النص المفهرس
صفحات 421-440
كتاب الرؤيا
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: الرُّؤْيَا كَالْبُشْرَى مُخْتَصَّةُ غَالِبًا بِشَيْءٍ مَحْبُوبٍ يُرَى مَنَامًا.
وَقِيلَ: هِيَ كَالرُّؤْيَةِ أَلْفُ تَأْنِيثٍ مَكَانُ تَائِهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُرَى نَوْمًا وَيَقَظَّةً،
فَإِذْرَاكُ الْيَقَظَةِ رُؤْيَةٌ وَإِذْرَاكُ النَّوْمِ رُؤْيَا، ثُمَّ الرُّؤْيَا خَيَالُّ بَاطِلُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ لِأَنَّ
النَّوْمَ ضِدُّ الْإِدْرَاكِ أوْرَدَ عَلَيْهِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَنَامَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ
كَوْنِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءًا مِنِ النُّبُوَّةِ وَعَمَلُهُ مَِّ بِهَا قَبْلَ الوحي.
وَأُجِيبَ أَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَامَّةِ الْخَلْقِ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ - لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ إِنْكَارَ الْمُتَكُلِّمِينَ بِنَاءً عَلَى إِنْكَارِهِم الْحَوَاسَّ الْبَاطِنَةَ
مُظْلَقًّا، فَلَا قَائِلَ فِي إِثْبَاتِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَدُفِعَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَى طَرِيقٍ
خَرْقِ الْعَادَةِ أَقُولُ: يَؤولُ الْكَلَّامُ حِينَئِذٍ إِلَى أَنْ تَكُونَ خَيَالاً بَاطِلاً فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ،
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌّ لِظَاهِرٍ إِظْلَاقِ نحو قَوْلِهِ وَّ: ((وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءُ مِنْ خَمْسَةٍ
وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِن النُّبُوَّةِ).
وَفِي رِوَايَةٍ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءُ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِن التُّبُوَّةِ».
وَفِي رِوَايَةٍ: (رُؤْیَا الرَّجُلِ الصَّالِح ... )).
وَفِي رِوَايَةٍ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَّةُ جُزْءُ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِن التُّبُوَّةِ».
وَأَيْضًا حَدِيثُ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِن الله وَالْخُلْمُ مِن الشَّيْطَانِ)).
وَحَدِيثُ: ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ بُشْرَى مِن الله)).
وَحَدِيثُ: ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ كَلَامُ يُكَلِّمُ بِهِ الْعَبْدَ رَبُّهُ فِي الْمَنَامِ)).
وَحَدِيثُ: ((يَنْقَطِعُ الوحْيُ وَلَا تَنْقَطِعُ الْمُبَشِّرَاتُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَّةُ الَّتِي يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ
الصَّالِحُ أو تُرَى لَهُ)».
٤٢٣ -
٤٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَالْجُوَابُ: إِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِن الْخَوَارِقِ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَامَةِ
يَرُدُّهُ مَا فِي الْمُنَاوِيِّ عَنِ الْقُرْطُبِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ الْكُفَّارِ. [بريقة محمودية
(٢٧٠/١)].
الفصل الأول
٤٦٠٦ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلا
الْمُبَشِّرَاتُ)) قَالوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ](١).
(لَمْ يَبْقَ مِن التُّبُوَّةِ إِلَّ الْمُبَشِّرَاتِ) كَذَا ذَكَرَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالَّ عَلَى الْمُضِيّ تَحْفِيقًا
لوقُوعِهِ، وَالْمُرَادِ الإِسْتِقْبَال؛ أي: لَا يَبْقَى.
وَقِيلَ: هو عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ وَاللََّم فِي التُّبُوَّة لِلْعَهْدِ وَالْمُرَاد
نُبُّوَّتِه، وَالْمَعْنَى: لَمْ يَبْقَ بَعْد الثُّبُوَّةِ الْمُخْتَصَّةِ بِي إِلَّا الْمُبَشِّرَاتِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِالرُّؤْيَا،
وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْدِ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: ((لَمْ يَبْقَ بَعْدِي)).
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث اِبْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ وَِّ قَالَ ذَلِكَ فِي مَرَض مَوْتِه، أَخْرَجَهُ مُسْلِم
وَأَبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الله بْن مَعْبَد عَنْ أَبِيهِ عَن إِبْن عَبَّاس:
((إِنَّ النَّبِيّ ◌َهُ كَشَفَ السِّتَارَةِ وَرَأْسِه مَعْصُوب فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَالنَّاس
صُفُوف خَلْف أَبِي بَكْرِ، فَقَالَ: يَا أَيّهَا النَّاسِ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَات الثُّبُوَّةِ إِلَّ الرُّؤْيَا
الصَّالِحَةِ يَرَاهَا الْمُسْلِمِ أو تُرَى لَهُ.)).
وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ أَنَّهُ ((لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي
مِنِ النُّبُوَّةِ إِلَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحِة) وَهَذَا يُؤَيِّد التَّأويل الأول، وَظَاهِرِ الإِسْتِثْنَاء مَعَ مَا تَقَدَّمَ
مِنْ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاء التُبُوَّة أَنَّ الرُّؤْيَا نُبُوَّة، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَاد
تَشْبِيهِ أَمْر الرُّؤْيَا بِالثُّبُوَّةِ، أو لأَنَّ جُزْءِ الشَّيْء لَا يَسْتَلْزِمِ ثُبُوت وَصْفِه لَهُ، كَمَنْ قَالَ:
(أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّ الله)) رَافِعًا صَوْته لَا يُسَمَّى مُؤَذِّنَا، وَلَا يُقَال: إِنَّهُ أَذَّنَ وَإِنْ كَانَتْ جُزْءًا
(١) أخرجه البخاري (٦٥٨٩).
٤٢٥
کتاب الرؤيا
مِن الْأَذَانِ، وَكَذَا لو قَرَأَ شَيْئًا مِن الْقُرْآن، وهو قَائِم لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا، وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَة
جُزْءًا مِن الصَّلَاة.
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيث أُمّ كُرْزِ - بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُون الرَّاءِ بَعْدِهَا زَاي - الْكَعْبِيَّةِ
قَالَتْ: ((سَمِعْتِ النَّبِيّ ◌َّهِ يَقُول: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةِ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَات)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنِ
مَاجَه، وَصَحِّحَهُ اِبْنِ خُزَيْمَةً وَابْنِ حِبَّان.
وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا: ((لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِن الْمُبَشِّرَاتِ إِلَّ الرُّؤْيَا)).
وَلَّهُ وَلِلظَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةِ بْنِ أُسَيْد مَرْفُوعًا: ((ذَهَبَتِ النُّبُوَّةِ وَبَقِيَت
الْمُبَشِّرَات)).
وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ رَفَعَهُ: ((إِنَّ الرَّسَالَة وَالتُّبُوَّةِ قَد ◌ِنْقَطَعَتْ وَلَا نَبِيّ وَلَا
رَسُول بَعْدِي وَلَكِنْ بَقِيَتِ الْمُبَّرَات، قَالوا: وَمَا الْمُبَشِّرَات؟ قَالَ: رُؤْيَا الْمُسْلِمِينَ جُزْءٍ
مِنْ أَجْزَاء التُّبُوَّة)).
قَالَ الْمُهَلَّبِ مَا حَاصِله: التَّعْبِيرِ بِالْمُبَشِّرَاتِ خَرَجَ لِلْأَغْلَبِ، فَإِنَّ مِن الرُّؤْيَا مَا
تَكُون مُنْذِرَة، وَهِيَ صَادِقَة يُرِيهَا الله لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ لِيَسْتَعِدّ لِمَا يَقَع قَبْل
وُقُوعه.
وَقَالَ اِبْنِ التِّينِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ: إِنَّ الوحْي يَنْقَطِعِ بِمَوْنِي، وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَم مِنْهُ مَا
سَيَكُونُ إِلَّ الرُّؤْيَا، وَبَرِدٍ عَلَيْهِ الْإِلْهَامِ فَإِنَّ فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيَكُونُ، وهو لِلْأَنْبِيَاءِ
بِالنِّسْبَةِ لِلوحْيٍ كَالرُّؤْيَا، وَيَقَع لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فِي حَدِيث عُمَر: ((قَدْ كَانَ فِيمَنْ مَضَى
مِن الْأُمَم مُحَدَّثُونَ)) وَفُسِّرَ الْمُحَدَّث بِفَتْحِ الدَّالِ بِالْمُلْهَمِ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْبَرَ كَثِير
مِن الْأولياء عَنْ أُمُورِ مُغَيَِّةٍ، فَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرُوا.
وَالْجَوَابِ: إِنَّ الْحَصْرِ فِي الْمَنَامِ لِكَوْنِهِ يَشْمَل آحَاد الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الْإِلْهَامِ، فَإِنَّهُ
مُخْتَصّ بِالْبَعْضِ، وَمَعَ كَوْنِه ◌ُخْتَصًّا فَإِنَّهُ نَادِرِ، فَإِنَّمَا ذُكِرَ الْمَنَامِ لِشُمُولِهِ وَكَثْرَة وُقُوعه،
وَيُشِيرِ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ وَهِ: ((فَإِنْ يَكُنْ)) وَكَانَ السِّ فِي نَدُورِ الْإِلْهَامِ فِي زَمَنه وَكَثْرَتِه مِنْ
٤٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
بَعْده غَلَبَة الوحْي إِلَيْهِ وَيهِ فِي الْيَقَظَة وَإِرَادَةٍ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ مِنْهُ، فَكَانَ الْمُنَاسِب أَلَا
يَقَعْ لِغَيْرِهِ مِنْهُ فِي زَمَانِه شَيْءٍ، فَلَمَّ اِنْقَطَعَ الوحْي بِمَوْتِهِ وَقَعَ الْإِلْهَامِ لِمَن اِخْتَصَّهُ الله بِهِ
لِلْأَمْنِ مِنِ اللَّبْسِ فِي ذَلِكَ، وَفِي إِنْكَارِ وُقُوع ذَلِكَ مَعَ كَثْرَتِه وَاشْتِهَارِهِ مُكَابَرَةٍ مِمَّنْ
أَنْكَرَهُ. [الفتح (٤٦١/١٩)].
٤٦٠٧ - [وَزَادَ مَالِك بِرِوَايَةٍ عَطَاء بْن يَسَار: ((يَرَاهَا الرَّجُلُ المُسْلِمِ، أو تُرَى لَّهُ))](١)
٤٦٠٨ [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحِّة جُزْءُ مِنْ سِتَّةٍ
وَأَرْبَعِيْنَ جُزْءًا مِن التُّبَوَّةِ». مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ ](٢).
وَفِي رِوَايَةٍ: (وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٍ مِنْ خَمْسَة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِن الْتُبُوَّة).
وَفِي رِوَايَة: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحِة جُزْءٍ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِن الُّبُوَّة)».
وَفِي رِوَايَةٍ: ((رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٍ مِنْ خَمْسَة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِن التُّبُوَّة)).
وَفِي رِوَايَة: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَّة جُزْءٍ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِن الثُّبُوَّة) فَحَصَلَ
ثَلَاث رِوَايَاتِ، الْمَشْهور سِتَّة وَأَرْبَعُونَ، وَالثَّانِيَة خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ، وَالثَّالِئَة سَبْعُونَ
جُزْءًا.
وَفِي غَيْرِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ إِبْن عَبَّاس: ((مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا)».
وَفِي رِوَايَةٍ: ((مِنْ تِسْعَة وَأَرْبَعِينَ)).
وَفِي رِوَايَة الْعَبَّاس: ((مِنْ خَمْسِينَ)).
وَمَنْ رِوَايَة إِبْنِ عُمَر: ((مِنْ سِتَّة وَعِشْرِينَ)).
وَمِنْ رِوَايَة عُبَادَةَ: (مِنْ أَرْبَعَة وَأَرْبَعِينَ).
قَالَ الْقَاضِي: أَشَارَ الظَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا الإِخْتِلَافِ رَاجِعٍ إِلَى إِخْتِلَاف حَال
الرَّائِي، فَالْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ تَكُون رُؤْيَاهُ جُزْءًا مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا، وَالْفَاسِقِ جُزْءًا مِنْ
سَبْعِینَ جُزْءًا.
(١) أخرجه مالك (١٧٥٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٨٨)، ومسلم (٤٢٢٦٥)، وأحمد (٤١٦٢٢٧).
٤٢٧
كتاب الرؤيا
وَقِيلَ: الْمُرَاد أَنَّ الْخَفِيّ مِنْهَا جُزْءٍ مِنْ سَبْعِينَ، وَالَجُلِيّ جُزْءٍ مِنْ سِتّة
وَأَرْبَعِينَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرِه: قَالَ بَعْض الْعُلَمَاءِ: أَقَامَ وَهِ يُوحَى إِلَيْهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةٌ،
مِنْهَا عَشْرِ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَثَلَاث عَشْرَة بِمَكَّةٍ، وَكَانَ قَبْلِ ذَلِكَ سِتَّةٌ أَشْهُرِ يَرَى فِي
الْمَنَّامِ الوحْي، وَهِيَ جُزْءٍ مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا.
قَالَ الْمَازِرِيّ: وَقِيلَ: الْمُرَادِ أَنَّ لِلْمَنَامَاتِ شَبَهًا مِمَّا حَصَلَ لَهُ، وَمَيَّزَ بِهِ النُّبُوَّة يَجُزْءٍ
مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا.
قَالَ: وَقَدْ قَدَح بَعْضهمْ فِي الْأول بِأَنَّهُ لَمْ يَتْبُتِ أَنَّ أَمَدِ رُؤْيَاهُ وَّهِ قَبْلِ النُّبُوَّة سِتَّة
أَشْهُر، وَبِأَنَّهُ رَأَى بَعْد التُّبُوَّة مَنَامَاتِ كَثِيرَةٍ، فَلْتُضَمَّ إِلَى الْأَشْهُرِ السِّتَّة، حِينَئِذٍ تَتَغَيَّر
النِّسْبَة.
قَالَ الْمَازِرِيّ: هَذَا الإِعْتِرَاضِ الثَّانِي بَاطِل؛ لِأَنَّ الْمَنَامَاتِ الْمَوْجُودَة بَعْد الوحي
بِأَرْسَالِ الْمَلَكِ مُنْغَمِرَةٍ فِي الوحّي، فَلَمْ تُحْسَب.
قَالَ: وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ أَنَّ الْمَنَامِ فِيهِ إِخْبَارِ الْغَيْب، وهو إِحْدَى ثَمَرَات
التُّبُوَّة، وهو لَيْسَ فِي حَدّ الثُّبُوَّة؛ لِأَنَّهُ يَجُوزِ أَنْ يَبْعَثِ الله تَعَالَى نَبِيًّا لِيُشَرِّعِ الشَّرَائِعِ
وَيُبَيِّن الْأَحْكَامِ، وَلَا يُخْبِرِ بِغَيْبٍ أَبَدًّا، وَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي نُبُوَّتِه، وَلَا يُؤَثّرِ فِي مَقْصُودهَا،
هَذَا الْجُزْءِ مِن الثُّبُوَّة وهو الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ إِذَا وَقَعَ لَا يَكُون إِلَّا صِدْقًا، والله
أعلم.
قَالَ الْخَطَّائِيُّ: هَذَا الْحَدِيثِ تَوْكِيد لِأَمْرِ الرُّؤْيَا وَتَحْقِيقِ مَنْزِلَتْهَا.
وَقَالَ: وَإِنَّمَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ التُّبُوَّةِ فِي حَقّ الْأَنْبِيَاءِ دُون غَيْرِهِمْ، وَكَانَ
الْأَنْبِيَاءِ - صَلوات الله وَسَلَامِه عَلَيْهِمْ - يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي مَنَامِهِمْ كَمَا يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي
الْتَقِظَّة.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى الْحَدِيث: إنَّ الرُّؤْيَا تَأْتِي عَلَى مُوَافَقَة
التُّبُوَّة؛ لِأَنَّهَا جُزْءِ بَاقٍ مِن التُّبُوَّة، والله أعلم.
٤٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَقَالَ الْإِمَامِ إِبْنِ الْأَثِيرِ فِي ((النَّهَايَة): الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٍ مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءٍ
مِن التُّبُوَّةِ، وَإِنَّمَا خُصَّ هَذَا الْعَدَد؛ لِأَنَّ عُمْرِ النَِّيّ ◌َّهِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَة كَانَ
ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةٍ، وَكَانَتْ مُدَّة نُبُوَّته مِنْهَا ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَة؛ لِأَنَّهُ بُعِثَ عِنْد اِسْتِيفَاء
الْأَرْبَعِينَ، وَكَانَ فِي أول الْأَمْرِ يَرَى الوحي فِي الْمَنَامِ، وَدَامَ ذَلِكَ نِصْف سَنَةٍ ثُمَّ رَأَى الْمَلَك
فِي الْيَقِظَة، فَإِذَا نُسِبَتْ مُدَّة الوحْي فِي النَّوْمِ، وَهِيَ نِصْف سَنَة إِلَى مُدَّة نُبُوَّته، وَهِيَ ثَلَاث
وَعِشْرُونَ سَنَة كَانَتْ نِصْف جُزْءٍ مِنْ ثَلَاثَة وَعِشْرِينَ جُزْءٍ، وَذَلِكَ جُزْءٍ وَاحِدٍ مِنْ سِتَّة
وَأَرْبَعِینَ جُزْءٍ.
وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الرِّوَايَاتِ فِي أَحَادِيثِ الرُّؤْيَا بِهَذَا الْعَدَد، وَجَاءَ فِي بَعْضِهَا جُزْءٍ مِنْ
خَمْسَة وَأَرْبَعِينَ جُزْءٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عُمْرِهِ وَهِ لَمْ يَكُنْ قَد اِسْتَكْمَلَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ،
وَمَاتَ فِي أَثْنَاء السَّنَةِ الثَّالِئَةِ وَالسِّقِّينَ وَنِسْبَةِ نِصْفِ السَّنَةِ إِلَى اِثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَة
وَبَعْضِ الْأُخْرَى نِسْبَة جُزْءٍ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا.
وَفِي بَعْض الرِّوَايَات: ((جُزْءٍ مِنْ أَرْبَعِينَ)) وَيَكُون مَحْمُولاً عَلَى مَنْ رَوَى أَنَّ عُمْرهِ
كَانَ سِتِّينَ سَنَةٍ، فَيَكُون نِسْبَة نِصْف سَنَة إِلَى عِشْرِينَ سَنَة كَنِسْبَةٍ جُزْءٍ إِلَى أَرْبَعِينَ،
وَمِنْهُ الْحَدِيث: ((الْهَدْيُ الصَّالِحِ جُزْءٍ مِنْ خَمْسَة وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِن الُّبُوَّة)) أي: إِنَّ هَذِهِ
الْخِلَال مِنْ شَمَائِل الْأَنْبِيَاء.
وَمِنْ جُمْلَةِ الْخِصَالِ الْمَعْدُودَة مِنْ خِصَالهِمْ، وَأَنَّهَا جُزْءٍ مَعْلوم مِنْ أَجْزَاء أَفْعَالهِمْ
فَاقْتَدُوا بِهِمْ فِيهَا، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ الثُّبُوَّة تَتَجَزَّأْ وَلَا أَنَّ مَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْخِلَالِ كَانَ فِيهِ
جُزْءٍ مِن التُّبُوَّة، وَيَجُوزِ أَنْ يَكُون أَرَادَ بِالتُّبُوَّةِ هَا هُنَا مَا جَاءَتْ بِهِ التُّبُوَّةِ وَدَعَتْ إِلَيْهِ
مِن الْخَيْرَات؛ أي: إنَّ هَذِهِ الْخِلَالِ جُزْءٍ مِنْ خَمْسَة وَعِشْرِينَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ التُّبُوَّة وَدَعَا
إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاءِ. إِنْتَقَى.
٤٦٠٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي،
فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي)) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(١) أخرجه البخاري (١١٠)، ومسلم (٢٢٦٦)، أحمد (٩٣٠٥).
٤٢٩
كتاب الرؤيا
٤٦١٠ [وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَيهِ: (مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَّ)).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٤٦١١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَاني في
الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِ)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٢).
قلت: من ثمرات محبته : رؤيته ◌َل# في المنام، فإن زادت محبته ل* فسيراه في
اليقظة.
قال بعض العارفين: من قتلته محبته فديته رؤيته، ومن قتله عشقه فديته
منادمته.
قال أبو عبد الله محمد الرَّصاع في كتابه ((تحفة الأخيار)): لما تقررت منزلة هذه
الأمة عند ربها، وثبت فضلها بفضل نبيها، وسادت على سائر الأمم بشدة محبتها في
النبي الأمي المحترم، وكان خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله ◌َ له وآمنوا به، وهم
الصحابة الكرام والسادة الأعلام، الذين حازوا قصب السبق وفازوا بصحبة سيد
الخلق ومشاهدة أنوار حبيب الحق، وبقي من بعدهم الذين نقلت لهم آياته، وتليت
عليهم صفاته وثبتت عندهم معجزاته، وتوالت عليهم خيراته وبركاته، فآمنوا به
وصدقوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، فحققوا في تصديقهم به علم اليقين، وثبت
عندهم بالقطع أنه الصادق المصدوق الأمين.
تمنوا بقلوبهم وأنفسهم أن لو شاهدوا في حياتهم النور المبين وتمتعوا برؤيته
بعين اليقين، فجبر الله 5 9 صدع قلوبهم برؤيته في النوم ومشاهدته، وحقق لهم أن ما
يرونه من صفاته حق، وما یشاهدونه من ذاته صدق.
وإذا رآه المؤمن المحب في نومه انشرح له صدره واستنار قلبه وتقوى إيمانه
وتحقق إيقانه، فمن اشتاق إلى رؤية النبي وقال وغلب الحب على قلبه في سيد الأنام، ولي﴾،
(١) أخرجه البخاري (٦٩٩٦)، ومسلم (٦٠٥٨).
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٩٣)، ومسلم (٦٠٥٧).
٤٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
ولم يكن في قلبه غيره من حب الحطام صار قلبه مرآة يظهر فيها صاحب بديع
الصفات، ورؤيته 40* صحيحة ومشاهدته في المنام قطعية، فما بينك وبين ذلك إلا أن
تطهر قلبك وتقوى حبك، فإن الصادق المصدوق 8* قد قال: ((من رآني في المنام فقد
رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي)) فمهما اشتقت إلى مشاهدة بدر التمام وحبيب الملك
العلام فقوّ حبك وصفّ نفسك، وعمِّر أوقاتك بالصلاة علیه حتى تملأ جوانح زوايا
قلبك بالأنوار، وتتلاشى منها غياهب الأغيار، وتنطبع فيه صورة الهاشمي المختار خية.
انتهى مختصرًا.
وقال العارف بالله عبد الله بن جمرة في كتابه: ((بهجة النفوس)) شرح مختصره
لـ((صحيح البخاري)) عند قول النبي ◌َير: ((قسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، ومن
رآني في المنام فقد رآني حقًّا فإن الشيطان لا يتمثل على صورتي، ومن كذب عليّ
متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)(١).
واختلف العلماء في هذا، فمنهم من قال: إن الصورة التي لا يتمثل الشيطان
عليها هي الصفة التي توفي قلي عليها، حتى قالوا: وتكون في لحيته عدة تلك
الشعرات البيض التي كانت فيها.
وقال بعضهم: حتى تكون رؤياه في دار الخيزران، وهذا تحكّم على عموم
الحديث وتضييق للرحمة الواسعة.
ومنهم من قال: إن الشيطان لا يتصور على صورته ﴾ أصلاً جملة كافية، فمن
رآه في صورة حسنة، فذلك حسن في دين الرائي، ومن رآه على صورة غير حسنة فرؤياه
وَي حق، وذلك القبح في دين الرائي، وإن كان في جارحة من جوارحه شين، فتلك
الجارحة من الرائي فيها خلل من جهة الدين، وهذا هو الحق.
وقد جُرب هذا فوجد على هذا الأسلوب سواء بسواء لم ينكر، وبهذا تحصل
(١) رواه البخاري (٧٤٦/٢)، ومسلم (١٦٨٣/٣).
٤٣١
كتاب الرؤيا
الفائدة الكبرى في رؤياه * حتى يتبين للرائي هل عنده خلل في دينه أو لا؛ لأنه 5﴾
نور، فهو مثل المرآة الصقيلة ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها، وهي
في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها ولا شین.
وكذلك ذكروا في كلامه ◌َيه في النوم أنه يُعرض على سنته وَّة، فما وافقها مما
سمعه الرائي فهو حق، وما خالفها فالخلل في سمع الرائي، فإنه ◌َل﴿ ﴿وَمَا يَنطِقُ عَن
الهَوَى﴾ [النجم:٣] ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّه لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء:
٨٢]، فتكون رؤيا الذات المباركة حقًّا، ويكون الخلل قد وقع في سمع الرائي، وهو الحق
الذي لا شك فيه.
وقال رحمه الله: وهل ◌ُحمل الخواطر التي تخطر لأرباب القلوب بتمثيله وَ له في
بعض المخاطبات التي يخاطبون بها على لسانه وَي، وتشكّل صورته المباركة في عالم
سرائرهم في بعض المحاضرات والمحادثات التي من عادة طريقهم المبارك على أنها مثل
رؤيا المنام فتكون حقًّا أم لا؟
فاعلم - وفقنا الله وإياك - أن خواطر أرباب القلوب حق بحسب ما دلت
عليه الأدلة الشرعية، وإنها أصدق من مرائي غيرهم؛ لما منَّ عليهم من تنويرها
وبركتها دون إشارة من قبله #مل ورؤياه ◌َلير من مبارك وغيره حق، فكيف بهما
إذا اجتمعا؟ فذلك تأكيد في صدقها، فإذا اجتمع ما ذكرنا من تشكل صورته
المباركة أو كلامه المبارك للمباركين، فقد اجتمع على تصديق ذلك أدلة الكتاب
والسنة.
وكفى في ذلك قوله وَله: ((فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي)) لأنه لفظ عام، ولأجل
حمل العام على عمومه، وما نفاه 18 من طريق الباطل الذي هو طريق الشيطان
وتخيلاته لم يبق أن يكون إلا حقًّا، لكن بالشرط: وهو أن يعرض على كتاب الله
وسنة نبيه وقل﴾، فما وافق فامض وإلا فلا. انتهى مختصرًا.
٤٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وقال - رحمه الله - في شرحه المذكور عند قوله ◌َله: ((من رآني في المنام فسيراني
في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي)» ظاهر الحديث يدل على حکمین:
أحدهما: إنه من رآه ◌َّ في النوم فسيراه في اليقظة.
والثاني: الإخبار بأن الشيطان لا يتمثل به وله.
والكلام عليه من وجوه، منها: أن يقال: هذا على عمومه في حياته وَل وبعد
مماته، أو كان هذا في حياته فقط، وهل يتمثل بغيره من الأنبياء والرسل - صلوات الله
عليهم وسلامه عليه وعليهم أجمعين - أو هذا من الأمور الخاصة به وَّة، وهل هذا
لكل من رآه مطلقًا أو خاصًّا لمن فيه الأهلية والاتباع لسنته وَلا؟
أما قولنا: هل هذا على العموم في حياته وَليه وفي مماته، أو في حياته لا غير؟
اللفظ يعطي العموم، ومن يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه { 8* فمتعسف، وقد
وقع من بعض الناس عدم التصديق بعمومه، وقال على ما أعطاه عقله: وكيف يكون
من هو في دار البقاء يرى في دار الفناء؟
وفي هذا القول من المحذور وجهان خطران: أحدهما: إنه قد يقع في عدم
التصديق بعموم قول الصادق ودي الذي لا ينطق عن الهوى.
والثاني: الجهل بقدرة القادر وتعجيزه، كأنه لم يسمع في سورة البقرة قصة البقرة
وكيف قال الله : ﴿فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحبي الله الموتى﴾ [البقرة:٧٣]
فضرب قبر الميت أو هو نفسه ببعض البقرة، فقام حيًّا سويًّا وأخبرهم بقاتله، وذلك بعد
أربعين سنة على ما ذكره أهل العلم؛ لأن بني إسرائيل تأخر أمرهم في طلب البقرة على
الصفة التي نعتت لهم أربعين سنة وحينئذٍ وجدوها.
وكما أخبر أيضًا في السورة نفسها في قصة العزير، وقصة إبراهيم الشيخ في
الأربعة من الطير، وكيف قص علينا في شأنها، فالذي جعل ضرب الميت ببعض البقرة
سببًا لحياته، وجعل دعاء إبراهيم سببًا لإحياء الطيور، وجعل تعجب العزير سببًا
لإحيائه وإحياء حماره بعد بقائه مائة سنة ميتًا قادر أن يجعل رؤيته وَ ل# في النوم سببًا
٤٣٣
كتاب الرؤيا
لرؤيته في اليقظة.
وقد ذكر بعض الصحابة - وأظنه ابن عباس - أنه رأى رسول الله وَ ل﴾ في
النوم، فتذكر هذا الحديث وبقي متفكرًا فيه، ثم دخل على بعض أزواج النبي ◌َليه
- وأظنها ميمونة - فقص عليها قصته فقامت وأخرجت له جبة ومرآة، وقالت له: هذه
جبته وهذه مرآته له قال عليه: فنظرت في المرآة فرأيت صورة النبي وآله ولم أر لنفسي
صورة.
وقد ذكر عن السلف والخلف إلى هُلم جرًّا عن جماعة ممن كانوا رأوه ◌َله في
النوم، وكانوا ممن يحملون هذا الحديث على ظاهره، فرأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه
عن أشياء كانوا منها متخوفين فأخبرهم بتفريجها، ونصَّ لهم على الوجوه التي منها
يكون فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص.
والمنكِر لهذا لا يخلو إما أن يصدّق بكرامات الأولياء أو يكذّب بها، فإن كان
ممن يكذب بها فقد سقط البحث معه؛ فإنه يكذب ما أثبتته السنة بالدلائل
الواضحة، وإن كان مصدقًا بها فهذه من ذلك القبيل؛ لأن الأولياء يكشف لهم بخرق
العادة عن أشياء في العالمين العلوي والسفلي عديدة، فلا ينكر هذا مع التصديق
بذلك.
وأما قولنا: هل جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام - مثله وَكلير في
ذلك لا يتمثل الشيطان على صورهم، أو هذا خاص به صلوات الله عليه وعليهم
أجمعين؟ فليس في الحديث ما يدل على الخصوص قطعًا، ولا على العموم قطعًا، ولا هذه
الأمور مما يؤخذ بالقياس ولا بالعقل، وما يعلم من علو مكانتهم عند الله تعالى يشعر
بأن العناية تعمهم أجمعين؛ لأنهم - صلوات الله وسلامه عليهم - أتوا إلى إزالة
الشيطان وخزيه، فأشعر ذلك أن الشيطان لا يتمثل بصورهم المباركة، وكما أخبر ل# في
كرامته وكرامتهم أن لحومهم على الأرض حرام حتى تخرجهم كما جعلوا فيها، فكذلك
يساوونه في هذه الكرامة، والله أعلم.
٤٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وأما قولنا: هل ذلك على عمومه لكل من رآه وليه أو خاص؟
فاعلم أن الخبر المقطوع به والمنصوص عليه والمشار إليه بأدلة الشرع وقواعده
إنما هو لأهل التوفيق، ويبقى في غيرهم على طريق الرجاء؛ للجهل بعاقبتهم، فلعلّهم ممن
سبقت لهم السعادة في الأزل، فلا تقطع باليأس عليهم من الخير، وفي هذا الحديث
إشارة وهي أنه كما أخبر ◌َّل: ((إن في آخر الزمان من أمته من يود أنه خرج عن أهله
وماله، وأن يكون رآه)) أبقى لهم هذا التأنيس العظيم بأنه من رآه في النوم فسيراه في
اليقظة، فطمعت لذلك نفوس المحبين الصادقين، لكن صاحب الشك لا يثبت له في
خيرٍ قدم، وإذا تتبعت أحوال الذين روي عنهم أنهم رأوه ولا تجدهم مع التصديق بهذا
الحديث محبين فيه # حبًا يزيدون فيه على غيرهم.
وقد صحَّ عندي عن بعض الأشخاص الذين ذكرتهم قبل في أول الكلام على
الحديث أنه صح عنده من طريق لا شك فيه أنه لما رآه ﴿5﴾ في بعض مرائيه أقبل عليه
إقبالاً عجيبًا، فقال له: يا رسول الله، بم استوجبتُ أنا هذا؟ فقال له وَل﴾: ((بحبك فيّ)) فلم
يجعل له سببًا إلى رفع منزلته غیر حبه له. انتهى مختصرًا.
وقال الشيخ المصنف ابن حجر الهيتمي في كتابه: («أشرف الوسائل شرح
الشمائل الترمذي)) (١) عند قوله وَل﴾: ((من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا
يتمثل بي)): قال جماعة: محل هذا إذا رآه 1843 في صورته التي كان عليها، وبالغ بعضهم
فقال: بصورته التي قبض عليها، ومن هؤلاء ابن سيرين - رحمه الله - فإنه صحَّ عنه
أنه كان إذا قُصت علیه رؤياه ﴾﴾، قال للرائي: صف لي الذي رأیته، فإن وصف له صفة
لم يعرفها، قال: لم تره.
وقال آخرون: لا يُشترط ذلك، منهم: ابن العربي ﴾ قال ما حاصله: رؤيته وَلخر
بصفته المعلومة إدراك للحقيقة، وبغيرها إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء
(١) طبع بتحقيقنا سنة ١٩٩٨ بدار الكتب العلمية - بيروت.
٤٣٥
كتاب الرؤيا
- عليهم الصلاة والسلام - لا تغيرهم الأرض، فإدراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك
الصفات إدراك للمثال.
ومنهم: القاضي عياض - رحمه الله تعالى - حيث قال: قوله وَله: ((فقد رآني)) أو
((فقد رأى الحق) يحتمل أن المراد به أن من رآه بصورته المعروفة في حياته كانت رؤياه
حقًّا، ومن رآه بغیر صورته کانت رؤیا تأويل.
وتعقّبه النووي - رحمه الله تعالى - فقال: هذا ضعيف، بل الصحيح أنه رآه
حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها.
ومنهم: الباقلاني وغيره، فإنهم ألزموا الأولين بأن من رآه بغير صفته تكون
رؤياه أضغاثًا، وهو باطل؛ إذ من المعلوم أنه يُرى دومًا على حالته في الدنيا، ولو تمكن
الشيطان من التمثل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله وله: ((فإن
الشيطان لا يتمثل بي)) فالأولى تنزيه رؤياه ورؤيا شيء مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه
أبلغ في الحرمة وأليق بالعصمة كما عصم من الشيطان في اليقظة، فالصحيح أن رؤيته
في كل حال ليست باطلة ولا أضغائًا بل هي حق من نفسها، وإن رؤي بغير صفته؛ إذ
تصور تلك الصورة من قبل الله تعالی.
فعلم أن الصحيح بل الصواب: إن رؤياه حق على أي حالة فرضت، ثم إن كان
بصورته الحقيقية في وقت ما سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو آخر عمره
لم يحتج إلى تأويل، وإلا احتاجت لتعبير يتعلق بالرائي.
ومن ثم قال بعض علماء التعبير: من رآه شيخًا فهو غاية سِلْم، ومن رآه شابًّا
فهو غاية حرب، ومن رآه متبسمًا فهو متمسك بسنته.
وقال بعضهم: من رآه على هيئته وحاله كان دليلاً على صلاح الرائي وكمال
جاهه وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغير الحال عابسًا كان دليلاً على سُوء حال
الرائي.
وحكى ابن أبي جمرة والبازري واليافعي وغيرهم عن جماعات من الصالحين أنهم
٤٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
رأوا النبي ◌َّله يقظة، وحُكيت رؤيته * كذلك عن أمائل كالإمام عبد القادر الجيلي
كما في ((عوارف المعارف))، والإمام أبي الحسن الشاذلي كما حكاه عنه التاج بن
عطاء الله، ولصاحبه أبي العباس المرسي، والإمام علي الوفائي، والقطب القسطلاني،
والسيد نور الدين الإيجي، وجرى على ذلك الغزالي فقال في كتاب ((المنقذ من الضلال)):
وهم - يعني: أرباب القلوب - في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء،
ويسمعون أصواتًا ويقتبسون فوائد. انتهى كلام الغزالي.
وعجيب قوله في قول العارف أبي العباس المرسي: ((لو حجب عني رسول الله وَال
طرفة عين ما عددت نفسي مسلمًا)) وهذا فيه تجوّز؛ أي: لم يحجب عني حجاب
غفلة، ولم يرد أنه لم يحجب عن الروح الشخصية طرفة عين فذلك مستحيل، فيقال
له: دعواك الاستحالة إن عنيت بها الاستحالة العقلية فباطل، أو الشرعية فمن أي
دليل أو قاعدة أخذت ذلك؟ كلا، لا استحالة في ذلك بوجه كما قدمناه. انتهى مختصرًا.
وقال ابن حجر أيضًا في خاتمة ((الفتاوى الحديثية)): وسئل نفع الله به هل
تمكن رؤية النبي ◌َّ في اليقظة؟ فأجاب بقوله: أنكر ذلك جماعة، وجوزه آخرون
وهو الحق، فقد أخبر بذلك من لا يُتّهم من الصالحين، بل استدل بحديث البخاري:
((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة)) أي: بعيني رأسه، وقيل: بعين قلبه.
واحتمال إرادة القيامة بعيد من لفظ اليقظة على أنه لا فائدة في التقييد حينئذ؛
لأن أمته كلهم يرونه يوم القيامة، من رآه في المنام ومن لم يره في المنام.
وفي ((شرح ابن أبي جمرة)) للأحاديث التي انتقاها من البخاري ترجيح بقاء
الحديث على عمومه في حياته ومماته لمن له أهلية الاتباع للسنة ولغيره، قال: ومن
يدعي الخصوص بغير تخصيص منه ل فقد تعسف، ثم ألزم منكر ذلك بأنه غير
مصدق بقول الصادق، وبأنه جاهل بقدرة القادر، وبأنه منكر لكرامات الأولياء مع
ثبوتها بدلائل السنة الواضحة، ومراده بعموم ذلك وقوع رؤية اليقظة الموعود بها لمن
رآه في النوم ولو مرة واحدة تحقيقًا لوعده الشريف الذي لا يخلف، وأكثر ما يقع
٤٣٧
كتاب الرؤيا
ذلك للعامة قبل الموت عند الاحتضار، فلا تخرج روحه من جسده حتى يراه وفاء
بوعده.
وأما غيرهم فيحصل لهم ذلك قبل ذلك بقلة أو بكثرة بحسب تأهلهم وتعلقهم
واتباعهم للسنة؛ إذ الإخلال بها مانع کبیر.
وفي ((صحيح مسلم)) عن عمران بن حصين : ((إن الملائكة كانت تسلم
عليه إكرامًا له لصبره على ألم البواسير، فلما كواها انقطع سلام الملائكة عنه، فلما
ترك الكي - أي: برئ كما في رواية صحيحة - عاد سلامهم عليه)) (١) ولكون الكي
خلاف السنة منع تسليمهم عليه مع شدة الضرورة إليه؛ لأنه يقدح في التوكل
والتسليم والصبر.
وفي رواية البيهقي: «كانت الملائكة تصافحه فلما کوی تنحت عنه)).
وفي كتاب ((المنقذ من الضلال» لحجة الإسلام بعد مدحه الصوفية، وبيان أنهم
خير الخلق: حتى أنهم وهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون
منهم أصواتًا ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى
درجة يضيق عنها نطاق الناطق. انتهى.
وقال أبو بكر ابن العربي المالكي: ورؤية الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم
ممكن للمؤمن كرامة، وللكافر عقوبة.
وفي ((المدخل)) لابن الحاج المالكي: رؤيته ◌َّ في اليقظة باب ضيق، وقلَّ من
يقع له ذلك إلا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان، بل عدمت غالبًا، مع
أننا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم
وبواطنهم.
قال: وقد أنكر بعض علماء الظاهر ذلك محتجًا بأن العين الفانية لا ترى
العين الباقية، وهو ◌َّ في دار البقاء والرائي في دار الفناء، وردّ بأن المؤمن إذا مات
-
(١) في مسلم (٢١٥٤).
٤٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
يرى الله وهو لا يموت، والواحد منهم يموت في كل يوم سبعين مرة.
وأشار البيهقي إلى رده بأن نبينا ولو رأى جماعة من الأنبياء ليلة المعراج.
وقال البازري: وقد سمع من جماعة من الأولياء في زماننا وقبله أنهم رأوا النبي
گال﴾ یقظة حيًّا بعد وفاته.
ونقل اليافعي وغيره عن الشيخ الكبير أبي عبد الله القرشي: أنه وقع بمصر غلاء
كبير فتوجه الدعاء برفعه، فقيل: لا تدعُ؛ فلا يسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء،
فسافرت إلى الشام، فلما وصلت إلى قرب ضريح الخليل - عليه وعلى نبينا أفضل
الصلاة والسلام - تلقّاني، فقلت: يا رسول الله اجعل ضيافتي عندك الدعاء لأهل
مصر، فدعا لهم ففرج الله عنهم، فقال اليافعي: فقوله: ((تلقائي الخليل)) قول حق لا
ينكره إلا جاهل بمعرفة ما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت
السماوات والأرض، وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات، كما نظر النبي صل إلى جماعة
من الأنبياء في السماء وسمع خطابهم، وقد تقرر أن ما جاز للأنبياء معجزة جاز
للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي.
وحكى ابن الملقن في ((طبقات الأولياء)) أن الشيخ عبد القادر الجيلي قال: رأيت
النبي ◌َ﴾ قبل الظهر، فقال لي: يا بني لم لا تتكلم؟ قلت: يا أبتاه أنا رجل أعجمي، كيف
أتكلم على فصحاء بغداد؟ فقال لي: افتح فاك، ففتحته، فتفل فيه سبعًا، وقال: تكلم
على الناس و(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ [النحل: ١٢٥] فصليت
الظهر وجلست، وحضرني خلق كثير فارتج عليَّ، فرأيت عليًّا قائمًا بإزائي في المجلس،
فقال: يا بني لمَ لا تتكلم؟ فقلت: يا أبتاه قد ارتج عليَّ، فقال: افتح فاك، ففتحته، فتفل
فيه ستًّا، قلت: لم لا تكملها سبعًا؟ قال: أدبًا مع رسول الله وَّ، ثم توارى عني،
فتكلمت.
وذكر في ترجمة جماعة غيره أن كل واحد منهم كان كثير الرؤية للنبي وَثّ يقظة
ومنامًا، وذكر منهم الكمال الإدفوي ممن أخذ عنهم ابن دقيق العيد وغيره.
٤٣٩
کتاب الرؤيا
وقال التاج ابن عطاء الله عن شيخه الكامل العارف أبي العباس المرسي:
صافحت بكفي هذه رسول الله وَل ◌ٍ.
وحكى ابن فارس عن سيدي علي وفا(١) قال: كنت وأنا ابن خمس سنين أقرأ
القرآن على رجل فأتيته مرة، فرأيت النبي ◌َله يقظة لا منامًا، وعليه قميص أبيض
قطن، ثم رأيت القميص عليَّ، فقال لي: اقرأ، فقرأت عليه سورة الضحى، وألم نشرح، ثم
غاب عني، فلما أن بلغت إحدى وعشرين سنة أحرمت بصلاة الصبح بالقرافة،
فرأيت النبي وَّر قبالة وجهي فعانقني وقال: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١]
فأوتيت لسانًا من ذلك الوقت.
والحكايات في ذلك عن أولياء الله كثيرة جدًّا، ولا ينكر ذلك إلا معاند أو
محروم، وعُلم مما مر عن ابن العربي أن أكثر ما تقع رؤيته وَله بالقلب، ثم بالبصر،
لكنها به ليست كالرؤية المتعارفة، وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني،
فلا يدرك حقيقته إلا من باشره، كذا قیل.
ويحتمل أن المراد الرؤية المتعارفة بأن يرى ذاته طائفة في العالم، أو تنكشف
الحجب له بينه وبين النبي ◌َله وهو في قبره فينظره حيًّا فيه رؤية حقيقية؛ إذ لا
استحالة، لكن الغالب أن الرؤية إنما هي لمثاله لا لذاته، وعليه يحمل قول الغزالي:
ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه، بل مثالاً له صار ذلك المثال آلة يتأدّى بها المعنى
الذي في نفسه، والآلة إما حقيقية وإما خيالية، والتنفس غير الخيال المتخيل، فما
رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى وَلي ولا هو شخصه، بل هو مثال له على
التحقيق.
قال: ومن ذلك من يرى الله تعالى في المنام، فإن ذاته منزهة عن الشكل
والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره،
(١) انظر: ((المنح الإلهية في مناقب الوفائية)) لابن فارس - مقدمة ((المسامع)) لسيدي علي وفا (ص٤١)
- بتحقیقنا.
٤٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
ويكون ذلك المثال حقًّا في كونه واسطة في التعريف، فيقول الرائي: رأيت الله في
المنام، لا يعني أني رأيت ذات الله كما يقول في حق غيره. انتهى.
ثم رأيت ابن العربي صرَّح بما ذكرناه من أنه لا يمتنع رؤية ذات النبي
بروحه وجسده؛ لأنه وسائر الأنبياء أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا، وأذن لهم
في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي، ولا مانع من أن يراه
كثيرون في وقت واحد؛ لأنه # كالشمس، وإذا كان القطب يملأ الكون - كما قاله
ابن عطاء الله - فما بالك بالنبي ◌َليه؟! ولا يلزم من ذلك أن الرائي صحابي؛ لأن شرط
الصحبة الرؤية في عالم الملك، وهذه رؤيته وهو في عالم الملكوت وهي لا تفيد صحبة،
وإلا لثبتت لجميع أمته؛ لأنهم عُرضوا عليه في ذلك العالم فرآهم ورأوه كما جاءت به
الأحادیث. انتهى.
ونقل النبهاني في ((سعادة الدارين)) عن صدر الدين القونوي قال في ((شرحه
على الأربعين)) الذي ألفه على لسان أهل الحقيقة، قال: الحديث العشرون عن ابن
مسعود أن النبي وَل﴾ قال: ((من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي)).
ثم قال بعد كلام طويل: وهو أن الرؤيا الصحيحة للنبي سر هي أن يراه الرائي
بصورة شبيهة بصورته الثابتة حليتها بالنقل الصحيح، وإلى ذلك الإشارة في بعض
روايات الحديث: ((من رآني في المنام فقد رآني)) حتى أنه إن رآه أحد في صورة مخالفة
لصورته التي كان عليها في الحس لم يكن رآه وهي﴾، مثل أن يراه طويلاً أو قصيرًا
جدًّا، أو يراه أشقر، أو شيخًا، أو شديد السمرة، ونحو ذلك، وحصول الجزم في نفس
الرائي أنه رأى النبي له ليس بحجة، بل ذلك المرئي هو صورة الشرع بالنسبة إلى
اعتقاد الرائي أو حاله، أو بالنسبة إلى صفته أو حكم من أحكام الإسلام، أو
بالنسبة إلى الموضع الذي رأى فيه ذلك الرائي تلك الصورة التي ظن أنها صورة النبي
﴿ ﴿، وقد جربنا ذلك كثيرًا في نفسنا وفي غيرنا، وسمعنا من شيوخنا أيضًا ما يؤيد ذلك
مرارًا.
٤٤١
كتاب الرؤيا
وذكر المؤلف هناك عدة مرائي تنطبق على ما قرره، ثم قال: وكما جربنا هذا
النوع المذكور غير مرة كذلك جربنا أنه من رأى النبي ◌َّيه في صورته الأصلية وأخبره
بما أخبره، فإن ذلك الإخبار لم يخرم ولم يتغير، بل وجدناه نصًّا جليًّا.
ثم قال: فمن ثبتت المناسبة بينه وبين أرواح الكمّل من الأنبياء والأولياء
اجتمع بهم متى شاء يقظة ومنامًا.
قال: ورأيت ذلك لشيخنا - يعني: الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي ﴾ سنين
عديدة، ورأيت بعض ذلك لغيره، أما الشيخ ه فإنه كان متمكنًا من الاجتماع بروح
من شاء من الأنبياء والأولياء وسائر الماضين على ثلاثة أنحاء، إن شاء استنزل روحانيته
في هذا العالم وأدركه متجسدًا في صورة مثالية شبيهة بصورته الحسية العنصرية التي
كانت له في حياته الدنيوية لا ينخرم منها شيء، وإن شاء أحضره في نومه، وإن شاء
انسلخ من هيكله واجتمع به حيث تعينت مرتبة نفسه؛ إذ ذاك من العالم العلوي،
وهذا الحال هو من آية صحة الإرث النبوي، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ [الزخرف: ٤٥] فلو لم يكن - أي: النبي ◌َّ - متمكنًا
من الاجتماع بهم لم يكن لهذا الخطاب فائدة، ولا تستبعد حصول مثل هذا فتفرّ إلى
تأويل سخيف، فغيرك - والله - قد رأى من غير واحد من هؤلاء هذا ومثله غير مرة.
انتهى مختصرًا.
وقال الشيخ الأكبر سيدي محي الدين بن العربي # في الباب الثالث والستين
وأربعمائة من ((الفتوحات المكية)): رأيت جميع الرسل والأنبياء كلهم مشاهدة عين،
وكلمتُ منهم هودًا أخا عاد دون الجماعة، ورأيت المؤمنين كلهم مشاهدة عين أيضًا من
كان منهم، ومن يكون إلى يوم القيامة، أظهرهم الحق لي في صعيد واحد في زمانين
مختلفين، وصاحبت من الرسل وانتفعت به - سوى محمد علي - جماعة منهم إبراهيم
الخليل قرأت عليه القرآن، وعيسى تُبت على يديه، وموسى أعطاني علم الكشف
والإيضاح وعلم تقليب الليل والنهار.
٤٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
فلما حصل عندي زال الليل وبقي النهار في اليوم كله، فلم تغرب لي شمس ولا
طلعت، فكان لي هذا الكشف إعلامًا من الله أنه لا حظّ لي في الشقاء في الآخرة، وهود
سألته عن مسألة فعرّفني بها فوقعَت في الوجود كما عرّفني بها إلى زماني هذا، وعاشرت
من الرسل محمدًا وَّه وإبراهيم وموسى وعيسى وهودًا وداود، وما بقي فرؤية لا صحبة.
انتهى.
وقال الشيخ جلال الدين السيوطي # في كتابه «تنوير الحلك في إمكان رؤية
النبي والملك)): قد كثر السؤال عن رؤية أرباب الأحوال للنبي وَّه في اليقظة، وإن
طائفة من أهل العصر ممن لا قدم لهم في العلم بالغوا في إنكار ذلك وادّعوا أنه
مستحيل، فألّفت هذه الكراسة في ذلك.
ونبدأ بالحديث الصحيح الوارد في ذلك: قال رسول الله وله: ((من رآني في المنام
فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي)).
قال العلماء: اختلف في قوله: ((فسيراني في اليقظة)) فقيل: معناه: فسيراني في يوم
القيامة، وتُعقّب بأنه لا فائدة في التخصيص؛ لأن كل أمته يرونه يوم القيامة من رآه
منهم ومن لم يره.
وقيل: المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبًا عنه، فيكون مبشرًا
له؛ لأنه رآه في النوم فلا بدَّ أن يراه في اليقظة قبل موته.
وقال قوم: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم فلا بدَّ أن يراه في اليقظة بعيني
رأسه، وقيل: بعين قلبه، حكاهما القاضي أبو بكر ابن العربي.
ثم قال: وقد رأى النبي ◌ّ( ليلة المعراج جماعة من الأنبياء، وأخبر وخبره صدق
أن صلاتنا معروضة عليه وأن سلامنا يبلغه، وأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل
لحوم الأنبياء.
قال البازري: وقد سمع عن جماعة من الأولياء في زماننا وقبله أنهم رأوا النبي
ێ﴾ يقظة حيًّا بعد وفاته.