النص المفهرس
صفحات 701-720
٧٠٣ كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحُسن الخلق ٥٠٨٢ - [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَمِعْثُ رَسُولَ اللهِوَ يَقُولُ: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ وَصَائِمِ النَّهَارِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ](١). ٥٠٨٣ - [وعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَ: «أَتَّقِ اللّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِع السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)). رَوَاهُ أَحْمَد والتِّرْمِذِي وَالدَّارِمي(٤). (اتَّقِ اللهَ حَيْئُمَا كُنْتَ) أصلُ التقوى في اللغة: أن يجعل بينه وبين الذي يخافه وقاية تقيه منه، مثل اتّخاذ النّعال والخفاف للوقاية مِمَّا يكون في الأرض من ضرر، وكاتّخاذ البيوت والخيام لاتِّقاء حرارة الشمس، ونحو ذلك. والتقوى في الشرع: أن يجعلَ الإنسانُ بينه وبين غضب الله وقاية تقيه منه؛ وذلك بفعل المأمورات وترك المنهيات، وتصديق الأخبار، وعبادة الله وفقاً للشرع، وتقوى الله مطلوبةٌ في جميع الأحوال والأماكن والأزمنة، فيتَّقي الله في السرِّ والعلن، وبروزه للناس واستتاره عنهم. (وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا) عندما يفعل المرءُ سيِّئَةً فإِنَّه يتوب منها، والتوبةُ حسنة، وهي تجبُّ ما قبلها من الكبائر والصغائر، ويكون أيضاً بفعل الحسنات، فإنَّها تمحو الصغائر، وأمَّا الكبائر فلا يمحوها إلَّا التوبة منها. (وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) فإنَّه مطلوب من الإنسان أن يُعامل الناسَ جميعًا معاملة حسنة، فيُعاملهم بمثل ما يحبُّ أن يُعاملوه به. وَالحدیث فيه: كمال نصح الرسول ◌َل﴿ لأمَّته، ومن ذلك ما اشتمل عليه هذا الحديث من هذه (١) أخرجه أبو داود (٤٧٩٨)، وأحمد (٢٤٦٣٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٩٩٨)، والحاكم (١٩٩) وقال: على شرط الشيخين، والديلمي (٧٣١). (٢) أخرجه الترمذي (١٩٨٧) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢١٣٩٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٠٢٦) والدارمي (٢٧٩١) والحاكم (١٧٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والبزار (٤٠٢٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٧٨/٤). ٧٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع الوصايا الثلاث العظيمة الجامعة. وفيه: الأمر بتقوى الله في جميع الأحوال والأمكنة والأزمان. وفيه: الحثُّ على إتباع السيِّئات بالحسنات. وفيه: أنَّ الحسنات تمحو السيِّئات. وفيه: الحثُّ على مخالقة الناس بالأخلاق الحسنة. ٥٠٨٤ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَخْرُمُ عَلَى النَّارِ وَبَمَنْ تُحَرَّمُ النَّارُ عَلَيْهِ؟ عَلَى كُلِّ هَيٍِّ لَيِّنٍ قَرِيبٍ سَهْلٍ)). رَوَاهُ أحْمَد والتِّزْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ حَسَنٌ غَرِيْبٌ](١). ٥٠٨٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((الْمُؤْمِنَ غِرُّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خَبُّ لَئِيمٌ)). رَوَاهُ أَحْمَد والتِّزْمِذِي وَأَبُو دَاوُد](٩). (الْمُؤْمِنِ غِرّ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء (كَرِيم) أي: مَوْصُوف بِالْوَصْفَيْنِ أي: لَهُ الإِغْتِرَار لِكَرْمِهِ (وَالْفَاجِرِ) أي: الْفَاسِقِ (خِبٌ) بِفَتْحِ خَاء مُعْجَمَة وَتُكْسَرِ وَتَشْدِيدٍ مُوَخَّدَة أي: يَسْعَى بَيْنِ النَّاسِ بِالْفَسَادِ، وَالتَّخَبُّبِ إِفْسَاد زَوْجَة الْغَيْرِ أَوْ عَبْده (لَئِيم) أي: تَخِيل ◌َجُوجِ سَيِّئ الْخُلُق وَفِي، كُلّ مِنْهُمَا الْوَصْفِ الثَّانِي سَبَب لِلْأَوَّلِ وَهُوَ نَتِيجَة الثَّانِي، فَكِلَاهُمَا مِنْ بَابِ التَّذْبِيلِ وَالتَّكْمِيلِ، قَالَهُ الْقَارِي. قَالَ الْخَطَّائِيُّ فِي ((الْمَعَالِمِ): مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْمُؤْمِنِ الْمَحْمُودِ هُوَ مَنْ كَانَ طَبْعِه وَشِيمَته الْغِرَارَةِ وَقِلَّةِ الْفِطْنَة لِلشَّرِّ وَتَرْكَ الْبَحْثِ عَنْهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْهُ جَهْلًا لَكِنَّهُ كَرَم وَحُسْنِ خُلُقٍ، وَأَنَّ الْفَاجِرِ هُوَ مَنْ كَانَتْ عَادَتِه الْحُبّ وَالدَّهَاءِ وَالْوُغُولِ فِي مَعْرِفَة الشَّرّ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ عَقْلًا وَلَكِنَّهُ خِبّ وَلَؤُوم ◌ِنْتَهَى. (١) أخرجه الترمذي (٢٦٧٦)، وأحمد (٤١٥/١). (٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)» (٤١٨)، وأبو داود (٤٧٩٠)، والترمذي (١٩٦٤) وقال: غريب، وأحمد (٩٣٥٦)، والبيهقي (٢٠٥٩٨)، والحاكم (١٢٨)، وأبو يعلى (٦٠٠٧)، والقضاعي (١٣٣)، وابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (١١)، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٩٨٤). ٧٠٥ كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحُسن الخلق وَقَالَ اِبْنِ الْأَثِير: (الْمُؤْمِنِ غِرّ كَرِيمٍ) أي: لَيْسَ بِذِي مَكْرِ فَهُوَ يَنْخَدِعِ لِنْقِيَادِهِ وَلِيْنِه وَهُوَ ضِدّ الْخِبّ، يُقَالِ فَتَّى غِرّ وَفَتَاة غِرّ، اِنْتَهَى. قَالَ السُّيُوطِيُّ: هَذَا أَحَدِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي إِنْتَقَدَهَا الْحَافِظِ سِرَاجِ الدِّينِ الْقَرْوِينِيّ عَلَى الْمَصَابِيحِ وَزَعَمَ أَنَّهُ مَوْضُوعٍ، وَقَالَ الْحَافِظ إِبْنِ حَجَرٍ فِي رَدّه عَلَيْهِ: قَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عِيسَى بْن يُونُس عَنْ سُفْيَانِ الثَّوْرِيّ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ فُرَافِصَة عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِهِ مَوْصُولًا. وَقَالَ أَسْنَدَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِ الثَّوْرِيّ. وَحَجَّاج قَالَ اِبْنِ مَعِين لَا بَأْس بِهِ، قَالَ وَلَمْ يَحْتَجَ الشَّيْخَانِ بِبِشْرٍ وَلَا بِحَجَّاچٍ. قَالَ الْحَافِظِ بَل الْحَجَّاج: ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورِ وَبِشْرِ بْنِ رَافِعٍ أَضْعَف مِنْهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُتَّجَهُ الْحُكْم عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ لِفَقْدِ شَرْطِ الْحَاكِم فِي ذَلِكَ إِنْتَفَى. وَقَالَ الْحَافِظِ صَلَاحِ الدِّينِ الْعَلَائِيّ بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ: هَذَا ضَعَّفَهُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَل، وَقَالَ إِبْنِ مَعِين: لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ إِبْنِ عَدِيّ لَمْ أَجِد لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ فُرَافِصَة عَنْ نَحِْى بْن أَبِي گَثِیر عَنْ أَبِي سَلَمَةٍ بِهِ فَتَعَيَّنَ الْمُبْهَم أَنَّهُ يَحِْى بْن أَبِي كَثِیر، وَحَجَّاج هَذَا قَالَ فِیهِ اِبْنِ مَعِین لَا بَأْس بِهِ، وَذَكَرَهُ إِبْنِ حِبَّن فِي ((الثِّقَات)). وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ: هُوَ شَيْخِ صَالِحٍ مُتَعَبِّد، وَقَالَ أَبُو زُرْعَة: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَتَوْثِيق الْأَوَّلِينَ مُقَدَّمٍ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ، وَحَصَلَتْ بِرِوَايَةِ حَجَّاجِ هَذَا الْمُتَابَعَة لِبِشْرِ بْنِ رَافِعٍ فِي الْحَدِيثِ وَخَرَجَ بِهِ عَنِ الْغَرَابَةِ؛ فَالْحَدِيث بِرِوَايَتِهِمَا لَا يَنْزِل عَنْ دَرَجَة الْحَسَنِ، إِنْتَهَى كَلَام السُّيُّوطِيّ مُلَخَّصًا. ٥٠٨٦ - [وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: ((الْمُؤْمِنُونَ هَيِّئُونَ لَيِّئُونَ، كَالْجَمَلِ الأَنِفِ الَّذِي إِنْ قِيدَ انْقَادَ، وَإِنْ أَنِيخَ عَلَى صَخْرَةِ اسْتَنَاخَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي مُرْسَلاً ](١). (١) لم أقف عليه عند الترمذي. ٧٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع (هَيِّئُونَ لَيِّئُونَ) قال ابن الأعرابي: تخفيفهما للمدح وتثقيلهما للذم، وقال غيره: هما سواء والأصل التثقيل كميت وميت والمراد بالهين سهولته في أمر دنياه ومهمات نفسه أما في أمر دينه فكما قال عمر: فصرت في الدين أصلب من الحجر، وقال بعض السلف: الجبل يمكن أن ينحت منه ولا ينحت من دين المؤمن شيء، واللين لين الجانب وسهولة الانقياد إلى الخير والمسامحة في المعاملة (كَالْجَمَلِ) أي كل واحد منهم. قال الزمخشري: ويجوز جعله صفة لمصدر محذوف أي لينون لينا مثل لين الجمل (الأَنِفِ) بفتح الهمزة وكسر النون من أنف البعير إذا اشتكى أنفه من البرة فقد أنف على القصر وروي آنف بالمد. قال الزمخشري: والصحيح الأول انتهى. (الَّذِي إِنْ قِيدَ انْقَادَ، وَإِنْ أَنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ) فإن البعير إذا كان أَنفًا للوجع الذي به ذلول منقاد إلى طريق سلك به فيه أطاع، والمراد أن المؤمن سهل يقضي حوائج الناس ويخدمهم وشديد الإنقياد للشارع في أوامره ونواهيه وخص ضرب المثل بالجمل لأن الإبل أكثر أموالهم وآخرها. [فيض القدير ٣٣٥/٦]. ٥٠٨٧ - [وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: «الْمُسْلِمِ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي لا يُخَالِطُهم وَلا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وابْن مَاجَە](١). ٥٠٨٨ . [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيَِّهُ مِنْ أَمِّ الْحُورِ شَاءَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وأبُو دَاوُدٍ وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبٌ(٢). (١) أخرجه الترمذي (٢٥٠٧) وأحمد (٥٠٢٢) وابن ماجه (٤٠٣٢)، والطيالسي (١٨٧٦) والبغوي في ((الجعدیات)) (٧٤٥). (٢) أخرجه أبو داود (٤٧٧٧)، والترمذي (٢٤٩٣)، وابن ماجه (٤١٨٦)، والطبراني في (الكبير)) (٤١٧)، وفي ((الصغير)) (١١١٢)، والبيهقي (١٦٤٢٢)، وأبو يعلى (١٤٩٧). ٧٠٧ كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحُسن الخلق (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا) أي: اِجْتَرَعَ غَضَبًا كَامِنًا فِيهِ (أَنْ يُنْفِذهُ) مِنِ التَّنْفِيذ وَالْإِنْفَاذ أي: يُمْضِيه (دَعَاهُ اللهُ يَوْمِ الْقِيَامَة عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ) أي: شَهَرَهُ بَيْن النَّاس وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَتَبَاهَى بِهِ، وَيُقَالٍ فِي حَقّه هَذَا الَّذِي صَدَرَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْخُصْلَةِ الْعَظِيمَةِ (حَتَّى يُخَيِّرُ) أي: يَجْعَلُهُ مُخَيِّرًا (مِنْ أَيّ الْحُورِ الْعِينِ شَاءً) أي: فِي أَخْذ أَيْهِنَّ، وَهُوَ كِنَايَة عَنْ إِدْخَالِه الْجَنَّة الْمَنِيعَة وَإِيصَاله الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَة. قَالَ الطَّبِيُّ: وَإِنَّمَا حُمِدَ الْكَظْمَ لِأَنَّهُ قَهْر لِلنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَهُم الله تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظِ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْنِ مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَنِ غَرِيب هَذَا آخِر كَلَامِه وَسَهْل بْن مُعَاذِ بْنِ أَنَس الْجُهَنِيّ ضَعِيف، وَالَّذِي رَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيث أَبُو مَرْحُوم عَبْد الرَّحِيمِ بْن مَيْمُون اللَّيْتِيّ مَوْلَاهُم الْمِصْرِيّ وَلَا يُحْتَجّ بِحَدِيثِهِ.[عون ٣٠٠/١٠]. ٥٠٨٩ - [وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابٍ الَّبِيّ ◌ََّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:((مَلأَ اللهُ أَمْنَا وَإِيمَانًا)](١). وَذُكِرَ حَدِيْث سُوَيْد: ((مَنْ تَرَكَ لِبْسَ ثَوْبِ جَمَال)) فِي كِتَابِ اللَّبَاسِ. الفصل الثالث ٥٠٩٠ [عَن زَيْد بْن طَلْحَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((إِنَّ لِكُلِّ دِيْنِ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلامِ الْحَيَاءُ)) رَوَاهُ مَالِك مُرْسَلاً](٢). ٥٠٩١ - ٥٠٩٢ [وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه والبَيْهَقِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ)) عَنْ أُنَس وَابْن عَبَّاس](٣). (١) أخرجه أبو داود (٤٧٨٠). (٢) أخرجه مالك (١٦٤٤). (٣) أخرجه ابن ماجه (٤١٨٢) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٤٥٣)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)» (٣٠٢). ٧٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع ٥٠٩٣ - [وَعَن ابْنِ عُمَر قَالَ: ((إِنَّ الْحَيَاءَ وَالإِيْمَانِ قُرَنَاءِ جَمِيْعًا فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرِ))](١). ٥٠٩٤ - [وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاس: ((فَإِذِاِ سُلِبَ أُحَدُهُمَا تَبِعَهُ الآخَرِ)). رَوَاهُ البَيْهَقِي في: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٤). ٥٠٩٥ - [وعَنْ مُعَاذْ قَالَ: كَانَ آَخِرُ مَا وَصَّانِي بِهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ: ((يَا مُعَاذُ أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ)). رَوَاهُ مَالِك](٣). ٥٠٩٦ - [وَعَنْ مَالِكِ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَه قال: ((بُعثتُ لأُتَمَّمَ حُسْنَ الأخلاقِ)). رَوَاهُ فِي: ((المُوظِّ))](٤). ٥٠٩٧ - [ورَوَاهُ أَحْمَد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة](٥). ٥٠٩٨ - [وعَنِ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا نَظَرَ فِي الْمَرْآةِ، قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي حَسَّنَ خَلْقِي وَخُلُقِي، وَزَانَ مِنِّي مَا شَانَ مِنْ غَيْرِي)). رَوَاهُ البَيْهَقِي فِي: (شُعَبِ الإِيْمَانِ)) مُرْسَلاً ](٦). ٥٠٩٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ حَسَّنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي)). رَوَاهُ أَحْمَدِ](٧). ٥١٠٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ قَالُوا: (١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٧٢٧)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٩٧/٤)، والحاكم (٥٨)، وابن أبي شيبة (٣٠٣٧٢) موقوفًا، والمناوي (٤٢٦/٣). (٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٤٦٦). (٣) أخرجه مالك (١٦٣٦). (٤) أخرجه مالك (١٦٠٩). (٥) أخرجه أحمد (٨٩٣٩)، وابن سعد (١٩٢/١). (٦) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٢٨٥). (٧) أخرجه أحمد (٢٤٤٣٧)، قال الهيثمي (١٧٣/١٠) رجاله رجال الصحيح. ٧٠٩ كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحُسن الخلق بَلَى قَالَ: ((خِيَارُ كُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا)). رَوَاهُ أُحْمَد](١). ٥١٠١ - [وعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ: ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًّا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والدَّارِمي](٤). ٥١٠٢ - [وَعَنْهُ، أَنَّ رَجُلاً شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ ◌َّهِ جَالِسَّ يَتَعْجَّبُ وَيَتَبَسَّمُ فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَقَامَ فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسَّ فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ، قَالَ (كَانَ مَعَكَ مَلَكْ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ)) ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، ثَلَاثُ كُلُّهُنَّ حَقُّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا للهِ وَ إِلَّا أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلُّ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلَّا زَادَ اللهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلُّ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَ اللهُ بِهَا قِلَّةً)). رَوَاهُ أَحْمَد](٣). ٥١٠٣ - [وعن عائشة، قالت: قال رسول الله وَل﴾: ((لا يريد الله بأهل بيت رفقًا إلا نفعهم، ولا يحرمهم إياه إلا ضرهم)). رَوَاهُ الْبَيْهَِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٤). (١) أخرجه أحمد (٩٢٢٤)، قال الهيثمي (٢٠٣/١٠) رجاله رجال الصحيح. (٢) أخرجه أبو داود (٤٦٨٢)، وأحمد (٧٣٩٦)، وابن حبان (٤٧٩)، والبيهقي (٢٠٥٧٢)، وفي ((شعب الإيمان)) (٧٩٧٦)، والدارمي (٢٧٩٢)، والحاكم (١)، وابن أبي شيبة (٢٥٣٢١). (٣) أخرجه أحمد (٩٦٢٢)، قال الهيثمي (١٩٠/٨) رجاله رجال الصحيح. (٤) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٢٨٦). باب الغضب والکبر الفصل الأول ٥١٠٤ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ: أَوْصِنِي، قَالَ: ((لَا تَغْضَب)) فَرَدَّ ذَلِكَ مِرَارًا، قَالَ: ((لَا تَغْضَب)). رَوَاهُ البُخَارِي](١). (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ جَارِيَة بِالْجِيمِ إِبْنِ قُدَامَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَابْنِ حِبَّن وَالطَّبَرَائِيُّ مِنْ حَدِيثه مُبْهَمًا وَمُفَسَّرًّا، وَيَحْتَمِل أَنْ يُفَسَّرِ بِغَيْرِهِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث سُفْيَانِ بْن عَبْد الله الثَّقَفِيّ ((قُلْت يَا رَسُول الله قُلْ لِي قَوْلًا أَنْتَفِعِ بِهِ وَأَقْلِلْ، قَالَ: لَا تَغْضَب، وَلَك الجنَّة». وَفِيهِ عَنْ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ ((قُلْت: يَا رَسُولِ اللهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَل يُدْخِلنِي الْجَنَّةِ، قَالَ: لَا تَغْضَب)). وَفِي حَدِيث اِبْنِ عُمَر عِنْدَ أَبِي يَعْلَى (قُلْتِ يَا رَسُول الله قُلْ لِي قَوْلًا وَأَقْلِلْ لَعَلِي أَعْقِلهُ)). (أَوْصِنِي) فِي حَدِيث أَبِيِ الدَّرْدَاءِ («دُلَّنِي عَلَى عَمَل يُدْخِلنِي الْجَنَّة ((وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر عِنْدَ أَحْمَدِ «مَا يُبَاعِدِي مِنْ غَضَبِ الله ((زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْن عَيَّاش عِنْدَ التِّرْمِذِيّ ((وَلَا تُكْثِر عَلَيَّ لَعَلِّ أَعِيه ((وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانِ بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي بَكْر بْنِ عَيَّاش نَحُوه. (فَرَدَّدَ مِرَارًا) أي: رَدَّدَ السُّؤَالِ يَلْتَمِس أَنْفَع مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَعَمَّ فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ. (قَالَ لَا تَغْضَبِ) فِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ ((كُلّ ذَلِكَ يَقُول لَا تَغْضَب)) وَفِي رِوَايَة عُثْمَانِ بْنِ أَبِي شَيْبَة قَالَ: ((لَا تَغْضَب ثَلَاث مَرَّات)). وَفِيهَا بَيَان عَدَد الْمِرَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث أَنَسِ أَنَّهُ وَلِ كَانَ يُعِيد الْكَلِمَة ثَلَاثًا (١) أخرجه البخاري (٦١١٦). ٧١٠ ٧١١ كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر لِتُفْهَمِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يُرَاجَعِ بَعْدِ ثَلَاث، وَزَادَ أَحْمَدِ وَابْنِ حِبَّانِ فِي رِوَايَة عَنْ رَجُل لَمْ يُسَمَّ قَالَ: (تَفَكَّرْتِ فِيمَا قَالَ فَإِذَا الْغَضَبِ يَجْمَع الشّرّ كُلّه)). قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى قَوْله ((لَا تَغْضَب)) اِجْتَنِبْ أَسْبَابِ الْغَضَب وَلَا تَتَعَرَّض لِمَا يجْلِبهُ. وَأَمَّا نَفْسِ الْغَضَبِ فَلَا يَتَأَنَّى النَّهْي عَنْهُ لِأَنَّهُ أَمْرِ طَبِيعِيّ لَا يَزُول مِن الْجِبِلَّةِ، وَقَالَ غَيْرِهِ: مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الطَّبْعِ الْخَيَوَانِيّ لَا يُمْكِنِ دَفْعه، فَلَا يَدْخُلِ فِي النَّهْي لِأَنَّهُ مِنْ تَكْلِيف الْمُحَالِ، وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُكْتَسَب بِالرِّيَاضَةِ فَهُوَ الْمُرَادِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَغْضَب ◌ِأَنَّ أَعْظَم مَا يَنْشَأْ عَنْهُ الْغَضَبِ الْكِبْرِ لِكُوْنِهِ يَقَع عِنْدَ مُخَالَفَة أَمْرِ يُرِيدهُ فَيَحْمِلهُ الْكِبْرِ عَلَى الْغَضَب، فَالَّذِي يَتَوَاضَعِ حَتَّى يَذْهَب عَنْهُ عِزَّة النَّفْسِ يَسْلَم مِنْ شَرّ الْغَضَب. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَفْعَل مَا يَأْمُركَ بِهِ الْغَضَب. وَقَالَ اِبْنِ بَظَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ مُجَاهَدَة النَّفْس أَشَدُّ مِنْ مُجَاهَدَة الْعَدُوّ؛ لِأَنَّهُ وَ جَعَلَ الَّذِي يَمْلِكِ نَفْسِه عِنْدَ الْغَضَبِ أَعْظَمِ النَّاسِ قُوَّة. وَقَالَ غَيْرِهِ: لَعَلَّ السَّائِلِ كَانَ غَضُوبًا، وَكَانَ النَّبِيّ ◌َِّ يَأْمُر كُلّ أَحَدٍ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ، فَلِهَذَا اِقْتَصَرَ فِي وَصِيَّتِه لَهُ عَلَى تَرْكِ الْغَضَب. وَقَالَ إِبْنِ التِّين: جَمَعَ لَهُ فِي قَوْله: (لَا تَغْضَب)) خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ الْغَضَب يَؤولُ إِلَى التَّقَاطْعِ وَمَنْعِ الرِّفْقِ، وَرُبَّمَا آلَ إِلَى أَنْ يُؤْذِي الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ فَيُنْتَقَصِ ذَلِكَ مِن الدّین. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: لَعَلَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيعِ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْرِضِ لِلْإِنْسَانِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ شَهْوَتِه وَمِنْ غَضَبه، وَكَانَتْ شَهْوَة السَّائِلِ مَكْسُورَةٍ فَلَمَّا سَأَلَ عَمَّا يَحْتَرِز بِهِ عَن الْقَبَائِحِ نَهَاهُ عَنِ الْغَضَبِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمَ ضَرَرًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ نَفْسه عِنْدَ حُصُولِه كَانَ قَدْ قَهَرَ أَقْوَى أَعْدَائِهِ إِنْتَهَى. وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون مِنْ بَابِ التَّنْبِيِه بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، لِأَنَّ أَعْدَى عَدُوّ لِلشَّخْصِ شَيْطَانِهِ وَنَفْسِه، وَالْغَضَبِ إِنَّمَا يَنْشَأْ عَنْهُمَا، فَمَنْ جَاهَدَهُمَا حَتَّى يَغْلِهُمَا مَعَ ٧١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع مَا فِي ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْمُعَالَجَة كَانَ لِقَهْرِ نَفْسِه عَنِ الشَّهْوَة أَيْضًا أَقْوَى. وَقَالَ إِبْنِ حِبَّان بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ: أَرَادَ لَا تَعْمَلِ بَعْدِ الْغَضَبِ شَيْئًا مِمَّا نَهَيْت عَنْهُ، لَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ شَيْء جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَا حِيلَةٍ لَهُ فِي دَفْعه. وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاءِ: خَلَقَ اللهِ الْغَضَبِ مِن النَّارِ وَجَعَلَهُ غَرِيزَة فِي الْإِنْسَان، فَمَهْمَا قَصَدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَض مَا اِشْتَعَلَتْ نَارِ الْغَضَب وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرٌ الْوَجْهُ وَالْعَيْنَانِ مِن الدَّم؛ لِأَنَّ الْبَشَرَةِ تَحْكِي لَوْن مَا وَرَاءَهَا، وَهَذَا إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونِه وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فَوْقِه تَوَلَّدَ مِنْهُ إِنْقِبَاض الدَّم مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ إِلَى جَوْفِ الْقَلْبِ فَيَصْفَرّ اللَّوْنِ حُزْنًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّظِيرِ تَرَدَّدَ الدَّم بَيْنَ اِنْقِبَاض وَانْبِسَاط فَيَحْمَرٌ وَيَصْفَرّ وَيَتَرَتَّب عَلَى الْغَضَبِ تَغَيُّرِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ كَتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَالرِّعْدَة فِي الْأَظْرَافِ وَخُرُوجِ الْأَفْعَالِ عَنْ غَيْرِ تَرْتِيب وَاسْتِحَالَةِ الْخِلْقَة حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَانِ نَفْسِه ◌ِفِي حَال غَضَبه لَكَانَ غَضَبه حَيَاءِ مِنْ قُبْح صُورَته وَاسْتِحَالَة خِلْقَته، هَذَا گلّه فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الْبَاطِنِ فَقُبْحه أَشَدُّ مِن الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ يُوَلِّدِ الْحِقْدِ فِي الْقَلْبِ وَالْحَسَد وَإِضْمَار السُّوء عَلَى اِخْتِلَاف أَنْوَاعه، بَلْ أَوْلَى شَيْءٍ يَقْبُحِ مِنْهُ بَاطِنه، وَتَغَيُّرِ ظَاهِرِهِ ثَمَرَة تَغَيُّ بَاطِنه، وَهَذَا كُلّهِ أَثَرِهِ فِي الْجَسَد، وَأَمَّا أَثَرِهِ فِي اللِّسَانِ فَانْطِلَاقِه بِالشَّتْمِ وَالْفُحْش الَّذِي يَسْتَحْبِي مِنْهُ الْعَاقِلِ وَبَنْدَم قَائِله عِنْدَ سُكُونِ الْغَضَبِ وَيَظْهَرِ أَثَرِ الْغَضَب أَيْضًا فِي الْفِعْلِ بِالضَّرْبِ أَو الْقَتْلِ، وَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ بِهَرَبِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى نَفْسه فَيُمَزِّقِ ثَوْبِه وَيَلْطِمْ خَذَّهُ، وَرُبَّمَا سَقَطَ صَرِيعًا، وَرُبَّمَا أَغْمِيَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا كَسَرَ الْآنِيَة وَضَرَبَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَرِيمَةٍ. وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَفَاسِد عَرَفَ مِقْدَارِ مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ اللَّطِيفَةِ مِنْ قَوْلهُ مَّهِ: (لَا تَغْضَب)) مِن الْحِكْمَةِ وَاسْتِجْلَابِ الْمَصْلَحَة فِي دَرْءِ الْمَفْسَدَة مِمَّا يَتَعَذَّر إِحْصَاؤُهُ وَالْوُقُوفِ عَلَى نِهَايَتِهِ، وَهَذَا كُلّهِ فِي الْغَضَبِ الدُّنْيَوِيّ لَا الْغَضَبِ الدِّينِيّ. وَيُعِين عَلَى تَرْكَ الْغَضَبِ اِسْتِحْضَارِ مَا جَاءَ فِي كَظْم الْغَيْظِ مِن الْفَضْلِ، وَمَا جَاءَ فِي عَاقِبَة ثَمَرَة الْغَضَبِ مِن الْوَعِيد، وَأَنْ يَسْتَعِيدْ مِن الشَّيْطَانِ كَمَا فِي حَدِيث ٧١٣ كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر سْلَيْمَانِ بْنِ صُرَد، وَأَنْ يَتَوَضَّأْ كَمَا فِي حَدِيث عَطِيَّة، وَالله أَعْلَمُ. وَقَالَ الظُّوْفِيّ: أَقْوَى الْأَشْيَاءِ فِي دَفْع الْغَضَبِ اِسْتِحْضَارِ التَّوْحِيدِ الْحَقِيقِيّ، وَهُوَ أَنْ لَا فَاعِلِ إِلَّ الله، وَكُلّ فَاعِل غَيْرِهِ فَهُوَ آلَة لَهُ، فَمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِمَكْرُوٍ مِنْ جِهَةِ غَيْره فَاسْتَحْضَرَ أَنَّ اللّه لَوْ شَاءَ لَمْ يُمَكِّن ذَلِكَ الْغَيْرِ مِنْهُ اِنْدَفَعَ غَضَبه؛ لِأَنَّهُ لَوْ غَضِبَ وَالْحَالَة هَذِهِ كَانَ غَضَبِه عَلَى رَبّه جَلَّ وَعَلَا وَهُوَ خِلَافِ الْعُبُودِيَّةِ. قُلْت: وَبِهَذَا يَظْهَرِ السِّرُّ فِي أَمْرِهِ وَِّ الَّذِي غَضِبَ بِأَنْ يَسْتَعِيذ مِنِ الشَّيْطَان ◌ِأَنَّهُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الله في تِلْكَ الْحَالَة بِالإِسْتِعَاذَةِ بِهِ مِن الشَّيْطَانِ أَمْكَنَهُ اِسْتِحْضَارِ مَا ذُكِرَ، وَإِذَا اِسْتَمَرَّ الشَّيْطَانِ مُتَلَبِّسًا مُتَمَكِّنَا مِن الْوَسْوَسَة لَمْ يُمْكِنْهُ مِن إِسْتِحْضَارِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالله أَعْلَمُ. [الفتح ٢٩٧/١٧]. ٥١٠٥ - [وعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (لَيْسَ الشَّدِيدِ بِالصُّرْعَةِ) بِضَمِّ الصَّاد وَالْمُهْمَلَة وَفَتْحِ الرَّاءِ: الَّذِي يَصْرَعِ النَّاس كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ، وَالْهَاء لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَة، وَالصُّرْعَة بِسُكُونِ الرَّاء بِالْعَكْسِ، وَهُوَ مَنْ يَصْرَعُهُ غَيْرِهِ كَثِيرًا، وَكُلّ مَا جَاءَ بِهَذَا الْوَزْنِ بِالضَّمِّ وَبِالسُّكُونِ فَهُوَ كَذَلِكَ كَهُمْزَةٍ وَلُمْزَةٍ وَحُفْظَةٍ وَخُدْعَةٍ وَضُحْكَةٍ، وَوَقَعَ بَيَانِ ذَلِكَ فِي حَدِيث اِبْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَوَّله ((مَا تَعُدُّونَ الصُّرْعَةِ فِيكُمْ؟ قَالُوا: الَّذِي لَا يَصْرَعهُ الرِّجَال)). قَالَ إِبْنِ الّين: ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الرَّاء. وَقَرَأَهُ بَعْضهمْ بِسُكُونِهَا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ عَكْسِ الْمَطْلُوبِ، قَالَ: وَضُبِطَ أَيْضًا فِي بَعْض الْكُتُبِ بِفَتْجِ الصَّاد وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. (إِنَّمَا الشَّدِيدِ الَّذِي يَمْلِكِ نَفْسِه عِنْدَ الْغَضَب) فِي رِوَايَة أَحْمَد مِنْ حَدِيث رَجُل لَمْ يُسَمِّهِ شَهِدَ رَسُول اللهِ وَهِ يَقُول «الصُّرْعَةِ كُلّ الصُّرْعَة - كَرَّرَهَا ثَلَاثًا - الَّذِي يَغْضَب فَيَشْتَدّ غَضَبه وَيَجْمَرٌ وَجْهه فَيَصْرَعِ غَضَبه)). (١) أخرجه البخاري (٥٧٦٣)، ومسلم (٢٦٠٩)، وأحمد (٧٢١٨). ٧١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع ٥١٠٦ - [وعن حَارِثَةَ بن وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّمَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلٍ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللّه لَأَبَرَّهُ، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ِ كُلُّ عُثُلٌّ جَوَّاظِ مُستَكَبَر)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ (١) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((كُلُّ جَوَّاظِ زَنِيمِ مُتَكَبٍِّ)](٢). (جَوَّاظِ) بِفَتْحِ الْحِيمِ وَتَشْدِيد الْوَاوِ وَبِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، فَهُوَ: الْجُمُوعِ الْمَنُوعِ. وَقِيلَ: كَثِيرِ اللَّحْمِ الْمُخْتَالِ فِي مِشْيَتِه، وَقِيلَ: الْقَصِيرِ الْبَطِينِ، وَقِيلَ: الْفَاخِرِ بِالْخَاءِ. وَأَمَّا (زَنِيمِ) فَهُوَ: الدَّعِيّ فِي النَّسَبِ الْمُلْصَقِ بِالْقَوْمِ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ شَبَه بِزَنَمَةِ الشَّاة، وَأَمَّا (الْمُتَكَبِّرِ وَالْمُسْتَكْبِرِ) فَهُوَ صَاحِب الْكِبْرِ، وَهُوَ بَطَرِ الْحَقِّ وَغَمْط النَّاس. ٥١٠٧ - [وعَن ابن مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٍ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، ولا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٍ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٍ](٣). (لا يَدْخُلُ النَّارَ أحَدٍ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) قال النووي: أَهَمُّ مَا يُذْكَرُ فِي الْبَابِ إِخْتِلَاف الْعُلَمَاءِ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَخُصُوصهمَا، وَأَنَّ الْإِيمَان يَزِيدِ وَيَنْقُصِ أَمْ لَا؟ وَأَنَّ الْأَعْمَالِ مِن الْإِيمَانِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُم الله تَعَالَى - مِن الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ الْقَوْلِ فِي كُلّ مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ الْإِمَامِ أَبُو سُلَيْمَانِ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّد بْنِ إِبْرَاهِيمِ الْخَطَّائِيُّ الْبُسْتِيّ الْفَقِيه الْأَدِيبِ الشَّافِعِيّ الْمُحَقِّقِ رَحِمَهُ اللهِ فِي كِتَابِه: ((مَعَالِمِ السُّنَن): مَا أَكْثَرَ مَا يَغْلَطُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (١) أخرجه البخاري (٤٦٣٤)، ومسلم (٢٨٥٣)، والترمذي (٢٦٠٥) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٨٧٥٠)، والنسائي (١١٦١٥)، وابن ماجه (٤١١٦)، وابن حبان (٥٦٧٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)» (٨١٧٤)، والطبراني (٣٢٥٥)، والطيالسي (١٢٣٨). (٢) أخرجه مسلم (٧٣٦٨). (٣) أخرجه مسلم (٩١)، وأبو داود (٤٠٩١)، والترمذي (١٩٩٨) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٥٩)، وابن حبان (٢٢٤) والطبراني (١٠٠٠٠)، والبزار (١٥١٢) وأبو يعلى (٥٠٦٥)، والشاشي (٨٨٩)، وابن منده في ((الإيمان)) (٥٤٢). ٧١٥ كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر فَأَمَّا الزُّهْرِيّ فَقَالَ: الْإِسْلَامِ الْكَلِمَةِ، وَالْإِيمَان الْعَمَلِ، وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ يَعْنِي قَوْله سُبْحَانِه وَتَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابِ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَّمَّا يَدْخُل الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] وَذَهَبَ غَيْرِهِ إِلَى أَنَّ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ شَيْء وَاحِد، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِن الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرِ بَيْت مِنِ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥-٣٦] قَالَ الْخَطَّائِيُّ: وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْبَاب رَجُلَانِ مِنْ كُبَرَاء أَهْلِ الْعِلْمِ، وَصَارَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى قَوْل مِنْ هَذَيْنٍ. وَرَدَّ الْآخَرُ مِنْهُمَا عَلَى الْمُتَقَدِّم، وَصَنَّفَ عَلَيْهِ كِتَابًا يَبْلُغُ عَدَدُ أَوْرَاقِهِ الْمِنَبْنِ. قَالَ الْخَطَّائِيُّ: وَالصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَّدِ الْكَلَامِ فِي هَذَا، وَلَا يُظْلَق؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِ قَدْ يَكُون مُؤْمِنًا فِي بَعْض الْأَحْوَالِ، وَلَا يَكُون مُؤْمِنًا فِي بَعْضِهَا. وَالْمُؤْمِن مُسْلِمٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَال؛ فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمْ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا. وَإِذَا حَمَلْتِ الْأَمْرِ عَلَى هَذَا اِسْتَقَامَ لَك تَأْوِيلِ الْآيَاتِ، وَاعْتَدَلَ الْقَوْلِ فِيهَا، وَلَمْ يَخْتَلِفِ شَيْءٍ مِنْهَا. وَأَصْلِ الْإِيمَانِ: التَّصْدِيقِ، وَأَصْلِ الْإِسْلَامِ: الإِسْتِسْلَامِ وَالإِنْقِيَاد؛ فَقَدْ يَكُون الْمَرْءِ مُسْتَسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ، غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الْبَاطِنِ، وَقَدْ يَكُون صَادِقًا فِي الْبَاطِنِ غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الظَّاهِر. وَقَالَ الْخَطَّائِيُّ أَيْضًا فِي قَوْلِ النَّبِيّ ◌َ: ((الْإِيمَانِ بِضْعُ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً)): فِي هَذَا الْحَدِيث بَيَانُ أَنَّ الْإِيمَانِ الشَّرْعِيّ اِسْم لِمَعْنَى ذِي شُعَب وَأَجْزَاء لَهُ أَدْنَى وَأَعْلَى، وَالإِسْم يَتَعَلَّقِ بِبَعْضِهَا، كَمَا يَتَعَلَّقِ بِكُلِّهَا، وَالْحَقِيقَة تَقْتَضِي جَمِيعِ شُعَبه، وَتَسْتَوْفِي جُمْلَة أَجْزَائِهِ؛ كَالصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ لَهَا شُعَب وَأَجْزَاءِ، وَالإِسْمِ يَتَعَلَّقِ بِبَعْضِهَا، وَالْحَقِيقَة تَقْتَضِي جَمِيع أَجْزَائِهَا وَتَسْتَوْفِيهَا. وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْلِهِ وَلِهِ: ((الْحَيَاءِ شُعْبَة مِن الْإِيمَان)) وَفِيهِ: إِثْبَات التَّفَاضُل فِي الْإِيمَان، وَتَبَايُنُ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَرَجَاتِهِ. هَذَا آخِرِ كَلَام الخطّابِيّ. وَقَالَ الْإِمَامِ أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْنِ بْنِ مَسْعُودِ الْبَغَوِيُّ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ الله - فِي حَدِيث سُؤَال جِبْرِيلَ وَلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَجَوَابِه، قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ◌َِّ الْإِسْلَامَ ٧١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع إِسْمًا لِمَا ظَهَرَ مِن الْأَعْمَالِ، وَجَعَلَ الْإِيمَانِ إِسْمًا لِمَا بَطَنَ مِن الإِعْتِقَاد؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِن الْإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ لَيْسَ مِن الْإِسْلَامِ، بَلْ ذَلِكَ تَفْصِيلُ لِجُمْلَةٍ هِيَ كُلُّهَا شَيْءٌ وَاحِدُ، وَجِمَاعِهَا الدِّينِ، وَلِذَلِكَ قَالَ رََّ: (ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)) وَالتَّصْدِيقُ وَالْعَمَلُ يَتَنَاوَلُهُمَا اِسْمُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ جَمِيعًا؛ يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله سُبْحَانِه وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينِ عِنْد الله الْإِسْلَامِ﴾، ﴿وَرَضِيت لَكُم الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ وَ﴿مَنْ يَبْتَغِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ﴾ فَأَخْبَرَ سُبْحَانِه وَتَعَالَى أَنَّ الدِّينِ الَّذِي رَضِيَهُ وَيَقْبَلهُ مِنْ عِبَاده هُوَ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَكُون الدِّينِ فِي ◌َحَلّ الْقَبُول وَالرِّضَا إِلَّا بِانْضِمَامِ النَّصْدِيقِ إِلَى الْعَمَلِ. هَذَا كَلَام الْبَغَوِيِّ. وَقَالَ الْإِمَامِ أَبُو عَبْد الله مُحَمَّد بْنِ إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد بْنِ الْفَضْلِ التَّمِيمِيّ الْأَصْبَهَانِيِ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ الله فِي كِتَابِه: ((التَّحْرِيرِ فِي شَرْحِ صَحِيحٍ مُسْلِم): الْإِيمَان ◌ِي اللُّغَة هُوَ التَّصْدِيقِ فَإِنْ عَنَى بِهِ ذَلِكَ فَلَا يَزِيد وَلَا يَنْقُص؛ لِأَنَّ الَّصْدِيقِ لَيْسَ شَيْئًا يَتَجَزَّأْ حَتَّى يُتَصَوَّرَ كَمَالُهُ مَرَّةٍ وَنَقْصُهُ أُخْرَى. وَالْإِيمَانِ فِي لِسَان الشَّرْعِ هُوَ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَالْعَمَلِ بِالْأَرْكَانِ. وَإِذَا فُسِّرَ بِهَذَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ الزَّيَادَةُ وَالنَّقْصُ. وَهُوَ مَذْهَب أَهْلِ السُّنَّةِ، قَالَ: فَالْخِلَافِ فِي هَذَا عَلَى النَّحْقِيقِ إِنَّمَا هُوَ أَنَّ الْمُصَدِّق بِقَلْبِهِ إِذَا لَمْ يَجْمَعْ إِلَى تَصْدِيقِهِ الْعَمَلَ الْإِيمَانِ هَلْ يُسَمَّى مُؤْمِنًا مُظْلَقًا أَمْ لَا؟ وَالْمُخْتَارِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُسَمَّى بِهِ. قَالَ رَسُول الله وَّ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينِ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن)) لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَل بِمُوجَبِ الْإِيمَان فَيَسْتَحِقَّ هَذَا الإطلاق، هَذَا آخِر کلام صَاحِب ((النَّحْرِیر)). وَقَالَ الْإِمَامِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيّ بْنِ خَلَف بْنِ بَطَّل الْمَالِكِيّ الْمَغْرِبِيّ فِي ((شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيّ): مَذْهَب جَمَاعَةِ أَهْلِ السُّنَّة مِنْ سَلَف الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا: أَنَّ الْإِيمَانِ قَوْل وَعَمَل يَزِيدٍ وَيَنْقُصِ، وَالْحُجَّة عَلَى زِيَادَتِه وَنُقْصَانِه: مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيّ مِن الْآيَات، يَعْنِي قَوْلُهُ رَّ: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدَّى﴾ وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَزِيدِ اللهِ الَّذِينَ إِهْتَدَوْا هُدَّى﴾ وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زَادَهُمْ﴾ وَقَوْله تَعَالَى: ٧١٧ كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وَقَوْله تَعَالَى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وَقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. قَالَ إِبْنِ بَطَّالٍ: فَإِيمَان مَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الزِّيَادَةُ نَاقِصُ، قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: الْإِيمَانِ فِي اللُّغَة التَّصْدِيقِ، فَالْجَوَابِ: أَنَّ التَّصْدِيقِ يَكْمُلُ بِالطَّاعَاتِ كُلُّهَا، فَمَا إِزْدَادَ الْمُؤْمِن مِنْ أَعْمَالِ الْبِّ كَانَ إِيمَانُهُ أَكْمَلَ، وَبِهَذِهِ الْجُمْلَةِ يَزِيدِ الْإِيمَان وَبِنُقْصَانِهَا يَنْقُص، فَمَتَى نَقَصَتْ أَعْمَالِ الْبِرّ نَقَصَ كَمَالُ الْإِيمَان، وَمَتَى زَادَتْ زَادَ الْإِيمَان کَمَالًا. هَذَا تَوَسُّط الْقَوْلِ فِي الْإِيمَان. وَأَمَّا التَّصْدِيقِ بِاللّه تَعَالَى وَرَسُولِه ◌َّهِ: فَلَا يَنْقُص وَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ مَالِكُ رَحِمَهُ الله فِي بَعْض الرِّوَايَات عَنِ الْقَوْلِ بِالنُّقْصَانِ؛ إِذْ لَا يَجُوز نُقْصَانِ التَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَقَصَ صَارَ شَكَّ، وَخَرَجَ عَن إِسْم الْإِيمَان. وَقَالَ بَعْضِهِمْ إِنَّمَا تَوَقَّفَ مَالِك عَنِ الْقَوْلِ بِنُقْصَانِ الْإِيمَانِ خَشْيَة أَنْ يُتَأَوَّل عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَهْلِ الْمَعَاصِي مِن الْمُؤْمِنِينَ بِالذُّنُوبِ وَقَدْ قَالَ مَالِكِ بِنُقْصَانِ الْإِيمَانِ مِثْلِ قَوْل ◌َمَاعَةِ أَهْلِ السُّنَّة. قَالَ عَبْد الرَّزَّاق: سَمِعْت مَنْ أَدْرَكْت مِنْ شُيُوخِنَا وَأَصْحَابنَا سُفْيَانِ القَّوْرِيّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَس، وَعُبَيْد الله بْن عُمَر، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَمَعْمَر بْنِ رَاشِد وَابْن جُرَيْجٍ، وَسُفْيَانِ بْن عُيَيْنَةَ، يَقُولُونَ: الْإِيمَانِ قَوْل وَعَمَل يَزِيد وَيَنْقُص وَهَذَا قَوْلُ إِبْن مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَنُجَاهِدٍ، وَعَبْد الله بْنِ الْمُبَارَك؛ فَالْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَحِقْ بِهِ الْعَبْدُ الْمَدْحَ وَالْوِلَايَةِ مِن الْمُؤْمِنِينَ هُوَ إِثْيَانِهِ بِهَذِهِ الْأُمُور الثّلَاثَة: التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ، وَالْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، وَالْعَمَل بِالْجُوَارِجِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْنِ الْجَمِيع: أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ وَعَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُ وَمَعْرِفَةٍ بِرَبِّهِ، لَا يَسْتَحِقّ إِسْم مُؤْمِن. وَلَوْ عَرَفَهُ، وَعَمِلَ، وَجَحَدَ بِلِسَانِهِ، وَكَذَبَ مَا عَرَفَ مِن التَّوْحِيد، لَا يَسْتَحِقّ إِسْم مُؤْمِن، وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ بِالله تَعَالَى وَبِرُسُلِهِ - صَلَوَاتِ اللهِ وَسَلَامِه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَلَمْ يَعْمَل ٧١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع بِالْفَرَائِضِ، لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا بِالْإِظْلَاقِ وَإِنْ كَانَ فِي كَلَام الْعَرَبِ يُسَمَّى مُؤْمِنًا بِالتَّصْدِيقِ فَذَلِكَ غَيْرِ مُسْتَحَقّ فِي كُلَام الله تَعَالَى؛ لِقَوْلِهِ رََّى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبِهِمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتِه زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُم الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢-٤] فَأَخْبَرَنَا سُبْحَانِه وَتَعَالَى: أَنَّ الْمُؤْمِنِ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَته. وَقَالَ اِبْنِ بَظَّالٍ فِي بَاب مَنْ قَالَ الْإِيمَانِ هُوَ الْعَمَلِ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَدَّمْتُمْ أَنَّ الْإِيمَانِ هُوَ التَّصْدِيقِ قِيلَ: التَّصْدِيقِ هُوَ أَوَّل مَنَازِل الْإِيمَانِ، وَيُوجِب لِلْمُصَدِّقِ الدُّخُولَ فِيهِ، وَلَا يُوجِب لَهُ اِسْتِكْمَالَ مَنَازِلِهِ، وَلَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا مُظْلَقًا، هَذَا مَذْهَب جَمَاعَةِ أَهْل السُّنَّة: أَنَّ الْإِيمَانِ قَوْل وَعَمَل. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَرْبَابِ الْعِلْم وَالسُّنَّة الَّذِينَ كَانُوا مَصَابِيحِ الْهُدَى وَأَئِمَّة الدِّينِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاق وَالشَّام وَغَيْرهِمْ. قَالَ إِبْنِ بَطَّالٍ: وَهَذَا الْمَعْنَى أَرَادَ الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللهِ إِثْبَاتِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَان وَعَلَيْهِ بَوَّبَ أَبْوَابِهِ كُلّهَا. فَقَالَ: بَابِ أُمُورِ الْإِيمَانِ، وَبَابِ الصَّلَاة مِن الْإِيمَانِ، وَبَاب الزَّكَاةِ مِن الْإِيمَانِ، وَبَاب الْجِهَادِ مِن الْإِيمَان، وَسَائِرِ أَبْوَابِه، وَإِنَّمَا أَرَادَ الرَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْإِيمَان قَوْل بِلَا عَمَلٍ وَتَبْبِين غَلَطِهِمْ، وَسُوءَ إِعْتِقَادِهِمْ وَمُخَالَفَتهمْ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّة وَمَذَاهِب الْأَئِمَّة، ثُمَّ قَالَ اِبْنِ بَطَّال فِي بَابِ آخَر: قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْإِسْلَام عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ عَقْدِ الْقَلْبِ الْمُصَدِّق لإِقْرَارِ اللِّسَانِ الَّذِي لَا يَنْفَع عِنْدَ الله تَعَالَى غَيْرُهُ. وَقَالَتِ الْكَرَّامِيَّةِ وَبَعْض الْمُرْجِئَةِ: الْإِيمَانِ هُوَ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ دُون عَقْد الْقَلْب، وَمِنْ أَقْوَى مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِمْ إِجْمَاعِ الْأُمَّة عَلَى إِكْفَارِ الْمُنَافِقِينَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوا الشَّهَادَتَيْنِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَرَسُولِهِ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ٧١٩ كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر [التوبة: ٨٤-٨٥] ھَذَا آخِر کلام اِبْن بَطَّال. وَقَالَ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبُو عَمْرو بْنِ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ الله: قَوْلُهُ وَِّ: الْإِسْلَامِ: ((أَنْ تَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِن اِسْتَطَعْتِ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَالْإِيمَانِ: أَنْ تُؤْمِن بِالله وَمَلَائِكَته، وَكُتُبِهِ، وَرُسُله، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِن بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) قَالَ: هَذَا بَيَان ◌ِأَصْلِ الْإِيمَان، وَهُوَ التَّصْدِيقِ الْبَاطِنِ، وَبَيَان لِأَصْلِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الإِسْتِسْلَامِ وَالإِنْقِيَادِ الظَّاهِرِ، وَحُكْم الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ ثَبَتَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَيْهِمَا الصَّلاة وَالزَّكَاة، وَالْحَجّ، وَالصَّوْمِ، لِكَوْنِهَا أَظْهَرَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَأَعْظَمِهَا وَبِقِيَامِهِ بِهَا يَتِمُّ إِسْتِسْلَامِه، وَتَرْكُهُ لَهَا يُشْعِرُ بِالْحِلَالِ قَيْدِ إِنْقِيَادِهِ أَو إِخْتِلَالِهِ، ثُمَّ إِنَّ اِسْم الْإِيمَان يَتَنَاوَل مَا فُسِّرَ بِهِ الْإِسْلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَسَائِرِ الطَّاعَات ◌ِأَنَّهَا ثَمَرَات لِلتَّصْدِيقِ الْبَاطِنِ الَّذِي هُوَ أَصْل الْإِيمَانِ، وَمُقَوِّيَاتِ وَمُتَمِّمَاتِ وَحَافِظَاتِ لَّهُ، وَلِهَذَا فَسَّرَ وَّهِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيث وَقْدِ عَبْد الْقَيْسِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلاة وَالزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَان وَإِعْطَاء الْخُمُس مِن الْمَغْنَم؛ وَلِهَذَا لَا يَقَعْ إِسْمِ الْمُؤْمِنِ الْمُظْلَقِ عَلَى مَن إِرْتَكَبَ كَبِيرَةً، أَوْ بَدَّلَ فَرِيضَةٍ، لِأَنَّ اِسْم الشَّيْء مُظْلَقًا يَقَع عَلَى الْكَامِلِ مِنْهُ، وَلَا يُسْتَعْمَلِ فِي النَّاقِصِ ظَاهِرًّا إِلَّ بِقَيْدٍ، وَلِذَلِكَ جَازَ إِظْلَاق نَفْسِهِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ وَ: ((لَا يَسْرِقِ السَّارِقِ حِين يَسْرِق وَهُوَ مُؤْمِن)) وَاسْم الْإِسْلَامِ يَتَنَاوَل أَيْضًا مَا هُوَ أَصْلِ الْإِيمَانِ وَهُوَ النَّصْدِيقِ الْبَاطِنِ، وَيَتَنَاوَل أَصْل الطَّاعَات؛ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلّه اِسْتِسْلَامِ. قَالَ: فَخَرَجَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَحَقَقْنَا أَنَّ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ يَجْتَمِعَانِ وَيَفْتَرِقَانٍ، وَأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمُ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا. قَالَ: وَهَذَا تَحْقِيق وَافِرٍ بِالثَّوْفِيقِ بَيْن مُتَفَرِّقَاتِ نُصُوص الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَامِ الَّتِي طَالَمَا غَلِطَ فِيهَا الْخَائِضُونَ. وَمَا حَقَّقْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ مُوَافِقٍ لِجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ. هَذَا آخِرِ كَلَام الشَّيْخِ أَبِي عَمْرو بْنِ الصَّلَاحِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَذَاهِب السَّلَف، وَأَيِّمَّةِ الْخُلَف، فَهِيَ مُتَظَاهِرَةٍ مُتَطَائِقَة عَلَى كَوْنِ الْإِيمَانِ يَزِيد وَيَنْقُص. وَهَذَا مَذْهَب ٠ ٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع السَّلَف وَالْمُحَدِّثِينَ وَجَمَاعَةٍ مِنِ الْمُتَكُلِّمِينَ. وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ زِبَادَتَهُ وَنُقْصَانَهُ، وَقَالُوا: مَتَى قَبِلَ الزِّيَادَة كَانَ شَكَّا وَكُفْرًا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَكُلِّمِينَ: نَفْس التَّصْدِيقِ لَا يَزِيدِ وَلَا يَنْقُص. وَالْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِزِيَادَةٍ ثَمَرَاتِه، وَهِيَ الْأَعْمَالِ وَنُقْصَانِهَا قَالُوا: وَفِي هَذَا تَوْفِيق بَيْن ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ الَّتِي جَاءَتْ بِالزِّيَادَةِ وَأَقَاوِيلِ السَّلَف، وَبَيْنِ أَصْلٍ وَضْعِهِ فِي اللُّغَة وَمَا عَلَيْهِ الْمُتَكَّلِّمُونَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا حَسَنًا فَالْأَظْهَرُ - والله أَعْلَمُ - أَنَّ نَفْس التَّصْدِيقِ يَزِيد بِكَثْرَةِ النَّظَرِ وَتَظَاهُرِ الْأَدِلَّةِ وَلِهَذَا يَكُون إِيمَان الصِّدِّيقِينَ أَقْوَى مِنْ إِيمَان غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ لَا تَعْتَرِيِهِم الشُّبَهُ، وَلَا يَتَزَلْزَلُ إِيمَانُهُمْ بِعَارِضٍ، بَلْ لَا تَزَالُ قُلُوبُهُمْ مُنْشَرِحَةً نَيِّرَةً وَإِن ◌ِخْتَلَفَتْ عَلَيْهِم الْأَحْوَال. وَأَمَّا غَيْرِهِمْ مِن الْمُؤَلَّفَةِ وَمَنْ قَارَبَهُمْ وَتَحْوِهِمْ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ فَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ. وَلَا يَتَشَكَّكِ عَاقِلٍ فِي أَنَّ نَفْسِ تَصْدِيقِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنْهُ لَا يُسَاوِيِهِ تَصْدِيقُ آحَادِ النَّاس؛ وَلِهَذَا قَالَ الْبُخَارِيّ في ((صَحِيحِه): قَالَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَةٍ: أَدْرَكْتِ ثَلَائِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ ◌َِّ كُلّهِمْ يَخَافِ النَّفَاق عَلَى نَفْسه، مَا مِنْهُمْ أَحَدِ يَقُول إِنَّهُ عَلَى إِيمَان جِبْرِيل وَمِيكَائِيل، والله أَعْلَمُ. وَأَمَّا إِظْلَاق إِسْمِ الْإِيمَانِ عَلَى الْأَعْمَالِ فَمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عِنْد أَهْلِ الْحَقّ. وَدَلَائِلُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرِ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُشْهَر. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادِ صَلَاتَكُمْ. وَأَمَّا الْأَحَادِيث فهي جُمَلُّ مُسْتَكْثَرَات، والله أَعْلَمُ. وَاتَّفَقَ أَهْلِ السُّنَّة مِن الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَلَا يُخلَّ فِي النَّارِلَا يَكُون إِلَّ مَن ◌ِعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ دِينَ الْإِسْلَامِ اِعْتِقَادًا جَازِمًا خَالِيًا مِن الشُّكُوكِ، وَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِن ◌ِقْتَصَرَ عَلَى إِحْدَاهُمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَصْلَا إِلَّ إِذَا عَجَزَ عَنِ النُّْقِ لِلَلِ فِي لِسَانه أَوْ لِعَدَمِ الثَّمَكُّن مِنْهُ لِمُعَاجَلَةِ الْمَنِيَّةِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُون مُؤْمِنًا. أَمَّا إِذَا أَنَّى ٧٢١ کتاب الآداب/ باب الغضب والکېر بِالشَّهَادَتَيْنِ فَلَا يُشْتَرَط مَعَهُمَا أَنْ يَقُولِ وَأَنَا بَرِيءُ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ إِلَّا إِذَا كَانَ مِن الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ إِخْتِصَاصَ رِسَالَةِ نَبِيِّنَا وَ إِلَى الْعَرَبِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إِلَّا بِأَنْ يَتَبَرَّأَ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ الله مَنْ شَرَطَ أَنْ يَتَبَرَّأْ مُظْلَقًا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ: أَمَّا إِذَا اِقْتَصَرَ عَلَى قَوْله لَا إِلَه إِلَّ اللهِ، وَلَمْ يَقُلْ: مُحَمَّد رَسُول الله: فَالْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبَنَا وَمَذَاهِب الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَكُون مُسْلِمًا. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَكُون مُسْلِمًا وَيُطَالَب بِالشَّهَادَةِ الْأُخْرَى، فَإِنْ أَبَى جُعِلَ مُرْتَدًّا. وَيُحْتَجّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ وَلِ:(أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّ الله، فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهِمْ)) وَهَذَا مَحْمُول عِنْدِ الْجَمَاهِيرِ عَلَى قَوْل الشَّهَادَتَيْنِ، وَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى لِارْتِبَاطِهِمَا وَشُهْرَتِهِمَا والله أَعْلَمُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ أَو الصَّوْمِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَرْكَان الْإِسْلَامِ وَهُوَ عَلَى خِلَاف مِلَّته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فَهَلْ يُجْعَل بِذَلِكَ مُسْلِمًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا، فَمَنْ جَعَلَهُ مُسْلِمًا قَالَ: كُلّ مَا يَكْفُر الْمُسْلِمُ بِإِنْكَارِهِ يَصِيرُ الْكَافِرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ مُسْلِمًا. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فَهَلْ يُجْعَلُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: الصَّحِيحِ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَصِير مُسْلِمًا لِوُجُودِ الْإِقْرَارِ، وَهَذَا الْوَجْهِ هُوَ الْحَقِّ وَلَا يَظْهَر لِلْآخَرِ وَجْه وَقَدْ بَيَّنْتِ ذَلِكَ مُسْتَقْصَى فِي (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ)) والله أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ مِنِ السَّلَف وَغَيْرِهِمْ فِي إِظْلَاقِ الْإِنْسَانِ قَوْله: (أَنَا مُؤْمِن) فَقَالَتْ طَائِفَةٍ: لَا يَقُول أَنَا مُؤْمِن مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ بَلْ يَقُول: أَنَا مُؤْمِن إِنْ شَاءَ الله. وَحَكَى هَذَا الْمَذْهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ الْإِطْلَاقِ وَأَنَّهُ لَا يَقُول: (إِنْ شَاءَ الله) وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارِ، وَقَوْل أَهْل التَّحْقِيقِ. وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرِهِ إِلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ. وَالْكُلّ صَحِيحٍ بِاغْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَمَنْ أَظْلَقَ نَظَرَ إِلَى الْحَالِ وَأَحْكَامُ الْإِيمَانِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَمَنْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله فَقَالُوا فِيهِ: هُوَ إِمَّا لِلتَّبَرُّكِ، وَإِمَّا لِاِعْتِبَارِ الْعَاقِبَةِ وَمَا قَدَّرَ الله تَعَالَى؛ فَلَا يَدْرِي أَيَّثْبُتُ عَلَى الْإِيمَانِ أَمْ يُصْرَفُ عَنْهُ، وَالْقَوْلِ بِالتَّخْبِيرِ حَسَنُّ صَحِيحٌ نَظَرًّا إِلَى مَأْخَذ الْقَوْلَيْنِ ٧٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع الْأَوَّلَيْنِ وَرَفْعًا لِحَقِيقَةِ الْخِلَافِ وَأَمَّا الْكَافِرِ فَفِيهِ خِلَاف غَرِيب لِأَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقَال: هُوَ كَافِرِ، وَلَا يَقُولِ إِنْ شَاءَ الله، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ فِي التَّقْبِيدِ كَالْمُسْلِمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيُقَال عَلَى قَوْل التَّقْيِيد: هُوَ كَافِرِ إِنْ شَاءَ اللّه نَظَرًّا إِلَى الْخَاتِمَة وَأَنَّهَا مَجْهُولَةُ، وَهَذَا الْقَوْل ◌ِخْتَارَهُ بَعْض الْمُحَقِّقِينَ والله أَعْلَمُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَب أَهْلِ الْحَقّ: أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ أَحَدُّ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ وَلَا يَكْفُرُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، وَأَنَّ مَنْ جَحَدَ مَا يُعْلَمُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ضَرُورَةً حُكِمَ بِرِدَّتِهِ وَكُفْرِهٍ إِلَّ أَنْ يَكُون قَرِيب عَهْدِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ فَيُعَرَّفُ ذَلِكَ؛ فَإِن إِسْتَمَرَّ حُكِمَ بِكُفْرِهِ، وَكَذَا حُكْم مَن إِسْتَحَلَّ الزِّنَا أَو الْخُمْرَ أَوِ الْقَتْلَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِن الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي يُعْلَمُ تَخْرِيمُهَا ضَرُورَةً. فَهَذِهِ جُمَل مِن الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَة بِالْإِيمَانِ قَدَّمْتَهَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ تَمْهِيدًا لِكَوْنِهَا مِمَّا يَكْثُر الإِحْتِيَاجِ إِلَيْهِ وَلِكَثْرَةٍ تَكَرُّرِهَا وَتَرْدَادِهَا فِي الْأَحَادِيثِ، فَقَدَّمْتَهَا لَأُحِيلَ عَلَيْهَا إِذَا مَرَرْت بِمَا يُخرَّجُ عَلَيْهَا والله أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَلَّهُ الْحَمْدِ وَالنَّعْمَةِ وَبِهِ التَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ. [النووي ٦٩/١]. (لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةِ مَنْ فِي قَلْبِه مِثْقَالَ ذَرَّة مِنْ كِبْرِ) قَدِ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِیله، فَذَكَرَ الْخَطَائِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا: أَنَّ الْمُرَادِ التَّكَبُّر عَنِ الْإِيمَانِ فَصَاحِبِه لَا يَدْخُلِ الْجَنَّة أَصْلًا إِذَا مَاتَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَكُون فِي قَلْبِهِ كِبْرِ حَالِ دُخُولِه الْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ عِلِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ فِيهِمَا بُعْد فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثِ وَرَدَ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ عَنِ الْكِبْرِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الإِرْتِفَاعِ عَلَى النَّاسِ، وَاحْتِقَارِهِمْ، وَدَفْع الْحَقّ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلِ عَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمُخْرِجَيْنِ لَهُ عَنِ الْمَطْلُوبِ. بَل الظَّاهِرُ مَا إِخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْرِهِ مِن الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةِ دُون مُجَازَاةٍ إِنْ جَازَاهُ. وَقِيلَ: هَذَا جَزَاؤُهُ لَوْ جَازَاهُ، وَقَدْ يَتَكَزَّم بِأَنَّهُ لَا يُجَازِيهِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُل كُلّ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّةِ إِمَّا أَوَّلًا، وَإِمَّا ثَانِيًا بَعْد تَعْذِيبٍ بَعْضِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: لَا يَدْخُلِ مَعَ الْمُتَّقِينَ أَوَّل وَهْلَة. [النووي ١٩٥/١].