النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦٣
كتاب اللباس / باب الترجل
قَالَ النَّوَوِيّ: وهو شَاذٌ، وَالْأول هو الْمُعْتَمَد.
قَالَ الْإِمَامِ: وَالْمُسْتَحَقّ مِنْ خِتَانِ الْمَرْأَةَ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الإِسْم.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: خِتَانِهَا قَطْعِ جِلْدَة تَكُون فِي أَعْلَى فَرْجِهَا فَوْق مَدْخَل الذَّكَر
كَالنَّوَاةِ أَو كَعُرْفِ الدِّيك، وَالواجِب قَطْعِ الْجِلْدَة الْمُسْتَعْلِيَة مِنْهُ دُون اِسْتِثْصَاله.
ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظِ حَدِيث أُمّ عَطِيَّةِ الَّذِي فِي الْبَابِ، ثُمَّ قَالَ قَالَ أَبو دَاوُدَ: إِنَّهُ لَيْسَ
بِالْقَوِيِّ.
قُلْت: وَلَهُ شَاهِدَانٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَس وَمِنْ حَدِيث أُمّ أَيْمَنِ عِنْد أَبِي الشَّيْخ في
كِتَابِ الْعَقِيقَةِ، وَآخَر عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسِ عِنْد الْبَيْهَقِيِّ.
وَاخْتُلِفَ فِي النِّسَاءِ هَلْ يُخْفَضْنَ عُمُومًا أو يُفَرَّقِ بَيْنِ نِسَاء الْمَشْرِقِ، فَيُخْفَضْنَ
وَنِسَاء الْمَغْرِبِ، فَلَا يُخْفَضْنَ لِعَدَمِ الْفَضْلَةِ الْمَشْرُوعِ قَطْعُهَا مِنْهُنَّ بِخِلَافِ نِسَاءٍ
الْمَشْرِقِ.
قَالَ: فَمَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا أُسْتُحِبَّ إِمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى الْمَوْضِعِ إِمْتِثَالاً
لِلْأَمْرِ. قَالَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ وَمَنْ لَا فَلَا.
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الْخِتَانِ الشَّافِعِيّ وَجُمْهور أَصْحَابِه، وَقَالَ بِهِ مِن الْقُدَمَاءِ
عَطَاءُ، وَعَنْ أَحْمَدِ وَبَعْض الْمَالِكِيَّةِ يَجِب، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةٍ وَاجِب وَلَيْسَ بِفَرْضٍ وَعَنْهُ
سُنَّةٍ يَأْثَم بِتَرْكِهِ، وَفِي وَجْهِ لِلشَّافِعِيَّةِ لَا يَجِب فِي حَقّ النِّسَاءِ، وهو الَّذِي أَورَدَهُ صَاحِب
(الْمُغْنِي)) عَنْ أَحْمَد، وَذَهَبَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيث شَدَّاد بْن أوسِ رَفَعَهُ: «الْخِتَانِ سُنَّة لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ
لِلِنِّسَاءِ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدِ وَالْبَيْهَِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ حَجَّاجِ بْن أَرْطَاء وَلَا يُخْتَجّ بِهِ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَائِيُّ فِي ((مُسْنَدِ الشَّامِّيِّينَ)) مِنْ طَرِيق سَعِيد بْنِ بِشْر عَنْ قَتَادَةً عَنْ
جَابِرِ بْن زَيْد عَن إِبْن عَبَّاس، وَسَعِيد بْنِ بِشْرِ مُخْتَلَف فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ أبو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَتِيُّ
مِنْ وَجْه آخَر عَنِ إِبْن عَبَّاس، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب. اِنْتَهَى كَلَام
الْحَافِظِ مِنْ ((الْفَتْح)) مُخْتَصَرًا مُلَخَّصًا.

٣٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَقَالَ الْحَافِظ في (تَلْخِيصِ الْحَبِير)): حَدِيث: ((الْخِتَانِ سُنَّةٍ فِي الرِّجَال مَكْرُمَةٍ فِي
النِّسَاءِ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث الْحَجَّاجِ بْن أَرْطَاة عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَة
عَنْ أَبِيهِ بِهِ، وَالْحَجَّاج مُدَلِّس، وَقَد ◌ِضْطَرَبَ فِيهِ، فَتَارَة رَوَاهُ كَذَا، وَتَارَة رَوَاهُ بِزِيَادَةِ
شَدَّاد بْنِ أوس بَعْد وَالِدِ أَبِي الْمَلِيحِ، أَخْرَجَهُ إِبْنِ أَبِي شَيْبَةٍ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي ((الْعِلَل))،
وَالطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْكَبِير)) وَتَارَة رَوَاهُ عَنْ مَكْحُول عَنْ أَبِي أَيُّوب أَخْرَجَهُ أَحْمَد، وَذَكَرِهِ ابْن
أَبِي حَاتِمٍ فِي «الْعِلَل)) وَحُكِيَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ خَطَأْ مِنْ حَجَّاج أو مِن الرَّاوِي عَنْهُ
عَبْد الواحِد بْن زِیَاد.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هو ضَعِيف مُنْقَطِع.
وَقَالَ إِبْنِ عَبْد الْبَرّ فِي ((التَّمْهِيد): هَذَا الْحَدِيث يَدُورِ عَلَى حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاة،
وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ.
قُلْت: وَلَهُ طَرِيقٍ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ حَجَّاجِ، فَقَدْ رَوَاءُ الطَّبَرَائِيُّ فِي ((الْكَبِير))
وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (السُّنَن)).
وَقَالَ فِي ((الْمَعْرِفَةِ): لَا يَصِحّ رَفْعُهُ، وهو مِنْ رِوَايَة الولِید عَن ◌ِبْنِ ثَوْبَانَ عَن ◌ِبْن
عَجْلَان عَنْ عِكْرِمَةٍ عَنْهُ، وَرُوَاتِه مُوَتَّقُونَ إِلَّا أَنَّ فِيهِ تَدْلِيسًا.
وَقَوْلُهُ وَّهِ لِأُمّ عَطِيَّةٍ وَكَانَتْ خَافِضَةٍ: (أَشَمِّي وَلَا تُنْهِكِي)) أَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي
((الْمُسْتَدْرَك)) مِنْ طَرِيقِ عُبَيْد الله بْن عَمْرو عَنْ زَيْدِ بْن أَبِي أُسَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْن
عُمَيْرِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْس: ((كَانَ بِالْمَدِينَةِ إِمْرَأَةُ يُقَال لَهَا: أُمّ عَطِيَّةٍ تَخْفِض الْجَوَارِيّ،
فَقَالَ لَهَا رَسُولِ اللهِ وَّةِ: ((يَا أَمّ عَطِيَّة ◌ِخْفِضِي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَنْضَرُ لِلوجْهِ وَأَحْظَى عِنْد
الزَّوْج».
وَرَوَاهُ الظَّبَرَانِيُّ وَأَبو نُعَيْم فِي ((الْمَعْرِفَةِ)) وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الوَجْهُ عَنْ
عُبَيْد الله بْن عَمْرو قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُل مِنْ أَهْلِ الْكُوفَة عَنْ عَبْد الْمَلِكِ بْنِ عُمَیْرِ بِهِ.
وَقَالَ الْمُفَضَّلُ الْعَلَائِيُّ: سَأَلْتِ إِبْنِ مَعِين عَنْ هَذَا الْحَدِيث، فَقَالَ: الضَّحَّاكِ بْنِ
قَيْسِ هَذَا لَيْسَ بِالْفِهْرِيِّ.

٣٦٥
كتاب اللباس / باب الترجل
قُلْت: أورَدَهُ الْحَاكِم وَأبو نُعَيْم فِي تَرْجَمَة الْفِهْرِيّ، وَقَد أُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى
عَبْد الْمَلِكِ بْن عُمَيْرِ، فَقِيلَ عَنْهُ كَذَا.
وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَطِيَّة الْقُرَظِيّ، قَالَ: كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ خَافِضَةٍ يُقَال لَهَا: أُمّ عَطِيَّة
فَذَكَرَهُ رَوَاهُ أبو نُعَيْمٍ فِي ((الْمَعْرِفَة)).
وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ أُمّ عَطِيَّة، رَوَاهُ أبو دَاوُدَ فِي ((السُّنَن)) وَأَعَلَّهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ حَسَّان،
فَقَالَ: إِنَّهُ مَجْهول ضَعِیف. اِنْتَهَى كلامه.
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي ((فَتْحِ الْقَدِيرِ شَرْح الْجَامِعِ الصَّغِيرِ)): حَدِيث: ((الْخِتَانِ سُنَّة
لِلرِّجَالِ مَكْرُمَة لِلِنِّسَاءِ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدِ فِي ((مُسْنَده)) مِنْ حَدِيث الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ
وَالِدِ أَبِيِ الْمَلِيح.
قَالَ الذَّهَبِيّ: وَحَجَّاج ضَعِيف لَا يُحْتَجّ بِهِ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْكَبِيرِ)) عَنْ شَدَّاد بْن أوس، وَعَن إِبْنِ عَبَّاس ◌َ﴾ قَالَ
السُّيُوطُّ: إِسْنَاده حَسَن.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ضَعِيف مُنْقَطِعٍ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيّ.
وَقَالَ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيّ: سَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ اِبْنِ حَجَرِ فِيهِ: الْحَجَّاجِ بْن أَرَظْأَةَ مُدَلِّس، وَقَد ◌ِضْطَرَبَ فِيهِ.
وَقَالَ أبو حَاتِمِ: هَذَا خَطَأْ مِنْ حَجَّاج أو الرَّاوِي عَنْهُ. اِنْتَهَى كلامه.
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي التَّيْسِيرُ: وَالْحَدِيثِ إِسْنَاده ضَعِيف خِلافًا لِقَوْلِ السُّيُوطِيّ:
حَسَن، وَقَدْ أَخْذِ بِظَاهِرِهِ أبو حنيفة وَمَالِكُ فَقَالَا: سُنَّة مُظْلَقًا.
وَقَالَ أَحْمَد: وَاجِب لِلذَّكَرِ سُنَّةُ لِلْأُنْقَى، وَأَوْجَبَهُ الشَّافِعِيّ عَلَيْهِمَا. اِنْتَهَى.
وَقَالَ الْإِمَامِ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بْنِ الْحَاجّ الْمَالِكِيّ فِي ((الْمَدْخَل)): وَالسُّنَّة فِي خِتَان
الذَّكَرِ إِظْهَارِهِ، وَفِي خِتَانِ النِّسَاء إِخْفَاؤُهُ، وَاخْتُلِفَ فِي حَقِّهِنَّ هَلْ يُخْفَضْنَ مُظْلَقًا أو
يُفَرَّقِ بَيْنِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ، فَأَهْلِ الْمَشْرِقِ يُؤْمَرْنَ بِهِ لوُجُودِ الْفَضْلَة عِنْدَهُنَّ
مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ لَا يُؤْمَرْنَ بِهِ لِعَدَمِهَا عِنْدَهُنَّ. اِنْتَقَى.

٣٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَد)) مِنْ حَدِيث أُمّ الْمُهَاجِرِ قَالَتْ: سُبِيت فِي
جِوَارِي مِن الرُّومِ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا عُثْمَانِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُسْلِمْ مِنَّا غَيْرِي وَغَيْرِ أُخْرَى،
فَقَالَ عُثْمَانِ: إِذْهَبُوا فَاخْفِضُوهُمَا وَطَهِّرُوهُمَا، وَفِي إِسْنَادِهِ مجهول.
(فَإِنَّ ذَلِكَ) أي: عَدَمِ الْمُبَالَغَة فِي الْقَطْعِ وَإِبْقَاءِ بَعْض النَّوَاةِ وَالْغُدَّة عَلَى فَرْجِهَا
(أَحْظَى لِلْمَرَةِ) أي: أَنْفَعِ لَهَا وَأَلَذُّ (وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ) أي: إِلَى الزَّوْج؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخِلْد
الَّذِي بَيْنَ جَانِبِي الْفَرْجِ وَالْغُدَّة الَّتِي هُنَاكَ، وَهِيَ النَّوَاةِ إِذَا دُلِكَا دَلْكًا مُلَائِمًا بِالْإِصْبَعِ أو
بِالْحَكِّ مِن الذَّكَر تَلْتَذُّ كَمَالَ اللََّّةِ حَتَّى لَا تَمْلِك نَفْسَهَا وَتُنْزِلُ بِلَا جِمَاعٍ، فَإِنَّ هَذَا
الْمَوْضِعَ كَثِيرُ الْأَعْصَابِ، فَيَكُون حِسُّهُ أَقْوَى وَلَدَّةُ الْحَكَّةِ هُنَاكَ أَشَدّ، وَلِهَذَا أُمِرَتِ الْمَرْأَةَ
فِي خِتَانِهَا لِإِبْقَاءِ بَعْض النَّوَاةِ وَالْغُدَّة لِتَلْتَذَّ بِهَا بِالْحَكِّ، وَيُحِبُّهَا زَوْجُهَا بِالْمُلَاعَبَةِ مَعَهَا؛
لِيَتَحَرَّكَ مَنِيُّ الْمَرْأَةِ وَيَذُوب؛ لِأَنَّ مَنِيَّهَا بَارِدُّ بَطِيءُ الْحَرَّكَةِ، فَإِذَا ذَابَ وَتَحَرَّكَ قَبْلِ الْجِمَاعِ
بِسَبَبِ الْمُلَاعَبَةِ يُسْرِعُ إِنْزَالُهَا، فَيُوَافِقُ إِنْزَالُهَا إِنْزَالَ الرَّجُلِ، فَإِنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ لِرَارَتِهِ
أَسْرَعُ إِنْزَالاً، وَهَذَا كُلُّهُ سَبَبْ لِإِزْدِيَادِ الْمَحَبَّةِ وَالْأَلْفَةِ بَيْنِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَهَذَا الَّذِي
ذَكَرْته هو مُصَرَّعُ فِي كُتُبِ الطّبِّ، والله أعلم.
(قَالَ أبو دَاوُدَ: رُوِيَ) بِصِيغَةِ المجهول؛ أي: هَذَا الْحَدِيث. [عون (٣٠٤/١١)].
٤٤٦٥ - [وعن كَرِيمَة بِنْتِ هَمَّامٍ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ خِضَابِ الْحِنَّاءِ
فَقَالَتْ: ((لَا بَأْسَ بِهِ وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ، كَانَ حَبِيبِي يَكْرَهُ رِيحَهُ)). رَوَاهُ أبو داود
وَالنَّسَائِيُ(١).
(كَرِيمَة بِنْت هُمَام) بِضَمّ هَاء وَتَخْفِيف مِيم كَذَا ضَبَطَهُ مُؤَلِّف ((الْمِشْكَاة). قَالَهُ
الْقَارِي.
(عَنْ خِضَاب الْحِنَّاء) بِكَسْرٍ وَتَشْدِيد الثُّون (لَا بَأْس بِهِ) أي: لَا بَأْس بِفِعْلِهِ،
فَإِنَّهُ مُبَاحِ (كَانَ حَبِيبِي) وَفِي بَعْض النُّسَخِ: ((حِّ)) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الْبَاءُ
(١) أخرجه أبو داود (٤١٦٦)، والنسائي (٥١٠٧).

٣٦٧
كتاب اللباس / باب الترجل
الْمَكْسُورَةِ، وَهُمَا بِمَعْنَى (يَكْرَه رِيحه) إِسْتَدَلَّ الشَّافِعِيّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحِنَّاءِ لَيْسَ بِطِيبٍ؛
لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبّ الطّيب.
وَفِيهِ: إِنَّهُ لَا دَلَالَة لِإِحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا النَّوْعِ مِن الطِّب لَمْ يَكُنْ يُلَائِمِ طَبْعه كَمَا
لَا يُلَائِمِ الزَّبَادِ مَثَلاً طَبْع الْبَعْضِ، كَذَا قَالَ الْقَارِي.
(قَالَ أبو دَاوُدَ: تَعْنِي خِضَابِ شَعْرِ الرَّأْس) لِأَنَّ خِضَابِ الْيَد لَمْ يَكُنْ يَكْرَههُ
٤٤٦٦ - [وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ الله، بَايِعْنِي. فَقَالَ: ((لا
أُبَايِعُكِ حَتَّى تُغَيِِّي كَفَّيكِ، فَكَأَنَّهُما كَفَّا سَبُجٍ)). رَوَاهُ أَبو داود](١).
٤٤٦٧ - [وَعَنْهُا قَالَتْ: أومَتِ امْرَأَةً مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ بِيَدِهَا كِتَابُ إِلَى رَسُولِ الله
وَ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ◌َهِيَدَهُ، فَقَالَ: ((مَا أَدْرِي أَيَدُ رَجُلٍ أَمْ يَدُ امْرَأَةٍ؟)) قَالَتْ: بَلِ امْرَأَةُ، قَالَ:
(لو كُنْتِ امْرَأَةً لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكٍ)) يَعْنِي: بِالْحِنَّاءِ. رَوَاهُ أَبو داود وَالنَّسَائِيُّ](٢).
٤٤٦٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: «لُعِنَتِ الواصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ، وَالنَّامِصَةُ
والمُتَنَمِّصَةُ، وَالواشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ مِنْ غَيْرِ دَاءٍ)). رَوَاهُ أبو داود](٣).
٤٤٦٩ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((لَعَنَ رَسُولُ الله ◌ِ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ،
وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ)). رَوَاهُ أَبو داود](٤).
٤٤٧٠ - [وعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّ امْرَأَةً تَلْبَسُ النَّعْلَ. فَقَالَتْ:
((لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَِّ الرَّجُلَةَ مِنَ النِّسَاءِ». رَوَاهُ أبو داود] (٥).
٤٤٧١ - [وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ وَّهِ إِذَا سَافَرَ كان آخِرُ عَهْدِهِ بِنْسَانٍ
(١) أخرجه أبو داود (٤١٦٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٤١٦٨)، والنسائي (٥١٠٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٤١٧٢).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٠٩٨)، والحاكم (٧٤١٥) وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٥) أخرجه أبو داود (٤٠٩٩).

٣٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
مِنْ أَهْلِهِ فَاطِمَةُ، وأول مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فاطمة، فَقَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ لَهُ وَقَدْ عَلَّقَتْ مَسْحًا
أو سِتْرًا عَلَى بَابِهَا، وَحَلَّتِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قَلْبَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ فَقَدَمَ فَلَمْ يَدْخُلْ فَظَنَّتْ أَنَّ
مَا مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَا رَأَى فَهَتَكَت السِّتْرَ وَفَكَّتِ الْقَلْبَيْنِ عَنِ الصَّبِيَّيْنِ وَقَطَعَتْهُ مِنْهُما،
فَانْطَلَقًا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ يَبْكِيَانٍ، فَأَخَذَهُ مِنْهُمَا فَقَالَ: ((يَا ثَوْبَانُ، اذْهَبْ بِهِذا إِلَى
فلان إِنَّ هَؤُلاءِ أَهْلِي أَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا، يَا ثَوْبَانُ، اشْتَرٍ لِفَاطِمَةَ
قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ، وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأبو داود](١).
٤٤٧٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ: ((اكْتَحِلوا بِالإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ،
وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ)) وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةُ يَكْتَحِلُ بْهَا كُلَّ لَيْلَةٍ ثَلاثَةٍ فِي هَذِهِ
وَثَلاثَةٍ فِي هَذِهِ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٢).
٤٤٧٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَلَ يَكْتَحِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ بِالإِثْمِدِ ثَلاثًا فِي كُلِّ
عَيْنٍ. قَالَ: وَقَالَ: ((إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ اللَّهُودُ والسَّعُوطُ وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشِي، وَخَيْرُ مَا
اكْتَحَلْتُمْ بِهِ الإِثْمِدُ؛ فَإِنَّهُ يَجْلو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ، وَإِنَّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فِيهِ يَوْمَ
سَبْعَ عَشَرَةَ وَيَوْمَ تِسْعَ عَشَرَةَ وَيَوْمَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وأَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ حِينَ عُرِجَ بِهِ
مَا مَّ عَلَى مَلٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّ قَالوا: عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ](٣).
٤٤٧٤ - [وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامَاتِ،
ثُمَّ رَخَّصَ لِلِرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوا بِالْمَيَازِرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود](٥).
٤٤٧٥ - [وعَنْ أَبِي الْمَلِيجِ قَالَ: قدمٍ عَلَى عَائِشَةَ نِسَوَةُ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ، فَقَالَتْ: من
(١) أخرجه أحمد (٢٢٤١٧)، وأبو داود (٤٢١٣)، والطبراني (١٤٥٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٥٦٥٩).
(٢) أخرجه الترمذي (١٢٦٢).
(٣) أخرجه الترمذي (٢١٨٥ - ٢١٩١).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٠١١)، والترمذي (٣٠٣٢).

٣٦٩
كتاب اللباس/ باب الترجل
أين أَنْتُنَّ؟ قُلْنَ: مِنَ الشَّامِ. قَالَتْ: فَلَعَلَّكُنَّ مِنَ الْكُورَةِ التِي تَدْخُلْ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ؟
قَالَت: فَإِنِّ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َّهِ يَقُولُ: ((لا تخلع امْرَأَةٍ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا
هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا)) وِفِي رِوايَةٍ: ((فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ سِتْرِها بَيْنَهَا
وَبَيْنَ اللّه ◌َ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود] (١).
٤٤٧٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ
العَجِمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالَ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إِلَّا بِالأَزُرِ،
وَامْنَعُوا النِّسَاءَ إِلَّا مَرِيضَةً أَو نُفَسَاءَ)). رَوَاهُ أَبو داود](٢).
٤٤٧٧ - [ وَعَنْ جَابِرٍ أُنَّ الشَِّيَّ رَِّ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا
يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْخَمَّامَ،
وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا بِالْخَمْرِ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ)(٣).
(الفصل الثالث)
٤٤٧٨ - [عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسَّ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ وَ فَقَالَ: «لو شِئْتُ أَنْ
أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ فَعَلْتُ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَصِبْ)) زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «وَقَدِ اخْتَضَبَ أُبو
بكر بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ نَجْنًا)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٤).
(الْكَتَم) فَبِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْقُ الْمُخَفَّفَةُ، هَذَا هو الْمَشْهور.
وَقَالَ أبو عُبَيْدة: هو بِتَشْدِيدِ الثَّاءِ، وَحَكَاهُ غَيْرِه، وهو نَبَاتٌ يُصْبَغُ بِهِ الشَّعْرِ،
يَكْثُرُ بَيَاضِه أو حُمْرَتِه إِلَى الدُّهْمَة.
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٣٣)، وأبو داود (٤٠١٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٠١٣)، وابن ماجه (٣٨٨٠).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٠٣١) والنسائي (٤٠٤) والدارمي (٢٠٩٢) والحاكم (٧٧٧٩) وقال: صحيح
على شرط مسلم. والطبراني في «الأوسط)) (٦٨٨) والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٥٥٩٦) وأبو يعلى
(١٩٢٥).
(٤) أخرجه البخاري (٥٨٩٥)، ومسلم (٦٢٢٢)، وأحمد (١٣٧١٨).

٣٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(اخْتَضَبَ عُمَر بِالْحِنَّاءِ) هو بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ: خَالِصًا لَمْ يُخْلَطْ بِغَيْرِهِ.
[النووي (٥٨/٨)].
٤٤٧٩ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: «إنه كان يُصَفِّرُ لحيتَهُ بالصُفْرَةِ حَتَّى تَمْتَلىَ ثيابُه مِنَ
الصُّفرة، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَصْبُغْ بِهَا وَلَمْ
يَكُنْ شَيْءُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلُّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ. رَوَاهُ أُبو داود
وَالنَّسَائِيُّ](١).
٤٤٨٠ - [وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: ((دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةً
فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعَرًا مِنْ شَعَرِ النَّبِيّ ◌َِّ مَخْضُوبًا)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٢).
٤٤٨١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُنِّي رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ
وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَا بَالُ هَذَا؟)) قَالُوا: يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، فَأَمَرَ بِهِ
فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ، فقيل: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: ((إِنِّيّ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ)».
رَوَاهُ أبو داود](٣).
٤٤٨٢ - [وعَنِ الولِيد بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: ((لَمَّا فَتَحَ رسولُ الله ◌ََّ مَكَّةَ جَعَلَ أَهْلُ
مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ فَيَدْعُو لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ، فَجِيءَ بِي إِلَيْهِ وَأَنَا مُخَلَّقُ
فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجْلِ الْخُلُوقِ)). رَوَاهُ أَبو داود](٤).
٤٤٨٣ - [وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أنه قَالَ لِرَسُولِ اللهِوَّهِ: إِنَّ لي جُمَّةً أَفَأُرَجِّلُهَا؟ قَالَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿: ((نَعَمْ، وَأَكْرِمْهَا)) فَكَانَ أُبو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ من أجل
قَولِ رَسُولِ الله وَلِ: ((نعم، وَأَكْرِمْهَا)). رَوَاهُ مَالِكٌ](٥).
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٦٦)، والنسائي (٥١٠٢).
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٩٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٩٢٨)، والبيهقي (١٦٧٦٤)، والدارقطني (٥٤/٢).
(٤) أخرجه أبو داود (٤١٨٣).
(٥) أخرجه مالك (١٧٣٨).

٣٧١
كتاب اللباس/ باب الترجل
٤٤٨٤ - [وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَحَدَّثَتْنِي
أُخْتِي الْمُغِيرَةُ قَالَتْ: وَأَنْتَ يَوْمَئِذٍ غُلَامُ وَلَكَ قَرْنَانٍ أو قُصَّتَانٍ. فَمَسَحَ رَأْسَكَ وَبَرَّكَ
عَلَيْكَ، وَقَالَ: ((احْلِقُوا هَذَيْنِ أو قُصُّوهُمَا فَإِنَّ هَذَا زِيُّ الْيَّهُود)). رَوَاهُ أبو داود](١).
٤٤٨٥ - [وَعَنْ عَلىِّ قَالَ: (نَهى رسولُ اللهِ وَيُ أَنْ تَخْلِقَ الْمَرَأَةُ رَأْسَها)). رَوَاهُ
النَّسَائِيُّ(٢).
(نَهى رسولُ الله ◌َّهِ أَنْ تَخْلِقَ الْمَرأةُ رَأْسَها) أي: لَا يَجِب عَلَيْهِنَّ الْخُلْق في
الشَّحَلُّل إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِير؛ أي: إِنَّمَا الواجِب عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرِ بِخِلَافِ الرِّجَال،
فَإِنَّهُ يَجِب عَلَيْهِمْ أَحَدهمَا، وَالْحُلْقِ أَفْضَلِ كَذَا فِي (الْمِرْقَاة).
وَفِي ((الثَّيْلِ)): فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعِ فِي حَقّهنَّ التَّقْصِيرِ، وَقَدْ حَكَى الْحَافِظ
الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ جُمْهورِ الشَّافِعِيَّةِ: فَإِنْ حَلَقَتْ أَجْزَأَهَا.
قَالَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّب وَالْقَاضِي حُسَيْن: لَا يَجُوز، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ
حَدِيث عَلِيّ ﴾ِ نَهَى أَنْ تَخْلِقِ الْمَرْأَةَ رَأْسَهَا.
وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَقَدْ
قَوَّى إِسْنَاده الْبُخَارِيُّ فِي («التَّارِيخ)) وَأبو حَاتِم في ((الْعِلَل)) وَحَسَّنَهُ الْحَافِظِ وَأَعَلَّهُ إِبْنِ
الْقَطَّانِ وَرَدَّ عَلَيْهِ إِبْنِ الْمَوَّاقِ فَأَصَابَ. قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ.
هِيَ فِي اللُّغَة بِمَعْنَى: الزِّيَارَةِ، وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَة عَنْ أَفْعَال مَخْصُوصَةِ هِيَ الطَّوَاف
وَالسَّعْي دُون الوقُوف بِعَرَفَة وَدُون الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةٍ.
٤٤٨٦ - [وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلُ
ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللَّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِيَدِهِ كأَنه يأمره بإِصْلاحِ شعره وَلِخِيَتَه،
فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾: ((أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّْسِ
(١) أخرجه أبو داود (٤١٩٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٢١٠).
(٢) أخرجه الترمذي (٩١٤)، والنسائي (٥٠٤٩).

٣٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
كَأَنَّهُ شَيْطَانُ)). رَوَاهُ مَالِكٌ](١).
(قَائِرِ الرَّأْس) هو مَرْفُوعٍ عَلَى الصِّفَة، وَيَجُوز نَصْبِه عَلَى الْحَالِ، وَالْمُرَاد أَنَّ شَغْره
مُتَفَرِّق مِنْ تَرْكِ الرَّفَاهِيَةِ، فَفِيهِ إِشَارَةٍ إِلَى قُرْب عَهْدِه بِالوفَادَةِ، وَأَوقَعَ إِسْمِ الرَّأْس عَلَى
الشَّعْرِ إِمَّا مُبَالَغَة أو لأَنَّ الشَّعْرِ مِنْهُ يَنْبُت.
٤٤٨٧ - [وَعَن ابْنِ الْمُسَيَّبِ سُمِعَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللّهَ طَيِّبُ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ
يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادُ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظّفُوا - أُرَاهُ قَالَ: أَفْنِيَتَكُمْ - وَلَا
تَشَبَّهوا بِالْتَهُود)). قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَامِرُ بْنُ
سَعْدِ بْنِ أَبِيه عَنِ النَّبِّ وَ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ((نَظّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٢).
٤٤٨٨ [وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ
خَلِيلُ الرَّحَمَن أول النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ، وَأُولِ النَّاسِ اخْتَتَنَ، وَأُول النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ،
وَأُولِ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، مَا هَذَا؟ فَقَالَ الرَّبُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ((وَقَارْ يَا
إِبْرَاهِيمُ)) قَالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا. رَوَاهُ مَالِكٌ](٣).
(١) أخرجه مالك (١٧٣٩)، والبيهقى في ((شعب الإيمان)) (٦١٨٩).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٧٩٩)، والبزار (١١١٤)، وأبو يعلى (٧٩٠).
(٣) أخرجه مالك (١٦٧٧).

(باب التصاوير)
(الفصل الأول)
٤٤٨٩ - [عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ،
وَلَا تَصَاوِيرُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(لَا تَدْخُلِ الْمَلَائِكَة) ظَاهِرِهِ الْعُمُوم.
وَقِيلَ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْحَفَظَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الشَّخْصِ فِي كُلّ حَالَة، وَبِذَلِكَ
جَزَمَ إِبْنِ وَضَّاحِ وَالْخُطَّابِيّ وَآخَرُونَ، لَكِنْ قَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَذَا قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا،
وَالظَّاهِرِ الْعُمُومِ، وَالْمُخَصِّص يَعْنِي: الدَّالّ عَلَى كَوْن الْحَفَظَة لَا يَمْتَنِعُونَ مِن الدُّخُولِ
لَيْسَ نَصًّا.
قُلْت: وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِن الْجَائِزِ أَنْ يُظْلِعُهُم الله تَعَالَى عَلَى عَمَلِ الْعَبْد،
وَيُسْمِعُهُمْ قَوْله وَهُمْ بِبَابِ الدَّار الَّتِي هو فِيهَا مَثَلاً، وَيُقَابِلِ الْقَوْلِ بِالتَّعْمِيِ الْقَوْل
بِتَخْصِيصِ الْمَلَائِكَة بِمَلَائِكَةِ الوحي، وهو قَوْل مَن إِذَّعَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَصَائِص
النَّبِيّ ◌َِّ كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وهو شَاذَ.
(بَيْتًا فِيهِ كُلْب) الْمُرَاد بِالْبَيْتِ: الْمَكَانِ الَّذِي يَسْتَقِرّ فِيهِ الشَّخْصِ سَوَاء كَانَ بِنَاء
أو خَيْمَة أَمْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالظَّاهِرِ الْعُمُومِ فِي كُلّ كَلْب؛ لِأَنَّهُ نَكِرَة فِي سِيَاقِ النَّفْي، وَذَهَبَ
الْخَطَائِيُّ وَطَائِفَةٍ إِلَى اِسْتِثْنَاءِ الْكِلَابِ الَّتِي أُذِنَ فِي اِنََّاذهَا، وَهِيَ كِلاَّبِ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَة
وَالزَّرْعِ، وَجَنَحَ الْقُرْطُبِيّ إِلَى تَرْجِيحِ الْعُمُومِ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ، وَاسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِقِصَّةٍ
الْجُرْو الَّتِي تَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهَا فِي حَدِيث اِبْنِ عُمَر بَعْد سِتَّة أبواب.
قَالَ: فَامْتَنَعَ جِبْرِيل مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ ظُهورِ الْعُذْرِ فِيهِ.
قَالَ: فَلَو كَانَ الْعُذْرِلَا يَمْنَعُهُمْ مِن الدُّخُولِ لَمْ يَمْتَنِعِ جِبْرِيل مِن الدُّخُول. انتهى.
(١) أخرجه البخاري (٥٩٤٩)، ومسلم (٥٦٣٦).
٠ ٣٧٣

٣٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَيُحْتَمَلِ أَنْ يُقَال: لَا يَلْزَم مِن التَّسْوِيَةِ بَيْنِ مَا عَلِمَ بِهِ أو لمْ يَعْلَمْ فِيمَا لَمْ يُؤْمَر
بِّغَاذِهِ أَنْ يَكُون الْحُكْم كَذَلِكَ فِيمَا أُذِنَ فِي اِتَّخَاذه.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْكُلْبِ حَتَّى مَنَعَ الْمَلَائِكَة مِنْ
دُخُولِ الْبَيْتِ الَّذِي هو فِيهِ، فَقِيلَ: لِكَوْنِهَا نَجِسَةِ الْعَيْنِ، وَيَتَأَيَّ ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْض
طُرُق الْحَدِيث عَنْ عَائِشَة عِنْد مُسْلِمِ ((فَأَمَرَ بِنَضْحِ مَوْضِع الْكَلْب)).
وَقِيلَ: لِكَوْنِهَا مِن الشَّيَاطِین.
وَقِيلَ: لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقِ بِهَا، فَإِنَّهَا تُكْثِرِ أَكْلِ النَّجَاسَة وَتَتَلَطَّخِ بِهَا
فَيَنْجُسِ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَعَلَى هَذَا يَحْمِلِ مَنْ لَا يَقُول: إِنَّ الْكُلْب ◌َجِس الْعَيْن نَصْح
مَوْضِعه اِحْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ النَّصْحِ مَشْرُوع لِتَظْهِيرِ الْمَشْكُوكَ فِيهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ فَقِيلَ: هو عَلَى الْعُمُومِ، وَأَيَّدَهُ النَّوَوِيّ بِقِصَّةٍ
جِبْرِيل الْآتِي ذِكْرهَا، فَقِيلَ: يُسْتَثْنَى الْحَفَظَةِ، وَأَجَابَ الْأول بِجَوَازٍ أَلَا يَدْخُلوا مَعَ
إِسْتِمْرَارِ الْكِنَايَةِ بِأَنْ يَكُونُوا عَلَى بَابِ الْبَيْت.
وَقِيلَ: الْمُرَادِ مَنْ نَزَلَ مِنْهُمْ بِالرَّحْمَةِ.
وَقِيلَ: مَنْ نَزَلَ بِالوحْيٍ خَاصَّةٍ كَجِبْرِيلٍ، وَهَذَا نَقْل عَن ◌ِبْنِ وَضَّاحِ وَالدَّاوُدِيّ
وَغَيْرِهِمَا، وَيَلْزَم مِنْهُ إِخْتِصَاص النَّفْي بِعَهْدِ النَّبِيّ ◌َّ؛ لِأَنَّ الوحْي إِنْقَطَعَ بَعْده
وَبِانْقِطَاعِهِ إِنْقَطَعَ نُزُولهُمْ.
وَقِيلَ: التَّخْصِيص فِي الصِّفَةِ؛ أي: لَا يَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةِ دُخُولهُمْ بَيْت مَنْ لَا
گلْب فِیهِ.
(وَلَّا تَصَاوِير) فِي رِوَايَة مَعْمَرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: ((وَلَا صُورَة)) بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَا فِي مُعْظَم
الرِّوَايَاتِ، وَفَائِدَة إِعَادَة حَرْفِ النَّفْي الإِحْتِرَازِ مِنْ تَوَهُّم الْقَصْرِ فِي عَدَم الدُّخُولِ عَلَى
إِجْتِمَاعِ الصِّنْفَيْنِ، فَلَا يَمْتَنِعِ الدُّخُولِ مَعَ وُجُودٍ أَحَدهمَا، فَلَمَّا أُعِيدَ حَرْفِ النَّفْي صَارَ
التَّقْدِيرِ وَلَا تَدْخُلِ بَيْتًا فِيهِ صُورَة.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالصُّورَة الَّتِي لَا تَدْخُلِ الْمَلَائِكَةِ الْبَيْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ مَا يَحْرُم

٣٧٥
كتاب اللباس/ باب التصاوير
إِقْتِنَاؤُهُ، وهو مَا يَكُون مِن الصُّوَرِ الَّتِي فِيهَا الرُّوحِ مِمَّا لَمْ يُقْطَعِ رَأْسِه أو لمْ يُمْتَهَن.
وَأَغْرَبَ إِبْنِ حِبَّانِ فَادَّعَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمِ خَاصّ بِالنَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: وهو نَظِير
الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ((لَا تَصْحَب الْمَلَائِكَة رُفْقَة فِيهَا جَرَس)) قَالَ: فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى رُفْقَة
فِيهَا رَسُول الله وَّ؛ إِذْ مُحَالِ أَنْ يَخْرُجُ الْحَاجٌ وَالْمُعْتَمِرِ لِقَصْدِ بَيْت الله وَكَّ عَلَى رَوَاحِل
لَا تَصْحَبِهَا الْمَلَائِكَة، وَهُمْ وَفْد الله. اِنْتَهَى.
وهو تَأويل بَعِيد جِدًّا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَيُزِيل شُبْهَته أَنَّ كُوْنِهِمْ وَفْد الله لَا يَمْنَعِ أَنْ
يُؤَاخَذُوا بِمَا يَرْتَكِبُونَهُ مِنْ خَطِيئَة، فَيَجُوزِ أَنْ يُحْرَمُوا بَرَكَة الْمَلَائِكَةِ بَعْد مُخَالَطَتْهُمْ
لَهُمْ إِذَا إِرْتَكَبُوا النَّهْي وَاسْتَصْحَبُوا الْجَسِ، وَكَذَا الْقَوْلِ فِيمَنْ يَقْتَنِي الصُّورَةِ وَالْكَلْب،
وَالله أَعْلَم.
وَقَدِ اِسْتَشْكَلَ كَوْنِ الْمَلَائِكَة لَا تَدْخُلِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ النَّصَاوِيرِ مَعَ قَوْله ◌َّ
عِنْدِ ذِكْر سُلَيْمَانِ الَُّْ: ﴿يَعْمَلونَ لَهُ مَا يَشَاء مِنْ تَحَارِيب وَتَمَاثِيل﴾ [سبأ: ١٣] وَقَدْ
قَالَ مُجَاهِدٍ: كَانَتْ صُوَرًا مِنْ نُحَاسِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ.
وَقَالَ قَتَادَة: كَانَتْ مِنْ خَشَب وَمِنْ زُجَاج. أَخْرَجَهُ عَبْدِ الرَّزَّاق.
وَالْجَوَابِ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة، وَكَانُوا يَعْمَلونَ أَشْكَالِ الْأَنْبِيَاءِ
وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ عَلَى هَيْئَتِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِيَتَعَبَّدُوا كَعِبَادَتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أبو الْعَالِيَةِ: لَمْ
يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتهمْ حَرَامًا ثُمَّ جَاءَ شَرْعُنَا بِالنَّهْيِ عَنْهُ.
وَيُجْتَمَلِ أَنْ يُقَال: إِنَّ التَّمَاثِيل كَانَتْ عَلَى صُورَة النُّقُوش لِغَيْرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ،
وَإِذَا كَانَ اللَّفْظِ مُخْتَمَلاً لَمْ يَتَعَيَّنِ الْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُشْكِلِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ
حَدِيث عَائِشَةٍ فِي قِصَّة الْكَنِيسَة الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَة وَمَا فِيهَا مِنِ النَّصَاوِير، وَأَنَّهُ
﴿﴿ قَالَ: «كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِم الرَّجُلِ الصَّالِحِ بَنَوْا عَلَى قَبْره مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ
الصُّورَةِ، أولَئِكَ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْد الله)) فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِر بِأَنَّهُ لو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ
الشَّرْعِ مَا أَظْلَقَ عَلَيْهِ وَيِ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرّ الْخُلْقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلِ صُوَرِ الْحَيَوَان
فِعْلِ مُحْدَث أَحْدَثَهُ عُبَّاد الصُّوَرِ، وَالله أَعْلَم.

٣٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
٤٤٩٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عن مَيْمُونَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا
وقَالَ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَا وَالله مَا أَخْلَفَنِي)) ثُمَّ وَقَعَ
فِي نَفْسِهِ جِرْو كَلْبٍ تَخْتَ فُسْطَاطٍ لَهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ،
فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: ((لَقَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِيِ الْبَارِحَةَ)) قَالَ: «أَجَلْ،
وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبُ وَلَا صُورَةٌ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَوْمَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِ
الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْخَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْخَائِطِ الْكَبِيرِ)). رَوَاهُ
مُسْلِمْ(١).
(وَيَتْرُكِ كَلْبِ الْحَائِط الْكَبِير) لِعُسْرِ حِفْظه بِلَا كَلْب.
قَالَ النَّوَوِيّ: الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَاب مَنْسُوخ.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ.
وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ هَكَذَا وَقَعَ تَحْتِ بِسَاط لَنَا.
وَفِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)): تَحْتِ فُسْطَاط لَنَا، وهو مُوَافِقِ شِبْهِ الْخِيَاءِ، وَيُرِيد بِهِ هَا هُنَا
بَعْض حِجَال الْبَيْتِ بِدَلِيلٍ قَوْله فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ((تَحْت سَرِير عَائِشَة)».
وَقِيلَ: الْفُسْطَاطِ بَيْتِ مِنِ الشَّعْرِ، وَأَصْلِ الْفُسْطَاطِ: عَمُودِ الْأَبْنِيَةِ الَّتِي تُقَام
عَلَيْهَا، وَفِيهِ سِتْ لُغَات.
٤٤٩١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ
شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٢).
٤٤٩٢ - [وَعَنْهُا: أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ وَ لَ قَامَ
عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، قَالَت: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُوبُ
إِلَى اللّه وَإِلَى رَسُولِهِ مَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِصَلَ: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟)) فَقُلْتُ:
اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ
(١) أخرجه مسلم (٥٦٣٥)، وأبو داود (٤١٥٩).
(٢) أخرجه البخاري (٥٩٥٢).

٣٧٧
كتاب اللباس/ باب التصاوير
يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالَ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ) وَقَالَ: ((إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُة
لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٤٤٩٣ - [وَعَنْهُا: أَنَّهَا كَانَتِ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهوةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ
﴿ فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٥).
٤٤٩٤ - [وَعَنْهُا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ فَأَخَذْتُ نَمَطًا فَسَتَرْتُهُ عَلَى الْتَابِ،
فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ أُو قَطَعَهُ، ثم قَالَ: (إِنَّ اللّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ
نَكْسُو الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
٤٤٩٥ - [وَعَنْهُا عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ: (إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهون
بِخَلْقِ الله)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
٤٤٩٦ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ تعالى:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوليَخْلُقُوا حَبَّةً أُو شَعِيرَةً). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](٥).
٤٤٩٧ - {وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْثُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ: «أَشَدُّ
النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ الله الْمُصَوَّرُونَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٦).
٤٤٩٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: («كُلُّ مُصَوّرٍ فِي
النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فيعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ) قَالَ ابنُ عَبَّاسِ: فَإِنْ كُنْتَ
(١) أخرجه البخاري (٥١٨١)، ومسلم (٥٦٥٥)، ومالك (١٧٧٣)، وأحمد (٢٦٨٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٧٩)، ولم أقف عليه بلفظه عند مسلم.
(٣) أخرجه مسلم (٢١٠٧)، وأبو داود (٤١٥٣)، والبيهقي (١٤٣٦٣)، ولم أقف عليه عند البخاري.
(٤) أخرجه البخاري (٥٦١٠)، ومسلم (٢١٠٧)، وأحمد (٢٤١٢٧)، والنسائي (٥٣٥٦).
(٥) أخرجه البخاري (٧١٢٠)، ومسلم (٢١١١)، وأحمد (٧١٦٦)، وابن أبي شيبة (٢٥٢١١)، وأبو يعلى
(٦٠٨٦)، وابن حبان (٥٨٥٩).
(٦) أخرجه البخاري (٥٦٠٦)، ومسلم (٢١٠٩)، وأحمد (٣٥٥٨)، وابن أبي شيبة (٢٥٢٠٩)، والبزار
(١٩٦٤)، وأبو يعلى (٥١٠٧).

٣٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
لَا بُدَّ فَاعِلاً فَاصنع الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوعُ فِيهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ﴾(١).
٤٤٩٩ - [وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يقول: ((مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ كُلَّفَ أَنْ
يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهونَ أُو يَفِرُّونَ
مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبٍ وَكُلَّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا
وَلَيْسَ بِنَافِخِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢).
فِي رِوَايَة عَبَّدٍ وَكَذَا فِي رِوَايَة هَمَّامٍ: ((وَمَنْ صَوَّرَ صُورَة عُذِّبَ يَوْمَ الْقِيَامَة حَتَّى
يَنْفُخ فِیھَا الرُّوح وَلَیْس پنَافِخِ فِیھَا».
وَهَذَا الْحَدِيثِ قَد ◌ِشْتَمَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامِ: أولها: الْكَذِب عَلَى الْمَنَامِ.
ثَانِيهَا الإِسْتِمَاعِ لِدِيثِ مَنْ لَا يُرِيد اِسْتِمَاعه.
ثَالِثھا: التّصْوِير.
وَأَمَّا الْكَذِبِ عَلَى الْمَنَامِ، فَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا اِشْتَدَّ فِيهِ الوعيد مِنْ أَنَّ الْكَذِبِ فِي
الْيَقَظَة قَدْ يَكُونِ أَشَدّ مَفْسَدَةً مِنْهُ؛ إِذْ قَدْ تَكُون شَهَادَة فِي قَتْل أو حَدّ أو أَخْذ مَال؛
لِأَنَّ الْكَذِبِ فِي الْمَنَامِ كَذِب عَلَى اللّه أَنَّهُ أَرَاهُ مَا لَمْ يَرَهُ، وَالْكَذِب عَلَى الله أَشَدّ مِن
الْكَذِب عَلَى الْمَخْلوقِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولِ الْأَشْهَادِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى
رَبّهِمْ .. ﴾ وَإِنَّمَا كَانَ الْكَذِبِ فِي الْمَنَامِ كَذِبًا عَلَى الله؛ لِحَدِيثِ: ((الرُّؤْيَا جُزْءٍ مِن الُّبُوَّة))
وَمَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّة فهو مِنْ قِبَل الله تَعَالَى. اِنْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ الْمُلَهَّبِ فِي قَوْله: ((كُلِّفَ أَنْ يَعْقِد بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ)): حُجَّة لِلْأَشْعَرِيَّةِ فِي
تَجْوِيزِهمْ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاقِ، وَمِثْله فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَف عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ
إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا
يُكَلِّف الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أو حَمَلوه عَلَى أُمُورِ الدُّنْيَا، وَحَمَلُوا الْآيَة
وَالْحَدِيثِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ. إِنْتَهَى مُلَخَّصًا.
(١) أخرجه البخاري (٢٢٢٥)، مسلم (٢١١٠)، وأحمد (٢٨١١).
(٢) أخرجه البخاري (٧٠٤٢).

٣٧٩
كتاب اللباس/ باب التصاوير
وَالْحَقّ أَنَّ التَّكْلِيفِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله: ((كُلُّفَ أَنْ يَعْقِد)) لَيْسَ هو التَّكْلِيف
الْمُصْطَلَحِ، وَإِنَّمَا هو كِنَايَة عَن التَّعْذِيب.
وَأَمَّا التَّكْلِيف الْمُسْتَفَادِ مِن الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ، فَالْأَمْرِ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْجِيز
وَالتَّوْبِيخِ؛ لِكَوْنِهِمْ أَمِرُوا بِالسُّجُودِ فِي الدُّنْيَا، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى ذَلِكَ فَامْتَنَعُوا فَأُمِرُوا بِهِ
حَيْثُ لَا قُدْرَة لَهُمْ عَلَيْهِ تَعْجِيزًا وَتَوْبِيجًا وَتَعْذِيبًا.
وَأَمَّا الإِسْتِمَاعِ فَتَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي الإِسْتِثْذَانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيث: (لَا
يَتَنَاجَى إِثْنَانِ دُونَ ثَالِث)) وَقَدْ قُيِّدَ ذَلِكَ فِي حَدِيث الْبَابِ لِمَنْ يَكُون كَارِهًا لإِسْتِمَاعِهِ،
فَأَخْرَجَ مَنْ يَكُونِ رَاضِيًّا، وَأَمَّا مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَيَمْتَنِعِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ.
وَأَمَّا الوعيد عَلَى ذَلِكَ بِصَبِّ الْآنُكَ فِي أُذُنه فَمِنِ الْجَزَاءِ مِنْ جِئْسِ الْعَمَل، وَالْآَنُك
بِالْمَدِّ وَضَمّ النُّون بَعْدَهَا كَاف: الرَّصَاص الْمُذَابِ. وَقِيلَ: هو الْخَالِصِ الرَّصَاصِ. وَقَالَ
الدَّاوُدِيُّ: هو الْقَصْدِیر.
وَقَالَ اِبْنِ أَبِي جَمْرَة: إِنَّمَا سَمَّاهُ حُلْمًا وَلَمْ يُسَمِّهِ: رُؤْيَا؛ لِأَنَّهُ إِذَّعَى أَنَّهُ رَأَى وَلَمْ يَرَ
شَيْئًا، فَكَانَ كَاذِبًا، وَالْكَذِبِ إِنَّمَا هو مِن الشَّيْطَان.
وَقَدْ قَالَ: إِنَّ الْحُلْمِ مِن الشَّيْطَانِ، وَمَا كَانَ مِن الشَّيْطَان فهو غَيْرِ حَقٌّ فَصَدَّقَ
بَعْض الْحَدِيث بَعْضًا.
قَالَ: وَمَعْنَى الْعَقْدِ بَيْنَ الشَّعِيرَتَيْنِ: أَنْ يَفْتِلِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وهو مِمَّا لَا
يُمْكِنِ عَادَةً.
قَالَ: وَمُنَاسَبَة الوعيد الْمَذْكُورِ لِلْكَاذِبِ فِي مَنَامِه الْمُصَوِّرِ أَنَّ الرُّؤْيَا خَلْقِ مِنْ
خَلْقِ الله، وَهِيَ صُورَة مَعْنَوِيَّة، فَأَدْخَلَ بِكَذِبِهِ صُورَةٍ لَمْ تَقَعِ كَمَا أَدْخَلَ الْمُصَوِّرِ فِي
الوجُود صُورَة لَيْسَتْ بِحَقِيقِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الصُّورَةِ الْحَقِيقِيَّة هِيَ الَّتِي فِيهَا الرُّوحِ، فَكُلِّفَ
صَاحِب الصُّورَة اللَّطِيفَة أَمْرًا لَطِيفًا، وهو الاِتِّصَالِ الْمُعَبَّر عَنْهُ بِالْعَقْدِ بَيْنَ الشَّعِيرَتَيْنِ،
وَكُلِّفَ صَاحِب الصُّورَة الْكَثِيفَة أَمْرًا شَدِيدًا، وهو أَنْ يَتِمَّ مَا خَلَقَهُ بِزَعْمِهِ بِنَفْخ الرُّوح،
وَوَقَعَ وَعِيدِ كُلّ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ يُعَذَّبِ حَتَّى يَفْعَل مَا كُلّفَ بِهِ، وهو لَيْسَ بِفَاعِلٍ، فهو كِنَايَة

٣٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
عَنْ تَعْذِيب كُلّ مِنْهُمَا عَلَى الدَّوَامِ.
قَالَ: وَالْحِكْمَةِ فِي هَذَا الوعيد الشَّدِيدِ أَنَّ الْأُولِ كَذِب عَلَى جِئْس النُّبُوَّة، وَأَنَّ
الثَّانِيَ نَازَعَ الْخَالِقِ فِي قُدْرَته.
وَقَالَ فِي مُسْتَمِعِ حَدِيثِ مَنْ يَكْرَهِ إِسْتِمَاعِه: يَدْخُل فِيهِ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلِهِ وَأَغْلَقَ
بَابِه وَتَحَدَّثَ مَعَ غَيْرِهِ، فَإِنَّ قَرِينَة حَالهِ تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدِ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَسْتَمِعِ حَدِيثه،
فَمَنْ يَسْتَمِعِ إِلَيْهِ يَدْخُل فِي هَذَا الوعيد، وهو كَمَنْ يَنْظُرِ إِلَيْهِ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ، فَقَدْ وَرَدَ
الوعيد فِيهِ وَلِأَنَّهُمْ لُو فَقَتُوا عَيْنَهُ لَكَانَتْ هَدَرًا.
قَالَ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ مَنْ يَكْرَه اِسْتِمَاعِ حَدِيثه مَنْ تَحَدَّثَ مَعَ غَيْرِهِ جَهْرًا،
وَهُنَاكَ مَنْ يَكْرَهِ أَنْ يَسْمَعُهُ، فَلَا يَدْخُلِ الْمُسْتَمِعِ فِي هَذَا الوعيد؛ لِأَنَّ قَرِينَة الْحَال،
وَهِيَ الْجُهْر تَقْتَضِي عَدَم الْكَرَاهَة فَيَسُوعُ الإِسْتِمَاع.
قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ وَصْف الْعُبُودِيَّةِ اِسْتَحَقَّ الْعُقُوبَة بِقَدْرٍ
خُرُوجه.
وَفِيهِ: تَنْبِيه عَلَى أَنَّ الْجَاهِلِ فِي ذَلِكَ لَا يُعْذَرِ بِجَهْلِهِ، وَكَذَا مَنْ تَأول فِيهِ تَأْوِيلاً
بَاطِلاً، إِذْ لَمْ يُفَرِّقْ فِي الْخَبَرِ بَيْنَ مَنْ يَعْلَم تَخْرِيمِ ذَلِكَ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يَعْلَمِهُ كَذَا قَالَ.
وَمِنِ اللَّطَائِفِ مَا قَالَ غَيْرِهِ: إِنَّ إِخْتِصَاص الشَّعِيرِ، بِذَلِكَ لِمَا فِي الْمَنَامِ مِن
الشُّعُورِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ، فَحَصَلَتِ الْمُنَاسَبَة بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الإِشْتِقَاقِ. [الفتح (٤٥/٢٠)].
٤٥٠٠ - [وَعَنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صبغ يَدَهُ فِي
لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
(مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَده فِي لَحْمَ خِنْزِيرِ وَدَمه) قَالَ الْعُلَمَاءِ:
التَّرْدَشِير هو النَّرْدِ؛ فَالنَّرْد: عَجَمِيّ مُعَرَّب، و((شِير)) مَعْنَاهُ: حُلو.
وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهورِ فِي تَخْرِيمِ اللَّعِب.
(١) أخرجه مسلم (٦٠٣٣).

٣٨١
كتاب اللباس / باب التصاوير
وَقَالَ أبو إِسْحَاقِ الْمَرْوَزِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهِ، وَلَا يَحْرُم.
وَأَمَّا الشِّطْرَنْجِ فَمَذْهَبِنَا أَنَّهُ مَكْرُوهِ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وهو مَرْوِيّ عَنْ جَمَاعَة مِن
التَّابِعِينَ. وَقَالَ مَالِك وَأَحْمَد: حَرَامٍ. قَالَ: هو شَرّ مِنِ النَّرْدِ، وَأَلْهَى عَنِ الْخَيْرِ، وَقَاسُوهُ عَلَى
النَّرْدِ. وَأَصْحَابِنَا يَمْنَعُونَ الْقِيَاسِ، وَيَقُولونَ: هو دُونِه.
(صَبَغَ يَده فِي ◌َخْم الْخِنْزِيرِ وَدَمه) هو تَشْبِيه لِتَحْرِيِهِ بِتَحْرِيمِ أَكْلهما، والله
أعلم.
(الفصل الثاني)
٤٥٠١ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (أَتَانِي جِبْرِيلُ الَّئُ: قَالَ: أَتَيْتُكَ
الْبَّارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ
قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبُ فَمُرْ بِرَأْسِ التّمْثَالِ الَّذِي عَلَى البَابِ فَيُقْطَعُ
فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوطَآنٍ، وَمُرْ
بِالْكَلْبِ فَلْيَخْرُجْ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَّ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود](١).
٤٥٠٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَخْرُجُ عُنُقُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ
عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ، وَأَذُنَاٍ تَسْمَعَانٍ، وَلِسَانُّ يَنْطِقُ يَقُولُ: إِنِّي وُكَّلْتُ بِثَلَائَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ
عَنِيدٍ، وِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٢).
٤٥٠٣ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ رَسُولِ الله ◌َّهِ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَ الْخَمْرَ
وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ، وَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)) قيل: الْكُوبَةُ: الطَّبْلُ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ
الإِيمَانِ))](٣).
(١) أخرجه أحمد (٨٠٣٢)، وأبو داود (٤١٥٨)، والترمذي (٢٨٠٦) وقال: حسن صحيح. والنسائي
(٥٣٦٥)، والبيهقي (١٤٣٥٣).
(٢) أخرجه أحمد (٨٤١١)، والترمذي (٢٥٧٤) وقال: حسن غريب. والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٦٣١٧).
(٣) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٩٠٤).

٣٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
٤٥٠٤ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النبيَّ ◌َ نَهَى عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ
وَالْغُبَيْرَاءِ)) وَالْغُبَيْرَاءُ: شَرَابٌ يَعْمَلُهُ الْحَبَشَةُ مِنَ الذُّرَةِ يقَالَ له: السُّكُرْكَةُ. رَوَاهُ أُبو
داود](١).
٤٥٠٥ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ
عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأبو داود](٤).
٤٥٠٦ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهْ رَأَى رَجُلاً يَتْبَعُ حَمَامَةً، فَقَالَ:
(شَيْطَانُ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأبو داود وَابْنُ مَاجَه وَالْبَيْهَِيُّ فِي («شُعَبِ
الإِيمانِ»](٣).
(الفصل الثالث)
٤٥٠٧ - [عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسِ إِذْ جاءه رَجُلُّ
فَقَالَ: يَا ابن عَبَّاسِ، إِنِّي رجل إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنَّ أَصْنَعُ هَذِهِ النَّصَاوِيرَ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ يَقُولُ: ((من صَوَّرَ صُورَةً
فَإِنَّ اللّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيه الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًّا)) فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةٌ شَدِيدَةً
وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ وَكُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ
فِيهِ رُوحُّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٤).
٤٥٠٨ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ◌َهَ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً
رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٨٧).
(٢) أخرجه مالك (١٧١٨)، وأحمد (١٩٥٣٩)، وأبو داود (٤٩٣٨)، وابن ماجه (٣٧٦٢)، والحاكم
(١٦٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (٢٠٧٣٩)، والبزار (٣٠٧٥)، وابن حبان
(٥٨٧٢).
(٣) أخرجه أحمد (٨٥٢٤)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٣٠٠)، وأبو داود (٤٩٤٠)، وابن ماجه
(٣٧٦٥)، والبيهقي (٢٠٧٣٠)، وابن حبان (٥٨٧٤).
(٤) أخرجه البخاري (٢٢٢٥)، وأحمد (٣٤٥٥).