النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤٣
کتاب الرؤيا
وقال الشيخ سراج الدين بن الملقن في (طبقات الأولياء)) في ترجمة الشيخ
خليفة بن موسى النهر المالكي: إنه كان كثير الرؤية لرسول الله ولم يقظة ومنامًا، فكان
يقول: إن أكثر أفعاله متلقاة بأمر منه وال﴾ إما يقظة وإما منامًا، رآه في ليلة واحدة سبع
عشرة مرة، قال له في إحداهن: يا خليفة لا تضجر مني، كثير من الأولياء مات بحسرة
رؤيتي.
وكان الشيخ أبو عبد الله الأسواني يخبر أنه يرى رسول الله وَليه في كل ساعة حتى
لا تكاد تمر ساعة إلا ويخبر عنه.
وقال الشيخ صفي الدين بن أبي منصور الوفائي: أخبرني الشيخ أبو العباس
الطنجي قال: وردت على سيدي أحمد الرفاعي، فقال: ما أنا شيخك، إنما شيخك
عبد الرحيم بـ((قنا))، رُح إليه، فسافرت إلى قنا، فدخلت على الشيخ عبد الرحيم فقال
لي: أعرفت رسول الله وَل﴾؟ قلت: لا، قال لي: رح إلى بيت المقدس حتى تعرف
رسول الله وَية، فرحت إلى بيت المقدس، فحين وضعت رجلي وإذا بالسماء والأرض
والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله وَعليه، فرجعت إلى الشيخ فقال لي: أعرفت
رسول الله وَل﴾؟ قلت: نعم، قال: الآن كملت طريقتك، لم تكن الأقطاب أقطابًا
والأوتاد أوتادًا والأولياء أولياء إلا بمعرفة رسول الله وَله.
وقال الشيخ صفي الدين في ((رسالته))(١): رأيت الشيخ الجليل الكبير أبا عبد الله
القرطبي من أجل أصحاب الشيخ القرشي، وكان أكثر إقامته بالمدينة النبوية، وكان له
بالنبي ◌َله وصلة وأجوبة ورد للسلام، حمّله وَّه رسالة للملك الكامل، وتوجه بها إلى
مصر وأدّاها، وعاد إلى المدينة.
وقال اليافعي في ((روض الرياحين)): أخبرني بعضهم أنه يرى حول الكعبة
الملائكة والأنبياء، وأكثر ما يراهم ليلة الجمعة وليلة الإثنين وليلة الخميس، وعدّ لي
(١) تحت قيد الطبع بدار الكتب العلمية - بيروت - بتحقيقنا.
٤٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
جماعة كثيرة من الأنبياء، وذكر أنه يرى كل واحد منهم في موضع معين يجلس فيه
حول الكعبة ويجلس معه أتباعه من أهله وقرابته وأصحابه، وذكر أن نبينا وَلّ يجتمع
عليه من أولياء الله تعالى خلق لا يحصي عددهم إلا الله تعالى ولم تجتمع على سائر
الأنبياء، وذكر أن إبراهيم وأولاده يجلسون بقرب باب الكعبة بحذاء مقامه المعروف،
وموسى وجماعة من الأنبياء بين الركنين اليمانيين، وعيسى وجماعة معه في جهة
الحجر، ورأى نبينا وعليه جالسًا عند الركن اليماني مع أهل بيته وأصحابه وأولياء أمته.
انتهى.
وقال السيوطي: إن سيدي أحمد الرفاعي لما وقف تجاه الحجرة النبوية الشريفة
أنشد:
تُقَبِّلُ الأرضَ عَنِّ وَهْيَ نَائِبَتِي
فِي حَالَةِ البُعْدِ رُوُجِي كُنْتُ أُرْسِلُهَا
فَامِدُدْ يَمِينَكَ کَيْ تَحَظَى بِهِ شَفَتِي
وَهذِهِ دولةُ الأَشْبَاحِ قَدْ حَضَرَت
فخرجت اليد الشريفة من القبر فقبّلها.
قال: وزاد بعض من روى هذه الحكاية: ورآها كل من حضر، ولا تمتنع رؤية ذاته
الشريفة بجسده وروحه؛ وذلك لأنه {* وسائر الأنبياء أحياء رُدّت إليهم أرواحهم
بعدما قبضوا، وأذن لهم في الخروج من القبور والتصرف في الملكوت العلوي
والسفلي(١).
وقد ألف الحافظ البيهقي جزءًا في حياة الأنبياء، وقال في ((دلائل النبوة):
الأنبياء عند ربهم كالشهداء.
وقال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي: أجمع المتكلمون
المحققون على أن نبينا ◌َ﴾ حيّ بعد وفاته، وأنه يُسرّ بطاعة أمته ويحزن بمعاصي العصاة
منهم، وأنه تبلغه صلاة من يصلي عليه من أمته.
(١) انظر: ((الفرقان)) للشيخ الرواس، فإن فيه ذكر القصة وتفصيلها والدفاع عنها (ص٤٥)
بتحقیقنا.
٤٤٥
کتاب الرؤيا
وقال: الأنبياء لا يبلون ولا تأكل الأرض منهم شيئًا، ويدل على ذلك أن
الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء يرزقون فرحون مستبشرون، وهذه صفة الأحياء في
الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء فالأنبياء أحق بذلك وأولى، وقد صحَّ أن الأرض لا
تأكل أجساد الأنبياء.
وقال ◌َله: ((مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي
في قبره)(١) وهذا صحيحُ في إثبات الحياة لموسى؛ فإنه وصفه بالصلاة وأنه كان قائمًا،
ومثل هذا لا توصف به الروح وإنما يوصف به الجسد.
ثم قال السيوطي: فحصل من مجموع هذه النقول والأحاديث أن النبي (وَلّ حي
بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض في الملكوت، وهو
بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما
غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله رفع الحجاب عمن أراد
إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها، لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التشخيص
برؤية المثال. انتهى مختصرًا.
وقال الإمام الشعراني # في مقدمة كتابه ((المنن الكبرى)): كان سيدي علي
الخواص له يقول: أخذت طريقي هذه عن سيدي إبراهيم المتبولي له عن رسول الله
واله وصورة أخذ الأولياء عن رسول الله وعليه أن أرواحهم تجتمع برسول الله وَ ل يقظة
ومشافهة من حيث أرواحهم لا من حيث أجسادهم، فليس اجتماعهم به ؛
وَسْـ
كاجتماع الصحابة، فافهم.
وكان سيدي أبو العباس المرسي # يقول: لا يكمل مقام فقير إلا إن صار
يجتمع برسول الله ◌َل *: يقظة ويراجعه في أموره كما يراجع التلميذ شيخه، وقد بلغنا أن
سيدي محمد الغمري # لما عَمَّر جامعه بمصر استأذن رسول الله وَليه بواسطته، فقال
(١) رواه مسلم (١٨٤٥/٤).
٤٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
له: ((عمّر وتوكل على الله)) فلا أدري أكان ذلك قبل الكمال، أو استأذن بالواسطة حياء
من رسول الله وَل﴾، وهذا هو اللائق بمقامه فإنه كان مشهورًا بالكمال.
وكان سيدي ياقوت العرشي # يقول: من ادعى أنه يأخذ عن رسول الله اليه.
الأدب والعلم فاسألوه عن كيفية ما وقع له، فإن قال: رأيت نورًا ملأ المشرق والمغرب
وسمعت قائلاً يقول لي من ذلك النور في ظاهري وباطني لا يختص بجهة من الجهات:
اسمع لما یأمرك به نبي ورسولي، فصدقوه، وإلا فهو مفتر کذاب. انتهى.
فعلم أن مقام الأخذ عن رسول الله وَ ل﴿ بلا واسطة مقام عزيز لا يناله كل أحد،
وكان سيدي إبراهيم المتبولي يقول: نحن في الدنيا خمسة لا شيخ لنا إلا رسول الله وَله:
الجعدي - يعني: نفسه - والشيخ أبو مدين، والشيخ عبد الرحيم القناوي، والشيخ أبو
السعود بن أبي العشائر، والشيخ أبو الحسن الشاذلي ﴾ أجمعين.
قال الإمام الشعراني بعدما ذكر ذلك: واعلم يا أخي أني لا أعلم في مصر الآن
أحدًا من الفقراء الظاهرين أقرب سندًا في طريقه إلى رسول الله وَ﴾ مني، فإن بيني
وبين رسول الله صل﴿ فيها رجلان فقط: سيدي على الخواص، وسيدي إبراهيم المتبولي،
فجميع أخلاق الكمّل المذكورة في هذا الكتاب المأخوذة عنهما مأخوذة عن رسول الله
﴿4﴾ تصريحًا أو إشارة كما أخبرني سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى، وأخبرني الشيخ
أبو الفضل الأحمدي أن سيدي عليًّا لم يمت حتى صار يأخذ عن رسول الله وَلَيهِ بلا
واسطة، فبيني وبين رسول الله والر من هذا الوجه رجل واحد. انتهى مختصرًا.
ثم قال * في الباب الخامس منها: ومما أنعم الله تبارك وتعالى به عليَّ شدة قربي
من رسول الله وسلم وطيّ المسافة بيني وبين قبره الشريف في أكثر الأوقات، حتى ربما
أضع يدي على مقصورته وأنا جالس بمصر، وأكلمه كما يكلم الإنسان جليسه، وهذا
الأمر لا يدرك إلا ذوقًا ومن لم يشهد ذلك فربما أنكره.
وكان سيدي أبو العباس المرسي يقول: لو حجبت عني جنة الفردوس طرفة
عين، أو رسول الله وَ ليه طرفة عين، أو فاتني الوقوف بعرفة سنة واحدة ما عددت
٤٤٧
كتاب الرؤيا
نفسي من جملة الرجال. انتهى.
قال الشعراني: فسلم يا أخي للفقراء ما يدّعونه من مثل ذلك، ولا تنكر عليهم
إلا ما صرحت الشريعة بمنعه، فقد أجمعوا على أن كل من أنكر شيئًا من مقاماتهم
حُرم الوصول إليه، فافهم ذلك، والحمد لله. انتهى مختصرًا.
وقال ﴾ في مقدمة كتابه («الميزان)): كان سيدي علي الخواص - رحمه الله - يقول:
لا يصح خروج قول من أقوال الأئمة المجتهدين عن الشريعة أبدًا عند أهل الكشف
قاطبة، وكيف يصح خروجهم عن الشريعة مع اطلاعهم على مراد أقوالهم من الكتاب
والسنة وأقوال الصحابة، ومع الكشف الصحيح، ومع اجتماع روح أحدهم بروح
رسول الله وَليه وسؤالهم منه عن كل شيء توقفوا فيه من الأدلة: هل هذا من قولك يا
رسول الله أم لا؟ يقظة ومشافهة بالشروط المعروفة بين أهل الكشف، وكذلك يسألونه
وَّ عن كل شيء فهموه من الكتاب والسنة قبل أن يدوّنوه في كتبهم ويدينوا الله تعالى
به، ويقولون: يا رسول الله قد فهمنا كذا من آية كذا وفهمنا كذا من قولك في الحديث
الفلاني كذا، فهل ترتضيه أم لا؟ ويعملون بمقتضى قوله وإشارته.
ومن توقّف فيما ذكرناه من كشف الأئمة المجتهدين ومن اجتماعهم
برسول الله ويليه من حيث الأرواح، قلنا له: هذا من جملة كرامات الأولياء بيقين، وإن
لم يكن الأئمة المجتهدون أولياء فما على وجه الأرض ولي أبدًا، وقد اشتهر عن کثیر
من الأولياء الذين هم دون الأئمة المجتهدين في المقام بيقين أنهم كانوا يجتمعون
برسول الله ﴿﴿ كثيرًا، ويصدقهم أهل عصرهم على ذلك كسيدي الشيخ عبد الرحيم
القناوي، وسيدي الشيخ أبي مدين المغربي، وسيدي السعود بن أبي العشائر، وسيدي
الشيخ إبراهيم الدسوقي، وسيدي الشيخ أبي الحسن الشاذلي، وسيدي الشيخ أبي العباس
المرسي، وسيدي الشيخ إبراهيم المتبولي، وسيدي الشيخ جلال الدين السيوطي، وسيدي
الشيخ أحمد الزواوي البحري، وجماعة ﴾ أجمعين، وذكرناهم في كتاب ((طبقات
الأولياء)). انتهى.
٤٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وقال له أيضًا في خطبة كتابه ((لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية)):
اعلم يا أخي أن رسول الله وَليه لما كان هو الشيخ الحقيقي لأمة الإجابة كلها ساغ لنا أن
نقول في تراجم عهود الكتاب كلها: أخذ علينا العهد العام من رسول الله وتعلم - أعني:
معشر جميع الأمة المحمدية - فإنه ◌َّه إذا خاطب الصحابة بأمر أو نهي أو ترغيب أو
ترهيب انسحب حكم ذلك على جميع أمته إلى يوم القيامة، فهو الشيخ الحقيقي لنا
بواسطة الأشياخ، أو بلا واسطة مثل من صار من الأولياء يجتمع به و علقٍ في اليقظة
بالشروط المعروفة عند القوم. انتهى.
وقال سيدي ابن عطاء الله في ((لطائف المنن)): قال أبو العباس المرسي: وقد
يجذب الله العبد إليه فلا يجعل عليه منة لأستاذ، وقد يجمع شمله برسول الله والخ.
فيكون آخذًا عنه، وكفى بهذا منة، ولقد قال لي الشيخ مكين الدين الأسمر: أنا ما
رباني إلا رسول الله ◌َي، وذكر عن الشيخ عبد الرحيم القناوي أنه كان يقول: أنا لا
منة لأحد عليَّ إلا لرسول الله وَله، وإذ أراد الله أن يتفضل على العبد ويغنيه عن
الأستاذ فعل. انتهى.
وقال الإمام الشعراني * في العهد الثاني من الكتاب المذكور: أخذ علينا العهد
العام من رسول الله ﴾ أن نتبع السنة المحمدية في جميع أقوالنا وأفعالنا وعقائدنا، فإن
لم نعرف لذلك الأمر دليلاً من الكتاب والسنة، أو الإجماع، أو القياس توقفنا عن
العمل به حتى ننظر: فإن كان ذلك الأمر قد استحسنه بعض العلماء استأذنّا
رسول الله وَلير فيه، ثم فعلناه أدبًا مع ذلك العالم؛ وذلك كله خوف الابتداع في
الشريعة المطهرة فنكون من جملة الأئمة المضلين، وقد شاورته 0 18 في قول بعضهم أنه
ينبغي أن يقول المصلي في سجود السهو: سبحان من لا ينام ولا يسهو، فقال ◌َله: (هو
حسن".
ثم لا يخفى أن الاستئذان لرسول الله صل﴾ يكون بحسب المقام الذي فيه
العبد حال إرادته الفعل، فإن كان من أهل الاجتماع به * * يقظة ومشافهة كما هو
4
ار
-
٤٤٩
ـف استأذنه كذلك، وإلا استأذنه بالقلب وانتظر ما يحدثه الله تعالى
تحسان الفعل أو الترك.
بم .، في نفس هذا العهد: فاعمل يا أخي على جلاء مرآة قلبك من الصدأ
والغبار، وعلى تطهرك من سائر الرذائل حتى لا يبقى فيك خصلة واحدة تمنعك من
دخول حضرة الله تعالى وحضرة الرسول وَل﴾، فإن أكثرت من الصلاة والسلام عليه
وَالثّ، فربما تصل إلى مقام مشاهدته وَل﴾، وهي طريق الشيخ نور الدين الشوني، والشيخ
أحمد الزواوي، والشيخ أحمد بن داود المنزلاوي، وجماعة من مشايخ اليمن، فلا يزال
أحدهم يصلي على رسول الله وَلّ، ويكثر منها حتى يتطهر من كل الذنوب، ويصير
يجتمع به له يقظة أي وقت شاء ومشافهة، ومن لم يحصل له هذا الاجتماع فهو إلى
الآن لم يكثر من الصلاة والتسليم على رسول الله ويليه الإكثار المطلوب ليحصل له
هذا المقام.
وأخبرني الشيخ أحمد الزواوي أنه لم يحصل له الاجتماع بالنبي ◌َّ يقظة حتى
واظب على الصلاة عليه وقال سنة كاملة يصلي كل يوم وليلة خمسين ألف مرة، وكذلك
أخبرني الشيخ نور الدين الشوني أنه واظب على الصلاة على النبي وسيو كذا وكذا سنة
يصلي وکل یوم ثلاثين ألف صلاة.
وسمعت سيدي عليًّا الخواص ﴾ يقول: لا يكمل مقام عبد في مقام العرفان
حتى يصير يجتمع برسول الله وَ ل﴾ أي وقت شاء.
قال الخواص: وممن بلغنا أنه كان يجتمع بالنبي ◌َّيه يقظة ومشافهة من السلف
الشيخ أبو مدين شيخ الجماعة، والشيخ عبد الرحيم القناوي، والشيخ موسى الزولي،
والشيخ أبو الحسن الشاذلي، والشيخ أبو العباس المرسي، والشيخ أبو السعود بن أبي
العشائر، وسيدي إبراهيم المتبولي، والشيخ جلال الدين السيوطي كان يقول: رأيت
النبي ◌َّه واجتمعت به يقظةً نيفًا وسبعين مرة، وأما سيدي إبراهيم المتبولي فلا يحصى
اجتماعه به؛ لأنه كان يجتمع به في أحواله كلها ويقول: ليس لي شيخ إلا رسول الله وله
٤٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء .
ثم قال له في عهد طلب الإكثار من الصلاة والتسليم على رسول الله وكل﴾: وقال
لي مرة الشيخ أحمد الزواوي: طريقتنا أن نكثر من الصلاة على النبي ◌َّ حتى يصير
يجالسنا يقظة، ونصحبه مثل الصحابة ونسأله عن أمور ديننا وعن الأحاديث التي
ضعّفها الحفاظ عندنا، ونعمل بقوله ولهم فيها، وما لم يقع لنا ذلك فلسنا من المكثرين
للصلاة عليه و القوة
ثم قال في هذا العهد: وقد قدمنا أوائل العهود أن صحبة النبي ◌َّ البرزخية
تحتاج إلى صفاء عظيم حتى يصلح العبد لمجالسته ول﴾، وأن من كان له سريرة سيئة
يستحي من ظهورها في الدنيا والآخرة لا يصلح له صحبة مع رسول الله وَّة، ولو كان
على عبادة الثقلين.
وقال الإمام الشعراني أيضًا في ((درر الغواص على فتاوى سيدي علي الخواص)(١)
قال لي : جميع الأولياء الأحياء والأموات قد تزحزحت أبوابهم للغلق، وما بقي
مفتوحًا إلا باب رسول الله وَسية، فأنزل كل شيء توجه به الناس إليك برسول الله ◌َي﴾،
فإنه شيخ الناس كلهم، وحكم الخلق كلهم بالنسبة إليه كالعبيد والغلمان الذين في
خدمته، فهو يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، والله أعلم.
وسألته : متى يكمل العالم في درجة العلم؟ فقال: إذا صار الشارع مشهودًا
له في كل عمل مشروع، وصار يستأذنه في جميع ما يأمر به الناس وينهاهم عنه من
الأمور المستنبطة، ويفعل ما يأذن له فيه منها، فإن المجتهد قد يخطئ.
فقلت له: هذا فيما يأمر به الغير، فكيف حاله فيما يفعله هو؟ فقال: لا يكمل
في مقام العلم حتى يستأذنه في كل أكل وشرب ولبس ودخول وخروج وجماع وغیر
ذلك من سائر الحركات والسكنات، فإذا فعل ذلك كان كاملاً في العلم والأدب، وشارك
الصحابة في معنى الصحبة، والله أعلم. انتهى.
(١) تحت قيد التحقيق الكتاب تامًّا وكاملاً .. يسر الله ذلك.
٤٥١
كتاب الرؤيا
وقال الملا علي القاري في ((جمع الوسائل شرح شمائل الترمذي)) عند قوله
صَ
((من رآني في المنام فقد رآني)) بعد كلام طويل: أي: من رآني فقد رأى حقيقة صورتي
الظاهرة ((فإن الشيطان لا يتمثل بي)) أي: لا يستطيع أن يتصور بشكلي الصوري وإلا
فهو بعيد عن التمثل المعنوي.
ثم اعلم أن الله 8 كما حفظ نبيه * حال اليقظة من تمكن الشيطان منه
وإيصال الوسوسة، فكذلك حفظه الله بعد خروجه من دار التكليف، فإنه لا يقدر أن
يتمثل بصورته وأن يتخيل للرائي بما ليس هو، فرؤية الشخص في المنام إياه ودية بمنزلة
رؤيته في اليقظة في أنها رؤية حقيقة لا رؤية شخص آخر؛ لأن الشيطان لا يقدر أن
يتمثل بصورته ول# ويتشكل بها، ولا أن يتشكل بصورة نفسه ويتخيل إلى الرائي أنه
صورته ، فلا احتياج لمن رأى النبي وآله في المنام بأي صورة كانت أن يعبّر هذا،
ويظن أنه شيء آخر وإن رآه بغير صورته في حياته وَلاو على ما ذكروه. انتهى مختصرًا.
وقال الشيخ أبو الهُدى - رحمه الله - في ((شرحه نونية أحمد الصياد ظ﴾) عند
قول المصنف # الشهير بالمخزومي:
خَمْرًا بِهِ طَابَ سُكْرِي قَبْلَ تَصْوِيْنِي
قُمْ يَا نَدِيْمِي فَهَذَا الحِبُّ يَسْقِيْنِي
أشار ﴾ بقوله: ((فَهذَا الِحِبُّ يَسقيني)) (١) أن حبه ◌َ لّها هو يسقيه خمرًا صحت
له الحصة، بدليل إفاضة الروح المحمدية له، وتمسكه بالشريعة المطهرة على صاحبها
أفضل الصلاة وأزكى التحية.
قيل لإمام شيخ الإسلام السيد سراج الدين الرفاعي الشهير بالمخزومي دفين
ببغداد : إن الشيخ أبا العباس المرسي عنه قال: لو غاب عني رسول الله صل﴾ طرفة
عين ما عددت نفسي من المسلمين، فقال: هذا مقام عامة الأولياء، بل يجب أن
(١) فيه قبله: ((استنهض همة نديمه أي: جليسه ورفيق مشربه الناهج على منهجه والمقتدي بجنابه
وهزه إلى المعالي وترك الكسل فقال له: ((قُمْ)) وهي كلمة أمر وأشار له أيضًا أن حبه وَلّها هو
يسقيه خمرًا)). ((نفحات الإمداد على نونية الصياد)) (ص١٢٧) بتحقيقنا.
٤٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
يكون مقام كافة المسلمين؛ إذ ينبغي للمؤمن ألا يلتفت نظره ولا يزيغ بصره عن نبيه
ويّ لتصحيح القدوة، وأما مقام خواص القوم وكبارهم فهو أن يكون دائمًا في كل
طرفة ولحظة منظورًا بكل أحواله وأقواله وأفعاله بنظر الحنان والرأفة والعناية من
رسول الله ويله، فلا يغيب بحجاب رد أو قطع أو إهمال طرفة عين ملاحظة مدده
ورأفته المحمدية ﴾. انتهى مختصرًا.
وقال الشيخ محمد بهاء الدين البيطار في كتابه ((النفحات الأقدسية في شرح
الصلوات الأحمدية الإدريسية)) في شرح الصلاة السابعة عند قول المصنف: (يا كامل
الذات يا جميل الصفات) واعلم - رحمك الله - أن مناجاة السيد الأعظم وال﴿ إنما
تكون عند أهل الطريق إما بالمراقبة وإما بالمشاهدة، فالمراقبة للمريدين، والمشاهدة
العارفين، فالعارف المحقق كسيدي أحمد بن إدريس إذا قال: السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته، يشهده حاضرًا لديه و ◌َلل حسًا أو معنى، فالحس حضوره
بصورته الكريمة، والمعنى حضوره بحضور كل شيء، وأما المريد فالواجب عليه
تشخيص حضوره وّله إما بصورته الكريمة التي حاكها أهل الحديث، وإما بمعناه من
أنه نور كل شيء وحقيقته، فيخيل أنه ينظر إليه في كل منظور، ولا يزال هذا الخيال
يقوى إلى أن تحصل له علامة المشاهدة، فتكون تلك العلامة بشارة له برؤيته
يقظة، وبراه حاضرًا بالحس والمعنى إن سبقت له العناية، وكان مرادًا للولاية. انتهى
مختصرًا.
وقال سيدي أحمد بن المبارك في ((الإبريز)) الذي تلقاه عن شيخه غوث زمانه
سيدي عبد العزيز الدَّباغ : سأل بعض الفقهاء سيدي عبد العزيز عن الشيخ الذي
يدعي رؤية النبي ◌ّله يقظة: قال العارفون بالله: لا تقبل دعواه إلا ببينة، وهو أن يقطع
ثلاثة آلاف مقام إلا مقامًا، ويكلف المدعي بعدِّها وبيانِها، فالمطلوب من سيادتكم
أن تعدّوها لنا ولو برمز واختصار، أو ما تيسر منها من غير استكثار.
فأجاب # بأن في باطن كل ذات ثلاثمائة وستة وستين عرقًا، كل عرق حامل
٤٥٣
كتاب الرؤيا
للخاصية التي خلق لها، والعارف ذو البصيرة يشاهد تلك العروق مضيئة شاعلة في
خواصها ...
ثم قال بعد كلام طويل: فإذا صفا نظره وتم نور بصيرته ورحمه الله الرحمة التي
لا شقاء بعدها رزقه الله سبحانه رؤية سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة
وأزكى التسليم، فيراه عيانًا ويشاهده يقظة، ويمده الله تعالى بما لا عين رأت ولا أذن
سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ثم إن النبي ◌َّ لا تخفى شمائله المطهرة على أمته فقد دونت العلماء ﴾ ما
خصه الله تبارك وتعالى في ظاهر ذاته وفي باطنه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم،
فمن ادعى رؤيته * يقظة فليسأل عن شيء من أحواله الزكية ويسمع جوابه، فإنه لا
يخفى من يجيب عن عيان، ولا يتلبس بغيره أبدًا والسلام، وكأن من حصرها في الغين
أو أكثر أخبر عن حالته وما وقع له من الفتح. انتهى مختصرًا، ومن أراد أن يطلع على
بقية كلام الشيخ فليراجع ((الإبريز)) والله أعلم.
وسأله الفقيه أيضًا: سيدي عبد العزيز هل استحضار صورة النبي ◌َّ في ذهن
المؤمن وتشخصه إياها هو من عالم الروح، أو من عالم المثال، أو من عالم الخيال
محفوظ صاحبها من الشيطان مثل الرؤيا المنامية عملاً بقوله وَلير: ((من رآني في المنام
فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي)) أو كما قال ◌َل﴾. أو ليست مثلها؟ أجيبوا
مأجورین.
فأجاب له بأن ذلك الاستحضار من روح الشخص وعقله، فمن توجه بفكره
إليه ګ﴾ وقعت صورته في ذهنه، فإن كان ممن يعلم صورته الكريمة - لكونه صحابيًّا
أو من العلماء الذين عنوا بالبحث عنها ثم حصلوها - فإنها تقع في فكره على نحو ما
هي عليه في الخارج، وإن كان من غير هذين فإنه يستحضره في صورة آدمي في غاية
الكمال في خَلْقه وخُلُقه، فقد توافق الصورة التي في فكره ما في الخارج، وقد تخالفه.
والحاضر في الفكر هو صورة ذاته وليه لا صورة روحه وَله، فإن الذي شاهده
٤٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الصحابة ه وأخبر عنه العلماء هو الذات لا الروح الشريفة، ولا يجول الفكر إلا فيما
يعلمه الشخص ويعرفه، فقولكم: هل هو من عالم الروح؟ إن أردتم به الاستحضار
فهو من عالم الروح؛ أي: من روح المتفكر، وإن أردتم به الحاضر؛ أي: فهل الحاضر في
أفكارنا روحه ◌َله؟ فقد سبق أنه ليس إياها، وأما المحادثة والمكالمة إذا حصلت لهذا
المتفكر، فإن كانت ذاته طاهرة وتحبها روحه ◌َّي، ولم تحجب عنها أسرارها وكانت
معها كالخليل مع خليله فالمحادثة معصومة وهي حق، وإن كانت الذات على العكس
فالأمر على العكس، والله الموفق.
وقد ذكرت له ﴾ ذات يوم أن بعض الصالحين كان يذكر مع جماعة من
أصحابه، ثم إن بعضهم تبدل لونه وتغير حاله وبدل جلسته، فقيل له: لم فعلت هذا؟
فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيَكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٧] يريد أن النبي ◌َّرُ حضرهم في
تلك الساعة، وأنه شاهد ذلك، فقلت للشيخ﴾: هل هذه المشاهدة التي وقعت لهذا
الرجل مشاهدة فتح أو مشاهدة فكر؟ فقال: مشاهدة فكر لا مشاهدة فتح، ومشاهدة
الفكر وإن كانت دون مشاهدة الفتح إلا أنها لا تقع إلا لأهل الإيمان الخالص والمحبة
الصافية والنية الصادقة.
وبالجملة: فهي لا تقع إلا لمن كمل تعلقه بالنبي ◌َّة، وكم من واحد تقع له هذه
المشاهدة فيظنها مشاهدة فتح وإنما هي مشاهدة فكر، وهذا القسم الذي تقع له هذه
المشاهدة هو غير مفتوح عليه، لكنه إذا قيس مع عامة المؤمنين كانوا بالنسبة إليه
كالعدم، ويكون إيمانهم بالنسبة إلى إيمانه كلا شيء. انتهى بحروفه.
وقال أيضًا في ((الإبريز): سمعت شيخي يقول: لكل شيء علامة، وعلامة إدارك
العبد مشاهدة النبي ◌ّي في اليقظة أن يشتغل الفكر بهذا النبي الشريف اشتغالاً دائمًا
بحيث لا يغيب عن الفكر ولا تصرفه عنه الصوارف ولا الشواغل، فتراه يأكل وفكره
مع النبي (ێ﴾ ویشرب وهو كذلك ويخاصم وهو كذلك وینام وهو كذلك.
فقلت: وهل يكون هذا بحيلة وكسب من العبد؟ فقال: لا؛ إذ لو كان بحيلة
٤٥٥
کتاب الرؤيا
وكسب من العبد لوقعت له الغفلة عنه إذا جاء صارف أو عارض شاغل، ولكنه أمر
من الله يحمل العبد علیه ويستعمله فيه، ولا يحس العبد من نفسه اختيارًا فيه، حتى
لو كلف العبد دفعه ما استطاع، ولهذا كانت لا تدفعه الشواغل والصوارف، فباطن
العبد مع النبي ◌َّه وظاهره مع الناس يتكلم معهم بلا قصد ويأكل بلا قصد، ويأتي
بجميع ما يشاهد في ظاهره بلا قصد؛ لأن العبرة بالقلب وهو مع غيرهم، فإذا دام
العبد على هذا مدة رزقه الله مشاهدة نبيه الكريم ورسوله العظيم في اليقظة.
ومدة الفكر تختلف: فمنهم من تكون له شهرًا، ومنهم من تكون له أقل،
ومنهم من تكون له أکثر.
قال : ومشاهدة النبي أمرها جسيم وخطبها عظيم، فلولا أن الله تعالى يقوي
العبد ما أطاقها، لو فرضنا رجلاً قويًّا عظيمًا اجتمع فيه قوة أربعين رجلاً كل واحد
منهم يأخذ بأذن الأسد من الشجاعة والبسالة، ثم فرضنا النبي لم خرج من مكان
على هذا الرجل لا نفلقت كبده وذابت ذاته وخرجت روحه، وذلك من عظمة سطوته
وَله، ومع هذه السطوة العظيمة، ففي تلك المشاهدة الشريفة من اللذة ما لا يكيف
ولا يحصى حتى إنها عند أهلها أفضل من دخول الجنة؛ وذلك لأن من دخل الجنة لا
يرزق جميع ما فيها من النعم، بل كل واحد له نعيم خاص به، بخلاف مشاهد النبي
وَلة، فإنه إذا حصلت له المشاهدة المذكورة سقيت ذاته بجميع نعيم أهل الجنة، فيجد
لذة كل لون وحلاوة كل نوع كما يجد أهل الجنة في الجنة، وذلك قليل في حق من
خُلقت الجنة من نوره ێ انتهى بحروفه.
ونقل الشيخ يوسف النبهاني - رحمه الله - في كتابه ((سعادة الدارين)) عن
العارف بالله عبد الغني النابلسي: قال في آخر «شرحه على الصلوات المحمدية للشيخ
الأكبر ابن العربي)) عند قوله: ((وعلى آل الشهود والعرفان): فإن رؤية النبي تَّ باقية
لأهل الكمال والإيمان من أهل الصدق والإيقان، وقد اجتمعتُ بواحد منهم كان من
العلماء الكاملين وكان يخبرني برؤيته واجتماعه بالنبي قوله يقظة، وكنت أجتمع به في
٤٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
المدينة المشرفة في الحرم النبوي عام مجاورتي في شهر رمضان سنة خمس ومائة وألف،
فأقعد معه عند باب الحجرة الشريفة ويخبرني بوقائعه معه ريهية، وأنا مصدق له في كل
ذلك باطنًا، وكان يحبني وأحبه ويدعوني إلى بيته فأفطر عنده، وهو من العلماء الكبار
رحمه الله تعالی. انتهى مختصرًا.
وقال سيدي محمد بن علان الصديقي في رسالته التي سماها: «تعريف أهل
الإسلام والإيمان بأن سيدنا محمدًا ﴾. لا يخلو منه مكان ولا زمان)) بعد نقله شيئًا
من كلام السيوطي في ((تنوير الحلك)) وغيره: والذي يظهر - إن شاء الله تعالى - أن النبي
وَ لّ حين مات انتقل إلى أزكى الرضوان وإلى أعلى فراديس الجنان وإلى درجة الوسيلة على
ترتيب معقول: وهو أنه وَله وصل إلى روضته المشرفة وقبره المعظم ثم رفعه بلا شبهة
إلى أشرف درجة عنده وهي الوسيلة التي يغبطه فيها الأولون والآخرون.
ثم أذن الله 9 له إذنًا متحتمًا أن يسير في أقطار السماوات والأرض والبحر
والسهل والوعر حيث شاء متى شاء، ومع هذا فقد أعطاه الله تعالى قوة وهيبة، وأهَّله
أهلية بحيث يكون في درجة الوسيلة موجودًا بحيث لو ناداه منها نبي مرسل أو ملك
مقرب لأجابه من يوم موته إلى ما لا نهاية له مما بعد القيامة كما هو ذلك في درجة
الوسيلة، فكذلك يجده طالبه بين يدي ربه ثقة، ويجده المسلّم عليه داخل قبره، ويجده
كل طالب بين يدي مطلوبه، كما يجده المتفكر في فكره والعارف في سره.
كما أذن الله تعالى الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بعد رفعهم إلى حظيرات
قدسه الأعلى في إقامة شبح منهم في قبورهم تأنيسًا لأهل الأرض، وفي تجريد أشباح
تسرح حيث شاءت، على أنه لا حجر على ذلك، والشبح المقيم في القبر ليس لإقامته
معنى سوى أنه متى طلبه طالب وجده ومتى حضر عليه رأى شخصه.
قال الحافظ السيوطي في كتابه المذكور بعد استيعابه لأكثر نقول العلماء
والأحاديث الدالة على إمكان رؤية النبي ◌َّ في المنام واليقظة: قد تحصّل من مجموع
هذه النقول والأحاديث أن النبي ◌َلر حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف حيث شاء في
٤٥٧
كتاب الرؤيا
أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء،
وأنه يغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا
أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد كرامته برؤية والي رآه على هيئته التي هو عليها
لا منع من ذلك، ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال. انتهى كلام السيوطي.
ثم قال سيدي محمد بن علان: وأما كلامنا والذي نقوله إن شاء الله أن الأمر
كما قاله الجلال السيوطي، وأخص من ذلك أن الذي أراه أن جسده الشريف لا يخلو
منه زمان ولا مكان، ولا محل ولا مكان، ولا عرش ولا لوح، ولا كرسي ولا قلم، ولا بر
ولا بحر، ولا سهل ولا وعر، ولا برزخ ولا قبر كما أشرنا إليه أيضًا، وأنه امتلأ الكون
الأعلى به كامتلاء الكون الأسفل به وكامتلاء قبره به، فنجده مقيمًا في قبره طائفًا حول
البيت قائمًا بين يدي ربه لأداء الخدمة، تام الانبساط بإقامته في درجة الوسيلة.
ألا ترى أن الرائين له يقظة أو منامًا في أقصى المغرب يوافقون في ذلك الرائين له
كذلك في تلك الساعة بعينها في أقصى المشرق؟ فمتى كان كذلك منامًا كان في عالم
الخيال والمثال، ومتى كان يقظة كان بصفتي الجمال والجلال وعلى غايات الكمال كما
قال القائل:
وَلَيسَ عَلى الله بِمُستَنْكَرٍ أَن يَجِمَعَ العالَمَ في واحِدٍ
ويدل على ذلك ما روينا من أنه * ليلة الإسراء رأى أخاه موسى العفيها يصلي في
قبره، وجاء إلى بيت المقدس فرآه أيضًا، وصلى موسى خلفه أسوة الأنبياء - صلوات الله
عليه وعليهم - ثم فارقه وصعد وله إلى السماء الرابعة فوجده فيها، وكذلك آدم
وعيسى ويحي ويوسف وإدريس وهارون وإبراهيم، صلى بهم ◌َ له في بيت المقدس
ووجدهم في السماوات، وهم دونه في الفضل، فهو أولى منهم بكونه موجودًا في كل
مكان ومقيمًا في قبره ◌َّي، فقد ترقّى ليلة الإسراء إلى ما لا وصول إليه لملك مقرب، ولا
نبي مرسل.
٤٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
قال سيدي ابن علان: ومن الأدلة النقلية على ذلك: ما رواه البخاري(١) وغيره
من أن الملكين يقولان للمقبور: ما تقول في هذا الرجل؛ أي: النبي ◌َّ؟ واسم الإشارة
لا يشار به إلا للحاضر.
ثم قال: ولما كان ◌َليّة روح العوالم العلوية والسفلية وجب ألا يخلو جزء منها
من جسده الشريف وروحه الزكية، وحكى السيوطي وغيره عن كثير من الأولياء
أنهم كانوا يجتمعون به ◌َل* يقظة ومنامًا، فالحجاب من قِبلنا بسبب مساوئنا لا من
قبله وَعليه، ولهذا تجد العبد متى فارق نفسه ولو بالنوم وأغمض عينيه يراه والخر إذا
قسم الله تعالى له ذلك، ومتى قتلها بقمعها وأماتها بردعها لم يبق بينه وبينه وَالر
حجاب لا منامًا ولا يقظة، ولهذا كان شيخنا الشيخ نور الدين الشوني يجتمع به وَلخر في
المحيا بالأزهر يقظة.
وكان علامة اجتماعه به ◌َي# قيامه في المحيا فيقوم الناس معه تارة آخر الليل
وتارة نصفه، وتارة عند ابتداء القراءة في المحيا بُعيد العشاء، فيستمر قائمًا إلى الصبح،
وكان يجتمع به وَّ في خلوته بالسيوفية في باب الزهومة ليلاً ونهاراً غالبًا.
وقال: ومن البراهين على ذلك أن الأبدال من هذه الأمة إنما سمي الواحد منهم
بدلاً؛ لأنه يسافر ویترك مكانه بدلاً عنه على صورته.
وقد اتفق القضيب البان ه إنه ادُّعي عليه بترك الصلاة، فسأله القاضي: ماذا
تقول؟ فانقسم منه سبع صور كل منها لا يشك شاك أنه قضيب البان، فقالت صورة
من تلك الصور للقاضي والمدّعين: انظروا على أي صورة تدّعون بترك الصلاة؟
قلت: نقل الخاني في كتابه ((الحدائق الوردية)) أن الإمام الرباني مجدد الألف
الثاني أحمد الفاروقي النقشبندي دعاه للإفطار في شهر رمضان عشرةً من مريديه
فأجابهم، فلما كان وقت الغروب حضر عند كل واحد من العشرة في آن واحد وأفطر
عندهم كلهم. انتهى، فإذا كان هذا لكل واحد من الأبدال أفلا يظهر لرسول الله وَليه
(١) في (١٢٥٢).
٤٥٩
كتاب الرؤيا
ألف ألف مثال؟
وقال سيدي ابن علان: ومن البراهين العقلية على جواز ذلك: أنه يجوز أن
يجعل الله تعالى العوالم العلوية والسفلية بين يدي رسول الله ( 4* كجعله الدنيا بين
يدي عزرائيل، فقد سئل: كيف تقبض روح رجلين حضر أجلهما معًا أحدهما في
أقصى المشرق والآخر في أقصى المغرب؟ فقال: إن الله تعالى جعل الدنيا بين يدي
كالقصعة بين يدي الآكل أتناول منها ما شئت.
وقال: ومن البراهين على ذلك أيضًا: أن أمر البرزخ لا يُقاس على غيره، ألا ترى
لملكي السؤال مع تناهي عظمهما في أضيق اللحود، ومن أين يأتيان، ومن أين يصعدان،
وكيف يأتين ميتين أو أموات في وقت واحد منهم من هو في أقصى المشرق ومنهم من
هو في أقصى المغرب، وكيف يخرق بإصبعه في جانب اللحد طاقة تمد إلى الجنة وطاقة
إلى النار مع أن الجنة عند سدرة المنتهى والنار تحت البحر المالح؟ فلا مانع من أن
يعطي الله تعالى سيدنا محمدًا له الذي أعطاه لملكي السؤال وملك الموت وفوق ذلك؛
إذ هما دونه لأنهم إنما يسألان عنه.
وقد تحصل من هذه المقالات والأجوبة والسؤلات أنه # بجسده الشريف
وروحه الزكية لا يخلو منه زمان ولا مكان، ولا عصر ولا أوان.
وقد بلغنا عن الوالي العارف سيدي عبد العزيز الديريني أنه لما نسبت إليه
المشيخة بديرين، ونازعه فيها جماعة من الأشراف اتفقت آراء أهل البلاد على موعد
بعد صلاة الجمعة، وأن السادة الأشراف ينادون جدهم رسول الله صل﴾ وأن سيدي
عبد العزيز يناديه أيضًا، وأن كل من أجابه النبي ◌َّه كان الحق له، فاجتمع لذلك
جماهير الناس، فقال عبد العزيز للأشراف: تقدموا أنتم ونادوا، فتقدموا واحدًا بعد
واحد كل منهم ينادي: يا جدي يا رسول الله، فلم يجب واحدًا منهم، فعند ذلك تقدم
عبد العزيز فقال: يا سيدي يا رسول الله، فسمع الناس قاطبة: لبيك يا عبد العزيز،
فقال جماعة: إن الصف الذي يلي عبد العزيز سمع والصفوف التي خلفه لم تسمع،
٤٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
فأعاد النداء فأعيدت الإجابة ثلاث مرات، فانظر إلى اتصال النبي (وَّ بـ(درين)) مع
أن جسده الشريف مقيم بطيبة في مقام أمين، تجده دليلاً على أنه ** ملأ الأكوان
بیقین.
واعلم أن آخر من اجتمعنا عليه من المشايخ والعارفين من أصحاب التسليك
الهادين المهتدين الشيخ نور الدين الشوني - صاحب الحال النبوي والمدد المصطفوي -
الذي كانت الصلاة على النبي 183 دأبه ليلاً ونهارًا حتى صارت له شعارًا ودثارًا ، وكان
كثير الاجتماع بالنبي وَلّ يقظة ومنامًا بحيث شاع عنه ذلك وملأ الأفواه والأسماع.
وروي عنه وسلم أنه قال: ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل
الشيطان بي)) وفي هذا الحديث التبشير بأن من فاز من أمته برؤيته له في المنام لا بد
أن يراه في اليقظة ولو قبيل الموت إن شاء الله تعالى، على أن جمهور العلماء الصلحاء
من السلف والخلف اجتمعوا به وَله حقيقة يقظة، وسألوه عن أشياء فأجابهم عنها
فظهر الأمر كما قال # سواء بسواء، وقد ثبت أن أرواح المؤمنين المأذونة تسرح
وتمرح في الجنة والسماوات، وتأتي إلى أفنية قبورها لزيارة أجسادهم أحيانًا وتدنو من
سماء الدنيا تجاه قبورها، وأن المؤمن يعرف زائره والمسلم عليه ويرد عليه متى تمكن
وأذن له، ولم يكن مشغولاً عنه، وإن تلك المعرفة تزداد من عشية يوم الجمعة،
وتستمر الزيادة إلى صبيحة يوم السبت، وإن الأولياء والأصفياء أزيد من عامة
المؤمنين في ذلك، وإن العلماء العاملين، والشهداء والصحابة، والآل والقرابة أقوى في
ذلك، وأن الأنبياء يسيرون في الكون بأشباحهم وأرواحهم، ويحجون ويعتمرون متى
أذن الله تعالى لهم في ذلك كما كانوا أحياء، وإن النبي وسلم ملأ العوالم العلوية
والسفلية؛ لأنه أفضل عباد الله تعالى.
فإن قيل: قد ورد في صحيح الأخبار: إن الله وكل ملكًا بقبر النبي وَلّ يبلغه
الصلاة والسلام من المصلي والمسلم عليه وَل﴾، فلو كان موجودًا في كل مكان لما احتاج
الأمر إلى الملك؟
فالجواب: إن القبر الشريف له مزية على باقي الأماكن بوجوده ولي- فيه بصفة
٤٦١
کتاب الرؤيا
مخصوصة زيادة على وجوده في غيره من الأمكنة، فهو بمنزلة كرسي المملكة ومحل
الخدمة، وقد جعل الله وظيفته أداء خدمة التبليغ لذلك على سبيل الاحترام والتوقير له
وَليّة، ومن هذا القبيل عرض الملائكة أعمال أمته عليه و له بكرة وعشية، فإن ذلك
ليس لخفائها عليه بل لإقامة أداء الخدمة أيضًا.
ألا ترى أن الله ك مع إحاطة علمه بالأمور الصادرة عن عباده نصب كرامًا
كاتبین، وسفرة بررة حافظین إلی غیر ذلك.
وأما الاجتماع بحضرة النبي وال يقظة في كل زمان ومكان فلا يكون إلا لمن فاز
من الله تعالى بخصوصيات المواهب، وحاز في الدين أسنى المناصب، وأعلى المراتب،
وعمل عملاً يصلح أن يكون وسيلة إلى ذلك، كما وقع لشيخنا الشيخ نور الدين
الشوني بسبب ملازمته للصلاة والسلام على النبي لم بالغدو والآصال، والعشي
والإبكار، وآناء الليل وأطراف النهار؛ بحيث اتخذ ذلك وردًا وجعله حزبًا، وكان لا
يسلك إلا بها، لا بعذبة ولا سجادة ولا تلقين، ومن الأدلة على ما ذكرناه قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] والشاهد لا بد أن
يكون حاضرًا للمشهود عليه، وناظرًا للمشهود إليه، فعلم أنه ◌َلّ ملأ كل العوالم
وحاضر في كل مكان.
ومن الأدلة أن الأنبياء يسيرون في الكون ما رواه السيوطي في كتابه ((الإعلام))
بحكم عيسى القيمة أن النبي وقله كان يطوف بالبيت حينًا، فسلم على شيء في الهواء،
فسئل عن ذلك، فقال: رأيت أخي عيسى ابن مريم يطوف بالبيت فسلم عليَّ وسلمت
عليه، وبالجملة والتفصيل فهو ◌َّه موجود بين أظهرنا حِسًّا، ومعنَّى وجسمًا وروحًا،
وسرًّا وبرهانًا. انتهى بتصرف.
وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه ((المنقذ من الضلال)) بعد مدحه
الصوفية وبيان أنهم خير الخلق حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح
الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتًا، ويقتبسون منهم فوائدَ ، ثم يرتقي حال من مشاهدة
٤٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق الناطق. انتهى.
ونقل الشيخ النبهاني - رحمه الله - في كتابه ((سعادة الدارين)) في الباب التاسع في
الكلام على رؤيته ◌َ ل# يقظة ومنامًا: روى أبو سعيد النيسابوري صاحب كتاب ((شرف
المصطفى)) في كتاب ((التعبير) له بسنده إلى أبي هريرة قال: سمعت رسول الله والخ.
يقول: ((من رآني في المنام؛ فسيراني في اليقظة، فإن الشيطان لا يتمثل بي)).
قال أبو مسلمة: قال أبو قتادة: قال رسول الله وَّ﴾: ((من رآني فقد رأى الحق))
وبسنده إلى أنس بن مالك # أن النبي قال: ((من رآني في المنام لن يدخل النار)(١)
وبسنده إلى سعيد بن قيس أن أبيه قال: قال رسول الله وَله: (لن يدخل النار من رآني
في المنام)(٩).
وقال أبو سعيد: قد بعث الله محمدًاً وَله رحمة للعالمين، فطوبى لمن رآه في حياته
واتبعه، وطوبى لمن يراه في منامه، فإنه إن رآه مديونُ قضى الله دينه، وإن رآه مريض
شفاه الله، وإن رآه محارب نصره الله، وإن رآه حرور حج البيت - يقال للرجل الذي لم
يحج حرور - وإن رئي في أرض جدبة أخضبت، أو في موضع قد فشا فيه الظلم بُدِّل
الظلم عدلاً، أو في موضع مخوف أمن أهله. انتهى.
وبالجملة: فمن لم يرزق منه شيئًا بالذوق فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا
الاسم، وكرامات الأولياء على التحقيق بدايات الأنبياء، فمن جالسهم استفاد منهم
هذا الإيمان ((فهم القوم لا يشقى جليسهم)) انتهى بتصرف.
وقال الإمام النووي في ((شرحه على صحيح مسلم)) عند قوله وَير: (من رآني في
المنام فقد رآني في اليقظة؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي» اختلفت العلماء في معنى قوله
◌َالى: ((فقد رآني)) فقال ابن الباقلاني: معناه: إن رؤياه صحيحة ليست بأضغاث، ولا من
تشبيهات الشيطان.
(١) رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٦٣٠/٢) بنحوه.
(٢) رواه ابن أبي عاصم في «السنة)) (٦٣٠/٢).