النص المفهرس

صفحات 541-560

باب البيان والشعر
الفصل الأول
٤٧٨٣ [عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانٍ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النَّاسُ
لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَه:((إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)](١).
(إِنَّ مِن الْبَيَانِ لَسِحْرًا) وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ: ((سِحْرًا) بِغَيْرٍ لَام.
قَالَ إِبْنِ التّينِ: أَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ النّكَاحِ وَلَّيْسَ هو مَوْضِعه.
قَالَ: وَالْبَيَانِ نَوْعَانِ، الْأول مَا يُبَيِّن بِهِ الْمُرَادِ، وَالثَّانِي تَحْسِين اللَّقْظ حَتَّى يَسْتَمِيل
قُلوب السَّامِعِينَ، وَالثَّانِي هو الَّذِي يُشَبَّه بِالسَّحَرِ، وَالْمَذْمُومِ مِنْهُ مَا يُقْصَد بِهِ الْبَاطِل،
وَشَبَّهَهُ بِالسَّحَرِ؛ لِأَنَّ السَّحَرِ صَرْفِ الشَّيْء عَنْ حَقِيقَته.
قُلْت: فَمِنْ هُنَا تُؤْخَذ الْمُنَاسَبَةِ وَيُعْرَفِ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعِه، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ
الْخِطْبَة وَإِنْ كَانَتْ مَشْرُوعَة فِي النَّكَاحِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُون مُقْتَصِدَة، وَلَا يَكُون فِيهَا مَا
يَقْتَضِي صَرْف الْحَقّ إِلَى الْبَاطِلِ بِتَحْسِينِ الْكَلَامِ، وَالْعَرَبِ تُظْلِقِ لَفْظِ السَّحَر عَلَى
الصَّرْفِ تَقُول: مَا سَحَرك عَنْ كَذَا؟ أي: مَا صَرَفَك عَنْهُ؟
وَأَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث صَخْرِ بْن عَبْد الله بْنِ بُرَيْدَةً عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدّه
رَفَعَهُ: ((إِنَّ مِن الْبَیَانِ سِحْرًا».
قَالَ: فَقَالَ صَعْصَعَة بْنِ صُوْحَانٍ: صَدَقَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ الرَّجُل يَكُون عَلَيْهِ
الحقّ، وهو أَلْحُن بِالْحُجَّةِ مِنْ صَاحِب الْحَقِ فَيَسْحَرِ النَّاس بَيَانه فَيَذْهَب پالحقِ.
وَقَالَ الْمُهَلَّب: وَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْخُطْبَةِ فِي النَّكَاحِ
إِنَّمَا شُرِعَتْ لِلْخَاطِبِ؛ لِيَسْهُلَ أَمْرِهِ فَشُبِّهَ حُسْنِ التَّوَصُّل إِلَى الْحَاجَة بِحُسْنِ الْكَلَامِ فِيهَا
بِاسْتِنْزَالِ الْمَرْغُوبِ إِلَيْهِ بِالْبَيَانِ بِالسِّحْرِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّفُوس طُبِعَتْ عَلَى
(١) أخرجه البخاري (٥٧٦٧)، ومالك (١٨٢٠)، وأبو داود (٥٠٠٩).
- ٥٤٣ -

٥٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الْأَنَفَة مِنْ ذِكْرِ الْمَوْلَيَاتِ فِي أَمْرِ النَّكَاحِ، فَكَانَ حُسْنِ التَّوَصُّل لِرَفْعِ تِلْكَ الْأَنَفَة وَجْهًا
مِنْ وُجُوهِ السِّحْرِ الَّذِي يَصْرِفِ الشَّيْء إِلَى غَيْره.
وَوَرَدَ فِي تَفْسِير خُطْبَةِ النَّكَاحِ أَحَادِيث مِنْ أَشْهَرِهَا مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابِ السُّنَن
وَصَحَّحَهُ أبو عَوَانَة وَابْنِ حِبَّن عَن ◌ِبْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ((إِنَّ الْحَمْد لله نَحْمَدهُ، وَنَسْتَعِينُهُ
وَنَسْتَغْفِرهُ.)) قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَسَنِ، رَوَاهُ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِ الْأَحْوَص
عَن إِبْن مَسْعُود، وَقَالَ شُعْبَةٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي عُبَيْدَة عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: فَكِلَا
الْحَدِيثَيْنِ صَحِيح؛ لِأَنَّ إِسْرَائِيلِ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقِ فَجَمَعَهُمَا.
قَالَ: وَقَدْ قَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ النَّكَاحِ جَائِزِ بِغَيْرِ خُطْبَة، وهو قَوْل سُفْيَانِ الثَّوْرِيّ
وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم. انتهى. وَقَدْ شَرَطَهُ فِي النَّكَاحِ بَعْض أَهْلِ الظَّاهِرِ وهو شَاذٌ.
٤٧٨٤ - [وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً).
رَوَاهُ البُخَارِيُّ](١).
(إِنَّ مِن الشِّعْرِ حِكْمَةٍ) أي: مَا فِيهِ حَقُّ وَحِكْمَةٍ أو قَوْلاً صَادِقًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ،
وَقِيلَ أَصْلِ الْحِكْمَةِ الْمَنْعِ، فَالْمَعْنَى: إِنَّ مِن الشّعْرِ كَلَامَا نَافِعًا يَمْنَع عَنِ السَّفَهِ وَالْجُهْل،
وهو مَا نَظَمَهُ الشُّعَرَاءِ مِن الْمَوَاعِظِ وَالْأَمْثَالِ الَّتِي يَنْتَفِعِ بِهِ النَّاس.
٤٧٨٥ - [وَعَنِ ابْنِ مَسَعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)) قَالَهَا
ثَلَاثًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٢).
(هَلَكَ الْمُتَنَطَّعُونَ) أي: الْمُتَعَمِّقُونَ الْغَالونَ الْمُجَاوِزُونَ الْحُدُودِ فِي أَقْوَالهمْ
وَأَفْعَالهِمْ. قَالَهُ الثَّوَوِيّ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُتَنَطَّعِ: الْمُتَعَمِّق فِي الشَّيْءِ الْمُتَكُلِّف لِلْبَحْثِ عَنْهُ عَلَى مَذَاهِب
(١) أخرجه البخاري (٥٧٩٣)، وأحمد (٢١١٩٢)، وأبو داود (٥٠١٠)، وابن ماجه (٣٧٥٥)، والدارمي
(٢٧٠٤)، وابن أبي شيبة (٢٦٠٠٥)، والدارقطني في «الأفراد)» (٦٠٦).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٧٠)، وأحمد (٣٦٥٥)، وأبو داود (٤٦٠٨)، والبزار (١٨٧٨)، وأبو يعلى (٥٠٠٤)،
والطبراني (١٠٣٦٨).

٥٤٥
كتاب الآداب/ باب البيان والشعر
أَهْلِ الْكَلَامِ الدَّاخِلِينَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِم الْخَائِضِينَ فِيمَا لَا تَبْلُغُهُ عُقُوهُمْ.
وَفِيهِ: دَلِيل عَلَى أَنَّ الْحُكْم بِظَاهِرِ الْكَلَام وَأَنَّهُ لَا يُتْرَكِ الظَّاهِرِ إِلَى غَيْرِهِ مَا كَانَ
لَهُ مَسَاغْ وَأَمْكَنَ فِيهِ الإِسْتِعْمَالِ. اِنْتَهَى.
(قَالَهَا ثَلَاثًا) أي: قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ثَلَاث مَرَّات.
٤٧٨٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ
كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله بَاطِلٌ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرِ) يَحْتَمِلِ أَنْ يُرِيدِ بِالْكَلِمَةِ الْبَيْتِ الَّذِي ذَكَرَ شَطْره،
وَيَحْتَمِلِ أَنْ يُرِيدِ الْقَصِيدَة كُلُّهَا، وَيُؤَيِّد الْأُول رِوَايَة مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق شُعْبَة وَزَائِدَة
فَرَّقَهُمَا عَنْ عَبْد الْمَلِكِ بِلَفْظِ: ((إِنَّ أَصْدَق بَيْت قَالَهُ الشَّاعِر)) وَلَيْسَ فِي رِوَايَة شُعْبَة
(إِنَّ) وَوَقَعَ عِنْدَه فِي رِوَايَة شَرِيك عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَفْظِ: (أَشْعَر كَلِمَة تَكَلَّمَتْ بِهَا
الْعَرَبِ)) فَلولًا أَنَّ فِي حِفْظِ شَرِيك مَقَالاً لَرَفَعَ هَذَا اللَّفْظِ الْإِشْكَالِ الَّذِي أَبَدَاهُ السُّهَيْلِيِّ
عَلَى لَفْظ رِوَايَة الصَّحِيحِ بِلَفْظِ: (أَصْدَق)) إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ لَفْظ ((أَشْعَرِ)) أَنْ يَكُون
أَصْدَق.
نَعَمِ السُّؤَالِ بَاقٍ فِي التَّعْبِيرِ بِوَصْفِ كُلّ شَيْء بِالْبُطْلَانِ مَعَ إِنْدِرَاج الطَّاعَات
وَالْعِبَادَاتِ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ حَقٌّ لَا مَحَالَةٍ، وَكَذَا قَوْله ◌َّهِ فِي دُعَائِهِ بِاللَّيْلِ: ((أَنْتَ الْحَقّ
وَقَوْلك الْحَقِّ وَالْجَنَّةِ حَقِّ وَالنَّارِ حَقٌّ ... إِلَخْ)).
وَأُجِيب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَاد ◌ِقَوْلِ الشَّاعِرِ: ((مَا عَدَا الله)) أي: مَا عَدَاهُ وَعَدَا
صِفَاته الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ مِنْ رَحْمَتِه وَعَذَابِه وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أو
الْمُرَادِ فِي الْبَيْتِ بِالْبُظْلَانِ الْفِنَاءِ لَا الْفَسَاد، فَكُلّ شَيْءٍ سِوَى الله جَائِزِ عَلَيْهِ الْفِنَاءِ
لِذَاتِهِ حَتَّى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِنَّمَا يَبْقَيَانِ بِإِبْقَاءِ الله لَهُمَا وَخَلْقِ الدَّوَامِ لِأَهْلِهِمَا، وَالْحُقُّ عَلَى
الْحَقِيقَة مَنْ لَا يَجُوزِ عَلَيْهِ الزَّوَالِ، وَلَعَلَّ هَذَا هو السِّ فِي إِثْبَات الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي قَوْله:
(١) أخرجه البخاري (٣٦٢٨)، ومسلم (٢٢٥٦)، وأحمد (١٠٠٧٦)، وابن ماجه (٣٧٥٧).

٥٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
((أَنْتَ الْحَقّ وَقَوْلِك الْحَقِّ وَوَعَدَكِ الْحَقّ)) وَحَذَفَهُمَا عِنْدِ ذِكْرِ غَيْرِهِمَا، وَالله أَعْلَم.
وَفِي إِيرَادِ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ تَلْمِيح بِمَا وَقَعَ لِعُثْمَانِ بْنِ
مَظْعُون بِسَبَبِ هَذَا الْبَيْتِ مَعَ نَاظِمِه لَبِيد بْنِ رَبِيعَة قَبْل إِسْلَامِهِ، وَالنَّبِيّ ◌َُّ يَوْمَئِذٍ
بِمَكَّة وَقُرَيْش فِي غَايَة الْأَذِيَّة لِلْمُسْلِمِينَ، فَذَكَرَ إِبْنِ إِسْحَاق عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيم بْنِ
عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُثْمَانِ بْن مَظْعُون ◌َنَّهُ «لَمَّا رَجَعَ مِن الْهِجْرَةِ
الأولى إِلَى الْحَبَشَةِ دَخَلَ مَّة فِي جِوَار الوليد بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكِينَ يُؤْذُونَ
الْمُسْلِمِينَ وهو آمِنْ رَدَّ عَلَى الوليد جِوَارهِ، فَبَيْنَمَا هو فِي ◌َجْلِس لِقُرَيْشٍ وَقَدْ وَفَدَ عَلَيْهِمْ
◌َبِيد بْنِ رَبِيعَة فَقَعَدَ يَنْشُدُهُمْ مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَ لَبِيد: ((أَلَا كُلّ شَيْء مَا خَلَا الله بَاطِل))
فَقَالَ عُثْمَانِ بْنِ مَظْعُون: صَدَقْت، فَقَالَ لَبِيدِ ((وَكُلْ نَعِيمٍ لَا مَحَالَة زَائِل)) فَقَالَ عُثْمَان:
كَذَبْت، نَعِيمِ الْجَنَّة لَا يَزُول، فَقَالَ لَبِيد: مَتَى كَانَ يُؤْذَى جَلِيسَكُمْ يَا مَعْشَرِ قُرَيْش؟
فَقَامَ رَجُل مِنْهُمْ فَلَظَمَ عُثْمَانِ فَاخْضَرَّتْ عَيْنِه، فَلَامَهُ الوَلِيدِ عَلَى رَدّ جِوَارِهِ، فَقَالَ: قَدْ
كُنْتِ فِي ذِمَّة مَنِيعَة، فَقَالَ عُثْمَانِ: إِنَّ عَيْنِي الْأُخْرَى لِمَا أَصَابَ أُخْتَهَا لَفَقِيرَة، فَقَالَ لَهُ
الوليد: فَعُدْ إِلَى جِوَاركِ، فَقَالَ: بَلْ أَرْضَى بِجِوَارِ الله تَعَالَی.
قُلْت: وَقَدْ أَسْلَمَ لَبِيدِ بَعْد ذَلِكَ، وهو إِبْنِ رَبِيعَة بْن عَامِرِ بْن مَالِكِ بْن جَعْفَر بْن
كِلَابِ بْنِ رَبِيعَة بْن عَامِرِ الْعَامِرِيّ ثُمَّ الْكِلَابِيّ ثُمَّ الْجَعْفَرِيّ، يُكَنَّى أَبَا عَقِیل.
وَذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ الْبُخَارِيّ وَابْنِ أَبِي خَيْئَمَةَ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَالَ لِعُمَر لَمَّا سَأَلَهُ عَمَّا قَالَهُ مِن الشِّعْرِ فِي الْإِسْلَامِ: قَدْ أَبْدَلَنِي الله بِالشِّعْرِ سُورَة
الْبَقَرَةِ، ثُمَّ سَكَنَ الْكُوفَة وَمَاتَ بِهَا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانِ، وَعَاشَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةٌ،
وَقِيلَ: أَكْثَرِ، وهو الْقَائِل: وَلَقَدْ سَئِمْت مِن الْحَيَاةَ وَطُولَهَا وَسُؤَالِ هَذَا النَّاس: كَيْف
لَبِيد؟ وَهَذَا يُعَكِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شِعْرًا مُنْذُ أَسْلَمَ، إِلَّا أَنْ يُرِيدِ الْقِطْعِ الْمُطَوَّلَة
لَا الْبَيْتِ وَالْبَيْتَيْنِ، وَالله أَعْلَمُ.
٤٧٨٧ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِلَهُ يَوْمًا
فَقَالَ: ((هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أَمَّيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيءٍ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((هِيهِ) فَأَنْشَدْتُهُ

٥٤٧
كتاب الآداب/ باب البيان والشعر
بَيْتًا، فَقَالَ: ((هِيهِ)) ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: ((هِيهِ)) حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ. رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
٤٧٨٨ - [وَعَنْ جُنْدُبِ: أَنَّ النَّبِيِ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ، وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبِعُهُ
فَقَالَ:
وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعُ دَمِيتِ
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
٤٧٨٩ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ الَّبِي ◌َّهِ يَوْمَ قُرَيْظَةَ لِسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: ((اهْجُ
الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ)(٣) وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقُولُ لِحَسَّانَ: ((أَجِبْ عَنِيّ، اللَّهُمَّ
أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
٤٧٩٠ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي الله عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((اهْجُوا قُرَيْشًا،
فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٥).
(أُهْجُوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ أَشَدّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقِ بِالتَّيْلِ) هو بِفَتْحِ الرَّاء، وهو الرَّمْيُّ بِهَا.
وَأَمَّا الرَّشْقِ بِالْكَسْرِ فهو اِسْمُّ لِلنَّبْلِ الَّتِي تُرْمَى دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَفِي بَعْض النُّسَخِ:
((رَشْقَ الَّبْل)) وَفِيهِ: جَوَازِ هَجْو الْكُفَّارِ مَا لَمْ يَكُنْ أَمَانِ، وَأَنَّهُ لَا غِيبَةَ فِيهِ.
وَأَمَّا أَمْرُهُ وَّهِ بِهِجَائِهِمْ، وَطَلَبُهُ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَاحِدًا بَعْد وَاحِدٍ، وَلَمْ يَرْضَ
قَوْل الْأول وَالثَّانِي حَتَّى أَمَرَ حَسَّان، فَالْمَقْصُودِ مِنْهُ النَّكَايَةِ فِي الْكُفَّارِ، وَقَدْ أَمَرَ الله
تَعَالَى بِالْجِهَادِ فِي الْكُفَّارِ وَالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْهَجْو أَشَدّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْق
(١) أخرجه مسلم (٦٠٢٢)، وأحمد (٢٠٠٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٤٨) ومسلم (١٧٩٦) وأحمد (١٨٨١٩) والطيالسي (٩٣٧) والترمذي
(٣٣٤٥) والنسائي في «الكبرى» (١٠٣٩٣) وأبو عوانة (٦٩٠٧) وابن حبان (٦٥٧٧) وابن أبي شيبة
(٢٦٠٧١) والحميدي (٧٧٦) والبيهقي (١٣٠٧٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٩٧) ومسلم (٢٤٨٦) والطيالسي (٧٣٠) وأحمد (١٨٦٦٥) والنسائي في
((الكبرى)) (٨٢٩٥) والطبراني في ((الصغير)) (١١٩).
(٤) أخرجه البخاري (٣٢١٢) ومسلم (٦٥٣٩) وأحمد (٢٢٥٧٩).
(٥) أخرجه مسلم (٢٤٩٠)، والطبراني (٣٥٨٢)، والبيهقي (٢٠٨٩٥).

٥٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
النَّبْلِ، فَكَانَ مَنْدُوبًا لِذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ كَفِّ أَذَاهُمْ وَبَيَان نَقْصِهِمْ، وَالإِنْتِصَار
بِهِجَائِهِم الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: يَنْبَغِي أَلَا يُبْدَأَ الْمُشْرِكُونَ بِالسَّبِّ وَالْهِجَاء ◌َخَافَةً مِنْ سَبِّهِم الْإِسْلَامِ
وَأَهْلِهِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّه فَيَسُبُّوا الله عَدْوًّا بِغَيْرِ
عِلْمٍ﴾ وَلِتَنْزِيِهِ أَلْسِنَة الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْفُحْشِ، إِلَّا أَنْ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَة لِإِبْتِدَائِهِمْ
بِهِ، فَكَيْف أَذَاهُمْ وَنحوه كَمَا فَعَلَ النَّبِيّ ◌َِّ. [النووي (٢٥٩/٨)].
٤٧٩١ - [وَعَنهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ لِحَسَّانَ: ((إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ
لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللّه وَرَسُولِهِ). وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
(هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَغَى)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(١).
٤٧٩٢ . [وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَنْقُلُ القُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى
اغْبَرَّ بَطْنُهُ يَقُولُ:
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
وَالله لولا الله مَا اهْتَدَيْنَا
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
يَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ:(أَبَيْنَا أَبَيْنَا)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٢).
٤٧٩٣ [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ، وَيَنْقُلونَ
التُّرَابَ وَهُمْ يَقُولونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
وَالنَّبِيُّ ◌َّهِ وهو يُجِيبُهُمْ:
فَاغْفِر للأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَه
اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ
(١) أخرجه مسلم (٦٥٥٠).
(٢) أخرجه البخاري (٤١٠٤)، ومسلم (٤٧٧١).

٥٤٩
كتاب الآداب/ باب البيان والشعر
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٤٧٩٤ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: «لَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ
قَيْحًا يَرِبِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِيَ شِعْرًا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(لأَنْ يَسْتَلِئَّ جَوْفُ رَجُلٍ فَيْحًا يَرِبِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) قَالَ اِبْنِ الْجُوْزِيّ:
وَقَعَ فِي حَدِيث سَعْد عِنْدَ مُسْلِمٍ: ((حَتَّى يَرِبَهُ)) وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةِ هُنَا بِإِسْقَاطِ ((حَتَّى))
فَعَلَى ثُبُوتِهَا يُقْرَأ: (يَرِبِهِ)) بِالنَّصْبِ وَعَلَى حَذْفِهَا بِالرَّفْعِ.
قَالَ: وَرَأَيْتِ جَمَاعَةٍ مِن الْمُبْتَدِئِينَ يَقْرَؤُونَهَا بِالنَّصْبِ مَعَ إِسْقَاط ((حَتَّى)) جَرْيًا
عَلَى الْمَأْلوف، وهو غَلَط؛ إِذْ لَيْسَ هُنَا مَا يَنْصِب، وَذُكِرَ أَنَّ إِبْنِ الْخَشَّابِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ.
وَوَجَّهَ بَعْضهم النَّصْب عَلَى بَدَلِ الْفِعْلِ مِن الْفِعْلِ، وَإِجْرَاء إِعْرَابِ ((يَمْتَلِئِ)) عَلَى
(يَرِيَهُ)) وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَوْفٍ بْنِ مَالِك عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَالطَّبَرَائِيِّ: (لِأَنْ يَمْتَلِئِ جَوْفٍ
أَحَدِكُمْ مِنْ عَانَته إِلَى لَهَاتِه قَيْحًا يَتَخَضْخَضِ خَيْرِ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئِ شِعْرًا)) وَسَنَده
حسن.
وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَب وَلَفْظُه: «بَيْنَمَا نَحْنُ
نَسِيرٌ مَعَ رَسُول الله ◌َّهِ بِالْعَرَجِ إِذْ عَرَضَ لَنَا شَاعِرٍ يُنْشِدْ فَقَالَ: أَمْسِكُوا الشَّيْطَانِ؛ لِأَنْ
يَمْتَلِئ ... )) فَذَكَرَهُ.
وَايَرِيَهُ)) بِفَتْجِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ بَعْدِهَا رَاء ثُمَّ يَاء أُخْرَى، قَالَ الْأَصْمَعِيّ: هو مِن
الورْي بِوَزْنِ الرَّئي، يُقَالِ مِنْهُ: ((رَجُل مَوْرِي)» غَيْرِ مَهْمُوز، وهو أَنْ يُورِي جَوْفِه وَأَنْشَدَ:
قَالَتْ لَهُ وَرْيًّا إِذَا تَنَحْنَحًا
(١) أخرجه البخاري (٤١٨)، ومسلم (١٨٠٥)، والطيالسي (٢٠٨٥)، وأحمد (١٢٧٤٥)، وأبو داود
(٤٥٣)، والترمذي (٣٨٥٧) وقال: حسن صحيح غريب. والنسائي في ((الكبرى)) (٨٣١٧)، وأبو
عوانة (٦٩٣٠)، وابن حبان (٢٣٢٨).
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٠٣)، ومسلم (٢٢٥٧)، وأحمد (٧٨٦١)، وأبو داود (٥٠٠٩)، والترمذي
(٢٨٥١) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (٣٧٥٩).

٥٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
تَدعُو عَلَيْهِ بِذَلِكَ
وَقَالَ أبو عُبَيْد: الورْي هو أَنْ يَأْكُلِ الْقَيْحِ جَوْفه.
وَحَكَى إِبْنِ التِّينِ فِيهِ الْفَتْحِ بِوَزْنِ الْفَرْي، وهو قَوْل الْفَرَّاءِ.
وَقَالَ ثَعْلَب: هو بِالسُّكُونِ الْمَصْدَرِ، وَبِالْفَتْحِ الإِسْمِ.
وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْله: ((حَتَّى يَرِبَهُ)) أي: يُصِيب رِئَته، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الرِّئَة مَهْمُوزَةٍ فَإِذَا
بَنَيْتَ مِنْهُ فِعْلاً قُلْت: رَأَه يَرْأَهُ فهو مَرْبِيّ. إِنْتَفَى.
وَلَا يَلْزَمِ مِنْ كَوْن أَصْلِهَا مَهْمُوزًا أَلَا تُسْتَعْمَل مُسَهَّلَةٍ، وَيُقَرَّبِ ذَلِكَ أَنَّ الرِّئَة إِذَا
إِمْتَلَأَتْ قَيْحًا يَحْصُلِ الْهَلَاكِ، وَأَمَّا قَوْله: (جَوْفٍ أَحَدِكُمْ)) فَقَالَ إِبْنِ أَبِي جَمْرَةِ: يَخْتَمِل
ظَاهِرِهِ أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ جَوْفِه كُلّه وَمَا فِيهِ مِن الْقَلْبِ وَغَيْره، وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ
الْقَلْبِ خَاصَّة وهو الْأَظْهَر؛ لِأَنَّ أَهْلِ الطَّبّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَيْحِ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْقَلْب
شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، فَإِنَّ صَاحِبِه يَمُوتِ لَا مَحَالَةِ، بِخِلافٍ غَيْرِ الْقَلْب مِمَّا فِي
الْجَوْف مِن الْكَبِد وَالرِّئَة.
قُلْت: وَيُقَوِّي الإِحْتِمَالِ الْأُولِ رِوَايَة عَوْفِ بْنِ مَالِك: ((لَأَنْ يَمْتَلِئِ جَوْفٍ
أَحَدِكُمْ مِنْ عَانَتِه إِلَى لَهَاته)) وَتَظْهَر مُنَاسَبَتِه لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ مُقَابِله وهو الشِّعْر ◌َحَلّه
الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ یَنْشَأْ عَنِ الْفِکْر.
وَأَشَارَ إِبْنِ أَبِي جَمْرَةٍ إِلَى عَدَمِ الْفَرْقِ فِي اِمْتِلَاءِ الْجُوْفِ مِن الشِّعْرِ بَيْنَ مَنْ يُنْشِئُهُ
أو یتعانى حفظه مِنْ شِعْر غَيْره وهو ظَاهِر.
وَقَوْله: (قَيْحًا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُون التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدِهَا مُهْمَلَةِ الْمُدَّة لَا يُخَالِطِهَا
دَمِ، وَقَوْله: (شِعْرًا) ظَاهِرِهِ الْعُمُومِ فِي كُلّ شِعْرِ، لَكِنَّهُ مَخْصُوص بِمَا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا حَقًّا
كَمَدْجَ الله وَرَسُولِه، وَمَا اِشْتَمَلَ عَلَى الذِّكْرِ وَالزُّهْدِ وَسَائِرِ الْمَوَاعِظِ مِمَّا لَا إِفْرَاط فِيهِ،
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيث عَمْرو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِم.
قَالَ اِبْنِ بَظَال: ذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله: (خَيْرِ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئِ شِعْرًا) يَعْنِي:
الشّعْرِ الَّذِي هُچي پِهِ التَّتِيّ ◌َّ.

٥٥١
كتاب الآداب/ باب البيان والشعر
وَقَالَ أبو عُبَيْدٍ: وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرِ هَذَا الْقَوْل؛ لِأَنَّ الَّذِي هُجِيَ
بِهِ السَّبِيّ وَُّ لو كَانَ شَطْر بَيْت لَكَانَ كُفْرًا، فَكَأَنَّهُ إِذَا حَمَلَ وَجْهُ الْحَدِيث عَلَى اِمْتِلَاء
الْقَلْبِ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ رَخَّصَ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ، وَلَكِنْ وَجْهِه عِنْدِي أَنْ يَمْتَلِئِ قَلْبه مِن
الشّعْرِ حَتَّى يَغْلِب عَلَيْهِ، فَيَشْغَلَهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَعَنْ ذِكْر الله فَيَكُونِ الْغَالِب عَلَيْهِ،
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ الْغَالِبَيْنِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ جَوْفه مُمْتَلِئًا مِن الشّعْر.
قُلْت: وَأَخْرَجَ أبو عُبَيْدِ التَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ مِنْ رِوَايَة ◌ُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيّ مُرْسَلاً
فَذَكَرَ الْحَدِيث، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: يَعْنِي مِن الشِّعْرِ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَِّيّ ◌َ
وَقَدْ وَقَعَ لَنَا ذَلِكَ مَوْصُولاً مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، فَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث جَابِر
فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُور: ((فَيْحًا أو دَمًّا خَيْرِ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئِ شِعْرًا هُجِيت بِهِ) وَفِي سَنَده
رَاٍلَا يُعْرَف.
وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْنِ عَدِيّ مِنْ رِوَايَة ◌ِبْنِ الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِ صَالِحِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَة مِثْل حَدِيث الْبَابِ قَالَ: ((فَقَالَتْ عَائِشَة: لَمْ يَحْفَظ إِنَّمَا قَالَ: مِنْ أَنْ يَمْتَلِئِ شِعْرًا
هُجِيت بِهِ)) وَابْنِ الْكَلْبِيّ وَاهِي الْحَدِيث، وَأبو صَالِحِ شَيْخه هو الَّذِي يُقَال لَهُ: السَّمَّان،
الْمُتَّفَقِ عَلَى تَخْرِيجِ حَدِيثه فِي (الصَّحِيحِ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ، بَلْ هَذَا آخَرِ ضَعِيف يُقَال لَهُ:
بَاذَان، فَلَمْ تَثْبُتِ هَذِهِ الزِّيَادَة.
وَيُؤَيِّد تَأْوِيلِ أَبِي عُبَيْدِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي ((مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ)) وَالْحَسَن بْن
سُفْيَانِ فِي ((مُسْنَده) وَالطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْأَوسَط)) مِنْ حَدِيث مَالِكِ بْن عُمَيْرِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ
شَهِدَ مَعَ رَسُول الله وَّةِ الْفَتْحِ وَغَيْرِهَا وَكَانَ شَاعِرًا، فَقَالَ: ((يَا رَسُول الله أَفْتِنِي فِي
الشِّعْرِ)) فَذَكَرَ الْحَدِيثِ، وَزَادَ: ((قُلْت: يَا رَسُول اللّه ◌ِمْسَحْ عَلَى رَأْسِي، قَالَ: فَوَضَعَ يَده عَلَى
رَأْسِي، فَمَا قُلْت بَيْت شَعْرِ بَعْد)).
وَفِي رِوَايَة الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانِ بَعْد قَوْله: ((عَلَى رَأْسِي)) (ثُمَّ أَمَرَّهَا عَلَى كَبِدِي
وَبَظْنِي)) وَزَادَ الْبَغَرِيُّ فِي رِوَايَتِه: ((فَإِنْ رَابَك مِنْهُ شَيْءٍ فَاشْبِبْ بِامْرَأَتِك وَامْدَحْ
رَاحِلَتك)) فَلَو كَانَ الْمُرَادِ الإِمْتِلَاءِ مِنِ الشَّعْرِ لَمَا أَذِنَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، بَلْ دَلَّتِ الزَّيَادَة

٥٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الْأَخِيرَة عَلَى الْإِذْنِ فِي الْمُبَاحِ مِنْهُ.
وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي غَزْوَة وَدَانَ عَنْ جَامِعِ إِبْنِ وَهْب أَنَّهُ رُوِيَ فِيهِ أَنَّ عَائِشَة
- رَضِيَ الله عَنْهَا -، تَأولتْ هَذَا الْحَدِيث عَلَى مَا هُجِيَ بِهِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَأَنْكَرَتْ عَلَى مَنْ
حَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الشّعْر.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: فَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّ عَيْب اِمْتِلَاءِ الْجُوْفِ مِنْهُ، فَلَا
يَدْخُل فِي النَّهْي رِوَايَة الْيَسِيرِ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ، وَلَا الإِسْتِشْهَادِ بِهِ فِي اللُّغَة.
ثُمَّ ذَكَرَ إِسْتِشْكَال أَبِي عُبَيْدٍ وَقَالَ: عَائِشَةِ أَعْلَمْ مِنْهُ، فَإِنَّ الَّذِي يَرْوِي ذَلِكَ عَلَى
سَبِيلِ الْحِكَايَة لَا يَكْفُر، وَلَا فَرْقَ بَيْنَه وَبَيْنَ الْكَلَامِ الَّذِي ذَمُّوا بِهِ النَّبِيّ ◌َِّ، وَهَذَا هو
الجَوَاب عَنْ صَنِيعِ إِبْنِ إِسْحَاق فِي إِيرَاده بَعْض أَشْعَارِ الْكَفَرَةِ فِي هَجْوِ الْمُسْلِمِينَ،
وَالله أَعْلَمُ.
وَاسْتَدَلَّ بِتَأويل أَبِي عُبَيْد عَلَى أَنَّ مَفهومِ الصَّفَةِ ثَابِت بِاللُّغَةِ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ
غَيْرِ الْكَثِير مِن الشّعْرِ لَيْسَ كَالْكَثِيرِ، فَخُصَّ الدَّمّ بِالْكَثِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الإِمْتِلَاءِ دُون
الْقَلِيلِ مِنْهُ فَلَا يَدْخُل فِي الدَّمّ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدِ بَنَى هَذَا التَّأْوِيلِ عَلَى اِجْتِهَادِهِ فَلَا يَكُون نَاقِلاً لِلُّغَةِ،
فَجَوَابِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا فَسَّرَ حَدِيث النَّبِيّ ◌َّهُ فِي كِتَابِه عَلَى مَا تَلَقَّفَهُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ لَا عَلَى
مَا يَعْرِض فِي خَاطِرِه لِمَا عُرِفَ مِنْ تَحَرُّزه فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيث النَّبَوِيّ.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: أُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَة الشّعْرِ مُظْلَقًا وَإِنْ قَلَّ وَإِنْ سَلِمَ مِن الْفُحْش،
وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد: ((خُذُوا الشَّيْطَان)).
وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالٍ أَنْ يَكُون كَافِرًا، أو كَانَ الشّعْرِ هو الْغَالِبِ عَلَيْهِ، أو كَانَ شِعْرهِ
الَّذِي يَنْشُدُهُ إِذْ ذَاكَ مِن الْمَذْمُوم.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَهِيَ وَاقِعَةٍ عَيْنِ يَتَطَرَّقِ إِلَيْهَا الإِحْتِمَالِ وَلَا عُمُومٍ لَهَا فَلَا حُجَّة فِيهَا،
وَأَلْحَقَ إِبْنِ أَبِي جَمْرَة بِامْتِلَاءِ الْجُوْف بِالشّعْرِ الْمَذْمُومِ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَمَّا عَدَاهُ مِن
الواجِبَات وَالْمُسْتَحَبَّاتِ الإِمْتِلَاءِ مِن السَّجْعِ مَثَلاً، وَمِنْ كُلّ عِلْم مَذْهُوم كَالسِّحْرِ،

٥٥٣
كتاب الآداب/ باب البيان والشعر
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْعُلومِ الَّتِي تُقَسِّي الْقَلْب وَتَشْغَلُهُ عَنِ الله تَعَالَى وَتُحْدِث الشُّكُوكَ فِي
الإِعْتِقَاد وَتُقْضِي بِهِ إِلَى النَّبَاغُض وَالتَّنَافُس.
تَنْبِیه:
مُنَاسَبَةٍ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ فِي ذَمّ الشِّعْرِ أَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ كَانُوا فِي غَايَةِ الْإِقْبَال
عَلَيْهِ وَالإِشْتِغَالِ بِهِ، فَرَجَرَهُمْ عَنْهُ لِيَقْبَلوا عَلَى الْقُرْآنِ وَعَلَى ذِكْرِ الله تَعَالَى وَعِبَادَته،
فَمَنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مَا أُمِرَ بِهِ لَمْ يَضُرّهُ مَا بَقِيَ عِنْدَه مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، وَالله أَعْلَم. [الفتح
(٣٤٩/١٧)].
الفصل الثاني
٤٧٩٥ - [عَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّنَّهِ: إِنَّ اللّه تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِي
الشِّعْرِ مَا أَنْزَلَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ:(إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ بِهِ مِنْ نَضْحِ التَبْلِ)). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) وَفِي (الاسْتِيعَابِ)) لابْنِ
عَبَدِ البِّرِأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا تَرَى فِي الشّعْرِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ
وَلِسَانِهِ))](١).
٤٧٩٦ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةً عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الإِيمَانِ،
وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانٍ مِنَ النِّفَاقِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٢).
٤٧٩٧ - [وَعَنْ أَبِي ثَعَلْبَةَ الْخُشَنِّي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيِّ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَّ
وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ
مِنِّ مَسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا: التَّزْقَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ)). رَوَاهُ البَيْهَِي فِي (شُعَبِ
(١) أخرجه أحمد (٢٧٢١٨)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٠٤/٥)، والطبراني (١٥١)، والبيهقي
(٢٠٨٩٧)، وابن عساكر (١٩٣/٥٠)، وابن حبان (٥٧٨٦)، والبغوي في (شرح السنة)) (٢٥٢/٦)،
وذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)» (٤١١/١).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٣٦٦)، والترمذي (٢٠٢٧) وقال: حسن غريب. والحاكم (١٧)، وابن أبي شيبة
(٣٠٤٢٨)، والبغوي في ((الجعديات)) (٢٩٤٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٧٠٦)، والديلمي
(٢٧٦٧).

٥٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الإِيْمَانِ))](١).
الثَّرْثَارِ: الْكَثِيرِ الْكَلَامِ بِتَكَلَّفٍ، وَالْمُتَشَدِّق: الْمُتَطَاوِل عَلَى النَّاسِ بِكَلَامِهِ الَّذِي
يَتَكُلَّمَ فِيهِ بِمِلْءٍ فِيهِ تَفَاصُحًا وَتَفَخُّمَا وَتَعْظِيمًا لِكَلَامِهِ، وَالْمُتَفَيْهِقِ: أَصْلِه مِن الْفَهَق
وهو الإِمْتِلَاءِ، وهو الَّذِي يَمْلَأْ فَمِه بِالْكَلَامِ، وَيَتَوَسَّعِ فِيهِ تَكَثُّرًا وَارْتِفَاعًا وَإِظْهَارًا
لِفَضْلِهِ عَلَى غَيْره.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ عَبْد الله بْنِ الْمُبَارَك: ((حُسْنِ الْخُلُقِ طَلَاقَة الوَجْهِ، وَبَذْل
الْمَعْرُوف، وَكَفّ الْأَذَى)).
وَقَالَ غَيْرِهِ: ((حُسْنِ الْخُلُقِ قِسْمَانِ: أَحَدهمَا مَعَ اللهُ وَ، وهو أَنْ يَعْلَمْ أَنَّ كُلّ مَا
يَكُون مِنْك يُوجِب عُذْرًا، وَكُلّ مَا يَأْتِي مِن الله يُوجِب شُكْرًا، فَلَا تَزَال شَاكِرًا لَهُ
مُعْتَذِرًا إِلَيْهِ سَائِرًا إِلَيْهِ بَيْن مُطَالَعَةٍ وَشُهود عَيْب نَفْسِك وَأَعْمَالك، وَالْقِسْمِ الثَّانِي:
حُسْنِ الْخُلُق مَعَ النَّاس».
وَجَمَاعَةِ أَمْرَانِ: بَذْلِ الْمَعْرُوفِ قَوْلاً وَفِعْلاً، وَكَفّ الْأَذَى قَوْلاً وَفِعْلاً.
وَهَذَا إِنَّمَا يَقُومِ عَلَى أَرْكَان خَمْسَة: الْعِلْمِ وَالْجُودِ وَالصَّبْرِ وَطِيب الْعَوْدِ وَصِحّة
الْإِسْلَامِ، أَمَّا الْعِلْم فَلِأَنَّهُ يَعْرِف مَعَانِي الْأَخْلَاقِ وَسَفْسَافِهَا، فَيُمْكِنْهُ أَنْ يَتَّصِف بِهَذَا
وَيَتَحَلَّى بِهِ وَيَتْرُكِ هَذَا وَيَتَخَلَّى عَنْهُ. [عون (٢٩٦/١٠)].
٤٧٩٨ [وَرَوَى التِّرْمِذِي نحوه عَنْ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَتْهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ
عَلِمْنَا الَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: ((الْمُتَكَبِّرُونَ))](٩).
٤٧٩٩ - [وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ
حَتَّى يَخْرُجَ قَوْمُ يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَمَا يَأْكُلُ الْبَقَرُ بِأَلْسِنَتِهَا)). رَوَاهُ أَحْمَد(٣).
٤٨٠٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: ((إِنَّ اللّه يُبْغِضُ
(١) أخرجه أحمد (١٧٧٧٨)، والبيهقي في («شعب الإيمان)) (٤٩٦٩).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٠١٨) وقال: حسن غريب.
(٣) أخرجه أحمد (١٥٩٧)، والضياء (٩٥٠).

٥٥٥
كتاب الآداب/ باب البيان والشعر
الْبَلِغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ الْبَقَرَةُ)). رَوَاهُ التّزْمِذِيُّ وأبو داود.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ](١).
٤٨٠١ - [وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: «مَرَرْتُ ليلةَ أُسْرِيَ بِي بِقَومٍ تُقْرَضُ
شِفَاهُهِم بِمَقَارِيضَ مِن النَّارِ، فَقُلتُ: ((يَا جِبِرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟)) قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ
أُمَّتِكَ الذينَ يَقُولونَ مَا لَا يَفْعَلونَ. رَوَاهُ التِّزْمِذِي](٢).
٤٨٠٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَامِ
لِيَسْبِيَ بِهِ قُلوبَ الرِّجَالِ أو النَّاسِ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلاً)). رَوَاهُ
أبو داود](٣).
(مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفِ الْكَلَامِ) قَالَ الْخَطَّائِيّ: صَرْفِ الْكَلَامِ فَضْله، وَمَا يَتَكَلَّفهُ الْإِنْسَانِ
مِن الزِّيَادَة فِيهِ وَرَاء الْحَاجَة، وَمِنْ هَذَا سُمَِّ الْفَضْلِ مِن النَّقْدَيْنِ صَرْفًا، وَإِنَّمَا كَرِهَ
رَسُول الله ﴿ ذَلِكَ لِمَا يَدْخُلُهُ مِن الرِّيَاءِ وَالتَّصَنُّع، وَلِمَا يُخَالِطُهُ مِن الْكَذِبِ وَالتَّزَيُّد،
وَأَمَرَ أَنْ يَكُونِ الْكَلَامِ قَصْدًا بِبُلوغِ الْحَاجَةِ غَيْرِ زَائِد عَلَيْهَا، يُوَافِقِ ظَاهِرِهِ بَاطِنْه وَسِرّه
عَلانِیته. اِنْتَهَى.
(لِيَسْبِيَ) بِكَسْرِ الْمُوَخَّدَة؛ أي: لِيَسْلُب وَيَسْتَمِيل (بِهِ) أي: بِصَرْفِ الْكَلَام
(قُلوب الرِّجَال أو النَّاسِ) شَكُّ مِنِ الرَّاوِي (صَرْفًا وَلَا عَدْلاً) في ((النَّهَايَة)): الصَّرْف
الثَّوْبَة أَو الْمُنَافَلَةِ، وَالْعَدْلِ الْفِدْيَة أو الْفَرِيضَة.
٤٨٠٣ - [وَعَنْ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّهُ قَالَ يَوْمًا وَقَامَ رَجُلُ فَأَكْثَرَ الْقَوْلَ فَقَالَ
عَمْرُو: لو قَصَدَ فِي قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ - أو
(١) أخرجه أحمد (٦٥٤٣)، وأبو داود (٥٠٠٥)، والترمذي (٢٨٥٣) وقال: حسن غريب. والبيهقي في
(شعب الإيمان)) (٤٩٧٢)، وابن أبي شيبة (٢٦٢٩٧).
(٢) أخرجه بنحوه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٩٦٦)، وأبو يعلى (٤١٦٠)، ولم أقف عليه عند
الترمذي.
(٣) أخرجه أبو داود (٥٠٠٦)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٤٩٧٤).

٥٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
أُمِرْتُ - أَنْ أَتَّجُوَّزَ فِي الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْجَوَازَ هو خَيْرً)). رَوَاهُ أبو داود] (١).
٤٨٠٤ - [وَعَنْ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلاً، وَإِنَّ مِنَ الشّعْرِ
حُكْمًا، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالاً). رَوَاهُ أَبو داود](٢).
الفصل الثالث
٤٨٠٥ - [عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َّه يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ
يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِمًا، يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﴿ أَو يُنَافِحُ. وَيَقُولُ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((إِنَّ الله
يُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوجِ الْقُدُسِ مَا نَافِحَ أو فَاخَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ»(َ﴾ . رَوَاهُ البُخَارِيُّ](٣).
٤٨٠٦٠ - [وَعَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيَِّ﴿ حَادٍ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ،
فَقَالَ لَّهُ النَّبِيُّ ◌َه: ((رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ، لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ)). قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعَفَةً
النِّسَاءِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
٤٨٠٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي الله عَنهَا - قَالَتْ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَهُ
الشّعْرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((هو كَلَامٌ، فَحَسَنُهُ حَسَنُ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ)). رَوَاهُ
الدَّارَقَطْنِي](٥).
٤٨٠٨ - [وَرَوَى الشَّافِعِي عَنْ عُرَوَةَ مُرَسَلاَّ](٦).
٤٨٠٩ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ بِالْعَرْجِ؛
إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّ: «خُذُوا الشَّيْطَانَ، أو أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ؛
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٠٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٩٧٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠١٢)، وابن عساكر (٨٣/٢٤).
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٤٨١)، والترمذي (٢٨٤٦) وقال: حسن صحيح غريب. وأبو يعلى (٤٥٩١)،
والحاكم (٦٠٥٨)، والديلمي (٥٥٠)، ولم أقف عليه عند البخاري.
(٤) أخرجه البخاري (٦٢١١)، ومسلم (٦١٨٥)، وأحمد (١٣٩٩٢).
(٥) أخرجه البيهقي (٢٠٩٠٢) وأبو يعلى (٤٧٦٠) والدار قطني (١٥٥/٤).
(٦) أخرجه البيهقي (٢٠٩٠٢).

٥٥٧
كتاب الآداب/ باب البيان والشعر
لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ فَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ) (١).
٤٨١٠ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: «الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النَّفَاقَ فِي الْقَلْبِ،
كَمَا يُنْبِتُّ الْمَاءُ الزَّرْعَ». رَوَاهُ البَيْهَفِي فِي «شُعَبِ الإِیْمَانِ»](٢).
(الْغِنَاءُ) كَرِهَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأبو حنيفة فِي أَصَحِّ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ عَنِ الْإِحْيَاءِ،
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الْغِنَاءَ الَّذِي لَيْسَ بِالْقَصَائِدِ الزُّهْدِيَّةِ وَنحوها حَرَامُ عِنْدَ الْإِمَامِ
أَحْمَدَ وَكَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنِ السَّلَفِ كَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَجَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَالنَّخَعِيُّ وَحَكَاهُ
الثَّوْرِيُّ فِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
(الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النَّفَاقَ فِي الْقَلْبِ، كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ) وزاد في رواية: ((وَالذِّكْرُ
يُنْبِتُ الْإِيمَانَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ)) قِيلَ: لَفْظَةُ الْغِنَاءِ هُنَا بِالْقَصْرِ بِمَعْنَى
غِنَى الْمَالِ الَّذِي هو ضِدُّ الْفَقْرِ، فَحِينَئِذٍ نَقُولُ: لَا احْتِجَاجَ مَعَ الإِحْتِمَالِ.
وَالْجَوَابُ: قَالَ الْمُنَاوِيُّ بَعْدَمَا ذَكَرَ وَصَوَّبَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: إِنَّهُ بِالْمَدِّ بِمَعْنَى
التَّغَنِّيّ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى بِآخِرِهِ، أَعْنِي: (وَالذِّكْرُ ... إِلَخْ)) لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْغِنَاءَ
بِالذِّكْرِ تَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الثَّغَنّ، ثُمَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ دَلِيلاً عَلَى الْمَظْلوبِ إذَا كَانَ حَدِيثًا
مَوْقُوفًا، وهو أَيْضًا مُحْتَمَلُ ...
ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ: فَيَالَهَا مِنْ صَفْقَةٍ فِي غَايَةِ الْخُسْرَانِ حَيْثُ بَاعَ سَمَاعَ الْخِطَابِ
مِنِ الرَّحْمَنِ بِسَمَاعِ الْمَعَازِفِ وَالْأَلْحَانِ وَالْجُلوسِ فِي مَجَالِسِ الْفُسُوقِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
أَنَّهُ مَكْرُوهُ تَنْزِيهًا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ، وَأَخَذَ جَمْعُ بِظَاهِرِهِ فَحَرَّمُوا فِعْلَهُ وَاسْتِمَاعَهُ مُظْلَقًا
[بريقة محمودية (٤٦٤/٤)].
قلت: فحلاله حلال، وحرامه حرام، واللهو المحرم لا خير فيه بالإجماع، فافهم
وتأمل.
٤٨١١ - [وَعَنْ نَافِعِ رَحِمَهُ الله قَالَ: كُنْتُ مَع ابْنِ عُمَرَ فَسَمِعَ مِزْمَارًا، فَوَضَعَ
(١) أخرجه مسلم (٦٠٣٢)، وأحمد (١١٣٥٤).
(٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥١٠٠).

٥٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَنَاءَ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ، ثُمَ قَالَ لِي بَعدَ أَنْ بَعدُ: يَا نَافِعُ،
هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا. فَرَفَعَ أَصْبُعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّ
فَسَمِعَ صَوْتَ يَرَاعٍ، فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعتْ. قَالَ نَافِعُ: فَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ صَغِيرًا. رَوَاهُ أَحْمَد
وأبو داود](١).
(١) أخرجه أبو داود (٤٩٢٦)، ولم أقف عليه عند أحمد.

باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
الفصل الأول
٤٨١٢ - [عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ
لَخَيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ](١).
٤٨١٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ:((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ
رِضْوَانِ اللّه لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُ اللّه بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ
سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهوي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ(٢). وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا:
(يَهوي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ))](٣).
(إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً) مَعْنَاهُ: لَا يَتَدَبَّرِهَا
وَيُفَكِّرِ فِي قُبْحِهَا، وَلَا يَخَاف مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا، وَهَذَا كَالْكَلِمَةِ عِنْدِ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ مِن
الولاة، وَكَالْكَلِمَةِ تُقْذَف، أو مَعْنَاهُ كَالْكَلِمَةِ الَّتِي يَتَرَنَّب عَلَيْهَا إِضْرَار مُسْلِمٍ وَنحو ذَلِكَ،
وَهَذَا كُلّهَ حَثّ عَلَى حِفْظِ اللَّسَانِ كَمَا قَالَ لَّهِ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ
خَيْرًا أو ليَصْمُت)).
وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ النُّطْقِ بِكَلِمَةٍ أو كَلَامٍ أَنْ يَتَدَبَّرُهُ فِي نَفْسِه قَبْل نُطْقه، فَإِنْ
ظَهَرَتْ مَصْلَحَته تَكَلَّمَ، وَإِلَّ أَمْسَكَ.
قال الحجة الغزالي في ((بداية الهداية)): إنما خلق اللسان لتكثر به ذكر الله تعالى
وتلاوة كتابه، وترشدن به خلق الله تعالى إلى طريقه، وتظهر به ما في ضميرك من
حاجات دينك ودنياك، فإذا استعملته في غير ما خلق له، فقد كفرت نعمة الله تعالى
فيه، وهو أغلب أعضائك عليك وعلى سائر الخلق، ولا يكب الناس في النار على
(١) أخرجه البخاري (٦١٠٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٩١٣)، وفي ((السنن الكبرى)) (١٦٤٤٨).
(٢) أخرجه البخاري (٦١١٣)، وأحمد (٨٣٩٢).
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٧٧)، ومسلم (٧٦٧٣).
- ٥٥٩ -

٥٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم، فاستظهر عليه بغاية قوتك حتى لا يكبك في قعر
جهنم.
٤٨١٤ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ
فُسُوقُ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(سِبَاب) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَمُوَحَّدَتَيْنِ وَتَخْفِيف مَصْدَر، يُقَال: سَبَّهُ يَسُبُّهُ سَبًّا
وَسِبَابًا، وَوَرَدَ لِهَذَا الْحَدِيث سَبَب أَخْرَجَهُ الْبَغَرِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أَبِي خَالِدِ الوالِيّ
عَنْ عَمْرو بْنِ الثَّعْمَانِ بْن مُقْرِنِ الْمُؤَنِيِّ قَالَ: إِنْتَهَى رَسُولِ اللهِ وَلَه إِلَى عَجْلِس مِنْ
مَجَالِس الْأَنْصَارِ وَرَجُل مِن الْأَنْصَارِ كَانَ عُرِفَ بِالْبَذَاءِ وَمُشَاتَمَة النَّاس، فَقَالَ
رَسُولِ الله وَ﴾: (سِبَاب الْمُسْلِمِ فُسُوق وَقِتَاله كُفْر) زَادَ الْبَغَوِيُّ فِي رِوَايَته: «فَقَالَ ذَلِكَ
الرَّجُل: وَالله لَا أُسَابٌ رَجُلاً)).
وقال ابن رجب الحنبلي: هذا الحديث رد به أبو وائل على المرجئة الذين لا
يدخلون الأعمال في الإيمان؛ فإن الحديث يدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرًا
وهو قتال المسلمين، فدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرًا، وبعضها يسمى إيمانًا.
وقد اتهم بعض فقهاء المرجئة أبا وائل في رواية هذا الحديث.
وأما أبو وائل فليس بمتهم؛ بل هو الثقة العدل المأمون، وقد رواه معه عن ابن
مسعود أيضًا: أبو عمر الشيباني، وأبو الأحوص وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود،
لكن فيهم من وقفه، ورواه أيضًا عن النبي ێ﴾ سعد بن أبي وقاص، وغيره.
(وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) قال أبو الفرج زين الدين بن رجب: وقد ظهر لي في القرآن
شاهد لتسمية القتال كفرًا، وهو قوله تعالى مخاطبًا لأهل الكتاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا
مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ
تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ
(١) أخرجه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤)، وأحمد (٣٦٤٧)، والترمذي (١٩٨٣) وقال: حسن صحيح.
والنسائي (٤١٠٨)، وابن ماجه (٦٩)، وابن حبان (٥٩٣٩)، والحميدي (١٠٤).

٥٦١
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أَسَارَى تُفدُوهُمْ وهو مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ
إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض﴾ [البقرة: ٨٤ - ٨٥].
والمعنى: إن الله حرم على أهل الكتاب أن يقتل بعضهم بعضًا، أو يخرج بعضهم
بعضا من داره، كان اليهود حلفاء الأوس والخزرج بالمدينة، فكان إذا وقع بين الأوس أو
الخزرج وبين اليهود قتال ساعد كل فريق من اليهود بحلافه من الأوس والخزرج على
أعدائهم، فقتلوهم معهم وأخرجوهم معهم من ديارهم بعد أن حرم عليهم ذلك في
کتابهم وأقروا به وشهدوا به.
ثم بعد أن يؤسر أولئك اليهود يفدوهم هؤلاء الذين قاتلوهم امتثالاً لما
أمروا به في كتابهم من افتداء الأسرى منهم، فسمى الله رَق فعلهم للافتداء لإخوانهم
إيمانًا بالكتاب وسمى قتلهم وإخراجهم من ديارهم كفرًا بالكتاب، فدلت هذه الآية
على أن القتال والإخراج من الديار إذا كان محرمًا يسمى: كفرًا، وعلى أن فعل
بعض الطاعات يسمى: إيمانًا؛ لأنه سمى افتداءهم للأسارى إيمانًا؛ وهذا حسن
جدًّا، ولم أرَ أحدًا من المفسرين تعرض له، ولله الحمد والمنة. [فتح الباري لابن رجب
(١٠٢/١)].
٤٨١٥. [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ كَافِرُّ،
فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](١).
٤٨١٦ [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ:((لَا يَرْبِي رَجُلُّ رَجُلاً بِالْفُسُوقِ،
وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرٍ إِلَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ)). رَوَاهُ البُخَارِي](٢).
٤٨١٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أو قَالَ: عَدُو
(١) أخرجه البخاري (٦١٠٣)، ومسلم (٦٠)، والترمذي (٢٦٣٧) وقال: حسن صحيح غريب. وأبو
عوانة (٥٤)، وابن حبان (٢٥٠)، وابن منده في «الإيمان)) (٥٢١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٦٦٦٤).
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٤٥).

٥٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الله، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
هَذَا الأحَادِيثِ مِمَّا عَدَّهَا بَعْض الْعُلَمَاءِ مِن الْمُشْكِلَاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ ظَاهِرَها
غَيْرُ مُرَادها، وَذَلِكَ أَنَّ مَذْهَب أَهْلِ الْحَقِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرِ الْمُسْلِمِ بِالْمَعَاصِي كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا،
وَكَذَا قَوْله ◌ِأَخِيهِ: ((يَا كَافِرِ)) مِنْ غَيْرِ إِعْتِفَادِ بُظْلَانِ دِينِ الْإِسْلَامِ.
وَإِذَا عُرِفَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَقِيلٌ فِي تَأويل الْحَدِيث أوجُه:
أَحَدُهَا: إنَّهُ مَحْمُولِ عَلَى الْمُسْتَحِلّ لِذَلِكَ، وَهَذَا يُكَفَّرِ، فَعَلَى هَذَا مَعْنَى بَاءَ (بِهَا))
أي: بِكَلِمَةِ الْكُفْر، وَكَذَا حَارَ عَلَيْهِ، وهو مَعْنَى رَجَعَتْ عَلَيْهِ؛ أي: رَجَعَ عَلَيْهِ
الْكُفْرِ. فَبَاءَ وَحَارَ وَرَجَعَ بِمَعْنَى وَاحِد.
وَالوَجْهُ الثَّانِي: مَعْنَاهُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ نَقِيصَته لِأَخِيهِ وَمَعْصِیة تَكْفِیره.
وَالثَّالِث: إنَّهُ مَحْمُولِ عَلَى الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا الوَجْه نَقَلَهُ
الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ الله - عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْن أَنَس، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَب
الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ: إِنَّ الْخَوَارِجَ لَا يُكَفَّرُونَ كَسَائِرِ
أَهْلِ الْبِدَع.
وَالوجْهُ الرَّابِعِ: مَعْنَاهُ: إنَّ ذَلِكَ يَؤول بِهِ إِلَى الْكُفْرِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ بَرِيد
الْكُفْرِ، وَيُخَافِ عَلَى الْمُكْثِرِ مِنْهَا أَنْ يَكُون عَاقِبَة شُؤْمِهَا الْمَصِيرِ إِلَى الْكُفْرِ، وَيُؤَيِّد
هَذَا الوَجْه مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي عَوَانَة الْإِسْفَرَابِينِيّ فِي كِتَابِه ((الْمُخَرَّج عَلَى صَحِيح
مُسْلِمٍ): فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّ فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ، وَفِي رِوَايَة إِذَا قَالَ لِأَخِيهِ: ((يَا كَافِرِ))
وَجَبَ الْكُفْرِ عَلَى أَحَدهمَا.
وَالوجْهُ الْخَامِس: مَعْنَاهُ فَقَدْ رَجَعَ عَلَيْهِ تَكْفِيره؛ فَلَيْسَ الرَّاجِعُ حَقِيقَةِ الْكُفْرِ
بَلِ التَّكْفِير؛ لِكَوْنِهِ جَعَلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنِ كَافِرًا؛ فَكَأَنَّهُ كَفَّرَ نَفْسه؛ إِمَّا لِأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ
هو مِثْلِه، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا كَافِرٍ يَعْتَقِد بُظْلَانَ دِينِ الْإِسْلَامِ، والله
(١) أخرجه البخاري (٣٣١٧)، ومسلم (٦١)، وأحمد (٢١٥٠٣).