النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦٣ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله إلا عن ذكر محبوبه وذكر من يحب محبوبه، ويختم على قلبه فلا يدخل فيه سوى حب محبوبه، ويرمي قفله على خزانة خياله فلا يتخيل سوى صورة محبوبه، فبه يسمع وله يسمع، وبه يبصر وله يبصر، وبه يتكلم وله يتكلم، وكل حب يبقي في المحب عقلاً يعقل به عن غير محبوبه أو تعقلاً، فليس بحب خالص وإنما حديث نفس. ولقد بلغ بي قوة الخيال أن كان حبي يجسد لي محبوبي من خارج لعيني، كما كان يتجسد جبريل لرسول الله ◌َي﴾، فلا أقدر أنظر إليه، ويخاطبني وأصغى إليه وأفهم عنه، ولقد تركني أيامًا لا أسيغ طعامًا كلما قدمت لي المائدة يقف على حرفها، وينظر إليّ ويقول لي بلسان أسمعه بأذني: تأكل وأنت تشاهدني؟ فأمتنع من الطعام ولا أجد جوعًا، وأمتلئ منه، حتى سمنت وعبلت من نظري إليه فقام لي مقام الغذاء، وكان أصحابي وأهل بيتي يتعجبون من سمني مع عدم الغذاء؛ لأني كنت أبقى الأيام الكثيرة لا أذوق ذوقًا، ولا أجد جوعًا ولا عطشًا، لكنه كان لا يبرح نصب عيني في قيامي وقعودي وحركتي وسكوني، انتهى مختصرًا(١). وقال شهاب الدين السهروردي ه في كتابه ((عوارف المعارف)) في الباب الحادي والستين: المحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة، فإذا لم يكن ذلك لم يكن فيه حقيقة، فإذا الحب حبّان: حب عام وحب خاص، فالحب العام: مفسر بامتثال الأمر، وربما كان حبًّا من معدن العلم بالآلاء والنعماء. أوحى الله تعالى إلى داود العفيها: ((يا داود أحبّني، وأحب من يحبني، وحبّبني إلى عبادي؛ فقال داود: يا رب أحبك، وأحب من يحبك فكيف أحبّبك إلى عبادك؟ فقال: تذكرني لهم وتذكّرهم آلائي ونعمائي، فإنهم لم يعرفوا مني إلا الجميل والإحسان)» وهذا الحب مخرجه من الصفات، ولكسب العبد فيه مدخل، وهو معدود من المقامات. (١) في (٤٦٦/٣). ٦٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع وأما الحب الخاص فهو: حب الذات عن مطالعة الروح، وهو الحب الذي فيه السكرات، وهو اصطناع من الله الكريم لعبده واصطفاؤه إياه، وهذا الحب يكون من الأحوال؛ لأنه محض موهبة ليس للكسب فيه مدخل، وهو مفهوم من قول النبي وكلية: ((واجعل حبك أحب إليَّ من الماء البارد)(١)؛ لأنه كلام عن وجدان روح تلذذ بحب الذات، وهذا الحب الخاص هو أصل الأحوال السنية، ومن صحت محبته هذه تحقق بسائر الأحوال من الفناء والبقاء والصحو والمحو، ومن أخذ في طريق المحبوبين، وهو طريق خاص من طريق المحبة، يكتمل فيه، ويجتمع له روح الحب الخاص مع قالب الحب العام، وحيث أشرقت عليه أنوار الحب الخاص خلع ملابس صفات النفس ونعوتها. قال الروذباري: ما لم تخرج من كلّيتك لا تدخل في حد المحبة. وقالت رابعة: محب الله لا يسكن أنينه وحنينه حتى يسكن مع محبوبه، ولذا قال يحيي بن معاذ: صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين، وعجبًا كيف يصبر الإنسان عن حبيبه. والمحبة موهبة غير معللة بالتزكية، ولكن سنة الله جارية أن يزكي نفوس أحبائه بحسن توفيقيه وتأييده، وإذا منحه نزاهة النفس وطهارتها، ثم جذب روحه بجاذب المحبة خلع عليه خُلَع الصفات والأخلاق، ويكون ذلك عنده رتبة في الوصول، فتارة ينبت الشوق من باطنه إلى ما وراء ذلك لكون عطايا الله غير متناهية، وتارة يتسلى بما منحه فيكون ذلك وصوله الذي يسكن نيران شوقه، ثم هذا الشوق الحادث عنده ليس من كسبه، وإنما هو موهبة خص الله بها المحبين، انتهى مختصرًا. وقال الإمام القسطلاني في آخر كتابه ((المواهب اللدنية)): فلله در المحبة من كرامة بالغة، ونعمة على المحبين سابغة، فالمحب يرقى في درجات الجنات على أعلى المقامات، بحيث ينظر إليه كما ينظر إلى الكوكب الغابر في أفق السماوات؛ لعلوّ درجته وقرب منزله من حبيبه ومعيشه معه، فإن المرء مع من أحب، ولكل عمل جزاء وجزاء (١) ذكره الغزالي في ((إحياء علوم الدين)) (٢٥٣/٣). ٦٦٥ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله المحبة الجنة، والوصول والقرب من المحبوب، انتهى بحروفه. وقال يحيى بن معاذ: مثقال خردلة من الحب أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة بلا حب. وقيل: تكلم سمنون يومًا في المحبة فإذا بطائر نزل بين يديه، فلم يزل ينقر بمنقاره الأرض حتى سال الدم منه فمات، وقال سمنون: كان في جيراننا رجل وله جارية يحبها غاية الحب، فاعتلّت الجارية فجلس الرجل ليصلح لها حَيْسًا - هو طعام يخلط بتمر وسمن وأقط - فبينما هو يحرك القدر إذ قالت الجارية: آه، قال: فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده، وجعل يحرك ما في القدر بيده حتى سقطت أصابعه، فقالت: ما هذا، قال: هذا مكان قولك آه، انتهى. وقال الإمام اليافعي في كتابه ((نشر المحاسن الغالية))(١): وإشارات الشيوخ في الاستغراق والفناء كلها عائدة إلى تحقيق مقام المحبة باستيلاء نور اليقين، وخلاصة الذكر على القلب، وتحقيق حق اليقين بزوال اعوجاج البقايا، وقيل: للمحبة ظاهر وباطن. ظاهرها: اتباع رضا المحبوب. وباطنها: أن يكون مفتونًا بالحبيب عن كل شيء، فلا يبقي فيه بقية لغيره ولا لنفسه، وقال عبد الله القرشي : حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منك شيء، وقال المحققون: المحبة استهلاك في لذة، والمعرفة شهود في حيرة، وقال بعضهم: أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر ترعى في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، أولئك شهداء السيوف، وأما شهداء المحبة فأجسادهم أرواح. أوحى الله # إلى داود العليه: لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا إليَّ وتقطعت أوصالهم من محبتي، يا داود: هذه إرادتي في المدبرين عني فكيف إرادتي في المقبلین إليّ، انتهى بتصرف. (١) في (ص٣٧٥). ٦٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع وقال أبو يزيد البسطامي قدس الله سره: متى وجدت قلبك مستريحًا، ودمعك جامدًا، وعقلك حاضرًا فأنت بعيد من المحبة، انتهى. وقال عبد الرحمن الصفوري في كتابه ((نزهة المجالس)) في باب المحبة: قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، فإن قيل كيف قدم محبته لهم على محبتهم له، وقدم ذكرهم له على ذكره إياهم قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]؟ فالجواب: ما قاله الشيخ عبد القادر الجيلي #ه أن الذكر مقام طلب، فكأنه أمرهم بالطلب منه فقدم ذكرهم له، وأما المحبة فهي تحفة إلهية ليس للعبد فيها اختيار، فلا يصح وجوبها إلا بعد بروزها من جانب الغيب على يد المشيئة، فلهذا قدم محبته لنا على محبتنا له وله الفضل والمنة، ومعنى محبة الله لهم: توفيقه إياهم لطاعته، انتهى مختصرًا. وقال شعيب الحريفيش في كتابه: ((روض الفائق)) في المجلس الخامس والأربعين في المحبة: اعلم أن المحبة معنى يدق عن الأفكار ويخفى عن الأسرار، فهي للخواصّ نور وللعوامّ نار، ما علق الحب بقلب امرئ ولا حل فيه إلا تلاشى واضمحل، فالحب حرفان حاء وباء، فحاؤه حتف وباؤه بلاء، فهو في الحقيقة داء يستخرج لذائقه من صفو رائقه، وداء وشفاء، فأوله فناء وآخره بقاء، وظاهره تعب وعناء وباطنه سرور وهناء، فالناس في المحبة على أنواع وأجناس، ومحبو الله هم خلاصة الناس، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] قال ابن عباس: أي أثبت وأدوم، وقيل: إنما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]؛ لأن الله بك أحبهم أولاً ثم أحبوه ثانيًا، ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم وأصح، قال تعالى: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. قال بعض العارفين: الحُب حَبُّ يُبذر في أرض القلوب، ويسقى بماء العقول، فيثمر على قدر طيب الأرض وصفو الماء، فالبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا، وقيل لبعض المحبين: كيف رأيت المحبة؟ فقال: وقفت على ٦٦٧ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله ساحل بحر زاخر ماله من آخر. إخواني: المحبة عروس مهرها النفوس، ولها تخضع الرقاب والرؤوس، فهي تجلي على الأسرار، وتصفو بها الأكدار، فهي للعارف نور وللجاهل نار، إذا مزجت خمرة المحبة على أهل الصفا حضرت قلوب أهل الوفاء فالذكر ألحانها، والتوحيد ريحانها، والشكر ترجمانها، والهيبة سلطانها، فأهل المحبة فُتحت لهم أبواب جنة الوصال يتنعمون فيها بالغدو والآصال، والحبيب يتجلى عليهم بلا حجاب، وملائكة السرور يدخلون عليهم من كل باب. وقال بعضهم: إذا سرى نسيم المحبة إلى مسامّ القلوب ارتاحت إلى لقاء المحبوب، فسمعت المناجاة في الأسحار لأهل القلوب والأسرار، فكل أجاب على حسب ما حصل له من الأحوال، إذا سكنت المحبة في القلوب أنارت بأنوار المحبوب، فأثرت وأثمرت في القلب سبعة أشياء لا يتم مصباح معرفة الرب إلا بها: إخلاص النية لله، والخوف من الله، ورجاء ثواب الله، والصدق مع الله، والتوكل على الله، وحسن الظن بالله، والشوق إلى الله، فهذه السبعة لا يتم مصباح المعرفة إلا بها، كما أن المصباح لا يوقد إلا بسبعة أشياء: الزناد، والحجر، والحراق، والكبريت، والمسرجة، والزيت، والفتيلة، فإن أردت يا هذا إيقاد مصباح قلبك لمشاهدة ربك فلا بدَّ من زناد المجاهدة، وحجر المكابدة، وحراق الأشواق، وكبريت المحبة، ومسرجة التوكل، وزيت الشكر، وفتيلة الصبر، ثم تعلق المصباح في سلاسل التضرع إلى ربك، فعند ذلك يتوقد نوره في قلبك فتشاهد جمال ربك. إخواني: إذا أصلح الله أرض قلب قلبها بمحراث الخوف، وبذر فيها حَب الحُب، وسقاها بماء الدمع، فأنبتت زرع يحبهم ويحبونه، سبحوا في بحر حبه وعاموا، ولا زموا الخدمة على بابه، وقاموا وواظبوا على امتثال أوامره، وداوموا وتولهوا فيه؛ فلأجل ذلك سهروا في الليل ولم يناموا، فإذا ماتوا من حبه شوقًا إليه لم يلاموا. إخواني: البلاء موكل بالمحبين قد أضنى منهم الأجساد، وتمكن من القلوب، فلا يزالون كذلك حتى ٦٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع يصلوا إلى المحبوب، انتهى بتصرف. قال سيدي عبد الكريم الجيلي # في كتابه ((الناموس الأعظم والقاموس الأقدم في معرفة قدر النبي (وَ)): إن المقام الحبيّ أعلى المقامات الكمالية، وذلك أنه ورد في الحديث عن النبي ◌َلّ أنه قال حاكيًا عن الله تعالى: ((كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت أن أعرف فخلقت خلقًا فتعرفت إليهم فبي عرفوني))(١) فكان التوجّه الحبي أول صادر من الجناب الإلهي في إيجاد المخلوقات، فالحب لبقية مقامات الكمال أصل وهي له كالفروع، ولأجل أن المقام الأول الأصلي كان مخصوصًا بالموجود الأول الأصلي؛ فجميع الحقائق الإلهية إنما ظهرت بواسطة الحب؛ إذ لولا ذلك لما وجد الخلق، ولولا الخلق لما عرفت الأسماء والصفات والخلق، إنما ظهروا بواسطة الروح المحمدي، فلولا الحقيقة المحمدية لم يكن خلق، ولولا الخلق لم تظهر صفات الحق لأحد، فلولا الحقيقة المحمدية لما عرف الله مخلوق ولا ظهرت صفاته لأحد؛ إذ لا أحد، فالحب هو الواسطة الأولى لوجود الموجودات، ومحمد له هو الواسطة لظهور الموجودات، وقد ورد عنه اليه أنه قال: ((إن الله تبارك وتعالى قال له في ليلة المعراج: لولاك لما خلقت الأفلاك))(؟) فعلم بذلك أن محمدًا وَلّم هو المقصود بالتوجه الحبي للمعرفة بالكنز المخفي، وأن جميع ما سواه كانوا عطفًا عليه، فهو الأصل في مقصود الحب الإلهي وغيره كأفرع له، فمن أجل ذلك خصه الله تعالى باسم الحبيب دون غيره، وإنما أحب الله أمته الذين اتبعوه لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾ [آل عمران:٣١]؛ لأنهم مخلوقين منه كما قال وسلم: ((أنا من الله والمؤمنين مني)) (٣) وهذه خصوصية (١) تقدم تخريجه. (٢) ذكره العجلوني في ((كشف الخفاء)) (٢١٤/٢)، والقشاشي في ((الدرة الثمينة)) (ص١٥٢) بتحقيقنا، فاعلم أنه لم أول التعينات، فالفيض الأقدس والمقدس مندرج فيه ێ﴾. (٣) أورده السادة الصوفية في كتبهم، كسيدي محمد وفا في ((الشعائر)) (ص١١٧) وسيدي عبد الكريم والنص هنا منقولُ عنه في كتابه: ((قاب قوسين)» (ص٨٣)، كلاهما بتحقيقنا. وجزم بعض الكبار بصحته كشفًا، وذكره جماعة منهم الشيخ حقي في ((روح البيان)) بلفظ: ((أنا - ٦٦٩ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله من الله تعالى لأمة محمد ﴿ ﴿ دون غيره من سائر الأمم، فإن الله تعالى أنكر على من ادعى من الأمم الماضية أنهم أحبّاء الله، وأثبت المحبة لأتباع محمد وآله؛ لأن كل أمة مخلوقة من نبيها، ولا حبيب إلا محمد وآله؛ فاختصت أمته بمحبة الله تعالى دون غیرهم. ومراتب الحب تسع: أولاها: الميل: وهو انجذاب القلب إلى المطلوب، فإذا زاد سُتّي: رغبةً، فإذا زاد سُمّي: طلبًا، فإذا زاد سُمّي: ولهًا، فإذا اشتد ودام سُمّي: صبابةً، فإِذا قوي واسترسل بالقلب في المعنى المراد سُمّي: هوى، فإذا استولى حكمه على الجسد بحيث أن يفنى المحب عن نفسه سُمّي: شغفًّا، فإذا نما وظهرت علاماته بحيث أن يفنى المحب عن نفسه وعن فنائه سُمّي: غرامًا، فإذا استحكم وطفح وظهر وتمكن تمكنًا أفنى المحب عن نفسه وعن حبيبه أيضًا، بحيث يبقى الأمر شيئًا واحدًا وهو الحب المطلق سُمّي: عشقًا، وهذا آخر مقامات المحبين، فيصير المحب في هذا المقام حبيبًا والحبيب محبًّا، فيكون كلٌّ منهم بصورة الآخر؛ وذلك أن العاشق قد تمكنت روحه بصورة المعشوق، فتعلقت بتلك الصورة الروحانية تعلق التمازج، كما يتعلق الزاج بالعفص، فيستحيل الفك والمفارقة والانفصال بينهما، انتهى مختصرًا. قال رشيد التاذفي في ((الدر المنظم)): حُكي أن خطافًا راود خطافة في قبة سليمان القيا فسمعه يقول: بلغ مني حبك لو قلت لي أهدم القبة على سليمان، فعلت، فاستدعاه سليمان فقال له: لا تعجل إن للمحبة لسانًا لا يتكلم به إلا المحبون، من نور الله، والمؤمنون من فیض نوري)). قال الأمير عبد القادر الجزائري في ((مواقفه) ما نصه: ((وإنما خص المؤمنون للتشريف، وإلا فكل الخلق منه مؤمنهم وكافرهم، ولهذا كان الكمّل يشهدونه في كل شيء على الدوام، حتى قال المرسي #: لو احتجب عني رسول الله * طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين، فالمراد بعدم الاحتجاب دوام شهود سريان حقيقته في العالم كله لا شخصه الشريف» انتهى. ٦٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع والعاشقون ما عليهم من سبيل؛ فإنهم يتكلمون بلسان المحبة لا بلسان العلم والعقل، فضحك سلیمان ولم يعاقبه. وقال ماجد الكردي : نار الهيبة تذيب القلوب، ونار المحبة تذيب الأرواح، ونار الشوق تذيب النفوس. وقال: السُّكْر من مقامات المحبين خاصة، فإن عيون الفناء لا تقبله ومنازل العلم لا تبلغه. وقال: للسكر ثلاث علامات: الضيق عن الاشتغال بالسِّوَى والتعظيم قائم، واقتحام لجة الشوق والتمكين دائم، ومن كانت سكرته بالهوى كان صحوه إلى ضلالة. وقال: الشوق نار الله تضرم في قلوب الأحباب، ولا تهدأ إلا بلقائه والنظر إليه. وقال الإمام الغزالي في («الإحياء)) في كتاب المحبة(١): اعلم أن المؤمنين مشتركون في أصل الحب لاشتراكهم في أصل المحبة، ولكنهم متفاوتون لتفاوتهم في المعرفة وفي حب الدنيا؛ إذ الأشياء تتفاوت بتفاوت أسبابها، قيل لبعض العارفين: إنك محب، فقال: لست محبًّا إنما أنا محبوب، والمحب متعوب. وقال الشبلي ﴾: الحب دهش في لذة وحيرة في تعظيم، وقيل: المحبة أن تمحو أثرك عنك حتى لا يبقى فيك شيء راجع منك إليك. وقال سيدي الخواص : المحبة محو الإرادات واقتراب جميع الصفات والحاجات، ويقال: الشوق نار الله أشعلها في قلوب أوليائه حتى يحرق بها ما بقلوبهم من الخواطر والإرادات والعوارض والحاجات، انتهى. وقال مصطفى العروسي في ((حاشيته على شرح الرسالة القشيرية)) للشيخ زكريا الأنصاري في باب المحبة: واعلم أن المحبة عند أرباب الأحوال حالة لطيفة يجدها العبد بقلبه، تحمله على إيثار المحبوب طوعًا، وقد يعبر عنها بأنها: احتراق، أو اهتياج، أو غرام، أو سقام، أو لدغ، فكل ذلك يصح أن تفسر المحبة به على التقريب، وإن كانت (١) في (٣٨٠/١). ٦٧١ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله العبارة لا تفي بشرح حقيقتها على التفصيل، وإن سبب المحبة نظرة عين العناية لعبد سبقت له عواطف الهداية من الحنان، فدخل حضرة الامتنان بالأمان، فهي نار تحرق الأكباد، ولوعة تنمو وتزداد، والحب أول نشأته في قلب المحب إذ لم يشاركه فيه أمر آخر وخلص له وصفى يسمى حبًّا، فإذا ثبت سُمِّي: ودًّا، فإذا عائق القلب والأحشاء والخواطر، ولم يبقى فيه شيء إلا التعلق به يسمّى: عشقًا، انتهى مختصرًا. وقال سيدي عبد القادر الجيلاني # في كتاب ((الفتح الرباني)) وقد سئل عن المحبة والحب فقال: المحبة هي تشويش يقع في القلب فتصير عنده الدنيا كحلقة خاتم، وأما الحب فهو: العمى عن المحبوب هيبةً له، والعمى عن غير المحبوب غيرة عليه، فهو عمى كله فما يقدر أن يفوه باسمه ولا أن يصرف عنه لبه، قال بعضهم: لقيت بعض المولهين فقلت: السلام عليكم، فقال: هو، فقلت: ما اسمك؟ قال: هو، فقلت من أين أقبلت؟ قال: هو، فكلما سألته عن شيء قال: هو، فقلت له: لعلك تريد الله، فسقط إلى الأرض واضطرب كالمذبوح ومات - رحمه الله - انتهى. وقال سيدي أحمد بن عجيبة في كتابه ((معراج التشوف إلى حقائق التصوف)): المحبة ميل دائم بقلب هائم، ويظهر هذا الميل أولاً: على الجوارح الظاهرة بالخدمة، وهو مقام الأبرار. وثانيًا: على القلوب الشائقة بالتصفية والتحلية، وهو مقام المريدين السالكين. وثالثًا: على الأرواح والأسرار الصافية بالتمكين من شهود المحبوب، وهو مقام العارفين، فبداية المحبة: ظهور أثرها بالخدمة، ووسطها: ظهور أثرها بالسكر والهيام، ونهايتها: ظهوره بالسكون والصحو في مقام العرفان؛ فلهذا انقسم الناس على ثلاث مراتب: أرباب الخدمة، وأرباب الأحوال، وأرباب المقامات، فبدايتها: سلوك وخدمة، ووسطها: جذب وفناء، ونهايتها: صحو وبقاء، انتهى بحروفه. وقال القطب ابن مشيش: المحبة أخذة من الله قلب من أحب بما يكشف له من نور جماله، انتهى. ٦٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع وقال سيدي أحمد زروق في ((شرحه على الحكم العطائية)) بعد كلام .... لأن حقيقة المحبة أخذ جمال المحبوب بمحبة القلب حتى لا يدعه لغيره في حال من الأحوال، ولذلك قيل: المحبة الإيثار بدوام الحنين، وقد قال بعضهم: أبت المحبة أن تستعمل محبًّا لغير محبوبه، ولذلك قيل: المحبة أن تهب كلّك لمن أنت له محب حتى لا يبقى لك منك شيء، ثم من لازم المحبة وجود الشوق إلى رؤية المحبوب، أوحى الله إلى بعض أنبيائه عليهم السلام: ((إن كنت تحبني أخرج حب الدنيا من قلبك، فإنهما لا يجتمعان في قلب واحد»، انتهى. وقال عثمان بن حسن بن أحمد الشاكر في كتابه: ((درة الناصحين)): روي عن حاتم الأصم الزاهد أنه قال: من ادّعى حب مولاه من غير ورع فهو كذاب، ومن ادّعى دخول الجنة من غير إنفاق مال فهو كذاب، ومن ادّعى حب النبي وليّ من غير اتباع السنة فهو كذاب، ومن ادّعى حب الدرجات من غير صحبة الفقراء والمساكين فهو كذاب. حُكي أن سمنون تزوج امرأة في آخر عمره فولدت له بنتًا، فلما بلغت ثلاث سنين وجد في قلبه تعلقًا بها، فرأى في منامه كأن القيامة قد قامت، ونصبت علائم كل نبي وولي، ووراءهم علم رفيع نوره قد سد الأفق، فسأل عنه فقالوا: هو علم المحبين الخالصين، فرأى سمنون نفسه بينهم، فجاء واحد من الملائكة فأخرجه من بينهم، فقال سمنون: أنا محبُّ لله تعالى، وهذا علم المحبين فلِمَ تخرجني؟ فقال: نعم أنت من المحبين لله تعالى، فلما حلّت محبتك لولدك في قلبك محونا اسمك من المحبين، فبكى سمنون وتضرع في نومه فقال: إلهي إن كان الولد مانعًا لي عنك، فادفعه عني حتى أقرب إليك بلطفك وكرمك، فسمع صائحًا يقول: وايلاه! فانتبه، فقال: ما هذه الصيحة، فقالوا: ابنتك سقطت من السطح فماتت، فقال: الحمد لله الذي أذهب المانع عني. قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله الرجل يحب القوم، ولا يستطيع أن يلحق بعملهم، قال: ((أنت يا أبا ذر مع من أحببت))، قلت: إني أحب الله ٦٧٣ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله ورسوله، قال: ((أنت مع من أحببت يا أبا ذر))(١). وعن عمر قال: نظر رسول الله وَله إلى مصعب بن عمير مقبلاً وعليه إهاب كبش قد تنطق به، فقال النبي ◌َليه: ((انظروا إلى هذا الذي نوَّر الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، ولقد رأيت عليه حُلة شراها أو شريت له بمائتي درهم، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون»(٢)، انتهى. وقال سيدي عبد الله بن علوي الحداد الحضرمي في كتابه («الدعوى التامة والتذكرة العامة)): سُئل ذو النون المصري ضه عن المحبة فقال: هي أن تحب ما أحب الله، وتبغض ما أبغض الله، وتفعل الخير كله، وترفض ما يشغلك عن الله، وأن لا تخاف في الله لومة لائم، انتهى. انظر كتابنا: [الشرف الأمجد ص ٥]. الفصل الأول ٥٠٠٣ - [عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الأَرْوَاحُ جُنُودُ مُجَنَّدَةُ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ](٣). (الْأَرْوَاحِ جُنُود ◌ُجَنَّدَةٍ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا إِنْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا إِخْتَلَفَ) قَالَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَاهُ جُمُوعٍ مُجْتَمَعَةٍ، أَوْ أَنْوَاعِ مُخْتَلِفَة. وَأَمَّا تَعَارَفِهَا فَهُوَ لِأَمْرِ جَعَلَهَا الله عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مُوَافَقَة صِفَاتَهَا الَّتِي جَعَلَهَا اللّه عَلَيْهَا، وَتَنَاسُبُهَا فِي شِيَمِهَا. وَقِيلَ: لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مُجْتَمِعَة، ثُمَّ فُرِّقَتْ فِي أَجْسَادهَا، فَمَنْ وَافَقَ بِشِيَمِهِ أَلِفَهُ، وَمَنْ بَاعَدَهُ نَافَرَهُ وَخَالَفَهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرِه: تَآلُفْهَا هُوَ مَا خَلَقَهَا الله عَلَيْهِ مِن السَّعَادَة أَو الشَّقَاوَةِ فِي الْمُبْتَدَأ، وَكَانَتِ الْأَرْوَاحِ قِسْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ. فَإِذَا تَلَاقَتِ الْأَجْسَاد فِي الدُّنْيَا اِقْتَلَفَتْ وَاخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مَا خُلِقَتْ عَلَيْهِ، فَيَمِيل الْأَخْيَارِ إِلَى الْأَخْيَارِ، وَالْأَشْرَارِ إِلَى الْأَشْرَار. والله أَعْلَم. [النووي ١٨٥/١٦]. (١) أخرجه البخاري (١٣٤٩/٣)، ومسلم (٢٠٣٢/٤). (٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (١٠٨/١). (٣) أخرجه البخاري (٣١٥٨)، وأبو يعلى (٤٣٨١)، والقضاعي (٢٧٤). ٦٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع ٥٠٠٤ - [وَرَوَاهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة](١). ٥٠٠٥ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ((إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دعا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أَحْبُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قال: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّ أَبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ يُوضَعُ لَّهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٍ(٢). ٥٠٠٦ - [وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِي؟ الْيَوْمَ أَظِلُّهُمْ فِي ظِلِّ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّ)). رَوَاهُ مُسْلِمٍ}(٣). (إِنَّ اللّه يَقُولِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُونَ بِجِلَالِي؟ الْيَوْمِ أُظِلّهُمْ فِي ظِلِّ يَوْمِ لَا ظِلّ إِلَّا ظِلِّ) فِيهِ دَلِيل لِجَوَازٍ قَوْل الْإِنْسَان. الله يَقُول، وَهُوَ الصَّوَابِ الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءِ كافَّةٍ إِلَّ عَنْ بَعْض السَّلَفِ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يُقَال: يَقُول الله، بَلْ يُقَالَ: قَالَ الله، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ جَاءَ بِجَوَازِهِ الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿والله يَقُولِ الْحَقّ﴾ [الأحزاب: ٤] وَأَحَادِيث صَحِيحَة كَثِيرَة. (الْمُتَحَابُّونَ بِجِلَالِي) أي: بِعَظَمَتِي وَطَاعَتِي لَا لِلُّنْيَا. وَقَوْله تَعَالَى: (يَوْم لَا ظِلّ إِلَّا ظِلِّ) أي: أَنَّهُ لَا يَكُون مَنْ لَهُ ظِلّ ◌َجَارًا كَمَا فِي الدُّنْيَا. وَجَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ: ((ظِلّ عَرْشِي)) قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرِهِ أَنَّهُ فِي ظِلّه مِن الْحَرّ وَالشَّمْسِ، وَوَهَجِ الْمَوْقِف وَأَنْفَاس الْخُلْقِ. قَالَ: وَهَذَا قَوْل الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ: وَمَعْنَاهُ كَفّه عَنِ الْمَكَّارِهِ، وَإِكْرَامِهِ، وَجَعْلُهُ فِي كَنَفه وَبِتْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلهُمْ: السُّلْطَانِ ظِلّ الله فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ: يَحْتَمِل أَنَّ الظُّلّ هُنَا عِبَارَة عَن (١) أخرجه مسلم (٦٨٧٦). (٢) أخرجه مسلم (٢٦٣٧)، وأحمد (٩٣٤١)، وابن حبان (٣٦٥). (٣) أخرجه مالك (١٧٠٨)، ومسلم (٢٥٦٦)، وأحمد (٧٢٣٠)، وابن حبان (٥٧٤)، وابن المبارك (٧١١). ٦٧٥ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله الرَّاحَةِ وَالنَّعِيمِ، يُقَال: هُوَ فِي عَيْش ظَلِيل أي: طَيِّب. [النووي ٣٦٥/٨]. ٥٠٠٧ - [وعَنْه، عَنِ النَّبِيِّ وَّ: ((أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخَّا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكَّا، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخَّا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللّهِ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيْهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٍ](٢). ٥٠٠٨ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّنَ﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (٩). قال النووي: فِيهِ فَضْل حُبّ الله وَرَسُولِهِ نَّهِ وَالصَّالِحِينَ، وَأَهْلِ الْخَيْرِ، الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ. وَمِنْ فَضْل ◌َحَبَّة الله وَرَسُولُه اِمْتِثَال أَمْرِهِمَا، وَاجْتِنَاب نَهْهمَا، وَالثَّأَدُّب بِالْآَدَابِ الشَّرْعِيَّة. وَلَا يُشْتَرَطِ فِي الإِنْتِفَاعِ بِمَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ أَنْ يَعْمَل عَمَلهمْ؛ إِذْ لَوْ عَمِلَهُ لَكَانَ مِنْهُمْ وَمِثْلهمْ. ٥٠٠٩ - [وعنْ أَنَسِ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَة؟ قَالَ: ((وَيْلَكَ، وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟)) قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَّا أَنِي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)) قَالَ أَنَس: فَمَا رَأيْتُ المُسْلِمْيْنَ فَرِحُوا بِشَيءٍ بَعْدَ الإِسْلامِ فَرَحَهُم بِهَا. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٣). (مَتَى السَّاعَةِ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَات عَنْ أَنَسِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ جَرِير عَنْ مَنْصُورٍ فِي أَوَّله ((بَيْنَمَا أَنَا وَرَسُولِ اللهِ له خَارِجَيْنِ مِن الْمَسْجِدِ فَلَقِيَنَا رَجُل عِنْدَ سُدَّة الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُول الله مَتَى السَّاعَة؟» وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي الْمَلِيحِ الرَّقَّ عَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ (١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٥٠)، ومسلم (٢٥٦٧)، وأحمد (٩٢٨٠)، وابن حبان (٥٧٢)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٩٠٠٤)، وهناد في ((الزهد)) (٤٩٠). (٢) أخرجه البخاري (٥٨١٦)، ومسلم (٢٦٤٠)، والطبراني (٩٧٨١). (٣) أخرجه البخاري (٦١٦٧)، ومسلم (٦٨٨١). ٦٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع أَنَس (خَرَجَ رَسُول الله وَّهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ أَعْرَابِيّ)) أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم، وَلَهُ مِنْ طَرِيق شَرِيك عَنْ أَبِي نَمِر عَنْ أَنَس ((دَخَلَ رَجُل وَالنَّبِيّ ◌َّهُ يَخْطُب ((وَمَنْ رِوَايَة أَبِي ضَمْرَةٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس (جَاءَ رَجُل فَقَالَ: مَتَى السَّاعَة؟ فَقَامَ النَّبِيّ ◌َّ إِلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلِ عَنِ السَّاعَةِ؟» وَيُجْمَعِ بَيْنَهِمَا بِأَنْ سَأَلَهُ وَالنَّبِيّ ◌َّهِ يَخْطُب فَلَمْ يُحِبْهُ حِينَئِذٍ، فَلَمَّا اِنْصَرَفَ مِن الصَّلَاةِ وَخَرَجَ مِن الْمَسْجِدِ رَآهُ فَتَذَكَّرَ سُؤَالِهِ، أَوْ عَاوَدَهُ الْأَعْرَابِيّ فِي السُّؤَالِ فَأَجَابَهُ حِينَئِذٍ. (مَا أَعْدَدْتِ لَهَا)؟ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: سَلَكَ مَعَ السَّائِلِ أُسْلُوب الْحَكِيمِ، وَهُوَ تَلَقِّي السَّائِلِ بِغَيْرِ مَا يَظْلُب مِمَّا يُهِمّهُ أَوْ هُوَ أَهَمُّ. (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت) زَادَ سَلَّامِ بْن أَّبِيِ الصَّهْبَاء عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس ((إِنَّك مَعَ مَنْ أَحْبَبْت، وَلَك مَا اِحْتَسَبْت ((أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمِ، وَلَهُ مِثْلِه مِنْ طَرِيقِ قُرَّة بْنِ خَالِدٍ عَن الْحَسَن عَنْ أَنَس، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أَشْعَث عَنِ الْحَسَن عَنْ أَنَس ((الْمَرْءِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَلَهُ مَا إِكْتَسَبَ)) وَمَنْ طَرِيق مَسْرُوق عَنْ عَبْد الله «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت، وَعَلَيْك مَا اِكْتَسَبْت، وَعَلَى اللهِ مَا اِحْتَسَبْت)) [الفتح ٣٦٨/١٧]. ٥٠١٠ - [وعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ﴾:((مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). فِيهِ: تَمْثِيلِه ◌َِّ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ بِحَامِلِ الْمِسْكِ، وَالْجْلِيسِ السُّوء بِنَافِخِ الْكِيرِ، وَفِيهِ فَضِيلَةٍ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْخَيْرِ وَالْمُرُوءَة وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْوَرَعِ وَالْعِلْمِ وَالْأَدَب، وَالتَّهْي عَنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِ الشَّرّ وَأَهْلِ الْبِدَعِ، وَمَنْ يَغْتَابِ النَّاسِ، أَوْ يَكْثُر فُجْرُهُ وَبَطَالَتْهُ. وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْأَنْوَاعِ الْمَذْمُومَةِ. (١) أخرجه البخاري (٥٢١٤)، ومسلم (٢٦٢٨). ٦٧٧ كتاب الآداب / باب الحب في الله ومن الله وَمَعْنَى: (يُحْذِيَك) يُعْطِيك، وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ، وَفِيهِ طَهَارَة الْمِسْك وَاسْتِحْبَابِهِ، وَجَوَازِ بَيْعِه، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَمِيعِ هَذَا، وَلَمْ يُخَالِفِ فِيهِ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ، وَنُقِلَ عَنِ الشِّيعَة تَجَاسَته وَالشِّيعَة لَا يُعْتَّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ وَمِن الَّلَائِل عَلَى طَهَارَته الْإِجْمَاعِ وَهَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْله ◌َِّ: (وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعِ مِنْهُ) وَالنَّجَسِ لَا يَصِحّ بَيْعه. وَلِأَنَّهُ بَّهِ كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ فِي بَدَنِه وَرَأْسِهِ، وَيُصَلِّ بِهِ، وَيُخْيِرِ أَنَّهُ أَظْيَبِ الطَّيب، لَمْ يَزَل الْمُسْلِمُونَ عَلَى اِسْتِعْمَاله وَجَوَاز بَيْعه. قَالَ الْقَاضِي: وَمَا رُوِيَ مِنْ كَرَاهَة الْعُمَرَيْنِ لَهُ فَلَيْسَ فِيهِ نَصُّ مِنْهُمَا عَلَى تَجَاسَته، وَلَا صَحَّتِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا بِالْكَرَاهَةِ، بَلْ صَحَّتْ قِسْمَةِ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ الْمِسْك عَلَى نِسَاء الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَعْرُوف عَن ◌ِبْنِ عُمَر اِسْتِعْمَاله. والله أَعْلَم. [النووي ٤٦٨/٨]. الفصل الثاني ٥٠١١ - [عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَِّي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَ)). رَوَاهُ مَالِك(١) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِي: ((الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرٍ مِنْ نُورِ، يَغْبِطُهُم النَّبِيون وَالشُّهَدَاءِ»](٢). ٥٠١٢ - [وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ الله تَعَالَى)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: ((هُمْ قَوْمُ تَحَابُوا بِرُوجِ الله عَلَى غَيْرٍ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَالِلِهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورُ وَإِنَّهُمْ لَعَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ)) وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهُ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا (١) أخرجه مالك (١٧١١)، وأحمد (٢٢٠٨٣) وابن حبان (٥٧٥) والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٨٩٩٢)، والطبراني (١٥٠) والحاكم (٧٣١٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وعبد بن حميد (١٢٥)، والقضاعي (١٤٤٩)، قال المنذري (٢٤٨/٣) أخرجه مالك بإسناد صحيح. (٢) أخرجه الترمذي (٢٣٩٠). ٦٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). ٥٠١٣ - [وَرَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)) عَنْ أَبِي مَالِك بِلَفْظِ المَصَابِيْحِ مَعَ زَوَائِد وَكَذَا في (شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٢). ٥٠١٤ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ لأَّبِي ذَرٍّ: ((يَا أَبَا ذَرِّ أُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ؟)) قَالَ: اللّهُ وَرَسُولُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((الْمُؤَالَاءُ فِي اللّهِ، وَالْحُبُّ فِي الله، وَالْبُغْضُ فِي الله)). رَوَاهُ الْبَيْهَتِي فِي: (شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٣). ٥٠١٥ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ: ((إذا عَادَ المُسْلِمِ أَخَاهُ أَوْ زَارَهُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَرِيْبٌ ](٤). ٥٠١٦ - [وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِ قَالَ: ((إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرُهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ والتَّرْمِذِي] (٥). ٥٠١٧ - [وَعَنْ أَنَسِ، قَالَ: مَرَّ رَجُلُ بِالنَّبِيِّ بَّهِ وَعِنْدَهُ نَاس فَقَالَ رَجُلُّ مِمِن عِنْدَهُ: إِي لَأُحِبُّ هَذَاَ للّه فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِ: ((أَعْلَمْتَهُ؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: فَقُمْ إِلَيْهِ فَأَعْلِمْهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ◌َ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكَ مَا احْتَسَبْتَ)). رَوَاهُ البَيْهَقِي فِي: (شُعَبِ (١) أخرجه أبو داود (٣٥٢٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٩٩٨)، وهناد (٤٧٥)، وابن جرير في (التفسير)) (١٣٢/١١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥/١). (٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٧١٣) ولم أقف عليه في ((شرح السنة)). (٣) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٥١٣). (٤) أخرجه الترمذي (٢٠٠٨)، وابن ماجه (١٤٤٣). (٥) أخرجه البخاري في (الأدب)) (٥٤٢) وأبو داود (٥١٢٤) والترمذي (٢٣٩٢) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٧٢١٠) والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٠٣٤) وابن حبان (٥٧٠) والطبراني (٦٦١) وفي ((مسند الشاميين)) (٤٩١) وابن أبي الدنيا في ((كتاب الإخوان)) (٦٥) والحاكم (٧٣٢٢)، وابن السني (١٩٦). ٦٧٩ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله الإِيْمَانِ)(١) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِي: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ)(٢)]. ٥٠١٨ - [وعنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقُولُ: ((لا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيُّ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارِمي(٣). (لَا تُصَاحِب إِلَّ مُؤْمِنًا) أي: كَامِلًا، أَو الْمُرَاد النَّهْي عَنْ مُصَاحَبَةِ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ مُصَاحَبَتهمْ مُضِرَّةٍ فِي الدِّينِ، فَالْمُرَاد بِالْمُؤْمِنِ جِئْسِ الْمُؤْمِنِينَ (وَلَا يَأْكُلِ طَعَامك ◌ِلَّا تَقِي) أي: مُتَوَرِّع. وَالْأَّكْلِ وَإِنْ نُسِبَ إِلَى التَّقِيّ فَفِي الْحَقِيقَة مُسْنَدٍ إِلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ، فَالْمَعْنَى لَا تُطْعِمِ طَعَامك إِلَّا تَقِيًّا. قَالَ الْخَطَّائِيّ: إِنَّمَا جَاءَ هَذَا فِي طَعَامِ الدَّعْوَةِ دُون طَعَام الْحَاجَة، وَذَلِكَ أَنَّ الله سُبْحَانه قَالَ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وَمَعْلُومٍ أَنَّ أُسَرَاءَهُمْ كَانُوا كُفَّارًا غَيْرِ مُؤْمِنِينَ وَلَا أَتْقِيَاءِ، وَإِنَّمَا حَذَّرَ عَلَيْهِ السَّلَامِ مِنْ صُحْبَة مَنْ لَيْسَ بِتَقِيٍّ وَزَجَرَ عَنْ مُخَالَطَتْه وَمُؤَا كُلّته، فَإِنَّ الْمُطَاعَمَةِ تُوقِعِ الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ فِي الْقُلُوب. ٥٠١٩ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّ: ((المَرَهُ عَلَى دِينٍ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)). رَوَاهُ أَحْمَدِ وَالتِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُدٍ وَالبَيْهَِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ) وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثُ حَسَنَّ غَرِيْبُ، وَقَالَ النَّوَوِي: إِسْنَادَهُ صَحِيْحٍ}(٤). ٥٠٢٠ - [وعَنْ يَزِيدَ بن نَعَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمٍ أَبِيهِ وَمِمَّنْ هُوَ، فَإِنَّهُ أَوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي(٥). (١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٧٢٣). (٢) أخرجه الترمذي (٢٣٨٦) وقال: حسن غريب. (٣) أخرجه أبو داود (٤٨٣٢)، والترمذي (٢٣٩٥) وقال: حسن، وأحمد (١١٣٥٥)، وابن حبان (٥٥٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٣٨٢)، والدارمي (٢٠٥٧)، وابن المبارك (٣٦٤)، والطيالسي (٢٢١٣)، وأبو يعلى (١٣١٥)، والحاكم (٧١٦٩). (٤) أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨) وقال: حسن غريب، وأحمد (٨٦٤١)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٩١١٨)، وعبد بن حميد (١٤٣١). (٥) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣١٣/٨)، والترمذي (٢٣٩٢)، والطبراني (٦٣٧)، وهناد = ٦٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع الفصل الثالث ٥٠٢١ - [عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَلِ قَالَ: «أَتَدْرُونَ أَُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللّه تَعَالَى؟)) قَالَ قَائِلُّ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ، وَقَالَ قَائِلُّ: الْجِهَادُ، قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى الله تَعَالَى الْحُبُّ فِي اللّه وَالْبُغْضُ فِي الله)). رَوَاهُ أَحْمَد وَرَوَى أَبُو دَاوُد الفَصْلِ الأخِيْر](١). ٥٠٢٢ - [وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «مَا أَحَبَّ عَبْدُ عَبْدًا لله إِلَّ أَكْرَمَ رَبَّهُ وَّ)). رَوَاهُ أَحْمَد](٢). ٥٠٢٣ - [وَعَنْ أَسْمَاءً بنتِ يَزِيدَ، أَنْهَا سَمِعَتْ رَسُولِ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: (أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟) قَالُوا: بَلَ، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((خِيَارُ كُمْ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ)). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه](٣). ٥٠٢٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: ((لَوْ أنَّ عَبْدَيْن تَحَابَّا فِي الله ◌َّ وَاحِدٍ فِي المَشْرِقِ وَآخَرِ فِي المَغْرِبِ لَجَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمَا يَوْمَ القِيَامَةِ، يَقُولُ: هَذَا الَّذِي كُنْتَ تُحِبُّهُ فِي))] (٤). ٥٠٢٥ - [وَعَنْ أَبِي رَزِيْنِ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَلَاكِ هَذَا الأمْرِ الَّذِي تُصِيْبُ بِهِ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ عَلَيْكَ بِمَجَالِسِ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَإِذَا خَلَوْتَ فَحَرِّكَ لِسَانَكَ مَا اسْتَطَعْتَ بِذِكْرِ اللهِ، وَأُحِبَّ فِي الله، وَأَبْغِضْ فِي الله، يَا أَبَا رَزِيْن، هَلْ (٤٨٦)، وعبد بن حميد (٤٣٥)، وابن سعد (٦٥/٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٨١/٦)، والديلمي (١١٥٧). (١) أخرجه أبو داود (٤٥٩٩)، وأحمد (٢١٣٤١)، والمنذري (١٤/٤). (٢) أخرجه أحمد (٢٢٢٨٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٠١٧)، وابن أبي الدنيا في ((الإخوان)) (٢٠) بتحقيقنا. (٣) أخرجه أحمد (٢٧٦٤٠)، وابن ماجه (٤١١٩)، والطبراني (٤٢٣)، والهيثمي (٩٣/٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦/١). (٤) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٠٢٢). ٦٨١ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله شَعَرْت أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ زَائِرًا أَخَاهُ شَيَّعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَك كُلُّهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُونَ: رَبَّنَا إِنَّهُ وَصَلَ فِيْكَ فَصِلْهُ؟ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ جَسَدَكَ فِي ذَلِكَ فَافْعَل)](١). ٥٠٢٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِنََّ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ:(( إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَعُمَدًا مِنْ يَاقُوتٍ، عَلَيْهَا غُرَفُّ مِنْ زُبُرْجُد، لَهَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَة تُضِيءٍ كَمّا يُضِيء الكَوْكَب الدُّرْي)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ يَسْكُنُهَا؟ قَالَ: ((المُتَحَابُّونَ فِي الله وَالمُتَجَالِسُونَ فِي الله وَالمُتَلاقُونَ فِي الله)). رَوَى البَيْهَقِي الأَحَادِيث الثَّلاثَة فِي: ((شُعْبٍ الإِيْمَانِ))](٢). (١) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٩٠٢٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٦/١)، وابن عساكر (١٣/ ٣١٧). (٢) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان)) (٩٠٠٢)، وابن أبي الدنيا في ((كتاب الإخوان)) (١١)، وابن عساكر (٧٨/١٨)، والبزار كما في ((كشف الأستار)) (٣٥٩٢)، والهيثمي (٢٧٨/١٠). باب ما ینهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات الفصل الأول ٥٠٢٧ - [عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((لا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيَعرِضُ هَذَا وَيَعرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). قَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْعُلَمَاءِ تَحْرُمُ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَر مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِالنَّصِّ وَتُبَاحِ فِي الثَّلاث بِالْمَفْهُومِ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْآدَمِيّ مَجْبُول عَلَى الْغَضَب، فَسُومِحَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ لِيَرْجِعِ وَيَزُول ذَلِكَ الْعَارِض. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيّ: الْمُعْتَبَرِ ثَلَاث لَيَالٍ، حَتَّى لَوْ بَدَأَ بِالْهِجْرَةِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ أُلْغِيَ الْبَعْضِ وَتُعْتَبَرِ ذَلِكَ لَيْلَة الْيَوْمِ، وَيَنْقَضِي الْعَفْوِ بِانْقِضَاءِ اللَّيْلَةِ الثَّالِئَةِ. قُلْت: وَفِي الْجُزْمِ بِاعْتِبَارِ اللَّيَالِيِ دُون الْأَيَّامِ حُمُودٍ، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب فِي حَدِيث أَبِي أَيُّوب بِلَفْظِ: (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)) فَالْمُعْتَمَدِ أَنَّ الْمُرَخَّصِ فِيهِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ بِلَيَالِهَا، فَحَيْثُ أُظْلِقَتِ اللَّيَالِي أُرِيدَ بِأَيَّامِهَا وَحَيْثُ أُظْلِقَتِ الْأَيَّامِ أُرِيدَ بِلَيَالِهَا، وَيَكُون الإِعْتِبَار مُضِيّ ثَلَاثَة أَيَّامِ بِلَيَالِهَا مُلَفَّقَةٍ، إِذَا أُبْتُدِتَتْ مَثَلًا مِن الظُّهْرِ يَوْمِ السَّبْت كَانَ آخِرِهَا الظُّهْرِ يَوْمِ القُّلَاثَاءِ، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يُلْغَى الْكَسْرِ، وَيَكُون أَوَّل الْعَدَد مِن إِبْتِدَاء الْيَوْم أَو اللَّيْلَةِ، وَالْأَوَّل أَحْوَط. [الفتح ٣٥٤/٨]. ٥٠٢٨ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ (١) أخرجه مالك (١٦١٤)، والبخاري (٥٧٢٧)، ومسلم (٢٥٦٠)، وأبو داود (٤٩١١)، والترمذي (١٩٣٢) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٣٥٧٥)، وابن حبان (٥٦٦٩)، والطيالسي (٥٩٢)، وعبد بن حميد (٢٢٣). - ٦٨٢ -