النص المفهرس

صفحات 101-120

يَكُنْ في الرُّواة عَنْ مالكٍ أجلُّ مِنَ الشَّافِعِيِّ (١) .
فمفعولُ (اخْتَرْ) محذوفٌ، أَوْ مَا بَعْدَهُ بمعنى: اخْتَرِ مَحَلَّ إِسْنَادِ الشَّافِعِيِّ المذكورِ،
وَهُوَ سَنَدُهُ، أَوْ مَفْعُولُهُ الشَّافِعِيّ [أَوْ ضميرٌ يعودُ إِليهِ](٢) بطريقِ التنازعِ.
(قلتُ: و) اخْتَرْ أَيْضاً - إِذَا قلتَ بذلكَ، وزدتَ راوياً- عَنْ الشَّافِعِيِّ حيثُ (عَنْهُ)
يُسندُ الإِمامُ (أَحْمَدُ) بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبلٍ إِنَّ أصحَّ الأسانيدِ: الإِمامُ أَحْمَدُ، عَنْ الشَّافِعِيِّ، عمَّنْ
ذَكَرَ؛ لأنّفاقِ أهلِ الحديثِ عَلَى أنَّ أجلٌ مَنْ أَخذَ عَنْ الشَّافِعِيِّ من أهلِ الحديثِ: أَحْمَهُ(٣).
ولم يَقَعْ مِن ذَلِكَ في " مُسْئَدِهِ " (٤) إلاَّ حديثٌ واحدٌ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثْنَا
الشَّافِعِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نافعٍ ، عَنِ ابنِ عُمَرَ - رضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّ رسولَ
الله ◌َّ، قَالَ: ((لاَ يَبْعُ (٥) بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَنَهَى عَنِ النَّحْشِ، وَنَّهِى عَنْ
حَبَلِ الحَبَلَةِ (٦)، وَنَهَى عَنِ الْمُزَابِنَةٍ ، وَالْمُزْابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالثَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الْكَرْمِ
بِالزَّبِيْبِ كَيْلاً)). وأخرجه البخاريُّ (٧) مفرَّقاً من حديثِ مالكٍ .
(١) حكاه عن ابن طاهر، ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث: ٩٠، وانظر: النكت ٢٦٣/١ وما بعدها.
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ع) و ( ق ).
(٣) انظر: شرح التبصرة ١١٦/١.
(٤) في (ع ): ((في مسند أحمد))، وما أثبتناه من بقية النسخ و (م)، والحديث في مسند أحمد ١٠٨/٢
كما ساقه المصنف .
(٥) في (ع): (( لا يبع))، وما أثبتناه من بقية النسخ و (م) ، وهو الذي عليه أكثر روايات البخاريّ،
وكذا هو في مسند أحمد ١٠٨/٢، وهو نفي خرج إلى معنى النهي. انظر: فتح الباري ٣٥٣/٤،
وعمدة القاري ٢٥٨/١١.
(٦) بعد هذا في (ع): ((وهو نتاج النتاج))، وهو من إدراج بعض النساخ .
(٧) صحيح البخاري ٩٠/٣ (٢١٣٩) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك ولفظه: ((لا يبيع
بعضكم على بيع أخيه)). وأخرجه في ٩١/٣ (٢١٤٢) من طريق عبد الله بن مسلمة القعني ، عن مالك ،
ولفظه: ((نهى عن النجش)) وأخرجه في ٩٥/٣ (٢١٦٥) من طريق عبد الله بن يوسف التنيّسي ، عن
مالك ولفظه: (( لا يبيع بعضكم على بيع بعض ، ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق)).
وأخرجه في ٩٦/٣ (٢١٧١) من طريق إسماعيل، ولفظه: ((نهى عن المزابنة؛ والمزابنة: بيع الثمر
بالتمر كيلاً ، وبيع الزبيب بالكرم كيلاً)).
والحديث قد رواه مجموعاً أحمد بن حنبل كما ذكر المصنف ومن قبله العراقي في شرح التبصرة والتذكرة
١١٧/١، وقد روي مجزءاً من حديث مالك .=
١٠١

عَنْ سَالِمٍ أَيْ : عَنْ أَبِيهِ البَرِّ
١٨. وَجَزَمَ ابْنُ حَتَبَلٍ بالزُّهْرِي
عَنْ جَدِّهِ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ بِهْ
وَقِيْلَ : زَيْنُ العَابِدِيْنَ عَنْ أَبِهْ
١٩.
عَنْهُ أَوِ الأعْمَشُ عَنْ ذِي الشَّان
أَوْ فَابْنُ سِيْرِيْنَ عَنِ السَّلْمَاني
٢٠.
عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ
النَّخَعِيْ عَنِ ابْنِ قَيْسِ عَلْقَمَهْ
٢١.
( وَجَزَمَ ) الإِمامُ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ (١) ، هُوَ ( ابنُ حَنْبَلٍ ) ، وكذا إسحاقُ بنُ
رَاهَوَيْهِ(٢) ( بالزُّهْرِي) أي: بأن أُصحَّ الأسانيدِ - وإِن كَانَتْ عبارةُ الأوَّلِ ((أجودُها))-
أبو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمٍ بِنِ عُبَيدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ ابنِ شهاب الزهريّ ، (عَنْ سالِمٍ )،
هُوَ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ، (أي): راوياً ، (عَنْ أبيهِ ) : عبدِ اللهِ ( البَرِّ ) - بفتحِ الباءِ -
أي (٣) : المُحْسِنِ في جميعِ أعمالِ البِرِّ - بكسرِها - .
=فقوله: ((لا يبيع بعضكم على بيع بعض)) أخرجه الشافعى في مسنده ١٤٦/٢، وأحمد ٧/٢،
والدارمى (٢٥٧٠)، والبخاري ٩٠/٣ (٢١٣٩) و٩٥ (٢١٦٥)، ومسلم ١٣٨/٤ (١٤١٢)،
وأبو داود ( ٣٤٣٦)، والنسائي ٢٥٨/٧، والبيهقى ٣٤٤/٥.
وقوله: ((نهى عن النجش)) أخرجه الشافعي في مسنده ١٤٥/٢، وأحمد ٦٣/١ و١٥٦، والدارمي
(٢٥٧٠)، والبخاري ٩١/٣ (٢١٤٢)، ومسلم ٥/٥ (١٥١٦).
وقوله: (( نهى عن بيع حبل الحبلة)) أخرجه البخاري ٩١/٣ (٢١٤٣) ، وابن الجارود في المنتقى (٥١٩).
وقوله : (( نهى عن المزابنة )) أخرجه الشافعي في الرسالة (٩٠٦)، وفي مسنده ١٥٣/٢، وأحمد ١/ ٧ و
٦٣، والبخاري ٩٦/٣ (٢١٧٢)، ومسلم ١٥/٥ (١٥٤٢).
(١) انظر: معرفة علوم الحديث: ٥٤، وقال السخاوي في فتح المغيث ٣٥/١: ((إنّ الإمام أحمد بن حنبل
جزم لذلك )».
(٢) انظر: معرفة علوم الحديث : ٥٤، والكفاية: (٥٦٣ ت، ٣٩٧ هـ).
قال الزركشي في نكته ١ / ١٢٩: ((يجوز في (راهويه) فتح الهاء والواو وإسكان الياء، ويجوز ضمّ
الهاء وإسكان الواو وفتح الياء ، وهذا الثاني هو المختار . وعن الحافظ جمال الدين المزّي أنّه قال: غالب ما
عند المحدّثين ( فعلويه ) - بضم ما قبل الواو - إلا (راهويه) فالأغلب فيه عندهم فتح ما قبل الواو)).
وانظر: الأنساب ٣ / ٣٧، وسير أعلام النبلاء ٣٥٨/١١، وتدريب الراوي ٣٣٨/١.
أمّا معناه فقد قال الزركشي ١٣١/١: ((واعلم أن (راهويه) لقب لجده، وسمّي بذلك؛ لأنه ولد في
الطريق، والرهو: الطريق، وكان أبوه يكره أن يسمّى به)). وانظر: تهذيب الكمال ١ / ١٧٦.
(٣) كلمة: ((أي)) سقطت من ( ع).
١٠٢

(وقيلَ:) يعني: وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَاقِ بِنُ حَمَّامٍ (١): أصحُّ الأسانيدِ: (زينُ العابِدِينَ) عَلِيُّ بنُ
الحسينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ، (عَنْ أَبِهْ) الحسينِ- بحذف الياءِ عَلَى لغةِ النقصِ - عَلَى حدِّ:
[ وَمَنْ يُشَأْبِهْ أَبَّهُ فَمَاْ ظَلَمْ ](٢)
بأبِهِ اقْتَدَى عَدِيّ في الكَرَمْ
(عَنْ جَدِّهِ): عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ . (وابْنُ شهابٍ) أي: والحالةُ أنّ الراوي (عَنْهُ)
أي : عَنْ زَيْنِ العَابِدينَ ابنِ شِهابِ الزُّهري ( بِهْ) أي: بِالسَّنَدِ المذكورِ .
وحاصلُهُ أنّ أصحَّ الأسانيدِ : ابنُ شهابٍ ، عَنْ زينِ العابدينَ ، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ.
( أَوْ فَابْنُ سَيْرِيْنَ): أَوْ هُنا وفيما يأتي، لَيْستْ للتخييرِ ولا للشكِّ، بَلْ لتنويعِ
الخلاف ، كَما قَالَ (٣) ، فالمعنى عَلَى الواو يعنيٍ. وَقَالَ عَمْرُو (٤) بنُ عليِّ الفَلاَّسُ (٥)،
وغيرُهُ (٦): أصحُّ الأسانيدِ: أَبُو بكرٍ مُحَمَّدُ بنُ سيرينَ الأنصاريِّ، (عَنْ) أبي عَمْرِو
عَبيدةً - بفتح العين (٧) - ( السَّلْمَاني) - بإسكان اللام -، عَلَى الصَّحِيحِ ، نسبةً إلى
سَلْمَانَ ، حيٍّ مِن مُرَادٍ (٨)، قَالَ ابنُ الأثيرِ: (والُحَدِّثُونَ يفتحون اللام))(٩). (عَنْهُ)
أي: عَنْ جدِّ زينِ العابدينَ ، وَهُوَ عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ كما مرَّ .
(١) أسنده إليه الخطيب في الكفاية : ( ٥٦٢ ت، ٣٩٧ هـ )
(٢) المثبت من (م) وأشار المحقق إلى إنها زيادة من إحدى نسخه ورمز لها بـ (ط ). وقد سقطت من أصولنا.
والبيت من شواهد ابن عقيل، وقال عن ((أبه)) وهذه: لغة نادرة في ((أب)). انظر: شرح ابن عقيل ٥٠/١.
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٢٠/١، ومغني اللبيب ٨٧-٩٥.
(٤) في ( ع ) و (ق ): ((عمر)).
(٥) معرفة علوم الحديث: ٥٤، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٨٩، والاقتراح ١٦٠، وإرشاد طلاب
الحقائق ١١٣/١، والمقنع ٤٥/١ .
(٦) وهم :
١- عليّ بن المديني. انظر: معرفة علوم الحديث : ٥٤، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٨٩، والباعث
الحثيث ١٠١/١، والمقنع ٤٥/١ .
٢- وسليمان بن حرب. انظر: الكفاية: (٥٦٢ ت، ٣٩٧ هـ)، وشرح التبصرة والتذكرة ١٢٠/١،
وفتح المغيث ٢٥/١ ، وتدريب الراوي ٧٧/١ .
(٧) انظر: المؤتلف والمختلف ١٥٠٧/٣، والإكمال ٤٨/٦.
(٨) انظر: الجرح والتعديل ٩١/٦، وتذكرة الحفاظ ٥٠/١، وتهذيب التهذيب ٥٤٧/١.
(٩) اللباب في تهذيب الأنساب ١٢٧/٢، وانظر: الأنساب ٢٩٩/٣.
١٠٣

( أَوْ ) يعني: وَقَالَ يحيى بنُ مَعين: أصحُّ الأسانيدِ: سليمانُ بنُ مِهْرانَ
( الأعمشُ عَنْ ذي الشَّانِ ) أي: الحالِ (١) إِبْرَاهِيمَ بنِ يزيدَ بنِ قيسٍ (النَّخَعِيْ) -
بالإِسكان - للوزنٍ ، أَوْ لِيَّةِ الوقفِ نسبةً للنَّخَعِ قبيلةٍ من اليَمَنِ (٢) (عَنِ ابنِ قَيْسٍ
عَلْقَمَةْ ، عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ ) : عبدِ الله (٣) .
فجملةُ الأَقَوالِ التِيّ فِي النَّظْمِ خَمْسِةٌ ، وَهِيَ التِي حَكَاهَا ابْنُ الصَّلاحِ (٤) .
قَالَ الناظمُ: (( وفي المسْأَلَةِ أقوالٌ أُخَرُ ذكرتُّها في "الشرح الكبير")) (٥). جملتُها
عَلَى ما ذكرهُ سنةٌ ، ويُمْكنُ (٦) الزيادةُ عليها .
( وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ ) من زِيادٍتِه أي: واعْتُبْ (٧) مَنْ عمَّمَ الحكمَ بأصحّةِ الأسانيدِ
في ترجمةٍ واحدة، لصحابيّ واحدٍ، بأنْ جعلَهُ عاماً لجميعِ الأسانيدِ كأنْ يقولَ: أصحُ
الأسانيدِ : مالكٌ عَنْ نافعٍ ، عَنْ ابنِ عُمَرَ كما مرَّ لشدَّةِ الانتشارِ .
والحاكِمُ بِذَلِكَ عَلَى خَطَرِ مِنَ الخطإِ، كَمَا قِيلَ بمثلهِ في قولهِم: ليسَ في الرُّواةِ مَنْ
اسمُّهُ كَذَا سِوى فلان .
بَلْ - إنْ كَانَ ولابدَّ - ينبغي لَهُ أَنْ يُقْيِّدَ كُلَّ ترجمةٍ بصحابِّها، أَوْ بالبلدة التي
مِنْها أصْحَابُ تِلْكَ الترجمةِ - كما اختارهُ الحاكِمُ (٨) -؛ لأَنَّهُ أَقَلُّ انتشاراً، فيقولَ: أصحُّ
(١) قوله: ((أي الحال)) الصفة العظيمة في العلم والعمل، كما في حاشية (ع ).
(٢) انظر: الأنساب ٣٦٩/٥، واللباب ٣٠٤/٣، ووفيات الأعيان ١٠٢٥/١.
(٣) معرفة علوم الحديث : ٥٤ ، ومعرفة أنواع علم الحديث : ٨٩.
(٤) معرفة أنواع علم الحديث : ٨٩ - ٩٠ .
(٥) انظر: شرح التبصرة ١٢١/١، ومحاسن الاصطلاح: ٨٧، والنكت الوفية: ١٨ / أ.
وذلك لأن الحافظ العراقي شرح الألفية في أول الأمر شرحاً مبسوطا عرف بالشرح الكبير ثم رأى أنه كبير
فشرع في شرح أخصر منه -وهو الشرح المطبوع المشهور - وأشار في لحظ الألحاظ: ٢٣٠ إلى أنه كتب
منه نحواً من ستة كراريس ، وذكر البقاعي في النكت الوفية : ٣/ب: أنه لم يوجد منه إلا قطعة يسيرة
وصل فيها إلى الضّعيف ، وقد نقل منه نصوصاً في نكته ، انظر مثلاً: ٢٢/ ب .
(٦) في (م): ((تمكن)).
(٧) عتب، يعتب، ويعتب، ولا يتعدى بنفسه، وإنما يتعدى بحرف الجر ((على)) ولكنه لَّا ضمّنه معنى ((السلام))
عدّاه بنفسه. انظر: الصحاح ١٧٥/١، واللسان ٣٦٥/١ (عتب)، وجاء في حاشية (ع) تعليق نحو ذلك.
(٨) انظر: معرفة علوم الحديث: ٥٥. وهذا الذي انتهى إليه هو الحق في هذه المسألة، وهو الذي اتفقت عليه كلمة
كل من صنف في علم مصطلح الحديث. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٢١/١، والبحر الذي زخر ٤١٨/١.
١٠٤

أسانيدٍ عُمَرَ: الزُّهْرِيُّ، عَنْ سالمٍ ، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّه.
وأصحُّ أسانيدِ ابنِ عُمَرَ : مالكٌ ، عَنْ نافعٍ ، عَنِ ابنِ عُمَرَ .
وأصحُّ أسانيدِ المكِّينَ: سفيانُ بنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَمرِو بنِ دينارٍ، عَنْ جابِرٍ .
وأصحُّ أسانيدِ اليَمانِينَ: مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامٍ بِنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وأصحُّ أسانيدِ المِصْرِيِّينَ : الليثُ، عَنْ يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ ، عَنْ أبي الخيرِ ، عَنْ
عُقْبَةَ بنِ عامر . وهكذا (١) .
قَالَ النَّوَوِيُّ في "أذكاره"(٢): ((ولا يلزمُ من هذِهِ العبارة صِحَّةُ الحديثِ؛ فإنهم يقولونَ:
((هَذَا أصحُّ مَا جاءَ في البابِ) وَإِن كَانَ ضعيفاً، ومرادُهُم أرجحُه أَوْ أقلُّه ضَعْفاً)). انتهى.
ومِن ذَلِكَ : أصحُّ مسلسلٍ ، وسيأتي في مَحلِّهِ .
واقتصرَ في النَّظْمِ عَلَى تكلُّمِهِم - عَلَى اختلافِهِم - في أصحيّةِ الأسانيدِ ؛ لأَّها
الأَهَمُّ ، وإلاّ فَقَدْ تَكُلِّمُوا عَلَى أَوْهَاهَا، كما قَالَ الحاكمُ (٣) وغيرُهُ (٤):
أَوْهَى أسانيدٍ أبي هُرَيْرَةَ: السَّرِيُ (٥) بِنُ إسماعِيلَ، عَنْ داودَ بنِ يزيدَ الأَوْدِيِّ (٦)،
عَنْ أبيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً. وأَوْهَى أسانيدِ ابنِ مَسْعُودٍ: شَرِيْكٌ ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ أبي
زيدٍ، عَنْ ابنٍ مَسْعُودٍ. وأَوْهَى أسانيد أَنَسٍ: داودُ بنُّ المُحَثَّرِ(٧) عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبَانَ بنِ أبي
عَّاشِ (٨)، عَنْ أَنسٍ. وفائدتُه: ترجيحُ بعضِها عَلَى بعضٍ، وتمييزُ ما يَصْلُحُ للاعتبارِ مما لا
يصلحُ لَهُ (٩). والله تُعَلَى هُوَ الموَّفْقُ (١٠) .
(١) لم يذكر القاضي زكريا أثبت أسانيد الشاميين، وأثبت أسانيد الخراسانيين فأجاد وأفاد؛لما في هذه الأسانيد
من مقال ، وقد تكلمنا عليها في شرح التبصرة والتذكرة ١٢٣/١-١٢٤. فراجعه تجد فائدة إن شاء الله.
(٢) الأذكار ١٥٨ .
(٣) انظر : معرفة علوم الحديث ٥٦ - ٥٨ .
(٤) انظر: محاسن الاصطلاح ٨٧ - ٨٨، وتدريب الراوي ١٨٠/١.
(٥) في ( ق ): (( السدي)).
(٦) في (ع) و (ق): (( الأزدي)) .
(٧) في (ق): ((المجبر))، قال ابن حجر في التقريب (١٨١١): ((يمهملة وموحدة مشددة مفتوحة)).
(٨) في ( ق): ((عبّاس)) .
(٩) ((له)): سقطت من (ص ).
(١٠) جملة: ((والله تعالى هو الموفّق)) من ( ق) فقط.
١٠٥

أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيْثِ
أَوَّلْمَنْ صَنَّفَ في الصَّحِيْحِ مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتَّرْجِيْحِ
٢٢.
وَمُسْلِمٌ بَعْدُ ، وَبَعْضُ الغَرْبِ مَعْ أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَغَ
٢٣.
(أوَّلُ مَنْ صِنَّفَ) في (١) الحديثِ ( الصَّحِيحِ ) الإِمامُ ( مُحَمَّدٌ)، هُوَ ابنُ
إسماعيلَ البخاريُّ (٢)، ولا يَرِدُ " موطأُ " الإِمامِ مَالِكٍ؛ لأَنَّهُ وإِنْ كَانَ
سابقاً ؛ فمؤلّفُهُ لَمْ يتقيّد بالصَّحِيحِ الذي مَرَّ تعرِيفُه؛ لأنّه أدْخلَ فِيهِ المُرسلَ ، والبلاغَ،
والمقطوعَ، ونحوَها عَلَى سبيلِ الاحتجاجِ؛ فليس هُوَ أولُ مَنْ صَنَّفَ في الصحيح (٣)؛
لانصرافِ الصَّحِيحِ بقرينةِ ((ال)) العهديةِ إلى الصَّحيحِ المذكورِ .
(وخُصَّ) أي : البخارِيُّ، أي (٤): صحيحُهُ (بالتَّرجيحِ) أي: بترجيحٍ (٥) مَا أسندَهُ
فِيهِ دُوْنَ تعاليقِه ، وتراجِمِهِ (٦) ، وأقوالِ الصحابةِ ، وغيرِهِم عَلَى سائرِ الصِّحَاحِ؛ لِتَقدُّمِهِ
عَلَى غيرِهِ في الفنِّ .
( و) الإِمامُ ( مُسْلِمٌ) أي: صحيحُه ( بَعْدُ ) أي: بعدَ صحيحِ البُخَارِيِّ وضعاً
بلا نزاعٍ ، وصِحَّةً؛ كما ذهب إِليهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ المشهورُ (٧) .
(١) المثبت من (ص) و (ع) و (ق) وقد سقطت كلمة (( في)) من (م).
(٢) قال الإمام النووي في الإرشاد ١١٦/١: ((أول من صنف الصحيح المجرد أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
البخاري ثم أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري)). فقول المصنف: (الصحيح المجرد) . قاله زيادة
على ابن الصلاح احترازاً عما اعترض به عليه من أن الموطأ صنف قبله في الصحيح . فإنه وإن كان قد
ألف قَبْلَ صحيح البُخَارِيّ ، لكنه لم يتمخض للصحيح المجرد ، بَلْ شمله الإمام مَالِك من البلاغات
والمنقطعات والمراسيل .
(٣) انظر: النكت لابن حجر ٢٧٨/١-٢٧٩، ومقدمة الفتح ٩- ١٠، والتدريب ٩٠/١.
(٤) في (ق): ((في )) .
(٥) في (ع): ((ترجيح)).
(٦) لأنه وسم كتابه بـ(الجامع الصحيح المسند) فكل حديث ليس مسنداً فيه فهو ليس من المحكوم بصحته ،
وإنما ذكره استشهاداً واستئناساً ، ليكون كتابه جامعاً لمعاني الإسلام، ودستوراً للأمة .
(٧) قال الإمام العراقي: ((وهو الصحيح)). وقال الإمام النووي: ((إنه الصواب)). انظر: شرح التبصرة
والتذكرة ١٢٥/١، التقريب : ٣٣ .
١٠٦

( وَبَعْضُ) أهلِ (١) (الغَرْبِ مَعْ) حافظِ عصرِهِ (أَبِي عَلِيِّ) الحسينِ بنِ عَلِيٍّ
النَّيْسَابوريِّ (٢) ، شيخِ الحاكمِ (فَضَّلُوا ذَا) أي: صحيحَ مسلمٍ عَلَى صحيحِ البخاريِّ(٣)،
لَكِنْ (َلَوْ نَفَعْ) تفضيلُهم لقُبِلَ مِنْهُمْ، لكنَّهُ لَمْ ينفعْ؛ لِعَدمِ تصريحِهِم بالتفضيلِ - وإن
كَانَ كلامُهم ظاهراً فِيهِ عُرفاً - ولأنّ الْبُخَارِيّ اشتَرطَ في الصِّحةِ اللُقِيَّ (٤)، وَمُسْلِمٌ
اكتَفَى بالمعاصرة ، وإمكان اللُّقِيِّ، ولانِّفَاقِ العُلَمَاءِ عَلَى أنّ البُخَارِيِّ أجلُّ مِنْهُ، وأَعْلمُ
مِنْهُ بصناعةِ الحَدِيثِ ، مَعَ أنَّ مُسلماً تلميذُهُ ، حَتَّى قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ((لولا البخاريُّ لما
راحَ مسلمٌ ، ولا جاءَ)) (٥) . وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ (٦) . وَقِيلَ: بالوقف . وبالجملةٍ
فكتاباهُما أصحُّ كُتبِ الحَدِيثِ .
وأمَّا قولُ الشافعيِّ: (( مَا عَلَى وجهِ الأرضِ بَعْدَ كِتَابِ اللهِ تعالى أصحُّ من كتابٍ
مالكٍ)) (٧) فذاكَ قبلَ وجودِهِما (٨).
(١) هو ابن حزم ، كما حكاه القاضي عياض في " إكمال المعلم" ، عن أبي مروان الطبني قال:
(( كان بعض شيوخي يفضل صحيح مسلم، عن صحيح البخاري)) قال ابن حجر: (( وعندي أنّ ابن
حزم هذا هو شيخ أبي مروان الطبني ، الذي أبهمه القاضي عياض ، وقال : قرأت في فهرسة أبي محمد
القاسم بن القاسم التجيبي قَالَ: كَانَ أبو محمّد بن حزم يفضل كِتَاب مُسْلِمٍ عَلَى كِتَاب البخاريّ ؛لأنه
ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث السرد)). انظر: إكمال المعلم ٨٠/١، وهدي الساري : ١٢ - ١٣.
(٢) انظر: السير ٥١/١٦-٥٩ .
(٣) حاول بعض العلماء توجيه هذا الكلام. انظر: صيانة صحيح مسلم ٦٩ وسير أعلام النبلاء ٥٥/١٦ ،
وهدي الساري ١٢، والنّزهة ٨٦، وتدريب الراوي ٩٣/١-٩٥ .
(٤) وهذا المعنى من أقوى مرجحات صحيح البخاري على صحيح مسلم ، وانظر تفصيل ذلك في النكت لابن
حجر ٢٨٦/١-٢٨٩، وهدي الساري ١١-١٣ .
(٥) انظر: تاريخ بغداد ١٠٢/١٣، وتدريب الراوي ٩٣/١.
(٦) قال ابن الملقن: (( ورأيت لبعض المتأخرين حكاية قول ثالث وهو أنهما سواء، ولم يعزه لأحد))،
والمقنع ٦٠/١ .
(٧) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٢ ، وقول الشافعي: أسنده ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل ١٢/١،
والبيهقي في آداب الشافعي ١٩٥، وابن حبان في المجروحين ٤١/١. وانظر: التمهيد ٧٧/١.
(٨) ولذلك قال ابن حجر: (( واعلم أن الشافعي إنما أطلق على ( الموطأ) أفضلية الصحة، بالنسبة إلى
الجوامع الموجودة في زمنه: كجامع سفيان الثوري، ومصنف حماد بن سلمة ، وغير ذلك ، وهو تفضيل
مسلم لا نزاع فيه )) ، انظر : هدي الساوي : ١٠ .
١٠٧

وما ذُكِرَ فِيهِمَا من الضُّعفاءِ كمَطرِ الورّاقِ، وَبَقِيَّةَ، وابنٍ إسحاقَ ، وتُعْمَانَ بنِ
راشدٍ ، لَمْ يذكرْ عَلَى سبيلِ الاحتجاجِ بَلْ عَلَى سبيل المتابعةِ والاستشهاد، أَوْ ذُكِرَ لعُلوٍ
الإسناد، أَوْ هُوَ ضعيفٌ عِنْدَ غيرِهما، ثقةٌ عِنْدَهُما (١).
ولا يُقالُ: الجَرْحُ مُقَدَّمٌ [عَلَى التَّعْدِيلِ] (٢) ؛ لأنَّ شَرْطَ قَبَولِهِ بيانُ السبب،
حَكَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ (٣) ، عَنِ ابنِ الصلاحِ وأقرَّهُ (٤).
ولكنْ قَالَ شيخُنا في تفضيل البُخَارِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ: إنّ البُخَارِيِّ يَذكُرُ هؤلاءِ غالباً
في المتابعات ، والاستشهاداتِ ، والتعليقاتِ بخلافٍ مُسْلِمٍ ، فإِنَّهُ يَذْكُرُهُم كثيراً في
الأصولِ والاحتجاجِ (٥) . انتهى .
عِنْدَ ابنِ الاخْرَمْ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا
وَلَمْ يَعُمَّاهُ وَلَكِنْ قَلْمَا
٢٤.
لَمْ يَفُتِ الَخَمسَةَ إِلَّ النَّزْرُ
وَرُدْ لكن قَالَ يَحيَى البَرُّ
٢٥.
أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ (٦) أَلفِ أَلْفِ
وَفِيهِ مَا فِيْهِ لِقَوْلِ الجُعْفِي
٢٦.
لَهَا وَمَوْقُوْفٍ ، وفي البُخَارِي
وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالتَّكْرَارِ
٢٧.
فَوْقَ ثَلاثَةٍ أُلُوْفاً ذَكَرُوا
٢٨. أَرْبَعَةُ الآلاف (٧) والمُكَرَّرُ
(١) انظر: تدريب الراوي ٩٧/١-٩٨. وجاءت في حاشية نسخة (ق) تعليقة للعلامة الآلوسي. قال
- رحمه الله - : (( وأيضاً إن الذين انفرد البخاري بهم مِمَّنْ تكلم فيهم أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم
ومارس حديثهم بخلاف مسلم فإن الَّذِيْنَ انفرد بهم ممن تكلم فيهم أكثرهم ممن لم يعاصروه وبون الأمرين
(كذا) كما لا يخفى )).
(٢) المثبت من (م ) وقد سقط من أصولنا الخطية .
(٣) التقريب : ٩١ .
(٤) معرفة أنواع علم الحديث : ٢٥٥ .
(٥) النكت لابن حجر ٢٨٨/١.
(٦) في (جـ) والنفائس - بفتح العين - ، وما أثبتناه من بقية النسخ وهو الصّواب .
(٧) والمعنى : وأربعة آلاف في صحيح البخاريّ .
١٠٨

(و) مَعَ كَوْنِ كتابَيْهِمَا أصَحَّ (لَمْ يَعُمَّاهُ) أي: الصَّحِيحَ. أي: لَمْ يستوعِبا فيهما كلّ
صَحِيْحٍ عَلَى شرطِهما فضلاً عَنْ مُطلقِهِ، كما صرَّحا بِذَلِكَ (١) .
فإلزامُ الدَّارَ قُطْنِيِّ وغيرِهِ إِياهُمَا بأحاديثَ عَلَى شرطِهما ليس بلازمٍ (٢).
(وَلَكِنْ قَلَّمَا) حديثٌ (عِنْدَ) الحافظِ أبي عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بنِ يعقوبَ النَّيْسابوريِّ (٣)
( ابْنِ الاخْرَمْ) - بالدَّرجِ وبالخاءِ المعجمة - شيخِ الحاكِمِ ، وميمُهُ مدغمةٌ في ميمٍ (مِنْهُ)
أي : مِنَ الصَّحِيحِ (قَدْ فَاتَهُمَا) في كتابَيْهِمَا (٤).
وحقُّ ((قَلَّمَا)) أنْ يليَها الفعلُ صريحاً (٥)، لكنَّهُ (٦) أخَّرَهُ للضرورةِ عندُهُ ،
كما قِيلَ بِهِ فِي قَوْلِ الَرَّارِ (٧) (٨) :
صَدَّدْتِ(٩) فَأَطْوَلْتِ (١٠) الصُّدُودَ(١١) وَقَلْمَا(١٢) وِصَالٌ عَلَى طُوْلِ الصُّدُودِ(١٣) يَدُوْمُ
( ل٤-أ) ،
(١) انظر : الكامل لابن عدي ٢٢٦/١ ، وفي أسماء من روی عنهم البخاري من مشايخه
والخطيب في تاريخ بغداد ٨/٢-٩، والحازمي في شروط الأئمة الخمسة: ٦٢-٦٣، وانظر: معرفة
أنواع علم الحديث : ٩٣ . وهدي الساري ١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ١٢٨/١.
(٢) في كتابه " الإلزامات " فقد ألزمهما بإخراج سبعين حديثاً، وهو أمر لا يلزمهما لأنهما لم يقصدا
استيعاب جميع الصحيح .
(٣) سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٥٢ - ٤٦٠.
(٤) انظر: نكت ابن حجر ٢٩٨/١، والمقنع ٦٢/١ .
(٥) انظر: كتاب سيبويه ١١٤/٣ - ١١٥، وقال: ((وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم)).
(٦) في (ق ): (( لكن)) .
(٧) هو أبو حسان المرّار بن سعيد بن حبيب الفقعسي ، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. انظر :
الأعلام ١٩٩/٧ .
(٨) البيت من شواهد سيبويه، وينسب أيضاً لعمر بن أبي ربيعة. انظر: الكتاب ٣١/١، ١١٥/٣ (طبعة
هارون ) مع حاشية محققه .
والشاهد فيه: أنه تلا ((قلما)) الفاعل ((وصال))، وكان حقه أن يتأخر بعد الفعل (( يدوم))، ولكنه
ورد ضرورةٌ .
(٩) المثبت من (ص) و (ع) و (ق)، وفي (م): ((صدرت))، خطأ.
(١٠) في (ق): ((وأطولت)).
(١١) المثبت من (ص) و (ع) و (ق) وفي (م): ((الصدور)).
(١٢) المثبت من (ق) و (ص) وفي (ع): ((فقلما)). وفي (م): ((قلما)).
(١٣) المثبت من (ع) و (ص) وفي (ق): ((الزمان)). وفي (م): ((الصدور)).
١٠٩

فـ ((مَا)) كافةٌ إن وُصِلَت بـ ((قلّ)) كَمَا تَقَرَّرَ، وَفِي نسخةٍ فصلُها عَنْهَا،
فهي موصولةٌ، وَهِيَ (١) أولى لسلامتِها مِمَّا (٢) مرَّ (٣).
(وَرُدّ) أي: ردّهُ (٤) ابنُ الصلاحِ بأنّ ذَلِكَ كثيرٌ لا قليلٌ، كما يُعلم (٥) مِنْ (٦)
(( مستدرَكِ)) الحاكمٍ عَلَيْهِمَا (٧).
( لكِنْ قَالَ ) الشَّيْخُ (٨) (يحيى) النَّوَوِيُّ (البَوُّ ) أي: المُحْسِنُ في جميعِ أعمالِ
البِرِّ ، بَعْدَ تصحيحِه لما قَالَهُ ابنُ الصَّلاحِ :
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ (لَمْ يَقُتِ ) الأصولَ ( الْخَمْسَةَ ): الصَّحِيْحَيْنِ ، وسننَ أبي دَاوُدَ ،
والترمذيّ ، والنسائيَّ (إلّ النَّوْرُ) أي: القليلُ (٩).
(١) في (ص) و (ع): ((وهذه)).
(٢) في (ع) حاشية نصها: ((وهذه أولى أي كونها موصولة ... الخ، فيه نظر؛ إذ يلزم عليه الفصل بين
الموصول وصلته بأجنبي وهو ابن الأخرم )).
(٣) من قوله: فـ ((مَا)) كافة إلى قوله: ((أولى لسلامتها مما مرّ)). سقط من (ق).
(٤) ((رده )): ساقطة من ( ق ).
(٥) في (ع) و (ق): ((علم)).
(٦) في ( ق ): (( في)).
(٧) معرفة أنواع علم الحديث : ٩٤ .
(٨) بعد هذا في (ق) و (ع) و (م): ((محيي الدين))، ولم يرد في (ص). وهو الصواب لما ورد عنه
-رحمه الله- ، أنه قال : لا أجعل في حل من لقبني محيي الدين . وهو إنما كره هذا اللقب ؛ لتواضعه الكبير
وأدبه العالي - رحمه الله - .
(٩) التقريب: ٣٤، وانظر: النكت لابن حجر ٢٩٨/١، قلنا: سنن ابن ماجه لم يدخل مع الأصول إلا
بعد وقت متأخر ، وأول من ضمها الإمام أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في أطرافه ، وفي كتاب
" شروط الأئمة الستة " ، وتابعه عليه الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه " الكمال في أسماء الرجال"
وهو الذي هذّبه المزي ، ولعل السبب في إدخاله مع بقية الأصول كثرة زوائده على بقية الكتب الخمسة ،
وقرب طريقته إليها. وانظر : نكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح ٤٨٦/١ - ٤٨٧ . وبعضهم
سدّس بالموطأ كرزين العبدري صاحب " تجريد الصحاح" ، وابن الأثير في " جامع الأصول" ، ومنهم
من يجعل سنن الدارمي سادساً .
١١٠

(وفِيْهِ) أي: فِي كلامِ النَّوَوِيِّ (مَا فِيْهِ) أي: ضَعْفٌ ظاهرٌ (لِقَولِ الجُعْفِي ) أي :
الْبُخَارِيِّ ، نسبةً لجدِّ أبيهِ المغيرة ، لكونِهِ مَوْلى ليمان الجعفيِّ، والي (١) ((بُخارى)) (٢):
(أَحْفَظُ مِنْهُ) أي: من الصحيحِ (عُشْرَ أَلْفِ ألْفِ) حَدِيثٍ أي: مئةَ ألفٍ كما عَبَّر بها (٣)
حَيْثُ قَالَ: ((أحفظُ مئةَ ألفو حديثٍ صحيحٍ ، ومئتي ألف حديثٍ غيرٍ صحيحٍ))(٤).
والأصولُ الخمسةُ فضلاً عَنْ " الصحيحينِ " أقلُّ من ذَلِكَ بكثيرٍ؛ ففاتَّهما كثيرٌ .
( وعَلَّهُ ) لغة في ((لَعَلّ)) (٥) أي: وَلَعَلَّ الْبُخَارِيِّ (أراد) بلوغَ مَا حَفِظَهُ من
الأحاديثِ العددَ المذكورَ ( بالتَّكْرَارِ لَها ، وَمَوْقُوفٍ ) أي: بَعْدَ الْمُكَرَّرِ والموقوفِ منها .
أي : وما أُلْحِقَ بِهِ من آثارِ الصَّحَابَة، وغيرِهِم مَعَ غيرِ المُكَرَّرِ؛ فلا (٦) ينافي كلامَهُ
كلامَي ابنِ الأخرمِ والنوويِّ (٧).
عَلَى أَنَّ شيخَنا قَالَ (٨): والظاهرُ أنّ ابنَ الأَخْرَمِ إنّما أرادَ ما فاتَهُمَا مِمَّا عَرَفَاهُ،
واطْلَعَا عَلَيْهِ مِمَّا يبلُغُ شرطَهما لا بقيدِ كتابَيْهما، كما فَهِمَهُ ابنُ الصَّلاحِ.
قَالَ: وقولُ النوويّ: ((لَمْ يَفُتِ الَخَمْسَةَ إلّ القليلُ)) مُرادُه من أحاديثِ الأحكامِ
خاصَّةٌ ، أما غيرُها فكثيرٌ (٩) .
(١) أي : حاكم بخارى .
(٢) في (م): ((بخارا))، وهي من بلاد ما وراء النهر، مدينة قديمة مشهورة ببساتينها. انظر: معجم البلدان
٣٥٣/١، ومراصد الاطلاع ١٦٩/١ .
(٣) سقطت كلمة ((بها )) من ( ق ) .
(٤) أسنده إليه ابن عدي في الكامل ٢٢٦/١ طبعة أبي سنة، والخطيب البغدادي في تاريخه ٢٥/٢، والحازمي
في شروط الأئمة الخمسة ٦١، وابن نقطة في التقييد ٣٣، وانظر معرفة أنواع علم الحديث : ٩٥،
وشرح التبصرة والتذكرة ١٣٠/١.
(٥) في (ع) و (ق): ((لعل))، وفي (ص) و (م): ((لعله)). وانظر: الصحاح ١٨١٥/٥.
(٦) في (ص): ((لا)).
(٧) انظر : معرفة أنواع علم الحديث: ٩٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١٣٠/١.
(٨) انظر: النكت لابن حجر ٢٩٨/١ .
(٩) المصدر السابق .
١١١

ثُمَّ بَيَّنَ النَاظِمُ عِدَّةَ أحاديثِ " صَحِيْحِ (١) البُخَارِيِّ " بقولِهِ: (وفي) صحيحِ
(الْبُخَارِي) منها بغيرِ تكرارِ : (أربعةُ الآلافِ، والمكرَّرُ) منها (فوقَ ثلاثةٍ أُلُوفاً)
- بنصبِهِ تمييزاً -، يعني: ثلاثةَ آلافٍ ومئتين ، وخمسةً وسبعينَ حديثاً عَلَى مَا (ذَكَرُوا)
أي: جماعةٌ من رُواتِه (٢) .
فجملةُ مَا فِيهِ مِنَ الْمُكَرَّرِ وَغَيْرِهِ: سبعةُ آلافٍ ومئتانِ وخمسةٌ وسبعونَ . كَذَا جَزَمَ
بِهِ ابنُ الصلاح (٣)، وَمُخْتَصِرُو كلامِهِ (٤) .
قَالَ النَّاظِمُ (٥): ((هُوَ مسلّمٌ فِي رِوَايَةِ الفِرَبْرِيِّ(٩) ، وأما روايةُ حمادِ بنِ شاكرٍ ،
فهي دونَها بمئتيّ حديثٍ ، ودونَ هذِهِ بمئةِ حديثٍ روايةُ إِبْرَاهِيمَ بنِ معقلٍ)) (٧) .
وردّهُ شيخُنا بأنَّ عِدَّةَ أحاديثِ الْبُخَارِيِّ فِي رِوَايَةٍ (٨) الثلاثةِ سواءٌ، وإنما حصلَ
الاشتباهُ من جهةٍ أنّ الأَخِيْرَيْنِ فاتَّهما من سَماعِ " الصَّحِيحِ " عَلَى الْبُخَارِيِّ ما ذُكِرَ من
آخرِ الكتابِ فرويَاهُ بالإجازةِ؛ فالنَّقْصُ إِنَّما هُوَ فِي السَّماعِ، لا في الكِتَابِ (٩).
(١) كلمة ((صحيح)): سقطت من (ع).
(٢) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٣١/١.
(٣) معرفة أنواع علم الحديث : ٩٥ .
(٤) انظر: الإرشاد ١٢٠/١-١٢١، اختصار علوم الحديث: ٢٥.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١٣١/١.
(٦) هو أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن مطر الفربري ، راوي الجامع الصحيح عن البخاري توفي سنة
(٣٢٠ هـ). قال صاحب الأنساب ٣٣٤/٤ عن الفربريّ: ((بفتح الفاء والراء، وسكون الباء الموحدة
وبعدها راء أخرى . هذه النسبة إلى فربر، وهي بلدة على طرف جيحون مما يلي بخارى))، ومثل هذا في
وفيات الأعيان ٢٩٠/٤. وفي التاج ٣١١/١٣ := = ((فربر، كسبحل، وضبط بالفتح أيضاً، وذكر
الحافظ في التبصير الوجهين ))، وبالوجهين في سير أعلام النبلاء ١٥ / ١٢، ومعجم البلدان ٤ / ٢٤٥ .
(٧) انظر: هدي الساري: ٤٦٩، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٢٩٦/١، والنكت الوفية: ٢٨/أ،
وقد قام محمد فؤاد عبد الباقي بترقيم كتب صحيح البخاري ، وأبوابه وأحاديثه ؛ فبلغ عدد الأحاديث
سبعة آلاف وخمس مئة وثلاثة وستين حديثاً .
(٨) في (ص ): ((روايات)).
(٩) انظر: النكت لابن حجر ٢٩٤/١-٢٩٥.
١١٢

قَالَ : (( والذي تحرَّرَ لي أنَّها بالمُكَرَّرِ - سوى المعلّقاتِ، والمتابعاتِ ، والموقوفاتِ ،
والمقطوعات - سبعةُ آلاف وثلاثُ مئةٍ وسبعةٌ وتسعونَ حديثاً .
وبغيرِ المكَرَّرِ مِنَ الْمُتُونِ الموصُولَةِ ألفَانٍ وستُّ مئةٍ وحَدِيْثَانِ ، ومِنَ الُونِ المعلّقةِ
المرفوعةِ التِي لَمْ يُوصِلْها في موضعٍ آخرَ مِنْهُ : مئةٌ وتسعةٌ وخمسونَ .
فمجموعُ غيرِ المكرّرِ ألفانِ وسبعُ مئةٍ وواحدٌ وستون)) (١) .
قَالَ النَّاظِمُ: (( ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ عِدَّةَ أحاديثِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ ذكرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهَا
نحوُ : أربعةِ آلافٍ بإسقاطِ الْمُكَرَّرِ))(٢) .
ولم يذكُرْ عدَّتَها بالمكرّرِ ، وَهِيَ تزيدُ عَلَى عِدَّةِ كتابِ الْبُخَارِيِ، لَكَثْرَةِ طُرُقِهِ .
قَالَ: ((ورأيتُ عَنْ أبي الفضلِ أَحْمَدَ بنِ سَلَمَةَ (٣): أَنَّهَا انْنَا عَشَرَ ألفاً)).
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ - بَعْدَ نقلِهِ كلامَ ابنِ سَلَمَةَ -: ((وَقَالَ أَبُو حَفْصِ الَيَانَجِيُّ (٤):
إنَّها ثمانيةُ آلاف)) (٥).
قَالَ: ((ولعلَّ هَذَا أقربُ)) (٦) .
قَالَ شَيْخُنا: ((وقولُ الناظِمِ: ((وفي البُخاري إلى آخرهِ)) جمعلَهُ فائدةً
مستقلةً (٧) زائدةً ، وليس مراداً لابنِ الصَّلَاحِ. بَلْ هُوَ تَتِمَّةُ ردّهِ لكلامِ ابنِ الأخرمِ ؛ بمعنى
(١) هدي الساري : ٤٦٩، وتدريب الراوي ١٠٣/١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١٣١/١.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٣٧٣/١٣ .
(٤) هكذا في جميع النسخ الخطية و (م)، ومثله في بعض مصادر ترجمته، وفي (ع) حاشية تؤكد ذلك نصها:
(( قوله: ((الميانجي)) بالفتح والتحتية وفتح النون وجيم: نسبة إلى ميانج موضع بالشام، وإلى ميانه بلد
بأذربيجان. هـ. أنساب، والمراد هنا الأول)). وانظر: الأنساب ٣٢٠/٥، واللباب ٢٧٨/٣، ومعجم
البلدان ٢٤٠/٥، ومراصد الاطلاع ١٣٤١/٣.
وكذا نسبه الحافظ ابن حجر في النزهة: ٤٩ إلى ميانج، وتابعه شرّاح النزهة على ذلك. انظر مثلاً:
شرح عليّ القاري: ١١. وفي بعض مصادر ترجمته: ((المَّانِشي)). انظر: معجم البلدان ٢٣٩/٥،
والعبر ٢٤٥/٤، ونكت الزّركشيّ ١٩٠/١، وتاج العروس ٣٩٢/١٧.
(٥) انظر: ما لا يسع المحدث جهله: ٢٧، وتدريب الراوي ١٠٤/١، وشرح الألفية: ١١٠.
(٦) النكت للزركشي ١٩١/١.
(٧) سقطت من ( ق ) .
١١٣

أنَّ كلامَهُ يَرِدُ بأنَّ مَا فَاتَ البخاريّ ومسلماً أكثرُ مِمَّا خَرَّجاهُ ، لقولِ البخاريّ: «أحفظُ
مِنْهُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ))(١) وليس في كتابهِ بالنسبةِ إليها إلا القليلُ: فإنّ جميعَ ما فِيهِ
بغيرِ تكرارِ أربعةُ آلافٍ ، وبالتكرارِ نحوُ سبعةِ آلافٍ، ومسلمٌ أكثرُ ما يَكُونُ فِيهِ نَحْوِ ذَلِكَ
كما مَرَّ، ففاتهما كثيرٌ لا قليلٌ (٢).
أما أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ مُطلقاً فابنُ جُريجٍ بمكّةَ (٣) ، ومالكٌ وابنُ أبي ذِئْبِ بالمدينةِ ،
والأوزاعيُّ بالشامٍ، والثوريُ بالكوفةِ ، وسعيدُ بنُ أبي عَرُوْبةَ ، والربيعُ بنُ صَبِيْحٍ ،
وحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ بالبصرةِ ، ومَعْمَرُ بنُ راشدٍ ، وخالدُ بنُ حَمِيْلٍ باليمنِ ، وجريرُ بنُ
عبدِ الحميدِ بالرَّيِّ ، وابنُ المباركِ بخراسانَ (٤) .
وهؤلاء في عصرٍ واحدٍ فلا يُدرَى أَيُّهم أسبقُ ، ذكرَهُ شيخُنا كالناظم (٥).
الصَّحِيْحُ الزَّائِدُ عَلَى الصَّحِيْحَيْنِ
وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى شرطِهما :
صِحَتْهُ أوْ مِنْ مُصَنَّفٍ يُخَصّ
وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيْحِ إِذْ تُنَصّ
٢٩.
( وَابْنِ خُزَيْمَةً) وَكَالمُسْتَدْرَك
بِجَمْعِهِ نَحوَ (ابْنِ حِيَّانَ) الزَّكِيْ
٣٠.
بِهِ فَذَاكَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدّ
عَلَى تَسَاهُلٍ - وَقَالَ : مَا الْفَرَدْ
٣١.
يَلِيْقُ، وَالْبُسْتِيْ يُدَانِي الَحَاكِما
بِعِلْةٍ، وَالحقُّ أنْ يُحْكِمْ بِمَا
٣٢.
(وَخُذْ) بَعْدَ معرفتِك أن مؤلّفَيْهِمَا لَمْ يستوعِباه (زِيادةَ الصَّحِيحِ إذْ) أي: حيثُ
(ُنَصَّ) أي: تُرفَعُ (صِحَُّهُ) بأنْ يَنُصَّ عليها إمامٌ معتمَدٌ كأبي داودَ ، والتِّر مذيّ ،
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٥، وانظر: النكت للزركشي ١٨٨/١-١٨٩، وتذكرة الحفاظ ٥٥٦/٢ .
(٢) النكت لابن حجر ٢٩٨/١ .
(٣) قال الخطيب في الجامع ٢٨١/٢: ((واختلف في المبتدئ بتصانيف الكتب، والسابق إلى ذلك، فقيل:
هو سعيد بن أبي عروبة ، وقيل : هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج)) .
(٤) انظر : الجامع ٢/ ٢٨١- ٢٨٢ وما بعدها ، والمحدث الفاصل : ٦١١ - ٦١٣.
(٥) هدي الساري : ٦ .
١١٤

والنَّسائيِّ، والدَّارَقُطْنِيِّ، والخَطَّابِيِّ، والبيهقيِّ في مصنَّفاتِهِم الشَّهيرةِ أَوْ في غيرِها(١)،
وصحَّ الطريقُ إليهم .
أَوْ ينصَّ عَلَيْهَا حينئذٍ مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ لَهُ تصنيفٌ مِنَ الأئمةِ، كيحيى بنِ سعيدِ القَطَّانِ،
وابنِ مَعِينٍ ؛ خِلافاً لابنِ الصَّلَاحِ حيثُ فَيَّدَ بالمصنفاتِ الشهيرةِ بناءً عَلَى مَا ذهبَ إِليهِ من
أَنْهُ ليسَ لأحدٍ في هذِهِ الأَعْصارِ أن يُصَحِّحَ الأحاديثَ ، كَمَا سيأتي .
وإنما تَبِعَهُ النوويُّ في التَّقْبِيدِ هُنا (٢) بذلكَ اكتِفاءً بما صحَّحَهُ بَعْدُ مِنْ أَنْ لَهُ ذَلِكَ،
فلتؤخذ زيادةُ الصحيحِ من جَمِيْع ذَلِكَ (٣) .
( أَوْ مِنْ مُصَنَّفٍ ) - بِفَتَحِ النُّونِ - ( يُخَصِّ بجمْعِهِ) أي: الصَّحِيحَ، (نَحْوَ)
صحيحِ الإِمامِ مُحَمَّدٍ أبي حاتِمِ (ابْنِ حِيَّانَ) - بكسر الحاء -، البُسْيِّ (الزَّكِيْ) أي:
الزاكي. سُمِّي بِهِ لنموِّهِ في الصفاتِ الجميلةِ، ومُصَنَّفُهُ مُسَمِّى بـ: "التقَاسِيمِ والأنواعِ"(٤).
( و) نحوَ صحيحِ الإمامِ مُحَمَّدٍ أبي بكرٍ (ابنِ ) إسحاقَ بنِ ( خُزَيْمَةَ ) شيخِ ابنِ
حِبَّنَ (٥) .
( وَكَالمُسْتَدْرَكِ ) عَلَى " الصَّحيحينِ " مِمّا فَاتَّهُما للحاكِمِ أبي عَبدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ
عبدِ الله النَّيْسَابوريّ حالةَ كونِهِ (٦) (عَلَى تَساهُلِ ) مِنْهُ فِيهِ بإدخالِهِ فِيهِ عدَّةً أحاديثَ
(١) معرفة أنواع علم الحديث: ٩٦ ، وشرح التبصرة والتذكرة ١٣٢/١.
(٢) في ( ق ): ((هناك)) .
(٣) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٠، وتدريب الراوي ١٤٢/١ -١٤٣.
(٤) صحيح ابن حبان ترتيبه مخترع ليس على الأبواب ولا على المسانيد ، ولهذا سماه " التقاسيم والأنواع" ،
وسببه أنه كان عارفاً بالكلام والنحو والفلسفة ، والكشف من كتابه عسر جداً، وقد رتبه بعض
المتأخرين وهو الأمير علاء الدين أبو الحسن علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي وسمى ترتيبه " الإحسان في
تقريب ابن حبان ". وهو مرتب على الأبواب وقد طبع بتحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط ، وعمل له
الحافظ أبو الفضل العراقي أطرافاً وجرد الحافظ أبو الحسن الهيثمي زوائده على الصحيحين في مجلد وسماه "
موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان " وقد طبع بتحقيق السيد أحمد عبد الرزاق .
(٥) صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح ابن حبان ، لشدة تحریه ، حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى
كلام في الإسناد ، فيقول: إن صح الخبر، أو إن ثبت كذا ونحو ذلك. انظر: التدريب ١٠٩/١.
(٦) في ( ق ): (( حال كونه)) .
١١٥

ضعاف وموضوعاتٍ إِمَّا لأَنَّهُ لَمْ يتيسَّرْ لَهُ تحرِيرُهُ، أَوْ لاَنَّهُ صنَّفَهُ أواخرَ عُمُرِهِ ، وَقَدْ تغيَّر
حالُهُ ، أَوْ لِغيرِ ذَلِكَ (١).
وبالجُمْلَةِ فَهُوَ معروفٌ عِنْدَ أهلِ العِلمِ بالتَّساهُلِ في التصحيحِ (٢) .
(وَ) لهذا (قَالَ) ابنُ الصلاحِ: (ما انفردْ) أي: الحاكمُ (بِهِ) أي : بتصحيحِهِ لا
بتخريجهِ فقط ، ولا مَا شَارَكَهُ (٣) غيرُهُ في تصحيحِهِ (فَذَاكَ) إن ◌َلَّمْ يَكُنْ صَحِيحًاً، فَهُوَ
(حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدّ) - بتشديدِ الدالِ - (بـ) ظهورِ (عِلَّةٍ) توجبُ ضَعْفَهُ (٤).
فابنُ الصَّلاحِ جَعَلَ ما انْفردَ الحاكمُ بتصْحِيحِهِ، ولمْ يكن مَردوداً ، دائراً بَيْنَ
الصَّحِيحِ والحسَنِ، احتياطاً ، لا حَسَناً مُطلقاً، كما اقْتَضَاهُ النَّظمُ، وإن جرى عَلَيْهِ
النََّوِيّ وغيرُهُ مَعَ أنْ فِي ذَلِكَ تحكُّماً (٥).
ويُمكِنُ تصحيحُ ذَلِكَ بأنْ يقالَ: إِنَّه حَسَنٌ فِي الْحُكْمِ مِن حيثُ الحِحِيّةُ ، وإنْ لَمْ
يَتَمَيَّزْ فِيهِ الصَّحيحُ من الحسَنِ اصطلاحاً .
ثُمَّ بَيَّنَ الناظمُ تحريرَ ذَلِكَ فَقَالَ: (والحقُّ أَنْ) يُتَتَبَّعَ(٦) كتابُهُ بالكشفِ عَنْهُ(٧)
(١) وقد طبع عدّة طبعات: كلها سقيمة، وهو بحاجة إلى طبعةٍ علميةٍ محققةٍ مدققةٍ تضبط بها أسانيده،
ويحكم فيها على متونه بما يليق بها ، فإن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري زعم أنّه استدرك أحاديث على
الشيخين ، وفيه بلايا من الموضوعات والمنكرات الشنيعات ، قال الإمام الذهبي في السير ١٧٥/١٧: ((في
المستدرك شيء كثير على شرطهما ، وشيء كثير على شرط أحدهما ، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب ،
بل أقل ؛ فإنّ في كثيرٍ من ذَلِكَ أحاديث في الظاهر عَلَى شرط أحدهما أو كليهما ، وفي الباطن لها علل
ضعيفة مؤثرة، وقطعة من الكِتَاب: إسنادها صالح وحسنٌ، وجيّد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكِتَاب مناكير
وعجائب، وفي غضون ذَلِكَ أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قَدْ أفردت مِنْهَا جزءٌ)).
وانظر : النكت لابن حجر ١ / ٣١٢ وما بعدها .
(٢) في ( ق): ((بالصحيح)) .
(٣) في ( ص ): (( شاركه فيه)) .
(٤) معرفة أنواع علم الحديث : ١٠٠ .
(٥) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٣٤/١، والتدريب ١٠٧/١.
(٦) في ( ق ): (( يتبع)) خطأ .
(٧) وهذا هو الحقّ ؛ فإن الحاكم كثير الأوهام ، سريع الأحكام في كتابه المستدرك؛ فقد صحّح عدداً من
الأحاديث الموضوعة بما لا يخفى على أدنى باحث عدم صحتها .
قال الذهبي في السير ١٧ / ١٧٥ : ((وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد
أفردت منها جزءاً، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء)) . =
١١٦

و ( يُحْكَمْ) (١) بالجزمِ في لغةٍ أَوْ بالإخفاءِ فيما يأتي عَلَى كُلِّ حديثٍ غيرِ مردودِ (بما
ء
يَلِيقُ) بِهِ من الصِّحَّةِ، أَوْ الْحُسْنِ، أَوْ الضَّعْفِ.
ولما كَانَ رأيُ ابنِ الصلاحِ؛ أنَّه ليسَ لأحدٍ فِي هذِهِ الأعصارِ أَنْ يصحِّحَ
حديثاً ، قُطِعَ النظرُ عَنْ تُّعِ ذَلِكَ (٢) .
(و) ابنُ حِبَّنَ (الْبُسْتِيْ) - بالإسكان للوزن، أَوْ لِيَّةِ الوقفِ ، وبِضِّ الموحدةِ -
نسبةً إلى ((بُسْتَ)) (٣) مدينةٍ ببلادٍ (٤) كأبُلَ (٥) ( يُداني) أي: يُقاربُ (الحاكِمَا)
- بألفِ الإطلاقِ - في التَّساهُلِ ، وإنْ شرطَ في كتابِهِ ما يقتضي أَنَّه لا يتساهَلُ ، فَهُوَ
أخفُّ تساهلاً من الحاكمٍ (٦) .
قَالَ الحافظُ أَبُو بكرِ مُحَمَّدُ (٧) بنُ مُوسَى الحازميُّ: («ابنُ حِبَّانَ أمكنُ في الحديثِ
من الحاكمٍ)) (٨).
وعلى كُلّ حالٍ لابدَّ من تُّعِ كتابِهِ للتمييزِ أَيْضاً .
= قلنا: حديث الطير، أخرجه الترمذي في الجامع ٨٤/٦ (٣٧٢١)، وفي علله الكبير (٦٩٨) وأبو يعلى
في مسنده ١٠٥/٧ رقم (٤٠٥٢)، والحاكم في المستدرك ١٣٠/٣-١٣١. وقال الترمذي: ((هذا
حديث غريب لا نعرفه من حديث السّدّي إلا من هذا الوجه )).
(١) بعد هذا في (م): (( أي يقضى بكل منها)). ولم ترد في شيء من أصولنا الخطية.
(٢) انظر : شرح التبصرة والتذكرة ١٣٥/١.
(٣) انظر: معجم البلدان ٤١٤/١ .
(٤) في (ع): ((من بلاد)).
(٥) بضم الباء الموحدة . معجم البلدان ٤٢٦/٤، وانظر : الأنساب : ٥٦٠ .
(٦) ابن حبّان محدّثٌ جهيذٌ، واسع الاطلاع كثيراً، وما نقم عليه من تساهل إنّما هو بسبب توثيقه
للمجاهيل ، فإن الأصل في الراوي عند ابن حبان العدالة ، والجرح طارئ ؛ فعلى هَذَا وثّق كثيراً من
المجاهيل. انظر على سبيل المثال: الثّقات ٣١٨/٤ و١٤٦/٦ و١٦٨ و١٧٨، وأخرج لهم في صحيحه مما
أدّى إلى انتقاده ووصفه بالتساهل ، وكتابه : " المجروحين " يدلّ على رسوخ قدمه وعمق نظره وتضلعه في
علل الحديث الذي هو رأس علم الحديث .
(٧) ((محمد)): لم ترد في (ص ) .
(٨) شروط الأئمة الخمسة : ٤٤ .
١١٧

الْمُسْتَخْرَجَاتُ
عَوَائَةٍ ) وَنَحْوِهِ ، وَاجْتَنِب
٣٣. وَاسْتَخْرَجُوا عَلَى الصَّحِيْحِ (كَأَبِي
إِذْ خَالَفتْ لَفْظَاً وَمَعْنىَ رُبَّمَا
عَزْوَكَ ألفَاظَ الُونِ لَهُمَا
٣٤.
فَهْوَ مَعَ العُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ
وَمَا تَزِيْدُ (١) فَاحْكُمَنْ بِصِخَتِهْ
٣٥.
وَلَيْتَ إِذْ زَادَ الْحُمَيدِيْ مَيَّزَا
وَالأَصْلَ يَعْنِي البَيْهَقِيْ وَمَنْ عَزَا
٣٦.
المستخرجاتُ جمعُ مُسْتَخْرَجٍ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الاستخراجِ، وَهُوَ: أَنْ يأْتِيَ (٢)
حافظٌ إلى " صَحِيْحِ البُخَارِيِّ " - مثلاً - فيوردُ أحاديثَهُ بأسانيدَ لنفسِهِ من غيرِ طَرِيقٍ
البُخَارِيِّ إلى أَنْ يلتقي مَعَهُ فِي شيخِهِ ، أَوْ فِي مَنْ فَوقَهُ (٣) .
قَالَ شيخُنا: (( وَشَرْطُهُ: أن لا يصلَ إلى شيخٍ أُبعدَ مَعَ وجودِ سَندٍ يُوصِلُهُ إلى
الأقربِ إلا لغرضٍ من عُلُوّ(٤) أَوْ زيادةٍ حكمٍ، أَوْ نحوِهِ ، وإلاّ فَلا يُسَمَّى مُسْتَخْرَجاً)) (٥).
( واسْتَخْرَجُوا ) أي: جمعٌ من الحُفّاظِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِكُلِّ مِن الْبُخَارِيِّ،
ومسلمٍ بقرينةٍ ما يأتي ، وإنْ لَمْ يختصَّ الاستخراجُ بهما ، بَلْ ولا بالصحيحِ .
والمخرِّجُونَ عليهما أَوْ عَلَى أحدِهما كثيرٌ (كأبِي عَوَائَةٍ) - بالصرف
للوزن - يعقوبَ بنِ إسحاقَ الإِسْفَرَائِّ (٦) ، استخرجَ عَلَى " صَحِيْحٍ مُسْلِمٍ " (٧).
(١) في (أ) و (ب) و (ج): ((يزيد)).
(٢) في (ع ) : (( يأتي إمام)).
(٣) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٣٦/١، والتدريب ١١٢/١، ونكت الزَّرْكَشِي٢٢٩/١ّ.
(٤) في (م) : (( علو سنداً)).
(٥) في ( ع ) و ( ق ): (( استخراجاً)). وانظر: تدريب الراوي ١١٢/١.
(٦) هو الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الإسفراييني ، رحل في طلب العلم ، وطوّف بالدنيا
وعني بهذا الشأن ، توفي سنة (٣١٦ هـ). وفيات الأعيان ٣٩٣/٦، وتذكرة الحفاظ ٧٧٩/٣، وطبقات
الشافعية الكبرى ٤٨٧/٣ .
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٦/١-١٣٧.
١١٨

( ونحوِهِ ) هَذَا عُلِمَ (١) مِنَ الكَافِ - أي: ونحوِ أبِي عَوَانَةً كأبي بكرٍ أَحْمَدَ بنِ
إِبْرَاهِيمَ بنِ إسماعيلَ (٢) ، استخرج عَلَى " صَحِيْحِ الْبُخَارِيّ" .
وكأبي بكرٍ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ البَرْقَانِيّ (٣)، وأبي نُعَيمِ الأصفهانيّ (٤)، استخرجَ كُلِّ
مِنْهُمَا عَلَى " الصَّحِيْحَيْنِ" .
والمخرِّجُونَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَلتزموا لفظَهما، بَلْ رَوَوْهُما بالألفاظِ التِي وَقَعتْ لَهُمْ عَنْ
(٥)
شيوخهم
(و) لهذا قَالَ : كَغيرِهِ للناقلِ مِنَ الْمُستخرَجَاتٍ عَلَيْهِمَا: (اجْتَنبِ) وجوباً (عَزْوَكَ)
أي : نسبَتَك (ألفاظَ الُتُونِ ) أي: الأحاديثَ التي تنقلُها منها. (لَّهُمَا ) حيثُ توردُها
للحُجَّةِ ، كما في المُصنَّف عَلَّى أبواب الأحكامِ لا عَلَى غيرها (٦) كالمعاجمِ والمشيخاتِ
نَقَلَهُ شيخُنا عَنْ ابنٍ دقيقِ العيدِ وأَقَرَّهُ (٧) فَلا تقلْ: أَخْرِجَهُ الشيخان بهذا اللّفظِ إِلاَّ بَعْدَ
مُقابلَتِهِ، أَوْ تصريحِ المخرِّجِ بِهِ (٨).
(إذْ) قَدْ (خَالَفَتْ) أي : المستخرجاتُ " الصحيحين " لفظاً كثيراً لتقيُّدٍ
مخرِّجيهما بألفاظ رواتِهم، كَما مَرَّ، (وَمَعْنَى) غيرَ منافٍ قليلاً (ربَّما) .
(١) في نسخة (ق ) تعليقة للعلامة الآلوسي قال فيها: (( أقول يمكن أن يقال هو معطوف على الصحيح لا
على أبي عوانة فلا إشكال بل هو أولى ليفيد أنه كما يجوز الاستخراج على الصحيح يجوز على غيره)).
(٢) هو الإمام الحافظ الثبت أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني توفي سنة
(٣٧١ هـ). تاريخ جرجان: ١٠٨، وتذكرة الحفاظ ٩٤٧/٣ .
(٣) هو الإمام أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب أبو بكر الخوارزمي ، المعروف بالبرقاني الشافعي توفي سنة
(٤٢٥ هـ). تاريخ بغداد ٣٧٣/٤، والأنساب ٣٣٧/١، وتذكرة الحفاظ ١٠٧٤/٣.
(٤) في (ص) و (م) : (( الأصبهاني))، وكلاهما صحيح. وهو الحافظ الكبير محدث عصره أبو نعيم أحمد بن
عبد الله بن أحمد الأصبهاني الصوفي ولد سنة (٣٣٦ هـ ) سمع ولقي العديد من المشايخ ، وتفرد في الدنيا
بإجازات توفي سنة (٤٣٠ هـ). المنتظم ١٠٠/٨، وتذكرة الحفاظ ١٠٩٢/٣، وشذرات الذهب ٢٤٥/٣ .
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١٣٧/١.
(٦) في النسخ: ((غيرها))، وفي (م): ((غيرهما)).
(٧) النكت لابن حجر ٣١١/١ .
(٨) انظر: المقنع ٧١/١، وشرح التبصرة والتذكرة ١٣٧/١، والتدريب ١١٢/١-١١٣.
١١٩

فـ((رُبَّما)) داخلةٌ عَلَى (خَالَفَتْ) أي: رُبَّمَا خالفتهما لفظاً ومَعْنَى، وَهِيَ
تستعملُ تارةً للتكثيرِ ، وتارةً للتقليلِ بناءً عَلَى الأصحِّ أنّها لا تَخْتَصُّ بأحدِهِمَا ، وَقَدْ
استُعَمْلَتْ هنا فِيْهِمَا معاً كَمَا تَقرَّرَ (١) ، فَهُوَ من استعمالِ المِشْتَرِكِ في مَعَنَيْهِ، وإنْ كَانَ
الشارحُ جَعَلَها مستعلمةٌ في الثّاني فَقَطْ (٢).
والمتونُ: جمعُ ((مَتْنٍ)) مِنَ الُمَاتَنَةِ ، وَهِيَ : المباعدةُ في الغايةِ (٣) ؛ لأنّ المثنَ غايةٌ
السَّندِ .
أو مِنَ المَثْنِ، وَهُوَ : ما صُلُبَ وارتفعَ مِنَ الأرضِ (٤)؛ لأنّ راوِي الَحَدِيثِ يقوِّيهِ
بالسَّندِ ، وَيَرفعُه بِهِ (٥) إلى قائِلِه .
( وَمَا تَزِيْدُ) - بالمثناةِ فوقُ أَوْ تحتُ - أي: المستَخْرَجاتُ، أَوْ المستَخْرجُ من تتمَّةٍ
كلامٍ ، أَوْ زيادةِ شرحٍ لحديثٍ ، أَوْ نحوٍ ذَلِكَ، وَوُجِدَتْ شروطُ الصِّحَّةِ فِي رُواةِ المخرِّجِ
( فَاحْكُمَنْ بِصِحَّتِهْ ) (٦)، ثُمَّ أشارَ إلى فوائدِ الاستخراجِ ، فقال :
( فَهُوَ ) أي: ما يُزادُ ( مَعَ العُلُوِّ ) أي: علوِّ الإِسْنَادِ الذي هُوَ جلُّ قصدٍ
المخرِّجينَ (من فائدتهْ) وزادَ لفظةَ ((مِنْ)) ليفيدَ أنْ لَهُ فوائدَ أُخرَ، منها : القوَّةُ بِكَثْرَة
الطُّرُقِ للتَّرْجِيحِ عِنْدَ المعارضةِ (٧) ، ومنها :
١- تسميةُ الْهَمِ والْمُهْمَلِ (٨).
(١) انظر عن (رب ): اللسان ١٩٩/١، ومغني اللبيب : ١٧٩.
(٢) انظر: الفصول ٧٦/١، والبحر المحيط ١٢٧/٢.
(٣) الصحاح ٢٢٠٠/٦، واللسان ١٣/ ٣٩٨-٣٩٩.
(٤) الصحاح ٢٢٠٠/٦، واللسان ١٣/ ٣٩٨-٣٩٩.
(٥) ((به )) : سقطت من (ع ).
(٦) انظر : شرح التبصرة والتذكرة ١٣٧/١-١٣٨ والتعليق عليه .
(٧) انظر: الإرشاد ١٢٦/١، وشرح التبصرة والتذكرة ١٣٨/١-١٣٩، والمقنع ٧١/١-٧٢.
(٨) المبهم : هو من أبهم ذكره في الحديث من الرجال والنساء، أو : من ذكر بوصف غير دال على ذات
معينة . ويقع في المتن والإسناد ، مثل جاء رجل ، أو عن ابن عم لي ، وهكذا .
أما المهمل: هو أن يذكر الراوي اسمه من غير نسبة تميزه ، وأكثر ما يقع في الإسناد ، كأن يكون للراوي
أكثر من شيخ يسمى ( محمداً ) ، فيروي قائلاً: حدثنا محمد . انظر : معرفة أنواع علم الحديث : ٥٥٧ ،
والشذا الفياح ٧٠٣/٢، وتدريب الراوي ٣٤٢/٢، وشرح شرح النخبة : ٧١ .
١٢٠