داود فهو أحد الكتب الخمسة التي اتفق أهل الحل والعقد من الفقهاء وحفّاظ الحديث الأعلام
النبهاء على قبولها والحكم بصحة أصولها ))، ثم قال المصنف: (( ولا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح
أن يكون صحيحاً))، فلا ندري لماذا جعل المصنف هنا كلامه في موضع النقد مع أنه انتقد غيره على مثله.
(٧) هي الكتب السّة ، خلا ابن ماجه ، إذ لم تضف إليها إلا بعد القرن السادس ، قال البقاعي في النكت
الوفية : ٧٧/ ب : (( وأول من ضمّ ابن ماجه إليها ابن طاهر المقدسي ؛ فلم يقلّد في ذلك فلما ضمنه
الشيخ عبد الغني إليها في كتابه " الكمال " تابعه الناس)).
(٨) قال ابن الصّلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ١٢٦ (( وهذا تساهلٌ ؛ لأن فيها ما صرّحوا بكونه ضعيفاً
أو منكراً أو نحو ذلك من أوصاف الضّعيف)). وانظر: النكت لابن حجر ٤٨٢/١.
١٦٠