النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠٣
كتاب الآداب/ باب المفاخرة
وَقَوْله: (لَا يَسْتَجْرِيَنْكُمُ الشَّيْطَانِ) مَعْنَاهُ: لَا يَتَّخِذَنكُمْ جَرْيًا، وَالْجُرْي:
الوكيل، وَيُقَال: الْأَجِيرِ. إِنْتَهَى كَلَام السُّيُوطيّ.
وَقَالَ السِّنْدِيُّ: أي: لَا يَسْتَعْمِلَنْكُمْ الشَّيْطَانِ فِيمَا يُرِيدُ مِن التَّعْظِيمِ لِلْمَخْلوقِ
بِمِقْدَارٍلَا يَجُوز. اِنْتَهَى.
وَحَدِيث عَبْد الله بْنِ الشِّخِّير إِسْنَاده صَحِيحِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدِ فِي ((مُسْنَده).
[عون (٣٢٧/١٠)].
٤٩٠١ - [وَعَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((الْحَسَبُ الْمَالُ،
وَالْكَرَمُ التَّقْوَى)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَابْنِ مَاجَهِ](١).
٤٩٠٢ [وَعَنْ أُبِيِّ بن كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ لَ يَقُولُ: ((مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ
الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهِنَّ أبِيْهِ وَلا تُكَنُّوا)). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)](٢).
٤٩٠٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي عُقْبَةَ وَكَانَ مَوْلَّى مِنْ أَهْلِ
فَارِسَ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَحَدًّا، فَضَرَبْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقُلْتُ:
خُذْهَا مِنِّ وَأَنَا الْغُلامُ الْفَارِسِيُّ، فَالتَّفَتَ إِلَّ فَقَالَ: ((هَلا قُلْتَ: خُذْهَا مِنِّ وَأَنَا الْغُلامُ
الأَنْصَارِيُّ؟)). رَوَاهُ أَبو داود](٣).
٤٩٠٤ [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِّوَ﴿ قَالَ: «مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فهو
كَالْبَعِيرِ الذي رُدِّيَ فهو يُنْزَعُ بِذَنَبِهِ)). رَوَاهُ أبو داود](٤).
(١) أخرجه أحمد (٢٠١١٤)، والترمذي (٣٢٧١) وقال: حسن صحيح غريب. وابن ماجه (٤٢١٩)،
والطبراني (٦٩١٢)، والدارقطني (٣٠٢/٣)، والحاكم (٢٦٩٠) وقال: صحيح على شرط البخاري.
والبيهقي (١٣٥٥٤)، والقضاعي (٢١)، والديلمي (٢٨١١).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٢٧٢)، وابن حبان (٣١٥٣)، والبخاري في ((الأدب)) (٩٦٣)، والنسائي في
((الكبرى)) (٨٨٦٤)، والبغوي (٣٣٩/٦).
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٥٦٨)، وابن ماجه (٢٧٨٤)، وأبو داود (٥١٢٣)، وابن أبي شيبة (٣٣٥٧٩)،
والديلمي (٦٩٨٨).
(٤) أخرجه أبو داود (٥١١٧).

٦٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
٤٩٠٥ - [وَعَنْ وَاثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْعَصَبِيَّةُ؟ قَالَ: ((أَنْ
تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ)). رَوَاهُ أبو داود](١).
٤٩٠٦ - [وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمِ الْمُدْلِجِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللّه ◌َلـ
فَقَالَ: ((خَيْرُكُمُ الْمُدَافِعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ)). رَوَاهُ أبو داود](٢).
٤٩٠٧ [وَعَنْ جَبِيْر بْن مَطْعَم أَنَّ رَسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((لَيسَ مِنَّا مَنْ دَعا إِلى
عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَل عَصَبِيَّة، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ)). رَوَاهُ أَبو
داود](٣).
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ اِبْنِ مَاجَه وَقَالَ: فِيهِ عَنْ عَبَّد بْنِ كَثِيرِ الشَّامِّ عَن ◌ِمْرَأَةَ
مِنْهُمْ يُقَال لَهَا: فُسَيْلَةٍ، قَالَتْ: سَمِعْت أَبِي فَذَكَرَ بِمَعْنَاهُ.
وَفُسَيْلَةٍ بِضَمِّ الْفَاء وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون الْيَاءَ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْد اللَّام
الْمَفْتُوحَة تَاء تَأْنِيث، هِيَ بِنْت وَائِلَة بْنِ الْأَسْقَع، ذَکَرَ ذَلِكَ غَیْر وَاحِد.
وَيُقَالِ فِيهَا أَيْضًا: خُصَيْلَةٍ بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفَتْحِ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا يَاء
آخِرِ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٍ وَبَعْد اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ تَاء تَأْنِيث.
وَعَبَّادِ بْنِ كَثِيرِ الشَّامِيّ وَثَّقَهُ يَحْتَى بْنِ مَعِينِ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرِ وَاحِد.
٤٩٠٨ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: ((حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُ)). رَوَاهُ
أبو داود] (٤).
(حُبّك) إِضَافَة الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ (الشَّيْء) مَفْعُول (يُعْمِي وَيُصِمّ) بِضَمِّ أولهمَا
وَكَسْرِ عَيْنِهِمَا؛ أي: يَجْعَلك أَعْمَى عَنْ رُؤُبَة مَعَائِبِ الشَّيْءِ الْمَحْبُوبِ بِحَيْثُ لَا تُبْصِر
(١) أخرجه أبو داود (٥١١٩)، وابن ماجه (٣٩٤٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٥١٢٠) وقال: أيوب بن سويد ضعيف. والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٩٧٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٥١٢١).
(٤) أخرجه أحمد (٢١٧٤٠)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٧١/٣)، وأبو داود (٥١٣٠)، والبيهقي في
(شعب الإيمان)) (٤١١)، وعبد بن حميد (٢٠٥)، والطبراني في (الأوسط)) (٤٣٥٩).

٦٠٥
كتاب الآداب / باب المفاخرة
فِيهِ عَيْبًا، وَيَجْعَلك أَصَمَّ عَنْ سَمَاع قَبَائِه بِحَيْثُ لَا تَسْمَع فِيهِ كَلَامًا قَبِيحًا لِإِسْتِيلَاءِ
سُلْطَانِ الْمَحَبَّة عَلَى فُؤَادك.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إِسْنَاده بَقِيَّة بْن الوليد وَأبو بكر بْن عَبْد الله بْن أَبِي مَرْيَم
الْغَسَّانِيّ الشَّامِّ، وَفِي كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقَال. وَرُوِيَ عَنْ بِلَال عَنْ أَبِيهِ قَوْله وَلَمْ يَرْفَعهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَلَا يَثْبُت.
وَسُئِلَ ثَعْلَب عَنْ مَعْنَاهُ فَقَالَ: يُعْمِي الْعَيْنِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى مُسَاوِيه، وَيُصِمّ الْأُذُن
عَنْ إِسْمَاعِ الْعَذَلِ فِيهِ، وَأَنْشَأَ يَقُول:
وَكَذَّبْتَ طَرْفِي فِيكِ وَالطَّرْفِ صَادِقِ
وَقَالَ غَيْره: يُعِْي وَيُصِمّ عَنِ الْآخِرَةِ.
وَأَسْمَعْت أُذُنِي فِيكِ مَا لَيْسَ يَسْمَع
وَفَائِدَته: النَّهْي عَنْ حُبّ مَا لَا يَنْبَغِي الْإِغْرَاقِ فِي حُبّه. اِنْتَهَى كَلَام الْمُنْذِرِيِّ.
الفصل الثالث
٤٩٠٩ - [عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرِ الشَّامِيِّ مِنْ أَهْلِ فَلَسْطِيْنِ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالَ لَهَا:
فُسَيْلَةُ، أَنَّهَا قالت: سَمِعَتْ أَبِي يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِوَه فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنَ
الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَةُ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ
عَلَى الظُّلْمِ)). رَوَاهُ أَحْمَد وَابْنِ مَاجَه](١).
٤٩١٠ [وعَنْ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (أَنْسَابِكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ
بِمِسَبَّةٍ عَلَى أَحَدٍ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ طَفُّ الصَّاعِ لِمْ تَمْلَؤُّوهُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلُ إِلَّا
بِدِينٍ وَتَقْوَّى كَفَى بِالرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ بَذِيًّا فَاحِشًا بَخِيلاً)). رَوَاهُ أَحْمَد وَالبَيْهَقِي فِي:
((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٢).
(١) أخرجه أحمد (١٧٤٥٢)، وابن ماجه (٤٠٨٤).
-
(٢) أخرجه أحمد (١٧٩٠٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٩٢٩).

باب البر والصلة
الفصل الأول
٤٩١١ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟
قَالَ: (أُمُّكَ)) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أُمُّكَ)) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أُمُّكَ)) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ:
((أبوكَ)(١). وَفِي رِوَايَةٍ: (أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أَبَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ))(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي) الصَّحَابَةِ هُنَا بِفَتْحِ الصَّادِ بِمَعْنَى الصُّحْبَةِ.
وَفِيهِ: الْحَتّ عَلَى بِّ الْأَقَارِبِ، وَأَنَّ الْأُمّ أَحَقّهِمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدِهَا الْأَب، ثُمَّ الْأَقْرَب
فَالْأَقْرَب.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: وَسَبَب تَقْدِيمِ الْأُمّ كَثْرَة تَعَبهَا عَلَيْهِ، وَشَفَقَتَهَا، وَخِدْمَتَهَا، وَمُعَانَاة
الْمَشَاقٌ فِي حَمْله، ثُمَّ وَضْعه، ثُمَّ إِرْضَاعِه، ثُمَّ تَرْبِيَته وَخِدْمَته وَتَمْرِيضِه، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَنَقَلَ الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيّ إِجْمَاعِ الْعُلَّمَاءِ عَلَى أَنَّ الْأُمّ تُفَضَّل فِي الْبِرّ عَلَى الْأَب،
وَحَكَّى الْقَاضِي عِيَاض خِلَافًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْجُمْهور بِتَفْضِيلِهَا، وَقَالَ بَعْضهمْ: يَكُون
بِّهَمَا سَوَاء.
قَالَ: وَنَسَبَ بَعْضهمْ هَذَا إِلَى مَالِك، وَالصَّوَابِ الْأُولِ لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيث في
الْمَعْنَى الْمَذْكُور، والله أعلم.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُمّ وَالْأَب آكَد حُرْمَةٍ فِي الْبِرّ مِمَّنْ سِوَاهُمَا.
قَالَ: وَتَرَدَّدَ بَعْضِهِمْ بَيْنِ الْأَجْدَادِ وَالْإِخْوَةِ لِقَوْلِهِ وَِّ: (ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاكِ)).
قَالَ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبّ أَنْ تُقَدَّم فِي الْبِّ الْأُمّ، ثُمَّ الْأَبِ، ثُمَّ الْأولاد، ثُمَّ الْأَجْدَاد
وَالْجَدَّاتِ، ثُمَّ الْإِخْوَة وَالْأَخَوَاتِ، ثُمَّ سَائِرِ الْمَحَارِمِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَالْأَعْمَامِ
(١) أخرجه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٦٦٦٤)، وأحمد (٨٥٦٦).
(٢) أخرجه مسلم (٦٦٦٥).
- ٦٠٦ -

٦٠٧
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
وَالْعَمَّاتِ، وَالْأَحْوَالِ وَالْخَلَات، وَيُقَدَّمِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، وَيُقَدَّمِ مَنْ أَدْلَى بِأبويْنِ عَلَى مَنْ
أَدْلَى بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ بِذِي الرَّحِمِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ كَابْنِ الْعَمّ وَبِنْته، وَأولاد الْأَخْوَالِ وَالْخَالَات
وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ بِالْمُصَاهَرَةِ، ثُمَّ بِالْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَل، ثُمَّ الْجَارِ، وَيُقَدَّمِ الْقَرِيبِ الْبَعِيد
الدَّارِ عَلَى الْجَارِ، وَكَذَا لو كَانَ الْقَرِيبِ فِي بَلَدِ آخَرِ قُدِّمَ عَلَى الْجَارِ الْأَجْنَبِيّ، وَأَلْقُوا الزَّوْج
وَالزَّوْجَة بِالْمَحَارِمِ، وَالله أَعْلَم. [النووي (٣٣١/٨)].
٤٩١٢ - [وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ)) قِيلَ:
مِّنْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أو كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ
الْجَنَّةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
٤٩١٣ - [وَعَنْ أَسْمَاءَ بنتٍ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَتْ: قَدِمَتْ عَّ أَّي
وَهِيَ مُشْرِكَةً فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَتِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ
أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ صِلِيهَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ)(٢).
(وَعَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْرِ) فِي رِوَايَةِ إِبْنِ عُيَيْنَة الْمَذْكُورَةِ: ((أَخْبَرَتْنِي أَسْمَاءُ»
كَذَا قَالَ أَكْثَر أَصْحَابِ هِشَامٍ.
وَقَالَ بَعْض أَصْحَابٍ إِبْنِ عُيَيْنَة عَنْهُ: ((عَنْ هِشَام عَنْ فَاطِمَة بِنْتِ الْمُنْذِر عَنْ
أَسْمَاءِ)) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وهو خَطَأ.
قُلْت: حَكَى أبو نُعَيْمٍ أَنَّ عُمَر بْن عَلِيّ الْمُقَدِّبِي وَيَعْقُوبِ الْقَارِي رَوَيَاهُ عَنْ هِشَام
كَذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا مَخْفُوظَيْنِ، وَرَوَاهُ أبو مُعَاوِيَة وَعَبْد الْحَمِيد بْنِ جَعْفَر عَنْ
هِشَام فَقَالَا: ((عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَة)) وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِبْنُ حِبَّنَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيّ عَنْ
هِشَامٍ، وَالْأول أَشْهَر. قَالَ الْبُرْقَانِيُّ: وهو أَثْبَتُ. انتهى.
وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّهِ وَخَالَتِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ إِبْنِ سَعْد وَأبو داود
الطَّيَالِيّ وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيثِ عَبْد الله بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: ((قَدِمَتْ قُتَيْلَةِ - بِالْقَافِ
(١) أخرجه مسلم (٦٦٧٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣١٨٣)، ومسلم (٢٣٧١).

٦٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَالْمُثَنَّة مُصَغَّرَةً - بِنْتِ عَبْد الْعُزَّى بْنِ سَعْد مِنْ بَنِي مَالِك بْنِ حِسْل - بِكَسْرِ الْحَاءِ
وَسُكُون السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - عَلَى إِبْنَتِهَا أَسْمَاءِ بِنْت أَبِي بَكْرِ فِي الْهُدْنَةِ، وَكَانَ أبو بكر
طَلَّقَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِهَدَايَا: زَبِيبٍ وَسَمْنٍ وَقَرَظِ؛ فَأَبَتْ أَسْمَاءِ أَنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَهَا أو
تُدْخِلَهَا بَيْتَهَا وَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَة: سَلِي رَسُولَ الله ◌َ، فَقَالَ: لِتُدْخِلْهَا ... )).
وَعُرِفَ مِنْهُ تَسْمِيَّةُ أُمِّ أَسْمَاءِ، وَأَنَّهَا أُمُّهَا حَقِيقَةٍ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ: ((إِنَّهَا أُمُّهَا مِن
الرَّضَاعَةِ)) فَقَدْ وَهَمّ، وَوَقَعَ عِنْدِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ أَنَّ اِسْمَهَا: ((قَيْلَة)) وَرَأَيْتِه فِي نُسْخَةٍ
مُجَّدَةٍ مِنْهُ بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّة، وَضَبَطَهُ إِبْنُ مَاكُولًا بِسُكُون الْمُثَنَّةِ، فَعَلَى هَذَا فَمَنْ قَالَ:
(قُتَيْلَة)) صَغَّرَهَا.
قَالَ الزُّبَيْرِ: أُمُّ أَسْمَاءِ وَعَبْد الله اِبْنَيْ أَبِي بَكْر: قَيْلَة بِنْت عَبْد الْعُزَّى، وَسَاقَ
نَسَبَهَا إِلَى حِسْلِ بْن عَامِرِ بْنِ لُؤَّيّ.
وَأَمَّا قَوْلُ الدَّارُدِيِّ: إِنَّ اِسْمَهَا: أُمُّ بَكْرِ، فَقَدْ قَالَ إِبْنِ التِّينِ: لَعَلَّهُ كُنْيَتِهَا.
(قَدِمَتْ عَّ أُنِّي) زَادَ اللَّيْثِ عَنْ هِشَامٍ: (مَعَ إِبْنِهَا)) وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَاتِم بُن
إِسْمَاعِيل عَنْ هِشَامٍ، وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ أَنَّ اِسْمَ اِبْنِهَا الْمَذْكُورِ: الْحَارِثُ بْن مُدْرِكَ بْن
عُبَيْدِ بْن عَمْرو بْن ◌َخْزُومٍ، وَلَمْ أَرَلَهُ ذِكْرًا فِي الصَّحَابَةِ فَكَأَنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا، وَذَكَرَ بَعْضُ
شُيُوخِنَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: (مَعَ أَبِيهَا)) بِمُوَخَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة، وهو تَصْحِيف.
(وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ◌ِهِ) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ: ((فِي عَهْدِ قُرَيْش إِذْ
عَاهَدُوا رَسُولَ اللهِ وَلِّ) وَأَرَادَ بِذَلِكَ مَا بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةَ وَالْفَتْح.
(فَاسْتَقْتَيْتِ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ:
((فَقَالَتْ يَا رَسُول الله إِنَّ أُتِي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَة)).
وَلمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الله بْن إِدْرِيس عَنْ هِشَامٍ: ((رَاغِبَة أو رَاهِبَة)) بِالشَّكِّ.
وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الله بْن إِدْرِيس الْمَذْكُورِ: (رَاغِبَة وَرَاهِبَة)).
وَفِي حَدِيثٍ عَائِشَة عِنْدَ إِبْنِ حِبَّانِ: ((جَاءَتْنِي رَاغِبَة وَرَاهِبَةٍ)) وهو يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ
الطَّبَرَانِيّ، وَالْمَعْنَى: إنَّهَا قَدِمَتْ طَالِبَةً فِي بِّ إِبْنَتِهَا لَهَا خَائِفَة مِنْ رَدِّهَا إِيَّاهَا خَائِبَة؛

٦٠٩
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
هَكَذَا فَسَّرَهُ الْجُمْهور.
وَنَقَلَ الْمُسْتَغْفَرِيّ أَنَّ بَعْضَهُمْ أُولِه فَقَالَ: وَهِيَ رَاغِبَةُ فِي الإِسْلَامِ، فَذَكَرَهَا لِذَلِكَ
فِي الصَّحَابَةِ، وَرَدَّهُ أبو موسى بِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِن الرِّوَايَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهَا.
وَقَوْلُهَا: ((رَاغِبَة)) أي: فِي شَيْءٍ تَأْخُذُهُ وَهِيَ عَلَى شِرْكِهَا، وَلِهَذَا اِسْتَأْذَنَتْ أَسْمَاءِ فِي أَنْ
تَصِلَهَا، وَلو كَانَتْ رَاغِبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ تَخْتَجْ إِلَى إِذْنٍ. انتهى.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: رَاغِبَة عَنْ دِينِي، أو رَاغِبَةٍ فِي الْقُرْبِ مِنِّي وَمُجَاوَرَتِي وَالتَّوَّدُّد إِلَّ؛
لِأَنَّهَا إِبْتَدَأَتْ أَسْمَاءِ بِالْهَدِيَّةِ الَّتِي أَحْضَرَتْهَا وَرَغِبَتْ مِنْهَا فِي الْمُكَافَأَةِ، وَلُو حَمَلَ قَوْلَهُ:
((رَاغِبَة)) أي: فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَسْتَلْزِمْ إِسْلَامُهَا.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُس عَنْ هِشَامِ عِنْد أَبِي دَاوُد وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: (رَاغِمَةِ))
بِالْمِيم؛ أي: كَارِهَةً لِلْإِسْلَامِ وَلَمْ تُقْدِمْ مُهَاجِرَة.
وَقَالَ إِبْنِ بَظَّال: قِيلَ: مَعْنَاهُ هَارِبَةٍ مِنْ قَوْمِهَا، وَرَدَّهُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ
مُرَاغَمَة.
قَالَ: وَكَانَ أبو عَمْرو بْنِ الْعَلَاءِ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ: ((مُرَاغَمًا)) بِالْخُرُوجِ عَنِ الْعدو عَلَى
رَغْمِ أَنْفِهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَذَلِكَ قَالَ: ((وَرَاغِبَةِ)) بِالْمُوَحَّدَةِ أَظْهَرُ فِي مَعْنَى
الْحَدِيثِ.
(صِلي أُمَّك) زَادَ فِي (الْأَدَبِ)) عَقِبَ حَدِيثِهِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ عَنِ إِبْنِ عُيَيْنَةِ: قَالَ
إِبْنِ عُيَيْنَةِ: فَأَنْزَلَ الله فِيهَا: ﴿لَا يَنْهَاكُم الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلوَكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وَكَذَا
وَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَعَلَّ إِبْنِ عُيَيْنَة تَلَقَّاهُ مِنْهُ، وَرَوَى اِبْن أَبِي
حَاتِم عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَاسِ مِن الْمُشْرِكِينَ كَانُوا أَلْيَنَ شَيْءٍ جَانِبًا لِلْمُسْلِمِينَ
وَأَحْسَنَهُ أَخْلَاقًا.
قُلْت: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ السَّبَبَ خَاصّ وَاللَّفْظَ عَامٌّ، فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي
مَعْنَى وَالِدَة أَسْمَاءِ.
وَقِيلَ: نَسَخَ ذَلِكَ آيَةُ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدُوا، وَالله أَعْلَمُ.

٦١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَقَالَ الْخَطَّابِيّ: فِيهِ أَنَّ الرَّحِمَ الْكَافِرَةَ تُوصَلُ مِن الْمَالِ وَنحوه كَمَا تُوصَلُ المُسْلِمَةِ،
وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ وُجُوبِ نَفَقَة الأَبِ الكَافِرِ وَالأُمّ الكَافِرَة وَإِنْ كَانَ الولَدِ مُسْلِمًا. انتهى.
وَفِيهِ: مُؤَادَعَةٍ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمُعَامَلَتُهُمْ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ، وَالسَّفَرُ فِي زِيَارَةِ القَرِيبِ
وَتَحَرِّي أَسْمَاءِ فِي أَمْرِ دِينِهَا، وَكَيْفَ لَا وَهِيَ بِنْتُ الصِّدِّيقِ وَزَوْجِ الزُّبَيْر﴾.
٤٩١٤ - {وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُول: «إِنَّ آلَ أَبِي
قُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأولياء، إِنَّمَا وَلِّيَّ اللّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنْ لَهُمْ رَحِمَّ أَبَلُّهَا
بِبَلَالِهَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَلَكِنْ لَهَا رَحِمٍ أَبُلَّهَا بِبَلَالِهَا، يَعْنِي أَصِلَهَا بِصِلَتِهَا) كَذَا لَهُمْ، لَكِنْ سَقَطَ
التَّفْسِير مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرّ بَعْده: ((أَبُلّهَا بِبَلَائِهَا)) وَبَعْده فِي الْأَصْل:
كَذَا وَقَعَ، وَبِبَلَالِهَا أَجْوَدٍ وَأَصَحّ، وَبِبَلَاهَا لَا أَعْرِفِ لَهُ وَجْهًا. إِنْتَهَى.
وَأَظُنَهُ مِنْ قَوْله: ((كَذَا وَقَعَ .. إِلَخْ)) مِنْ كَلَّامٍ أَبِي ذَرّ، وَقَدْ وَجَّةَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ
إِبْنِ التِّين هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى تَقْدِير ثُبُوتِهَا بِأَنَّ الْمُرَادِ مَا أُوصَلَهُ إِلَيْهَا مِن الْأَذَى عَلَى
تَرْكهم الْإِسْلَامِ، وَتَعَقَّبَهُ إِبْنِ التّينِ بِأَنَّهُ لَا يُقَالِ فِي الْأَذَى: أَبُلَهُ، وَوَجَّهَهَا بَعْضهمْ بِأَنَّ
الْبَلَاءِ بِالْمَدِّ يَجِيءٍ بِمَعْنَى الْمَعْرُوفِ وَالْإِنْعَامِ، وَلَّمَّا كَانَ الرَّحِم مِمَّا يَسْتَحِقّ الْمَعْرُوف
أُضِيفَ إِلَيْهَا ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَصِلهَا بِالْمَعْرُوفِ اللَّائِقِ بِهَا، وَالتَّحْقِيقِ أَنَّ الرِّوَايَةِ إِنَّمَا
هِيَ ((بِبَلَالِهَا)) مُشْتَقَ مِنْ أَبُلَّهَا.
قَالَ الثَّوَوِيّ: ضَبَظْنَا قَوْله: ((بِبَلَالِهَا)) بِفَتْحِ الْمُوَخَّدَة وَبِكَسْرِهَا، وَهُمَا وَجْهَانِ
مشهورانٍ.
وَقَالَ عِيَاضٍ: رَوَيْنَاهُ بِالْكَسْرِ، وَرَأَيْتِه لِلْخَطَّابِيِّ بِالْفَتْحِ.
وَقَالَ إِبْنِ التِّين: هو بِالْفَتْحِ لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالْكَسْرِ.
قُلْت: بِالْكَسْرِ أَوْجَه، فَإِنَّهُ مِن الْبَلَال جَمْعِ بَلَل مِثْل جَمَل وَجَمَال، وَمَنْ قَالَهُ بِالْفَتْحِ
(١) أخرجه البخاري (٥٦٤٤)، ومسلم (٢١٥)، وأحمد (١٧٨٣٧)، وأبو عوانة (٢٧٦).

٦١١
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
بَنَاهُ عَلَى الْكَسْرِ مِثْل قَطَام وَحَذَامٍ.
وَالْبَلَالِ بِمَعْنَى الْبَلَل وهو النَّدَاوَةِ، وَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَى الصِّلَةِ كَمَا أُظْلِقَ الْيُبْسِ عَلَى
الْقَطِيعَةِ؛ لِأَنَّ النَّدَاوَةِ مِنْ شَأْنِهَا تَجْمِيعِ مَا يَحْصُل فِيهَا وَتَأْلِيفِهِ، بِخِلَافِ الْيُبْسِ فَمِنْ
شَأْنِه التَّفْرِيقِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرِهِ: بَلَلْتِ الرَّحِمِ بَلَّّ وَبَلَلًا وَبِلَالًا؛ أي: نَدِيَّتِهَا بِالصِّلَةِ.
وَقَدْ أَظْلَقُوا عَلَى الْإِعْطَاءِ: النَّدَى، وَقَالوا فِي الْبَخِيلِ: مَا تَنَدَّى كَفّه ◌ِخَيْرٍ، فَشُبِّهَتْ
قَطِيعَة الرَّحِم بِالْخَرَارَةِ، وَوَصْلهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يُطْفِئ بِبَرْدِهِ الْحَرَارَةِ، وَمِنْهُ الْحَدِيث: ((بُلوا
أَرْحَامِكُمْ وَلو بِالسَّلَامِ».
وَقَالَ الطَّيِيُّ وَغَيْره: شَبَّهَ الرَّحِم بِالْأَرْضِ الَّتِي إِذَا وَقَعَ عَلَيْهَا الْمَاءِ، وَسَقَاهَا حَتَّى
سُقِيَهَا أَزْهَرَتْ وَرُئِيَتْ فِيهَا النَّضَارَةِ فَأَثْمَرَتِ الْمَحَبَّةِ وَالصَّفَاءِ، وَإِذَا تُرِكَتْ بِغَيْرِ سَقْي
يَبِسَتْ وَبَطَلَتْ مَنْفَعَتهَا فَلَا تُثْمِرٍ إِلَّ الْبَغْضَاءِ وَالْجُفَاءِ، وَمِنْهُ قَوْلهمْ: (سَنَة جَمَاد)) أي: لَا
مَطَرِ فِيهَا، وَ(نَاقَةٍ جَمَاد)) أي: لَا لَبَن فِيهَا.
وَجَوَّزَ الْخَطَّابِيُّ أَنْ يَكُونِ مَعْنَى قَوْله: ((أَبُلَّهَا بِبَلَالِهَا)) فِي الْآخِرَةِ؛ أي: أَشْفَع لَهَا
يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَتَعَقَّبَهُ الدَّاوُدِيُّ بِأَنَّ سِيَاقِ الْحَدِيثِ يُؤْذِن بِأَنَّ الْمُرَاد مَا يَصِلُهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا،
وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْنِ طَلْحَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: ((لَمَّا نَزَلَتْ
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ﴾ دَعَا رَسُول الله ◌َّ﴿ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ، إِلَى أَنْ
قَالَ: يَا فَاطِمَة أَنْقِذِي نَفْسِك مِن النَّارِ، فَإِّ لَا أَمْلِك لَكُمْ مِن الله شَيْئًا غَيْرِ أَنَّ لَكُمْ
رَحِمَا سَأَبُّلُّهَا بِبَلَالِهَا)) وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيّ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَة.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِي قَوْله: ((بِبَلَالِهَا)) مُبَالَغَة بَدِيعَة، وَهِيَ مِثْل قَوْله: ﴿إِذَا زُلْزِلَت
الْأَرْضِ زِلْزَالَهَا﴾ أي: زِلْزَالُهَا الشَّدِيد الَّذِي لَا شَيْءٍ فَوْقِهِ، فَالْمَعْنَى: أَبُّهَا بِمَا أُشْتُهِرَ
وَشَاعَ بِحَيْثُ لَا أَتْرُكِ مِنْهُ شَيْئًا. [الفتح (١١٨/١٧)].
٤٩١٥ - [وَعَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((إِنَّ اللّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ

٦١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةً
الْمَالِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(إِنَّ اللّه حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ) الْأُمَّهَات: جَمْع أُمَّهَة وَهِيَ لِمَنْ يَعْقِل،
بِخِلَافٍ لَفْظِ الْأُمّ، فَإِنَّهُ أَعَمّ (وَمَنْعًا وَهَاتٍ) وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ غَيْرِ أَبِي ذَرّ وَفِي الإِسْتِقْرَاض:
(وَمَنْعِ)) بِغَيْرِ تَنْوِين، وَهِيَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِسُكُونِ النُّونِ مَصْدَر مَنَعَ يَمْنَع.
وَأَمَّا (هَاتٍ)) فَبِكَسْرِ الْمُثَنَّةِ فِعْلِ أَمْرِ مِن الْإِيتَاءِ، قَالَ الْخَلِيلِ: أَصْلِ هَاتِ آتٍ
فَقُلِبَتِ الْأَلِفِ هَاء، وَالْحَاصِلِ مِن النَّهْي مَنْعِ مَا أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ وَطَلَب مَا لَا يَسْتَحِقّ
أَخْذه، وَيُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونِ النَّهْي عَنِ السُّؤَالِ مُظْلَقًّا، وَيَكُون ذِكْرِهِ هُنَا مَعَ ضِدّه ثُمَّ
أُعِيدَ تَأْكِيدًا لِلنَّغْيِ عَنْهُ، ثُمَّ هو مُخْتَمَلِ أَنْ يَدْخُلِ فِي النَّهْي مَا يَكُون خِطَابًا لِاثْنَيْنِ
كَمَا يُنْهَى الطَّالِب عَنْ طَلَب مَا لَا يَسْتَحِقّهُ، وَيُنْهَى الْمَطْلوب مِنْهُ عَنْ إِعْطَاء مَا لَا
يَسْتَحِقْهُ الطَّالِبِ لِقَلَّا يُعِينُهُ عَلَى الْإِثْم.
(وَوَأَدِ الْبَنَاتِ) بِسُكُونِ الْهَمْزَة: هو دَفْنِ الْبَنَات بِالْحَيَاةِ، وَكَانَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّة
يَفْعَلونَ ذَلِكَ كَرَاهَةٍ فِيهِنَّ، وَيُقَال: إِنَّ أول مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَيْس بْن عَاصِمِ التَّمِيمِيّ، وَكَانَ
بَعْض أَعْدَائِهِ أَغَارَ عَلَيْهِ فَأَسَرَ بِنْته فَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ حَصَلَ بَيْنِهِمْ صُلْحَ فَخَيَّرَ إِبْنَته
فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا، فَآَلَى قَيْسِ عَلَى نَفْسه أَلَا تُولَد لَهُ بِنْت ◌ِلَّا دَفَنَهَا حَيَّة، فَتَبِعَهُ الْعَرَبِ فِي
ذَلِكَ، وَكَانَ مِن الْعَرَبِ فَرِيقِ ثَانٍ يَقْتُلونَ أولادهمْ مُطْلَقًا، إِمَّا نَفَاسَة مِنْهُ عَلَى مَا يَنْقُصُهُ
مِنْ مَالْه، وَإِمَّا مِنْ عَدَمِ مَا يُنْفِقَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الله أَمْرِهِمْ فِي الْقُرْآنِ فِي عِدَّة آيَات.
وَكَانَ صَعْصَعَة بْنِ نَاجِيَة التَّمِيمِيّ أَيْضًا، وهو جَدّ الْفَرَزْدَقِ هَمَّام بْنِ غَالِب بْن
صَعْصَعَة أول مَنْ فَدَى الْمَوْؤُودَة، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَعْمِد إِلَى مَنْ يُرِيد أَنْ يَفْعَلِ ذَلِكَ
فَيَقْدِي الولَد مِنْهُ بِمَالٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْفَرَزْدَقِ بِقَوْلِهِ:
وَجَدِّي الَّذِي مَنَعَ الوائِدَاتِ
وَأَحْيَا الوثِيدِ فَلَمْ يُوَدِ
(١) أخرجه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٤٥٨٠).

٦١٣
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
وَهَذَا مَحْمُولِ عَلَى الْفَرِيقِ الثَّانِي، وَقَدْ بَقِيَ كُلّ مِنْ قَيْس وَصَعْصَعَة إِلَى أَنْ أَدْرَكَا
الْإِسْلَامِ وَلَهُمَا صُحْبَةٍ.
وَإِنَّمَا خَصَّ الْبَنَاتِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ الْغَالِبِ مِنْ فِعْلهمْ؛ لِأَنَّ الذُّكُورِ مَظِنَّة
الْقُدْرَة عَلَى الإِكْتِسَابِ، وَكَانُوا فِي صِفَة الوأد عَلَى طَرِيقَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنْ يَأْمُر إِمْرَأَتَه إِذَا
قَرُّبَ وَضْعَهَا أَنْ تُظْلِقِ بِجَانِبٍ حَفِيرَة، فَإِذَا وَضَعَتْ ذَكَرًا أَبْقَتْهُ، وَإِذَا وَضَعَتْ أُنْثَى
طَرَحَتْهَا فِي الْحَفِيرَةِ، وَهَذَا أَلْيَقِ بِالْفَرِيقِ الْأول.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ إِذَا صَارَتِ الْبِنْتِ سُدَاسِيَّةٍ قَالَ لِأُمِّهَا: طَيِّبِهَا وَزَيِّنِيهَا، لِأَزُورَ بِهَا
أَقَارِبِهَا، ثُمَّ يَبْعُد بِهَا فِي الصَّحْرَاءِ حَتَّى يَأْتِي الْبِثْرِ، فَيَقُولِ لَهَا: أُنْظُرِي فِيهَا، وَيَدْفَعَهَا مِنْ
خَلْفِهَا وَيَطِمّهَا، وَهَذَا اللَّائِقِ بِالْفَرِيقِ الثَّانِي، وَالله أَعْلَم.
(وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ) فِي رِوَايَة الشَّعْبِيّ: ((وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ)) كَذَا
لِلْأَكْثَرِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ بِغَيْرِ تَنْوِين، وَوَفَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ هُنَا: ((قِيلاً وَقَالاً))
وَالْأُولِ أَشْهَر، وَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ جَائِرٍ وَلَمْ تَقَع بِهِ الرِّوَايَةِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيّ: قِيلَ وَقَالَ إِسْمَانٍ، يُقَال: كَثِيرِ الْقِيلِ وَالْقَال، كَذَا جَزَمَ بِأَنَّهُمَا
إِسْمَانٍ، وَأَشَارَ إِلَى الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ بِدُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَيْهِمَا.
وَقَالَ اِبْنِ دَقِيقِ الْعِيد: لو كَانَا اِسْمَيْنٍ بِمَعْنَى وَاحِدٍ كَالْقَوْلِ لَمْ يَكُنْ لِعَظْفٍ
أَحَدهمَا عَلَى الْآخَرِ فَائِدَة، فَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيح الأول.
وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ فِي ((قِيلَ وَقَالَ)) ثَلَاثَةِ أُوْجُه:
أَحَدهَا: إنَّهُمَا مَصْدَرَانِ لِلْقَوْلِ، تَقُول: قُلْت قَوْلاً وَقِيلاً وَقَالاً، وَالْمُرَاد فِي
الْأَحَادِيثِ الْإِشَارَةِ إِلَى كَرَاهَةٍ كَثْرَة الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهَا تُؤَوِّل إِلَى الْخَطَأ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ
لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْر عَنْهُ.
ثَانِيهَا: إِرَادَة حِكَايَة أَقَاوِيلِ النَّاس وَالْبَحْثِ عَنْهَا لِيُخْبِرِ عَنْهَا، فَيَقُول: قَالَ فُلَان
كَذَا وَقِيلَ كَذَا، وَالنَّهْي عَنْهُ إِمَّا لِلرَّجْرِ عَنِ الإِسْتِكْثَارِ مِنْهُ، وَإِمَّا لِشَيْءٍ مَخْصُوص مِنْهُ
وهو مَا يَكْرَهُهُ الْمَحْكِيّ عَنْهُ.

٦١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
ثَالِثِهَا: إِنَّ ذَلِكَ فِي حِكَايَةِ الإِخْتِلَاف فِي أُمُورِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ: قَالَ فُلَانِ كَذَا وَقَالَ
فُلَانِ كَذَا، وَمَحَلّ كَرَاهَةٍ ذَلِكَ أَنْ يُكْثِرِ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يُؤْمَن مَعَ الْإِكْثَارِ مِن الزَّلَل،
وهو تَخْصُوص بِمَنْ يَنْقُل ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَثَّبُّت، وَلَكِنْ يُقَلِّد مَنْ سَمِعَهُ وَلَا يَحْتَاطِ لَهُ.
قُلْت: وَيُؤَيِّد ذَلِكَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمَّا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ))
أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
وَفِي (شَرْحِ الْمِشْكَاةِ)) قَوْله: قِيلَ وَقَالَ مِنْ قَوْلهُمْ: قِيلَ كَذَا وَقَالَ كَذَا، وَبِنَاؤُهُمَا
عَلَى كَوْنهمَا فِعْلَيْنِ مَحْكِيَّيْنِ مُتَضَمِّنَيْنِ لِلصَّمِيرِ، وَالْإِعْرَابِ عَلَى إِجْرَائِهِمَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ
خِلويْنِ مِن الضَّمِيرِ، وَمِنْهُ قَوْله: ((إِنَّمَا الدُّنْيَا قِيلَ وَقَالَ)) وَإِدْخَالِ حَرْفِ التَّعْرِيف عَلَيْهِمَا
فِي قَوْله: مَا يُعْرَفِ الْقَالِ الْقِيل ◌ِذَلِكَ.
(وَكَثْرَة السُّؤَالِ) هَلْ هو سُؤَال الْمَال، أو السُّؤَالِ عَنِ الْمُشْكِلَاتِ وَالْمُعْضِلَات، أو
أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ؟ وَأَنَّ الْأولِى حَمْله عَلَى الْعُمُومِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْض الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ
كَثْرَة السُّؤَال عَنْ أَخْبَارِ النَّاسِ وَأَحْدَاثِ الزَّمَان، أو كَثْرَة سُؤَال إِنْسَان بِعَيْنِهِ عَنْ
تَفَاصِيل حَاله، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهِ الْمَسْؤول غَالِیًا.
وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنِ الْأُغْلوطَاتِ أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث مُعَاوِيَة، وَثَبَتَ عَنْ
جَمْع مِن السَّلَف كَرَاهَةٍ تَكَلُّف الْمَسَائِلِ الَّتِي يَسْتَحِيلِ وُقُوعهَا عَادَة أو يَنْدُر جِدًّا،
وَإِنَّمَا كَرِهِوا ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِن التَّنَطِّعِ وَالْقَوْلِ بِالظَّنِّ؛ إِذْ لَا يَخْلو صَاحِبه مِن الْخَطَأ.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي ((شَرْحِ مُسْلِم): اِنَّفَقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى النَّهْي عَنِ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ
ضَرُورَة.
قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابِنَا فِي سُؤَالِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْب عَلَى وَجْهَيْنِ: أَصَحّهِمَا:
التَّحْرِيم لِظَاهِرٍ الأحَادِيث.
وَالثَّانِي: يَجُوزِ مَعَ الْكَرَاهَة بِشُرُوطٍ ثَلاثَةٍ: أَلَا يُلِحّ، وَلَا يُذِلّ نَفْسِه زِيَادَة عَلَى ذُلّ
نَفْس السُّؤَالِ، وَلَا يُؤْذِي الْمَسْؤولِ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْط مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ: يُتَعَجَّب مِمَّنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ السُّؤَّالِ مُظْلَقًّا مَعَ وُجُودِ السُّؤَال فِي

٦١٥
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
عَصْرِ النَّبِيّ ◌َّهِ ثُمَّ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ، فَالشَّارِعِ لَا يُقِرّ عَلَى مَكْرُوه.
قُلْت: لَعَلَّ مَنْ كَرِهَ مُظْلَقًا أَرَادَ أَنَّهُ خِلَاف الْأولى، وَلَا يَلْزَم مِنْ وُقُوعِهِ أَنْ تَتَغَيَّر
صِفَتِه وَلَا مِنْ تَقْرِيرِهِ أَيْضًا، وَيَنْبَغِي حَمْلِ حَالِ أَوْلَئِكَ عَلَى السَّدَادِ، وَأَنَّ السَّائِلِ مِنْهُمْ
غَالِبًا مَا كَانَ يَسْأَّل إِلَّ عِنْدِ الْحَاجَة الشَّدِيدَة.
وَفِي قَوْله: (مِنْ غَيْرِ نَكِير) نَظَرِ فَفِي الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الوارِدَة فِي ذَمّ السُّؤَّال
كِفَايَةٍ فِي إِنْكَار ذَلِكَ.
تَنْبِيهِ: جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا سَأَلَ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا إِذَا سَأَلَ لِغَيْرِهِ فَالَّذِي يَظْهَرِ أَيْضًا أَنَّهُ
يَخْتَلِفِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال.
قَوْله: (وَإِضَاعَةِ الْمَالِ) إِنَّ الْأَكْثَرِ حَمَلوه عَلَى الْإِسْرَافِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضهمْ
بِالْإِنْفَاقِ فِي الْحْرَامِ، وَالْأَقْوَى أَنَّهُ مَا أُنْفِقَ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا سَوَاء كَانَتْ
دِينِيَّة أو دُنْيَوِيَّة فَمَنَعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللّه تَعَالَى جَعَلَ الْمَالِ قِيَامًا لِمَصَالِحِ الْعِبَاد، وَفِي
تَبْذِيرِهَا تَقْوِيت تِلْكَ الْمَصَالِحِ، إِمَّا فِي حَقّ مُضَيِّعهَا وَإِمَّا فِي حَقّ غَيْرِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ
ذَلِكَ كَثْرَةٍ إِنْفَاقِهِ فِي وُجُوه الْبِرّ لِتَحْصِيلِ ثَوَابِ الْآخِرَة مَا لَمْ يُفَوِّت حَقًّا أُخْرَوِيًّا أَهَمّ مِنْهُ.
وَالْحَاصِلِ فِي كَثْرَة الْإِنْفَاقِ ثَلَاثَة أُوجُه:
الأول: إِنْفَاقه فِي الوُجُوهِ الْمَذْمُومَة شَرْعًا فَلَا شَكّ فِي مَنْعه.
وَالثَّانِي: إِنْفَاقه فِي الوُجُوهِ الْمَحْمُودَة شَرْعًا، فَلَا شَكّ فِي كَوْنِه مَطْلوبًا بِالشَّرْطِ
الْمَذْكُور.
وَالثَّالِثِ: إِنْفَاقِهِ فِي الْمُبَاحَاتِ بِالْأَصَالَةِ كَمَلَاذِّ النَّفْسِ، فَهَذَا يَنْقَسِم إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدهمَا: أَنْ يَكُون عَلَى وَجْهُ يَلِيقِ بِحَالِ الْمُنْفِقِ وَبِقَدْرٍ مَالِهِ، فَهَذَا لَيْسَ
پإِسْرَافٍ.
وَالثَّانِي: مَا لَا يَلِيقِ بِهِ عُرْفًا، وهو يَنْقَسِم أَيْضًا إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدهمَا: مَا يَكُون لِدَفْعِ مَفْسَدَة إِمَّا نَاجِزَة أو مُتَوَقَّعَة، فَهَذَا لَيْسَ بِإِسْرَافٍ.
وَالثَّانِي: مَا لَا يَكُون فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

٦١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
فَالْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّهُ إِسْرَاف، وَذَهَبَ بَعْض الشَّافِعِيَّة إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِسْرَافٍ قَالَ:
لِأَنَّهُ تَقُومٍ بِهِ مَصْلَحَة الْبَدَن وهو غَرَض صَحِيحِ، وَإِذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَة فهو مُبَاحِ لَهُ.
قَالَ اِبْنِ دَقِيقِ الْعِيد: وَظَاهِرِ الْقُرْآنِ يَمْنَع مَا قَالَ. انتهى.
وَقَدْ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ الْقَاضِي حُسَيْن فَقَالَ فِي كِتَابِ قَسْمِ الصَّدَقَات)): هو حَرَامِ،
وَتَّبِعَهُ الْغَزَالِيّ، وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَغَارِمِ، وَصَحَّحَ فِي بَاب الْحَجْرِ مِن
الشَّرْحِ وَفِي ((الْمُحَرَّر): إِنَّهُ لَيْسَ بِتَبْذِيرٍ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ، وَالَّذِي يَتَرَجَّحِ أَنَّهُ لَيْسَ مَذْمُومًا
لِذَاتِهِ، لَكِنَّهُ يُفْضِي غَالِبًا إِلَى إِرْتِكَابِ الْمَحْذُورِ كَسُؤَّالِ النَّاسِ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْمَحْذُور
فهو محذور.
وَمِمَّا لَا خِلَافِ فِي كَرَاهَتِه مُجَاوَزَة الْحَدّ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْبِنَاءِ زِبَادَة عَلَى قَدْر
الْحَاجَة، وَلَا سِيَّمَا إِنْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ الْمُبَالَغَة فِي الزَّخْرَفَةِ، وَمِنْهُ إِحْتِمَالِ الْغَبْنِ
الْفَاحِشِ فِي الْبِيَاعَاتِ بِغَيْرِ سَبَب.
وَأَمَّا إِضَاعَةِ الْمَالِ فِي الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَخْتَصّ بِارْتِكَابِ الْفَوَاحِش، بَلْ يَدْخُل فِيهَا
سُوء الْقِيَامِ عَلَى الرَّقِيقِ وَالْبَهَائِمِ حَتَّى يَهْلِكُوا، وَدَفْع مَال مَنْ لَمْ يُؤْنَس مِنْهُ الرُّشْدِ إِلَيْهِ،
وَقَسْمِهِ مَا لَا يُنْتَفَعِ بِجُزْئِهِ كَالْجُوْهَرَةِ النَّفِيسَةِ.
وَقَالَ السُّبْكِيّ الْكَبِيرِ فِي ((الْحَلَبِيَّات)): الضَّابِط فِي إِضَاعَة الْمَال أَنْ لَا يَكُون
لِغَرَضِ دِينِيّ وَلَا دُنْيَوِيّ، فَإِن إِنْتَفَيَا حَرُمَ قَطْعًا، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدهمَا وُجُودًا لَهُ بَالِ، وَكَانَ
الْإِنْفَاقِ لَائِقًا بِالْحَالِ وَلَا مَعْصِيَة فِيهِ جَازَ قَطْعًا، وَبَيْن الرُّتْبَتَيْنِ وَسَائِط كَثِيرَة لَا تَدْخُل
تَخْت ضَابِط.
فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَرَى فِيمَا تَيَسَّرَ مِنْهَا رَأْيِهِ، وَأَمَّا مَا لَا يَتَيَسَّرِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ؟
فَالْإِنْفَاقِ فِي الْمَعْصِيَة حَرَامٍ كُلّه، وَلَا نَظَرَ إِلَى مَا يَحْصُل فِي مَطْلوبه مِنْ قَضَاء شَهوة وَلَّذَّة
حَسَنَة.
وَأَمَّا إِنْفَاقه فِي الْمَلَاذّ الْمُبَاحَة فهو مَوْضِعِ الإِخْتِلَافِ، فَظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى:
(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] أَنَّ

٦١٧
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
الزَّائِدِ الَّذِي لَا يَلِيقِ بِحَالِ الْمُنْفِقِ إِسْرَاف.
ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ بَذَلَ مَالاً كَثِيرًا فِي غَرَضِ يَسِيرِ تَافِهِ عَدَّهُ الْعُقَلَاءِ مُضَيِّعًا، بِخِلَافِ
عَكْسِه، وَالله أَعْلَم.
قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي مَعْرِفَة حُسْنِ الْخُلُق، وهو تَتَبُّع جَمِيع الْأُخْلَاق
الْحَمِيدَة وَالْخِلَالِ الْجَمِيلَة. [الفتح (٩٨/١٧)].
٤٩١٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَمَ: (مِن الْكَبَائِرِ شَتْمُ
الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ)) قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: (نَعَمْ، يَسُبُّ أَبًا
الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسْتُ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](١).
(مِن الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ) الْمَذْكُورِ هُنَا فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعُقُوقِ.
قَوْله: (قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟) هو إِسْتِبْعَاد مِنِ السَّائِلِ؛
لِأَنَّ الطَّبْعِ الْمُسْتَقِيمِ يَأْبَى ذَلِكَ، فَبَيَّنَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَاطَ السَّبّ بِنَفْسِهِ فِي
الْأَغْلَبِ الْأَكْثَرِ لَكِنْ قَدْ يَقَع مِنْهُ التَّسَبُّب فِيهِ وهو مِمَّا يُمْكِن وُقُوعه كَثِيرًا.
(قَالَ: نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسْبُ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ) قَالَ اِبْنِ بَظَّال:
هَذَا الْحَدِيث أَصْلِ فِي سَدّ الذَّرَائِعِ، وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مَنْ آلَ فِعْله إِلَى مُحَرَّم يَحْرُم عَلَيْهِ ذَلِكَ
الْفِعْلِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِد إِلَى مَا يَحْرُمٌ، وَالْأَصْلِ فِي هَذَا الْحَدِيث قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا
الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون الله ... ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمَاوَرْدِيّ مَنْعِ بَيْعِ الثَّوْبِ الْحَرِيرِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقِ أَنَّهُ يَلْبَسهُ،
وَالْغُلَامِ الْأَمْرَدِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقِ أَنَّهُ يَفْعَل بِهِ الْفَاحِشَةِ، وَالْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقِ أَنَّهُ يَتَّخِذهُ
خَمْرًا.
وَقَالَ الشَّيْخِ أبو مُحَمَّد بْن أَبِي ◌َمْرَةِ: فِيهِ: دَلِيل عَلَى عِظَم حَقِّ الْأبويْنِ.
وَفِيهِ: الْعَمَلِ بِالْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَسُبَ أَبَا الرَّجُلِ يَجُوز أَنْ يَسُبّ الْآخَرِ أَبَاهُ،
وَيَجُوزِ أَلَا يَفْعَل لَكِنَّ الْغَالِبِ أَنْ يُجِيبهُ بِنحو قَوْله.
(١) أخرجه البخاري (٥٦٢٨)، ومسلم (٩٠)، والترمذي (١٩٠٢) وقال: حسن صحيح.

٦١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَفِيهِ: مُرَاجَعَة الطَّالِب لِشَيْخِهِ فِيمَا يَقُولُهُ مِمَّا يُشْكِل عَلَيْهِ.
وَفِيهِ: إِنْبَاتِ الْكَبَائِرِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِیهِ قَرِيبًا.
وَفِيهِ: إِنَّ الْأَصْلِ يَفْضُلِ الْفَرْعِ بِأَصْلِ الوضْعِ وَلو فَضَلَهُ الْفَرْعِ بِبَعْضِ الصِّفَات.
[الفتح (٨٣/٢٢)] بتصرف.
٤٩١٧ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ
أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
٤٩١٨ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مََّ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَّهُ فِي رِزْقِهِ
وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطِ لَهُ فِي رِزْقِه وَيُنْسَأ) مَهْمُوز؛ أي: يُؤَخَّرِ (لَهُ فِي أَثَرِهِ) وَالْأَثَر:
الْأَجَل؛ لِأَنَّهُ تَابِعِ لِلْحَيَاةِ فِي أَثَرِهَا (فَلْيَصِلْ رَحِمِه) وبَسْطِ الرِّزْق: تَوْسِيعه وَكَثْرَته، وَقِيلَ:
البرگَة فِیهِ.
وَأَمَّ التَأْخِيرِ فِي الْأَجَلِ فَفِيهِ سُؤَال مشهور، وهو أَنَّ الْآجَالِ وَالْأَرْزَاقِ مُقَذَّرَة لَا تَزِيد
وَلَا تَنْقُص ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلَهِمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٍ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤].
وَأَجَابَ الْعُلَمَاءِ بِأَجْرِبَةٍ: الصَّحِيحِ مِنْهَا: إنَّ هَذِهِ الزَّيَادَةِ بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْره،
وَالتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَاتِ، وَعِمَارَة أوقَاته بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَصِيَانَتِهَا عَنِ الضَّيَاعِ فِي غَيْرِ
ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: إِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَرِ لِلْمَلَائِكَةِ وَفِي اللوحِ الْمَحْفُوظِ، وَنحو ذَلِكَ،
فَيَظْهَرِ لَّهُمْ فِي اللوحِ أَنَّ عُمْره ◌ِتُّونَ سَنَةٍ إِلَّ أَنْ يَصِل رَحِمِه، فَإِنْ وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ،
وَقَدْ عَلِمَ الله ﴿ مَا سَيَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وهو مِنْ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاء
وَيُثْبِتِ﴾ [الرعد: ٣٩] فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم الله تَعَالَى، وَمَا سَبَقَ بِهِ قَدَره وَلَا زِيَادَة بَلْ هِيَ
مُسْتَحِيلَة، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظَهَرَ لِلْمَخْلُوقِينَ تُتَصَوَّر الزِّيَادَة، وهو مُرَاد الْحَدِيث.
(١) أخرجه مسلم (٦٦٧٩)، وأبو داود (٥١٤٥)، وأحمد (٥٧٤٥).
(٢) أخرجه البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٦٦٨٨).

٦١٩
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
وَالثَّالِث: إِنَّ الْمُرَادِ بَقَاء ذِكْرِهِ الْجَمِيل بَعْده، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. حگاهُ الْقَاضِي، وهو
ضَعِيف أو بَاطِل، وَالله أَعْلَم. [النووي (٣٥٠/٨)].
٤٩١٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: ((خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ
مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِي الرَّحْمَنِ فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ
الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ،
قَالَ: فَذَاكِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(خَلَقَ اللّه الْخَلْقِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ) أي: قَضَاهُ وَأَتَمَّهُ (قَامَتِ الرَّحِمِ) يَحْتَمِل أَنْ
يَكُون عَلَى الْحَقِيقَة، وَالْأَعْرَاضِ يَجُوزِ أَنْ تَتَجَسَّد وَتَتَكَلَّمَ بِإِذْنِ اللهِ، وَيَجُوزِ أَنْ يَكُون
عَلَى حَذْفٍ؛ أي: قَامَ مَلَك فَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانَهَا، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى طَرِيق ضَرْب
الْمَثَلِ وَالإِسْتِعَارَةِ، وَالْمُرَادِ تَعْظِيمِ شَأَنْهَا وَفَضْل وَاصِلهَا وَإِثْم قَاطِعهَا.
(فَأَخَذَتْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ مَفْعُول أَخَذَتْ، وَفِي رِوَايَة اِبْنِ السَّكَن: ((فَأَخَذَتْ
بِحَقْو الرَّحْمَن)» وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ: ((ِحَقْوَي الرَّحْمَنِ)) بِالتَّثْنِيَةِ.
قَالَ الْقَابِيّ: أَبَى أبو زَيْدِ الْمَرْوَزِيُّ أَنْ يَقْرَأْ لَنَا هَذَا الْحَرْفِ لِإِشْكَالِهِ، وَمَشَى
بَعْض الشُّرَّحِ عَلَى الْحَذْف، فَقَالَ: أَخَذَتْ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْش.
وَقَالَ عِيَاض: الْحَقْوِ مَعْقِد الْإِزَار، وهو الْمَوْضِعِ الَّذِي يُسْتَجَارِ بِهِ وَيُحْتَزَم بِهِ عَلَى
عَادَة الْعَرَب؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحَقّ مَا يُحَامَى عَنْهُ وَيُدْفَع، كَمَا قَالوا: نَمْنَعُهُ مِمَّا نَمْنَع مِنْهُ أُزُرِنَا،
فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ تَجَازًا لِلرَّحِمِ فِي إِسْتِعَاذَتهَا بِالله مِن الْقَطِيعَة. اِنْتَهَى.
وَقَدْ يُظْلَقِ الْحَقْو عَلَى الْإِزَارِ نَفْسِه كَمَا فِي حَدِيث أُمّ عَطِيَّةِ: ((فَأَعْطَاهَا حَقْوه
فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» يَعْنِي: إِزَارِهِ، وهو الْمُرَادِ هُنَا، وهو الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةِ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ
عِنْد الْإِلْحَاحِ فِي الإِسْتِجَارَة وَالطَّلَب؛ وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا صَحِيح مَعَ إِعْتِقَاد تَنْزِيه الله
(١) أخرجه البخاري (٥٦٤١)، ومسلم (٢٥٥٤)، وأحمد (٨٣٤٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٤٩٧)،
وابن حبان (٤٤١)، والحاكم (٣٠٠٥) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٧٩٣٤).

٦٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
عَنِ الْجَارِحَةِ.
قَالَ الطَّيِيُّ: هَذَا الْقَوْلِ مَبْنِيّ عَلَى الإِسْتِعَارَة التَّمْثِلِيَّةِ كَأَنَّهُ شَبَّهَ حَالَة الرَّحِم، وَمَا
هِيَ عَلَيْهِ مِن الاِفْتِقَارِ إِلَى الصِّلَةِ وَالذَّبّ عَنْهَا بِحَالٍ مُسْتَجِيرٍ يَأْخُذْ بِحَقْو الْمُسْتَجَارِ بِهِ،
ثُمَّ أَسْنَدَ عَلَى سَبِيلِ الإِسْتِعَارَةِ التَّخْبِيلِيَّةِ مَا هو لَازِمِ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ مِن الْقِيَامِ، فَيَكُون
قَرِينَة مَانِعَة مِنْ إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ رُشِّحَت الإِسْتِعَارَة بِالْقَوْلِ وَالْأَخْذِ وَبِلَفْظِ الْحَقْو فهو
إِسْتِعَارَة أُخْرَى، وَالتَّثْنِيَةِ فِيهِ لِلتََّكِيدِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذِ بِالْيَدَيْنِ آكَد فِي الإِسْتِجَارَة مِن الْأَخْذ
بِيَدٍ وَاحِدَة (فَقَالَ لَهُ: مَوْ) هو إِسْم فِعْلِ مَعْنَاهُ الزَّجْر؛ أي: أُكْفُفْ.
وَقَالَ إِبْنِ مَالِك: هِيَ هُنَا ((مَا)) الإِسْتِفْهَامِيَّةِ حُذِفَتْ أَلِفِهَا وَوُقِفَ عَلَيْهَا بِهَاءِ
السَّكْت، وَالشَّائِعِ أَلَا يُفْعَلِ ذَلِكَ إِلَّ وَهِيَ مَجْرُورَةِ، لَكِنْ قَدْ سُمِعَ مِثْلِ ذَلِكَ فَجَاءَ عَنْ
أَبِ ذُؤَيْبِ الْهُذَلِيّ.
قَالَ: قَدِمْتِ الْمَدِينَةِ وَلِأَهْلِهَا ضَحِيحٍ بِالْبُكَاءِ كَضَحِيجِ الْحَجِيجِ، فَقُلْت: مَهْ؟
فَقَالُوا: قُبِضَ رَسُول الله وَلّ.
(هَذَا مَقَام الْعَائِدْ بِك مِن الْقَطِيعَةِ) هَذِهِ الْإِشَارَةِ إِلَى الْمَقَامِ؛ أي: قِيَامِي فِي هَذَا
مَقَامِ الْعَائِذْ بِك، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الطَّبَرِيِّ: ((هَذَا مَقَام عَائِد مِن الْقَطِيعَةِ)) وَالْعَائِدْ:
الْمُسْتَعِيد، وهو الْمُعْتَصِم بِالشَّيْءِ الْمُسْتَجِیر پِهِ.
٤٩٢٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الرَّحِمُ شِجْنَةُ مِنَ الرَّحْمَنِ فَقَالَ اللهُ: مَنْ
وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِي)(١).
(الرَّحِمِ شِجْنَة) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم بَعْدهَا نُون، وَجَاءَ بِضَمّ أوله
وَفَتْحِه رِوَايَةٍ وَلُغَة، وَأَصْلِ الشِّجْنَة: عُرُوق الشَّجَرِ الْمُشْتَبِكَةِ، وَالشَّجَنِ بِالتَّحْرِيكِ
وَاحِد: الشُّجُون، وَهِيَ طُرُق الْأَوْدِيَةِ، وَمِنْهُ قَوْلهمْ: ((الْحَدِيث ذُو شُجُون)) أي: يَدْخُل
بعضه في بَعْض.
(١) أخرجه البخاري (٥٦٤٢).

٦٢١
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
وَقَوْله: (مِن الرَّحْمَنِ) أي: أَخِذَ اِسْمِهَا مِنْ هَذَا الإِسْم كَمَا فِي حَدِيث
عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ فِي السُّنَن مَرْفُوعًا: ((أَنَا الرَّحْمَنِ، خَلَقْتِ الرَّحِم وَشَقَقْت لَهَا إِسْمًا
مِن إِسْمِي)) وَالْمَعْنَى: إنَّهَا أَثَر مِنْ آثَارِ الرَّحْمَة مُشْتَبِكَة بِهَا، فَالْقَاطِعِ لَهَا مُنْقَطِعٍ مِنْ
رَحْمَة الله.
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ: إِنَّ الرَّحِمِ أُشْتُقَّ اِسْمِهَا مِن إِسْمِ الرَّحْمَنِ، فَلَهَا بِهِ
عَلَقَةٍ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: إِنَّهَا مِنْ ذَاتِ الله، تَعَالَى الله عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرَّحِمِ الَّتِي تُوصَل عَامَّة وَخَاصَّة، فَالْعَامَّة رَحِم الدِّينِ وَتَجِب
مُوَاصَلَتْهَا بِالتَّوَادُدِ وَالتَّنَاصُحِ وَالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ الواجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ.
وَأَمَّ الرَّحِمِ الْخَاصَّة فَتَزِيد لِلنَّفَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ وَتَفَقُّد أَحْوَالهِمْ وَالتَّغَافُل عَنْ
زَلَّاتِهِمْ، وَتَتَفَاوَت مَرَاتِب اِسْتِحْقَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأُولِ مِنْ كِتَاب
«الْأَدَب)): ((الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَب)».
وَقَالَ إِبْنِ أَبِي جَمْرَة: تَكُون صِلَةِ الرَّحِم بِالْمَالِ، وَبِالْعَوْنِ عَلَى الْحَاجَةِ، وَبِدَفْع
الضَّرَرِ، وَبِطَلَاقَةِ الوجْهُ، وَبِالدُّعَاءِ، وَالْمَعْنَى الْجَامِعِ: إِيصَال مَا أَمْكَنَ مِن الْخَيْر، وَدَفْع مَا
أَمْكَن مِنِ الشَّرّ بَحَسَبِ الطَّاقَة، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَمِرّ إِذَا كَانَ أَهْلِ الرَّحِمِ أَهْل ◌ِسْتِقَامَة،
فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أو فُجَّارًا فَمُقَاطَعَتهمْ فِي اللّه هِيَ صِلَتهمْ، بِشَرْطِ بَذْلِ الْجَهْدِ فِي وَعْظهمْ،
ثُمَّ إِعْلَامِهِمْ إِذَا أَصَرُّوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبٍ تَخَلُّفهِمْ عَنِ الْحَقّ، وَلَا يَسْقُط مَعَ ذَلِكَ صِلَتِهِمْ
بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِظَهْرِ الْغَيْبِ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الطَّرِيقِ الْمُثْلَى.
(فَقَالَ الله) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَتِه ((لَهَا)) وَهَذِهِ الْفَاءِ عَاطِفَةٍ عَلَى شَيْء
مَحْذُوف، وَأَحْسَنِ مَا يُقَدَّر لَهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْله: ((فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامِ الْعَائِذ بِك
مِنِ الْقَطِيعَةِ، فَقَالَ الله ... إِلَخْ)). [الفتح (١١٥/١٧)].
٤٩٢١ - [وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَ: ((الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ:

٦٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ}(١).
(الرَّحِمُ مُعَلَّقَةُ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ)
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: الرَّحِم الَّتِي تُوصَل وَتُقْطَعْ وَتُبَرّ إِنَّمَا هِيَ مَعْنَى مِن الْمَعَانِيِ، لَيْسَتْ
بِسْمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ قَرَابَة وَنَسَب تَجْمَعَهُ رَحِم وَالِدَة، وَيَتَّصِل بَعْضِه بِبَعْضٍ، فَسُمَِّ ذَلِكَ
الإِتِّصَالِ رَحِمًا.
وَالْمَعْنَى: لَا يَتَأَى مِنْهُ الْقِيَامِ وَلَا الْكَلَامِ، فَيَكُونِ ذِكْر قِيَامَهَا هُنَا وَتَعَلُّقْهَا ضَرْب
مَثَل، وَحُسْنِ إِسْتِعَارَة عَلَى عَادَة الْعَرَبِ فِي إِسْتِعْمَالِ ذَلِكَ، وَالْمُرَاد تَعْظِيمِ شَأَنْهَا، وَفَضِيلَة
وَاصِلِيهَا وَعَظِيم إِثْم قَاطِعِيهَا بِعُقُوقِهِمْ؛ لِهَذَا سُمِّيَ الْعُقُوقِ قَطْعًا، وَالْعَقّ: الشَّقِّ كَأَنَّهُ
قَطَعَ ذَلِكَ السَّبَبِ الْمُتَّصِل.
قَالَ: وَيَجُوزِ أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ قَامَ مَلَك مِن الْمَلَائِكَة وَتَعَلَّقَ بِالْعَرْشِ، وَتَكَلَّمَ
عَلَى لِسَانِهَا بِهَذَا بِأَمْرِ الله تَعَالَى. هَذَا كَلَامِ الْقَاضِي.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: وَحَقِيقَةِ الصِّلَةِ الْعَطْف وَالرَّحْمَةِ، فَصِلَة اللّهِ وَ عِبَارَة عَنْ لُظْفه
بِهِمْ، وَرَحْمَته إِيَّاهُمْ، وَعَظْفه بِإِحْسَانِهِ وَنِعَمه، أو صِلَتهمْ بِأَهْلِ مَلَكُوته الْأَعْلَى، وَشَرْح
صُدُورِهِمْ لِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَته.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ: وَلَا خِلَاف أَنَّ صِلَة الرَّحِم وَاجِبَةٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَطِيعَتهَا
مَعْصِيَة گَبِيرَة.
قَالَ: وَالْأَحَادِيثِ فِي الْبَابِ تَشْهَد لِهَذَا، وَلَكِنَّ الصِّلَةِ دَرَجَات بَعْضهَا أَرْفَع مِنْ
بَعْض، وَأَدْنَاهَا تَرْكِ الْمُهَاجَرَةِ، وَصِلَتْهَا بِالْكَلَامِ وَلو بِالسَّلَامِ، وَيَخْتَلِفِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافٍ
الْقُدْرَة وَالْحَاجَةِ، فَمِنْهَا وَاجِب، وَمِنْهَا مُسْتَحَبٌ، وَلو وَصَلَ بَعْض الصِّلَة لَمْ يَصِلِ غَايَتِهَا
لَا يُسَمَّى قَاطِعًا، وَلوقَصَّرَ عَمَّا يَقْدِر عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي لَهُ لَا يُسَمَّى وَاصِلاً.
قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الرَّحِمِ الَّتِي تَجِب صِلَتْهَا، فَقِيلَ: هو كُلّ رَحِم مَخْرَمُ بِحَيْثُ لو
(١) أخرجه بنحوه: البخاري (٥٩٨٩)، وبلفظه: مسلم (٢٥٥٥)، وابن أبي شيبة (٢٥٣٨٨)، وهناد في
((الزهد)) (١٠٠٣)، وأبو يعلى (٤٤٤٦)، والديلمي (٣٣٢٢).