النص المفهرس
صفحات 261-280
(باب الضيافة) (الفصل الأول) ٤٢٤٣ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيُكرِمِ ضَيْفَهُ، وَمَن كَانَ يُؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلا يُؤذِ جَارَهُ، وَمَن كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوليَضْمُت)) وِفِي رِوايَةٍ بدل الْجَارِ: ((وَمَن كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلَيَصِلِ رَحِمَه)» مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). ٤٢٤٤ - [وعَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْكَعْبِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةُ، وَالضِّيّافَةُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فهو صَدَقَةٌ، وَلا تَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢). ٤٢٤٥ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ لَّهَ: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَتَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنَا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا: ((إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمِرَوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلِضَّيْفِ فَاقْبَلوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ)). مُتَّفَقُّ (٣) عَلَيْهِ](٣). ٤٢٤٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللّه ◌َ ذَاتَ يَوْمٍ أُولِيْلَةٍ فَإِذَا هو بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟)) قَالَا: الْجُوعُ. قَالَ: ((وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَّأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا قُومُوا)) فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلاً مِن الْأَنْصَارِ (١) أخرجه البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (١٨٢)، وأحمد (٧٨٤١)، وأبو داود (٥١٥٦). (٢) أخرجه البخاري (٥٧٨٤)، ومسلم (٤٨)، ومالك (١٦٦٠)، وأحمد (٢٧٢٠٥)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذي (١٩٦٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه (٣٦٧٥)، وابن حبان (٥٢٨٧)، والطبراني (٤٧٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٥٣١). (٣) أخرجه البخاري (٥٧٨٦)، ومسلم (١٧٢٧)، وأحمد (١٧٣٨٣)، وأبو داود (٣٧٥٢)، وابن ماجه (٣٦٧٦). - ٢٦١ - ٢٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع صناَ الله علية فَإِذَا هو لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلاً. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله وست (أَيْنَ فُلَانٌ؟)) قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِن الْمَاءِ؛ إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهَ وَصَاحِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لله مَا أَحَدَّ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي. قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبْ، فَقَالَ: كُلوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ فَقَالَ لَّهُ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِيَّاكَ وَالْخَلوبَ)) فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلوا مِن الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرُؤُوا قَالَ رَسُولُ الله ◌َّه ◌ِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنِ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). وذُكرِ حَديثَ أَبِي مَسْعُودٍ: «كَانَ رَجُلُ مِنَ الأَنْصَارِ» فِي بَابِ الولِيمَةِ]. قال النووي: هَذَا فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ وَهُ وَكِبَارِ أَصْحَابِهِ ﴾ مِنِ التَّقَلُّل مِن الدُّنْيَا، وَمَا أُبْتُلُوا بِهِ مِن الْجُوعِ وَضِيقِ الْعَيْشِ فِي أَوْقَات، وَقَدْ زَعَمَ بَعْض النَّاسِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْل فَتْحِ الْفُتُوحِ وَالْقُرَى عَلَيْهِمْ، وَهَذَا زَعْم بَاطِلِ، فَإِنَّ رَاوِي الْحَدِيث أبو هريرة، وَمَعْلومِ أَنَّهُ أُسْلَمَ بَعْد فَتْح خَيْبَر. فَإِنْ قِيلَ: لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِه رَوَاهُ أَنْ يَكُونِ أَدْرَكَ الْقَضِيَّة، فَلَعَلَّهُ سَمِعَهَا مِن النَّبِيّ ◌َّهُ أَو غَيْرِهِ، فَالْجَوَابِ: إِنَّ هَذَا خِلَاف الظَّاهِرِ وَلَا ضَرُورَة إِلَيْهِ، بَلِ الصَّوَاب خِلَافِه، وَأَنَّ رَسُولِ اللهِنَّه لَمْ يَزَلْ يَتَقَلَّب فِي الْيَسَارِ وَالْقِلَّةِ حَتَّى تُوُقِّيّ ◌َّهِ، فَتَارَة يُوسَر وَتَارَة يَنْفَدِ مَا عِنْده، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ: (خَرَجَ رَسُول اللّهِ وَلِّ مِن الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَع مِنْ خُبْزِ الشَّعِير)). وَعَنْ عَائِشَة: ((مَا شَبِعَ آل مُحَمَّد بَّهِ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَة مِنْ طَعَامِ ثَلَاث لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ، وَتُوُقِّي ◌َِّ وَدِرْعِه مَرْهونَة عَلَى شَعِيرِ إِسْتَدَانَهُ لِأَهْلِهِ) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هو مَعْرُوف، فَكَانَ النَّبِيّ ◌َّهِ فِي وَقْت يُوسَرِ، ثُمَّ بَعْد قَلِيل يَنْفَد مَا عِنْده؛ لِإِخْرَاجِهِ فِي طَاعَة الله مِنْ وُجُوهِ الْبِّ وَإِثَار الْمُحْتَاجِينَ، وَضِيَافَة الطَّارِقِينَ وَتَجْهِيزِ السَّرَايَا، وَغَيْرِ (١) أخرجه مسلم (٥٤٣٤). ٢٦٣ كتاب الأطعمة/ باب الضيافة ذَلِكَ. وَهَكَذَا كَانَ خُلُقٍ صَاحِبَيْهِ - رَضِيَ الله عَنْهُمَا - بَلْ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ أَهْلِ الْيَسَار مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ مَعَ بِّهِمْ لَهُ وَّهِ، وَإِكْرَامِهِمْ إِيَّاهُ وَإِنْحَافِه بِالظُّرَفِ وَغَيْرِهَا، رُبَّمَا لَمْ يَعْرِفُوا حَاجَته فِي بَعْض الْأَحْيَانِ؛ لِكَوْنِهِمْ لَا يَعْرِفُونَ فَرَاغْ مَا كَانَ عِنْده مِن الْقُوتِ بِإِيثَارِهِ بِهِ، وَمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ رُبَّمَا كَانَ ضِيقِ الْحَالِ فِي ذَلِكَ الوقْت كَمَا جَرَى لِصَاحِبَيْهِ، وَلَا يَعْلَمْ أَحَدٍ مِنِ الصَّحَابَة عَلِمَ حَاجَة النَّبِيّ ◌َِّ، وهو مُتَمَكِّن مِنْ إِزَالَتْهَا إِلَّ بَادَرَ إِلَى إِزَالَتْهَا، لَكِنْ كَانَ وَلَهْ يَكْتُمُهَا عَنْهُمْ إِثَارًا لِتَحَمُّلِ الْمَشَاقّ وَحَمْلاً عَنْهُمْ، وَقَدْ بَادَرَ أبو طَلْحَة حِين قَالَ: سَمِعْتِ صَوْتِ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَعْرِفِ فِيهِ الجُوعِ إِلَى إِزَالَة تِلْكَ الْحَاجَةِ، وَكَذَا حَدِيث أَبِي شُعَيْب الْأَنْصَارِيّ الَّذِي عُرَفَ فِي وَجْهه الْجُوعِ فَبَادَرَ بِصَنِيعِ الطَّعَامِ، وَأَشْبَاه هَذَا كَثِيرَة فِي الصَّحِيح مشهورة. وَكَذَلِكَ كَانُوا يُؤْثِر بَعْضهمْ بَعْضًا، وَلَا يَعْلَمْ أَحَدٍ مِنْهُمْ ضَرُورَةٍ صَاحِبه ◌ِلَّ سَعَى فِي إِزَالَتْهَا، وَقَدْ وَصَفَهُم اللّه ◌َ بِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسهِمْ وَلو كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٍ﴾ [الحشر: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رُحَمَاءِ بَيْنِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. (وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا) فَمَعْنَاهُ: إِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا عَلَيْهِ مِنْ مُرَاقَبَة الله تَعَالَى وَلُزُوم طَاعَته وَالإِشْتِغَالِ بِهِ، فَعَرَضَ لَهُمَا هَذَا الْجُوعِ الَّذِي يُزْعِجِهُمَا وَيُقْلِقِهُمَا، وَيَمْنَعُهُمَا مِنْ كَمَالِ النَّشَاطِ لِلْعِبَادَةِ، وَتَمَامِ التَّلَذُّد بِهَا سَعَيَا فِي إِزَالَتْه ◌ِالْخُرُوجِ فِي طَلَب سَبَب مُبَاحِ يَدْفَعَانِهِ بِهِ، وَهَذَا مِنْ أَكْمَلِ الطَّاعَاتِ، وَأَبْلَغِ أَنْوَاع . الْمُرَاقَبَاتِ، وَقَدْ نَهَى عَنِ الصَّلَاة مَعَ مُدَافَعَة الْأَخْبَتَيْنِ، وَبِحَضْرَةِ طَعَام تَتُوقِ النَّفْس إِلَيْهِ، وَفِي ثَوْبِ لَهُ أَعْلَامِ، وَبِحَضْرَةِ الْمُتَحَدِّثِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَل قَلْبِهِ، وَنَهَى الْقَاضِي عَنِ الْقَضَاءِ فِي حَالِ غَضَبه وَجُوعِه وَهَمّه وَشِدَّة فَرَحِه وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلِ قَلْبه وَيَمْنَعُهُ كَمَالِ الْفِكْر، والله أعلم. (بُيُوتِكُمَا) هو بِضَمِّ الْبَاء وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ، وَقَوْله ◌َّهِ: (وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيّدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا) فِيهِ جَوَازِ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ مَا يَنَالَهُ مِنْ أَلَم ٢٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع وَنحوه، لَا عَلَى سَبِيلِ التَّشَكِّي وَعَدَمِ الرِّضَا، بَلْ لِلتَّسْلِيَةِ وَالتَّصَبُِّ، كَفِعْلِهِ وَ لَ هُنَا، وَلِالْتِمَاسِ دُعَاءٍ أو مُسَاعَدَة عَلَى التَّسَبُّبِ فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ الْعَارِضِ، فَهَذَا كُلّه لَيْسَ بِمَذْمُومٍ، إِنَّمَا يُذَمّ مَا كَانَ تَشَكِّيًا وَتَسَخُطًا وَتَجَزُّعًا. وَقَوْلِهِ وَلِ: (فَأَنَا) هَكَذَا هو فِي بَعْض النُّسَخِ (فَأَنَا) بِالْفَاءِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالواوِ، وَفِيهِ: جَوَاز الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اِسْتِحْلَاف. (قُومُوا فَقَامُوا) هَكَذَا هو فِي الْأُصُولِ بِضَمِيرِ الْجُمْعِ، وهو جَائِزِ بِلَا خِلَاف لَكِنَّ الْجُمْهور يَقُولونَ: إِظْلَاقِه عَلَى الإِثْنَيْنِ مَجَازِ، وَآخَرُونَ يَقُولونَ: حَقِيقَة. وَقَوْله: (فَأَقَى رَجُلاً مِن الْأَنْصَارِ) هو أبو الْهَيْئَم مَالِك بْنِ التَّيْهَانِ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فَوْق وَتَشْدِيد تَحْت مَعَ كَسْرهَا. وَفِيهِ: جَوَازِ الْإِذْلَالِ عَلَى الصَّاحِبِ الَّذِي يُوثَقِ بِهِ كَمَا تَرْجَمْنَا لَهُ، وَاسْتِتْبَاعِ جَمَاعَة إِلَى بَيْته. وَفِيهِ: مَنْقَبَة لِأَبِي الْهَيْثَم؛ إِذْ جَعَلَهُ النَّبِيّ ◌َ أَهْلاً لِذَلِكَ وَكَفَى بِهِ شَرَفًا ذَلِكَ. وَقَوْلهُ: (فَقَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلاً) كَلِمَتَانِ مَعْرُوفَتَانٍ لِلْعَرَبِ؛ وَمَعْنَاهُ: صَادَفْتِ رَحْبًا وَسَعَة وَأَهْلاً تَأْنَس پِهِمْ. وَفِيهِ: إِسْتِحْبَاب إِكْرَامِ الضَّيْف بِهَذَا الْقَوْل وَشَبَهه، وَإِظْهَارِ السُّرُور بِقُدُومِهِ، وَجَعْلِه أَهْلاً لِذَلِكَ، كُلّ هَذَا وَشَبَهه إِكْرَامٍ لِلضَّيْفِ، وَقَدْ قَالَ رََّ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفه». وَفِيهِ: جَوَازِ سَمَاعِ كُلَام الْأَجْنَبِيَّة وَمُرَاجَعَتْهَا الْكَلَامِ لِلْحَاجَةِ، وَجَوَازِ إِذْن الْمَرْأَةَ فِي دُخُول مَنْزِل زَوْجِهَا لِمَنْ عَلِمَتْ مُحَقَّقًا أَنَّهُ لَا يَكْرَهُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْلو بِهَا الْخُلوة الْمُحَرَّمَةِ. (ذَهَبَ يَسْتَعْذِبِ لَنَا الْمَاءِ) أي: يَأْتِينَا بِمَاءٍ عَذْب، وهو الطَّيِّب، وَفِيهِ: جَوَاز اِسْتِعْذَابه وَتَظْيِيبه. (الْحَمْد لله مَا أَحَدِ الْيَوْمِ أَكْرَمَ ضَيْفًا مِنِّي) فِيهِ فَوَائِد؛ مِنْهَا: اِسْتِحْبَاب حَمْد الله ٢٦٥ كتاب الأطعمة/ باب الضيافة تَعَالَى عِنْد حُصُول نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَكَذَا يُسْتَحَبّ عِنْدِ إِنْدِفَاع ◌ِقْمَة كَانَتْ مُتَوَقَّعَة، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنِ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ جَمَعْت فِي ذَلِكَ قِطْعَة صَالِحِة فِي كِتَاب الْأَذْكَار. وَمِنْهَا: اِسْتِحْبَابِ إِظْهَارِ الْبِشْرِ، وَالْفَرَح بِالضَّيْفِ فِي وَجْهِه وَحَمْد الله تَعَالَى، وهو يَسْمَعِ عَلَى حُصُولِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَالثََّاء عَلَى ضَيْفِه ◌ِإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ فِتْنَةٍ، فَإِنْ خَافَ لَمْ يُثْنِ عَلَيْهِ فِي وَجْهِه، وَهَذَا طَرِيقِ الْجُمْعِ بَيْنِ الْأَحَادِيث الوارِدَةِ بِجَوَازٍ ذَلِكَ وَمَنْعِه، وَقَدْ جَمَعْتُهَا مَعَ بَسْطِ الْكَلَام فِيهَا فِي كِتَاب الْأَذْكَار. وَفِيهِ: دَلِيل عَلَى فَضِيلَة هَذَا الْأَنْصَارِيّ وَبَلَاغَته وَعَظِيمَ مَعْرِفَته؛ لِأَنَّهُ أَنَى بِكَلَامٍ مُخْتَصَرِ بَدِيعِ فِي الْحُسْنِ فِي هَذَا الْمَوْطِن ◌َّه. (فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرِ وَتَمْرِ وَرُطَبِ فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ) الْعِذْق هُنَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهِيَ الْكِبَاسَةِ، وَهِيَ الْغُصْنِ مِن النَّخْلِ، وَإِنَّمَا أَنَى بِهَذَا الْعِذْقِ الْمُلون لِيَكُونَ أَظْرَفِ، وَلْيَجْمَعُوا بَيْن أَكْلِ الْأَنْوَاعِ، فَقَدْ يَطِيب لِبَعْضِهِمْ هَذَا وَلِبَعْضِهِمْ هَذَا. وَفِيهِ: دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الْفَاكِهَة عَلَى الْخُبْزِ وَاللَّحْم وَغَيْرِهِمَا. وَفِيهِ اِسْتِحْبَابِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الضَّيْفِ بِمَا تَيَسَّرَ، وَإِكْرَامِه بَعْده بِطَعَامِ يَصْنَعُهُ لَهُ لَا سِيَّمَا إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنّهِ حَاجَته فِي الْحَال إِلَى الطَّعَامِ، وَقَدْ يَكُون شَدِيد الْحَاجَةِ إِلَى التَّعْجِيلِ، وَقَدْ يَشُقّ عَلَيْهِ إِنْتِظَارِ مَا يَصْنَع لَهُ لِإِسْتِعْجَالِهِ لِلإِنْصِرَافِ. وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٍ مِنِ السَّلَفِ التَّكَلِّف لِلِضَّيْفِ، وهو مَحْمُول عَلَى مَا يَشُقّ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ مَشَقَّةٍ ظَاهِرَة؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعهُ مِن الْإِخْلَاص وَكَمَالِ السُّرُورِ بِالضَّيْفِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَيَتَأَذَّى بِهِ الضَّيْفِ، وَقَدْ يُحْضِرِ شَيْئًا يَعْرِفِ الضَّيْف مِنْ حَاله أَنَّهُ يَشُقَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَتَكَلَّهُ لَهُ فَيَتَأَذَّى لِشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، وَكُلّ هَذَا مُخَالِفِ لِقَوْلِهِ وَّ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ)) لِأَنَّ أَكْمَلَ إِكْرَامِه إِرَاحَة خَاطِرهِ، وَإِظْهَارِ السُّرُورِ بِهِ، وَأَمَّا فِعْلِ الْأَنْصَارِيّ وَذَبْجِهِ الشَّاةِ فَلَيْسَ مِمَّا يَشُقَّ عَلَيْهِ، بَلْ لو ذَّبَعَ أَغْنَامًا بَلْ جِمَالاً وَأَنْفَقَ أَمْوَالاً فِي ضِيَافَة رَسُولِ الله وَّهِ وَصَاحِبَيْهِ - رَضِيَ الله عَنْهُمَا - كَانَ مَسْرُورًا بِذَلِكَ مَغْبُوطًا فِيهِ، والله أعلم. ٢٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع (وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ) الْمُدْيَة: بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْرِهَا هِيَ السِّكِّينِ، وَالْحَلوب: ذَات اللَّبَن، فَعُول بِمَعْنَى مَفْعُول كَرَكُوبٍ وَنَظَائِره. (فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرُؤُوا قَالَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرِ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا التَّعِيمِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فِيهِ: دَلِيل عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ، وَمَا جَاءَ فِي كَرَاهَة الشِّبَعِ فَمَحْمُول عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَسِّي الْقَلْبِ وَيُنْسِي أَمْر الْمُحْتَاجِينَ. وَأَمَّا السُّؤَالِ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضِ: الْمُرَادِ السُّؤَالِ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ شُكْرهِ، وَالَّذِي نَعْتَقِدهُ أَنَّ السُّؤَالِ هُنَا سُؤَالِ تَعْدَاد النَّعَم وَإِعْلَام بِالإِمْتِنَانِ بِهَا، وَإِظْهَارِ الْكَرَامَةِ بِإِسْبَاغِهَا لَا سُؤَال تَوْبِيخِ وَتَقْرِيعِ وَمُحَاسَبَة، والله أعلم. [٩٠/٧]. (الفصل الثاني) ٤٢٤٧ - [عَنِ الْمِقْدَامَ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ: سَمِعَ النَّبِيّ ◌َّه يَقُولُ: ((أَيُّمَا مُسْلِمِ ضَافَ قَوْمًا، فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَخْرُومًّا، كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمِ نَصْرُهُ حَتَّى يَأْخُذَ لَهُ بِقِرَاهُ مِنْ مَالِهِ وَزَرْعِهِ)). رَوَاهُ الدَّارِيُّ وَأبو داود، وِفِي رِوايَةٍ: ((وَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يُقْرُوهُ، كان لَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ)](١). ٤٢٤٨ - [وعَنْ أَبِي الأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأيْت إِنْ مَرَرْتُ بِرِجُلٍ فَلَمْ يُقْرِفِي ولم يُضَفْنِي ثُمَ مَرَّبِي بَعْدِ ذَلِكَ أَقْرِيْهِ أُمْ أَجْزِيهِ؟ قَالَ: (بَلِ اقْرِهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ(٤). ٤٢٤٩ - [وَعَنْ أَنَسِ - أو غَيْرِهِ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ اسْتَأْذَنَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله)) فَقَالَ سَعْدُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ. وَلَمْ يُسْمِعِ النَّبِيَّ ◌َّهِ حَتَّى سَلَّمَ ثَلَاثًا وَرَدَّ عَلَيْهِ سَعْدُ ثَلَاثًا وَلَمْ يُسْمِعْهُ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ◌َهِ فَاتَّبَعَهُ (١) أخرجه الطيالسي (١١٤٩)، وأحمد (١٧٢١٧)، وأبو داود (٣٧٥١)، والحاكم (٧١٧٩)، والبيهقي (١٨٤٧٥)، والدارمي (٢٠٣٧). (٢) أخرجه أحمد (١٦٣٠٨)، والترمذي (٢١٣٧). ٢٦٧ كتاب الأطعمة/ باب الضيافة سّعْدُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا سَلَّمْتَ تَسْلِيمَةً إِلَّا وَهِيَ بِأُذُنِي، وَلَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ وَلَمْ أُسْمِعْكَ، أَحْبَبْتُ أَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ سَلَامِكَ وَمِنَ الْبَرَكَةِ، ثُمَّ دَخَلوا الْبَيْتَ فَقَرَّبَ لَهُ زَبِيِّبًا فَأَكَلَ نَبِيُّ اللّهِ وَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «أَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ)). رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ))] (١). ٤٢٥٠ - [وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤمِنِ وَمَثَلُ الإِيمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ في آخِيَّتِهِ يَجُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى آخِيَّتِهِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْهِو ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الإِيمَانِ، فَأَطْعِمُوا طَعَامَكُمُ الأَنْقِيَاءَ، وَأُولُوا مَعْرُوفَكُمُ الْمُؤْمِنِينَ)). رَوَاهُ الْبَيْهَفِيُّ فِي «شُعَبٍ الإِيمَانِ) وَأَبو نُعَيْم في ((الحِلْيَة))](٢). (في آخِيَّتِهِ) بهمزة ممدودة فمعجمة مكسورة فتحتية مشدودة: عروة حبل في وتد يدفن طرفا الحبل في أرض، فيصير وسطه كالعروة، ويشد بها الدابة في العلف (يَجُولُ) أي: يدور ثم يرجع إلى آخيته؛ والمعنى: إن المؤمن مربوط بالإيمان لا انفصام له عنه، وأنه إن اتفق أن يحوم حول المعاصي، ويتباعد عن قضية الإيمان من ملازمة الطاعة، فإنه يعود بالآخرة إليه بالندم والتوبة، ويتدارك ما فاته من العبادة، وهو المراد بقوله: (وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْهو) أي: عن الإيقان بالغفلة عن مراتب الإحسان. (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الإِيمَانِ) أي: بعون الرحمن فـ(أطعموا)) جزاء شرط محذوف؛ أي: إذا كان حكم الإيمان حكم الآخية فقووا الوسائل بينكم وبينه (فَأَطْعِمُوا طَعَامَكُمُ الأَنْقِيَاءَ) إنما خص الأتقياء بالإطعام؛ لأن الطعام يصير جزء البدن، فيتقوى به على الطاعة فيدعو لك ويستجاب دعاؤه في حقك، وروي: ((لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك، إلا تقي، وليس كذلك سائر المعروف)) ولهذا عممه لعموم (١) أخرجه أحمد (١٢٤٢٩)، والدارمي (١٧٧٢)، وأبو داود (٣٨٥٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠١٢٩)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٧٢/٣)، والبيهقي (٧٩٢٥)، وأبو يعلى (٤٣١٩)، والبغوي (١٩٤/٦). (٢) أخرجه أحمد (١١٥٤٣)، وابن المبارك (٧٣)، وأبو يعلى (١٣٣٢)، وابن حبان (٦١٦)، وأبو نعيم في («الحلية)) (١٧٩/٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٩٦٤). ٢٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع المؤمنين بقوله: (وَأُولوا) من الإيلاء وهو الإعطاء؛ أي: خصوا (مَعْرُوفَكُمْ) أي: إحسانكم (الْمُؤْمِنِينَ) أي: أجمعين دون المنافقين والكافرين. ٤٢٥١ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ وَ قَصْعَةُ يَجْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ يُقَالَ لَهَا: الْغَرَّاءُ، فَلَمَّا أَضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحَى أُتِي بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ وَقَد تُرِدَ فِيْهَا فَالْتَقُوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَا رَسُولُ اللهِ فَقَالَ أَعْرَابِيُّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةِ؟ فَقَالَ الشَّبِي ((إِنَّ اللهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا)) ثُمَّ قَالَ: ((كُلُوا مِنْ جَوَانِهَا وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا)). رَوَاهُ أَبو داود](١). ٤٢٥٢ - [وَعَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ الله ◌ِّ قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلا نَشْبَعُ، قَالَ: ((فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ)) قَالوا: نَعَمْ. قَالَ: ((فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ الله يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٢). (الفصل الثالث) ٤٢٥٣ . [عَنْ أَبِي عَسِيبٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﴿ لَيْلاً فَمَرَّ بِي فَدَعَانِي، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ حَائِطاً لِبَعْضِ الأَنْصَارِ فَقَالَ لِصَاحِبِ الْخَائِطِ: (أَطْعِمْنَا بُسْرًا)) فَجَاءَ بِعِذْقٍ فَوَضَعَهُ فَأَكَلَ رَسُولُ الله ◌َّهِ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ فَشَرِبٌ، فَقَالَ: ((لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ قِبَلَ رَسُولِ اللهِ وَِّ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَمَسْؤولونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: (نَعَمْ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: خِرْقَةٍ لِقَّ بِهَا الرَّجُلُ عَوْرَتَهُ، أو كِسْرَةٍ سَذَّ بِهَا جَوْعَتَهُ، أو جُحْرٍ يَتَدَخَّلُ فِيهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْقَرّ). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ) مُرْسَلاً](٣). ٤٢٥٤ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ:((إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ فَلَا يَقُومُ (١) أخرجه أبو داود (٣٧٧٥). (٢) أخرجه أبو داود (٣٧٦٦)، والطبراني (١٧٨٢٤)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٣٦٧). (٣) أخرجه أحمد (٢١٣١٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٤٢٥). ٢٦٩ كتاب الأطعمة / باب الضيافة رَجُلُ حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ وَإِنْ شَبِعَ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، وَلْيُعْذِرْ فَإِنَّ ذلك يُخْجِلُ جَلِيسَهُ فَيَقْبِضُ يَدَهُ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ))](١). ٤٢٥٥ - [وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ◌َِّ إِذَا أَكْلَ مَعَ قَوْمٍ كَانَ آخِرَهُمْ أَكْلاً)). رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ) مُرْسَلاً](٢). ٤٢٥٦ [وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: أَبِيَ النَّبِيُّ ◌َّ بِطَعَامٍ فَعُرِضَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا: لَّا نَشْتَهِيهِ. قَالَ: ((لَا تَجْمَعْنَ جُوعًا وَكَذِبًا)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](٣). ٤٢٥٧ [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: («كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](٤). ٤٢٥٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهُ: ((مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](٥). ٤٢٥٩ [وَرَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وقَالَ: فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌّ](٦). ٤٢٦٠. [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َُّ: «الْخَيْرُ أَسْرَعُ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ مِنَ الشَّفْرَةِ إِلَى سَنَامِ الْبَعِيرِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](٧). (١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٢٠)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٥٦١٥). (٢) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٥٧٧٥). (٣) أخرجه أحمد (٢٧٦٠١)، وابن ماجه (٣٢٩٨)، والطبراني (٤٣٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٨٢١). (٤) أخرجه ابن ماجه (٣٢٨٧). (٥) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥٨). (٦) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٦٤٩). (٧) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥٧). (باب أكل المضطر) وهذا الباب خالٍ عن الفصل الأول والفصل الثالث (الفصل الثاني) ٤٢٦١ - [عَنِ الْفُجَيْعِ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ أَنَى النَّبِيَّ نَّهِ فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لَنَا مِنَ الْمَيْتَةِ؟ قَالَ: ((مَا طَعَامُكُمْ؟)) قَلنا: نَغْتَبِقُ وَنَصْطَبِحُ. قَالَ أبو نُعَيْمٍ: فَسَّرَهُ لِي عُقْبَةٌ قَدَحُ غُدْوَةً وقَدَعُ عَشِيَّةً قَالَ: ((ذَاكَ الْجُوعُ)) فَأَحَلَّ لَهُمُ الْمَيْتَةَ عَلَى هَذَه الْحَالِ)). رَوَاهُ أبو داود](١). (عَنِ الْفُجَيْعِ) بِيمٍ مُصَغَّرًا، ابْنِ عَبْد الله الْعَامِرِيّ صَحَابِيّ نَزَلَ الْكُوفَةِ، لَهُ حَدِيثِ وَاحِد. كَذَا فِي ((التَّقْرِيب)). (قُلْنَا نَغْتَبِقِ) أي: نَشْرَب قَدَحًا مِن اللَّبَنِ مَسَاء (وَنَصْطَيِح) أي: نَشْرَب قَدَحًا صَبَاحًا، قَالَ أبو نُعَيْمٍ: هو كُنْيَةُ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنِ (فَسَّرَهُ) الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ يَرْجِع إِلَى قَوْله: نَغْتَبِقِ وَنَصْطَبِحِ (قَدَح غَدْوَةٍ) هَذَا تَفْسِير لِلِاغْتِبَاقِ (وَقَدَحِ عَشِيَّة) هَذَا تَفْسِير لِلِإِصْطِبَاجِ (قَالَ ذَلِكَ وَأَبِي) الواو لِلْقَسَمِ (الْجُوعِ) بِالرَّفْعِ؛ يَعْنِي هَذَا الْقَدْرِ لَا يَكْفِي مِن الْجُوعِ بَلْ يَبْقَى الْجُوعِ عَلَى حَاله (فَأَحَلَّ لَهُم الْمَيْتَة عَلَى هَذِهِ الْحَال) أي: الْمَذْكُورَة. قَالَ الْخَطَائِيُّ: الْقَدَحِ مِن اللَّبَنِ بِالْغَدَاةِ وَالْقَدَح بِالْعَشِيِّ يُمْسِكِ الرَّمَقِ، وَيُقِيمِ النَّفْس وَإِنْ كَانَ لَا يَغْذُو الْبَدَن وَلَا يُشْبِعُ الشِّبَعَ الثَامِ، وَقَدْ أَبَاحَ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ تَنَاوَلَ الْمَيْتَةِ، فَكَانَ دَلَالَتْهُ أَنَّ تَنَاؤُلَ الْمَيْتَةِ مُبَاحٍ إِلَى أَنْ تَأْخُذ النَّفْسِ حَاجَتِهَا مِن الْقُوتِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. إِنْتَهَى. قَالَ الْعَلَّمَةِ الشَّوْكَائِيُّ: وَالْقَوْلِ الرَّاجِحِ عَنِ الشَّافِعِيّ هو الإِقْتِصَارِ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ كَمَا (١) أخرجه أبو داود (٣٨١٩)، والطبراني (١٥٢٢٣)، والبيهقي (٢٠١٣٠). - ٢٧٠ - ٢٧١ كتاب الأطعمة/ باب أكل المضطر نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ، وهو قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِك. وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله: هَلْ عِنْدِك غِنَّى يُغْنِيك إِذَا كَانَ يُقَال لِمَنْ وَجَدَ: سَدّ رَمَقِهِ مُسْتَغْنِيًّا لُغَة أُو شَرْعًا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضِهِمْ عَلَى الْقَوْلِ الْأول، قَالَ: لِأَنَّهُ سَأَلَّهُ عَنِ الْغِنَى وَلَمْ يَسْأَلَهُ عَنْ خَوْفه عَلَى نَفْسِهِ، وَالْآيَة الْكَرِيمَة قَدْ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، وَاسْتَثْنَى مَا وَقَعَ الإِضْطِرَارِ إِلَيْهِ، فَإِذَا إِنْدَفَعَتِ الضَّرُورَة لَمْ يَحِلّ الْأَكْلِ كَحَالَةِ الإِبْتِدَاءِ، وَلَا شَكّ أَنَّ سَدَّ الرَّمَقِ يَدْفَع الضَّرُورَة. وَقِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزِ أَكْلِ الْمُعْتَادِ لِلْمُضْطَرِّ فِي أَيَّامِ عَدَمِ الإِضْطِرَار. قَالَ الْحَافِظ: وهو الرَّاجِحِ لإِظْلَاقِ الْآيَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَالَة الَّتِي يَصِحَ فِيهَا الوَصْف بِالإِضْطِرَارِ وَيُبَاحِ عِنْدِهَا الْأَكْلِ، فَذَهَبَ الُجُمْهور إِلَى أَنَّهَا الْحَالَة الَّتِي يَصِلُ بِهِ الْجُوعِ فِيهَا إِلَى حَدّ الْهَلَاك أو إِلَى مَرَض يُفْضِي إِلَيْهِ، وَعَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ تَحْدِيدِ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، كَذَا فِي ((النَّيْل)». قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إِسْنَادِهِ عُقْبَة بْنِ وَهْب، قَالَ اِبْنِ مَعِين: صَالِح. وَقَالَ إِبْنِ الْمَدِينِيّ: قُلْتِ لِسُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ: عُقْبَةُ بْنِ وَهْب، فَقَالَ: مَا كَانَ ذَاكَ فَنَدْرِي مَا هَذَا الْأَمْرِ وَلَا كَانَ مِنْ شَأْنِه؛ يَعْنِي: الْحَدِيث. [عون (٣٣٠/٨)]. ٤٢٦٢ - [وَعَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْنِيِّ أَنَّ رجلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ فَتُصِيبُنَا ◌ِهَا الْمَخْمَصَةُ فَمَتَى تَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةُ؟ قَالَ: (إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَخْتَفِتُوا بها بَقْلاً فَشَأْنَكُمْ بِهَا)) مَعْنَاهُ: إِذَا لَمْ تَجِدُوا صَبُوحًا أو غَبُوقًا وَلَمْ تَجِدُوا بَقْلَةً تَأْكُلوها حَلَّتْ لَكُم المَيْتَةُ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ](١). (غَبُوقًا) قال الحميدي: يقال: غبقت أهلي غبوقًا؛ إذا سقيتهم في ذلك الوقت، والشراب المستعد به في ذلك الوقت يسمى: غبوقًا، فشربا غبوقهما؛ أي: ما أعددت لهما. [تفسير غريب ما في الصحيحين (ص٦٧)]. (١) أخرجه أحمد (٢٢٥٤١)، والدارمي (٢٠٤٨). (باب الأشربة) (الفصل الأول) ٤٢٦٣ - [عَنْ أَنَسِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ◌َ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثً)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمُ فِي رِوَايَةٍ: وَيَقُولُ:((إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ)](١). ٤٢٦٤ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنِ الشُّرْبِ مِنَ فِي السِّقَاءِ). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤). (نَهَى رَسُولُ اللَّهُ وَّهِ عَنِ الشُّرْبِ مِنَ فِي السِّقَاءِ) قال الحافظ: زَادَ أَحْمَد عَنْ إِسْمَاعِيل بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَثْنِ: ((قَالَ أَيُّوب: فَأُنْبِئْت أَنَّ رَجُلاً شَرِبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَخَرَجَتْ حَيَّةٍ)) وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة عَبَّد بْن مُوسَى عَنْ إِسْمَاعِيل، وَوَهِمَ الْحَاكِمْ فَأَخْرَجَ الْحَدِيثِ في ((الْمُسْتَدْرَك)) بِزِيَادَتِهِ، وَالزِّيَادَة الْمَذْكُورَةِ لَيْسَتْ عَلَى شَرْط الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ رَاوِيهَا لَمْ يُسَمّ وَلَيْسَتْ مَوْصُولَةٍ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهَا إِبْنِ مَاجَه مِنْ رِوَايَة سَلَمَة بْن وَهْرَامٍ عَنْ عِكْرِمَة بِنحو الْمَرْفُوعِ، وَفِي آخِرِهِ: ((وَإِنَّ رَجُلاً قَامَ مِن اللَّيْل بَعْدِ النَّفْي إِلَى سِقَاء فَاخْتَنَتَهُ فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ حَيَّة)) وَهَذَا صَرِيحٍ فِي أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْد النَّهْي، بِخِلافٍ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة إِبْنِ أَبِي ذِئْبٍ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَب النَّهْي، وَيُمْكِن الْجُمْعِ بِأَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلِ النَّهْي، فَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ النَّفْي، ثُمَّ وَقَعَ بَعْد النَّهْي تَأْكِيدًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّهْي هُنَا لِلتَّنْزِبِهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ. كَذَا قَالَ. وَفِي نَقْلِ الإِنَّفَاقِ نَظَر لِمَا سَأَذْكُرُهُ، فَقَدْ نَقَلَ إِبْنِ التّين وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِك أَنَّهُ أَجَازَ الشُّرْبِ مِنْ أَقْوَاهِ الْقِرَبِ وَقَالَ: لَمْ يَبْلُغنِي فِيهِ نَهْي، وَبَالَغَ إِبْنِ بَطَّالٍ فِي رَدِّ هَذَا (١) أخرجه البخاري (٥٦٣١)، ومسلم (٥٤٠٦)، وأحمد (١٢٥١٥)، والترمذي (٢٠٠٤). (٢) أخرجه البخاري (٥٦٢٩) ولم أقف عليه عند مسلم. قال الصدر المناوي: رواه الجماعة كلهم في الأشربة إلا مسلمًا. - ٢٧٢ ٢٧٣ كتاب الأطعمة / باب الأشربة الْقَوْلِ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُ إِبْنِ الْمُنَيِّرِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَحْمِلِ النَّهْي فِيهِ عَلَى التَّحْرِيمِ، كَذَا قَالَ مَعَ النَّقْل عَنْ مَالِك أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغُهُ فِيهِ نَهْي، فَالإِعْتِذَارِ عَنْهُ بِهَذَا الْقَوْل أولى، وَالْحُجَّة قَائِمَة عَلَى مَنْ بَلَغَهُ النَّهْي. قَالَ النَّوَوِيّ: وَيُؤَيِّدٍ كَوْنِ هَذَا النَّهْي لِلَّنْزِيهِ أَحَادِيث الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ. قُلْت: لَمْ أَرَفِي شَيْءٍ مِن الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ مَا يَدُلّ عَلَى الْجْوَازِ إِلَّ مِنْ فِعْله وَّهِ، وَأَحَادِيثِ النَّهْي كُلّهَا مِنْ قَوْله، فَهِيَ أَرْجَح إِذَا نَظَرْنَا إِلَى عِلَّةِ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَأْمُون مِنْهُ ◌َِّ، أَمَّا أولاً فَلِعِصْمَتِهِ وَلِطِيبٍ نَكْهَته، وَأَمَّا ثَانِيًّا فَلِرِفْقِهِ فِي صَبّ الْمَاءِ. وَبَيَانِ ذَلِكَ بِسِيَاقِ مَا وَرَدَ فِي عِلَّةِ النَّهْي، فَمِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُؤْمَن دُخُول شَيْءٍ مِن الهوامَ مَعَ الْمَاءِ فِي جَوْف السِّقَاء، فَيَدْخُل فَم الشَّارِب وهو لَا يَشْعُر، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لو مَلَأَ السِّقَاء، وهو يُشَاهِدِ الْمَاءِ يَدْخُل فِيهِ ثُمَّ رَبَطَهُ رَبْطًا مُخْكَمَا، ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبِ حِلّه فَشَرِبَهُ مِنْهُ لَا يَتَنَاوَلهُ النَّهْي. وَمِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة بِسَنَّدٍ قَوِيّ بِلَفْظِ: «نَهَى أَنْ يُشْرَب مِنْ فِي السِّقَاء؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْتِنهُ)) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُون النَّهْي خَاصَّا بِمَنْ يَشْرَب، فَيَتَنَفَّسِ دَاخِل الْإِنَاءِ أو بَاشَرَ بِفَمِهِ بَاطِنِ السِّقَاءِ، أَمَّا مَنْ صَبَّ مِن الْقِرْبَةِ دَاخِل فَمه مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ فَلَا. وَمِنْهَا: إِنَّ الَّذِي يَشْرَبِ مِنْ فَم السِّقَاء قَدْ يَغْلِبِهُ الْمَاءِ، فَيَنْصَبّ مِنْهُ أَكْثَر مِنْ حَاجَته، فَلَا يَأْمَن أَنْ يَشْرَقِ بِهِ أُو تَبْتَلّ ثِيَابِه. قَالَ اِبْنِ الْعَرَبِيّ: وَوَاحِدَة مِن الثَّلَاثَة تَكْفِي فِي ثُبُوت الْكَرَاهَة، وَبِمَجْمُوعِهَا تَقْوَى الْكَرَاهَةِ جِدًّا. وَقَالَ الشَّيْخ ◌ُحَمَّد بْنِ أَّبِي جَمْرَة مَا مُلَخَّصه: أُخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ النَّهْي؛ فَقِيلَ: يُخْشَى أَنْ يَكُونِ فِي الوعَاءِ حَيَوَان، أو يَنْصَبّ بِقُوَّةٍ فَيَشْرَق بِهِ، أو يَقْطَعِ الْعُرُوقِ الضَّعِيفَة الَّتِي بِإِزَاءِ الْقَلْبِ، فَرُبَّمَا كَانَ سَبَبِ الْهَلَاك، أو بِمَا يَتَعَلَّقِ بِفَمِ السِّقَاءِ مِنْ تُخَارِ النَّفْس، أو بِمَا ٢٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع يُخَالِطِ الْمَاءِ مِنْ رِيقِ الشَّارِبِ فَيَتَقَذَّرُهُ غَيْرِهِ، أو لأَنَّ الوعَاء يَفْسُد بِذَلِكَ فِي الْعَادَةِ، فَيَكُونِ مِنْ إِضَاعَة الْمَال. قَالَ: وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْفِقْهُ أَنَّهُ لَا يَبْعُد أَنْ يَكُونِ النَّغْي لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَفِيهَا مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةِ، وَفِيهَا مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمِ، وَالْقَاعِدَة فِي مِثْل ذَلِكَ تَرْجِيح الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ، وَقَدْ جَزَمَ إِبْنِ حَزْم بِالتَّحْرِيِ لِثُبُوتِ النَّهْي، وَحَمَلَ أَحَادِيث الرُّخْصَةِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَأَظْلَقَ أبو بكر الْأَثْرَمِ صَاحِب أَحْمَد أَنَّ أَحَادِيثِ النَّهْي نَاسِخَة لِلْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أولاً يَفْعَلونَ ذَلِكَ حَتَّى وَقَعَ دُخُول الْحَيَّة فِي بَطْنِ الَّذِي شَرِبَ مِنْ فَمِ السِّقَاء فَنُسِخَ الجَوَاز. قُلْت: وَمِن الْأَحَادِيث الوارِدَة فِي الْجَوَاز مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَة عَنْ جَدَّته كَبْشَةٍ، قَالَتْ: ((دَخَلْت عَلَى رَسُول الله فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَة مُعَلَّقَةٍ)). قَالَ شَيْخَا فِي (شَرْحِ التِّرْمِذِيّ)): لو فَرَّقَ بَيْن مَا يَكُون لِعُذْرٍ كَأَنْ تَكُون الْقِرْبَة مُعَلَّقَةٍ وَلَمْ يَجِد الْمُحْتَاجِ إِلَى الشُّرْبِ إِنَاء مُتَيَسِّرًا، وَلَمْ يَتَمَكَّن مِن التَّنَاؤُل بِكَفِّهِ فَلَا كَرَاهَةٍ حِينَئِذٍ، وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَبَيْنِ مَا يَكُون لِغَيْرِ عُذْرِ فَتُحْمَل عَلَيْهِ أَحَادِيث النَّفي. قُلْت: وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ أَحَادِيثِ الْجَوَازِ كُلّهَا فِيهَا أَنَّ الْقِرْبَةِ كَانَتْ مُعَلَّقَةٍ، وَالُّرْب مِن الْقِرْبَة الْمُعَلَّقَةِ أَخَصُّ مِن القُّرْبِ مِنْ مُظْلَقَ الْقِرْبَةِ، وَلَا دَلَالَةٍ فِي أَخْبَارِ الْجَوَازِ عَلَى الرُّخْصَةِ مُظْلَقًا بَلْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَة وَحْدهَا، وَحَمْلَهَا عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ جَمْعًا بَيْن الْخَبَرَيْنِ أولى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى النَّسْخِ، وَالله أَعْلَم. وَقَدْ سَبَقَ إِبْنِ الْعَرَبِيّ إِلَى نحو مَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخِنَا فَقَالَ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون شُرْبه وَهُ فِي حَالِ ضَرُورَة، إِمَّا عِنْد الْحَرْب وَإِمَّا عِنْد عَدَم الْإِنَاءِ، أو مَعَ وُجُودِه لَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّن لِشُغْلِهِ مِن التَّفْرِيغ مِن السِّقَاءِ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون شَرِبَ مِنْ إِدَاوَة، وَالنَّهْي مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْقِرْبَة كَبِيرَة؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٍ وُجُود الهوامِ، وَالْقِرْبَة ٢٧٥ كتاب الأطعمة/ باب الأشربة الصَّغِيرَة لَا يَمْتَنِعِ وُجُودِ شَيْء مِن الهوامّ فِيهَا، وَالضَّرَرِ يَحْصُل بِهِ وَلو كَانَ حَقِيرًا، وَالله أَعْلَم. [١٠٨/١٦]. ٤٢٦٥ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهُ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ)) زَادَ فِي رِوَايَةٍ: (وَاخْتِنَاتُهَا أَنْ يُقَلِّبَ رَأْسَهَا ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْهُ)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](١). (نَقَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ) قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: ((وَاخْتِنَائِهَا أَنْ يَقْلِبِ رَأْسِهَا حَتَّى يَشْرَبِ مِنْهُ)) الإِخْتِنَاث بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ تَاء مُثَنَّاة فَوْق ثُمَّ نُون ثُمَّ أَلِفِ ثُمَّ مُثَلَّئَةٍ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَأَصْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ: التَّكَسُّرِ وَالإِنْطِوَاءِ، وَمِنْهُ سُمِّيَّ الرَّجُلِ الْمُتَشَبِّه بِالنِّسَاءِ فِي طَبْعِه وَكَلَامِه وَحَرَكَاته: مُخَتَّقًا. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّهْي عَن إِخْتِنَائِهَا نَهْي تَنْزِبِه لَا تَحْرِيم. ثُمَّ قِيلَ: سَبَبُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِن أَنْ يَكُون فِي الْبَقَاءِ مَا يُؤْذِيه، فَيَدْخُلِ فِي جَوْفِه وَلَا يَدْرِي، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُقَذِّرُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُنْتِنْهُ أو لأَنَّهُ مُسْتَقْذَر، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ وَغَيْرِهِ عَنْ كَبْشَة بِنْت ثَابِت، وَهِيَ أُخْتِ حَسَّانِ بْنِ ثَابِت - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُول الله ◌َّهِ فَشَرِبَ مِنْ قِرْبَة مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا فَقُمْت إِلَى فِيهَا فَقَطَعْته. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيحٍ. وَقَطْعِهَا لِفَمِ الْقِرْبَةِ فَعَلَتْهُ لوجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنْ تَصُونَ مَوْضِعًا أَصَابَهُ فَم رَسُولِ اللهِ وَلَ عَنْ أَنْ يُبْتَذَل وَيَمَسّهُ كُلّ أَحَد، وَالثَّانِ: أَنْ تَحْفَظُهُ لِلِتَّبُرُّكِ بِهِ وَالإِسْتِشْفَاءِ، والله أعلم. فَهَذَا الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ النَّهْي لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ، والله أعلم. [النووي ٦٠/٧]. ٤٢٦٦ - [وَعَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٩). (نَهَى أَنْ يَشْرَبِ الرَّجُلِ قَائِمًا) قَالَ النَّوَوِيّ فِي (شَرْحِ مُسْلِمِ)): وَفِي رِوَايَة (زَجَرَ عَن (١) أخرجه البخاري (٥٦٢٥)، ومسلم (٥٣٩٠)، وأحمد (١١٣٢٠)، والبغوي (٥٠٠/٥). (٢) أخرجه مسلم (٥٣٤٩)، وأحمد (١٢٥١٤)، وأبو داود (٣٧١٩). ٢٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع الشُّرْب قَائِمًا». وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة: ((لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدِكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِىْ)). وَعَن إِبْن عَبَّاس: (سَقَيْت رَسُول اللّه ◌َ﴿ مِنْ زَمْزَم فَشَرِبَ وهو قَائِمٌ)). وَفِي أُخْرَى: ((إِنَّهُ بَ شَرِبَ مِنْ زَمْزَم وهو قَائِم)). وَرُوِيَ ((أَنَّ عَلِيًّا ﴾، شَرِبَ قَائِمًا .. ). قَالَ: وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِهِمْ وَجْه التَّوْفِيقِ بَيْنِ هَذِهِ الْأَحَادِيث، وَأولوا فِيهَا بِمَا لَا جَدْوَى فِي نَقْلِه، وَالصَّوَابِ فِيهَا أَنَّ النَّهْي مَحْمُول عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيهِ، وَأَمَّا شُرْبِه قَائِمًا فَبَيَان لِلْجَوَازِ، وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ النَّسْخِ أو الضَّعْف فَقَدْ غَلِطَ غَلَطَا فَاحِشًا، وَكَيْف يُصَار إِلَى النَّسْخِ مَعَ إِمْكَان الْجُمْعِ بَيْنهمَا لو ثَبَتَ التَّارِيخِ، وَأَنَّى لَهُ بِذَلِكَ وَإِلَى الْقَوْلِ بِالضَّعْفِ مَعَ صِحَّة الْكُلّ. قُلْت: وَكَذَلِكَ سَلَكَ آخَرُونَ فِي الْجُمْعِ بِحَمْلٍ أَحَادِيثِ النَّهْي عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيهِ، وَأَحَادِيثِ الْجَوَازِ عَلَى بَيَانِه، وَهِيَ طَرِيقَة الْخَطَّابِيّ وَابْنِ بَطَّال فِي آخَرِينَ. قَالَ الْحَافِظ: وَهَذَا أَحْسَنُ الْمَسَالِك وَأَسْلَمُهَا وَأَبْعَدُهَا مِن الإِعْتِرَاض. وَقَالَ الْحَافِظِ إِبْنِ الْقَيِّم في ((حَاشِيَة السُّنَن)) وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٍ فِي ((صَحِيحه)) عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللهِ وَ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا. وَفِيهِ أَيْضًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ أَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ قَالَ: ((لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٍ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ)». وَفِي («الصَّحِيحَيْنِ)) عَن إِبْن عَبَّاس قَالَ: ((سَقَيْتِ رَسُولِ اللهِ لَه مِنْ زَمْزَم فَشَرِبَ وهو قَائِم)». وَفِي لَفْظ آخَر: ((فَحَلَفَ عِكْرِمَة مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِير)». فَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَقَوْم سَلَكُوا بِهَا مَسْلَك النَّسْخِ، وَقَالوا: آخِر الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُول الله وَّةِ الشُّرْبِ قَائِمًا كَمَا شَرِبَ فِي حَجَّة الودَاعِ، وَقَالَتْ طَائِفَة فِي ثُبُوت النَّسْخِ بِذَلِكَ نَظَرَ، فَإِنَّ الَِّيّ ◌َهَ لَعَلَّهُ شَرِبَ قَائِمًا لِعُذْرٍ، وَقَدْ حَلَفَ عِكْرِمَةِ أَنَّهُ ٢٧٧ كتاب الأطعمة / باب الأشربة كَانَ حِينَئِذٍ رَاكِبًا. وَحَدِيث عَلَيّ قِصَّة عَيْنِ فَلَا عُمُومِ لَهَا. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَر عَنْ جَدَّتِه كَبْشَة قَالَتْ: ((دَخَلَ عَلَيَّ رَسُول الله وَّهِ، وَفِي الْبَيْتِ قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ فَشَرِبَ قَائِمًا فَقُمْت إِلَى فِيهَا فَقَطَعْته)) وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث صَحِيحِ، وَأَخْرَجَهُ اِبْنِ مَاجَه. وَرَوَى أَحْمَدٍ فِي (مُسْنَده)) عَنْ أُمّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: ((دَخَلَ رَسُولِ اللهِ وَهُ وَفِي الْبَيْت قِرْبَة مُعَلَّقَةُ فَشَرِبَ مِنْهَا وهو قَائِمٌ، فَقَطَعْت فَاهَا فَإِنَّهُ لَعِنْدِي)) فَدَلَّتْ هَذِهِ الوقَائِع عَلَى أَنَّ الشُّرْبِ مِنْهَا قَائِمًا كَانَ لِحَاجَةٍ لِكَوْنِ الْقِرْبَةِ مُعَلَّقَةٍ، وَكَذَلِكَ شُرْبِه مِنْ زَمْزَمْ أَيْضًا لَعَلَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنِ مِن الْقُعُودِ لِضِيقِ الْمَوْضِعِ أو الزِّحَامِ وَغَيْرِهَا، وَالْجُمْلَةِ فَالنَّسْخِ لَا يَثْبُت بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَأَمَّا حَدِيث اِبْنِ عُمَر ((كُنَّا عَلَى عَهْد رَسُولِ اللهِ وَّه ◌َأْكُلِ وَنَحْنُ نَمْشِي وَنَشْرَب وَنَحْنُ قِيَامِ)) رَوَاهُ الْإِمَامِ أَحْمَد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ، فَلَا يَدُلّ عَلَى النَّسْخِ إِلَّ بَعْد ثَلَاثَة أُمُور: مُقَاوَمَتُهُ لِأَحَادِيثِ النَّهْي فِي الصِّحَّة، وَبُلوعُ ذَلِكَ لِلنَِّيِّ ◌َّهِ، وَتَأَخُّره عَنْ أَحَادِيث النَّهْي، وَبَعْد ذَلِكَ فهو حِكَايَة فِعْل لَا عُمُومٍ لَّهَا، فَإِثْبَاتِ النَّسْخِ فِي هَذَا عُسْر. إِنْتَهَى كَلَّامه. وَقَالَ فِي ((زَادِ الْمَعَاد)): وَكَانَ مِنْ هَدْيِه ◌ِوَّهِ الشُّرْبِ قَاعِدًا، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَن الشّرْبِ قَائِمًا، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ الَّذِي شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَسْتَقِيءَ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ شَرِبَ قَائِمًا. قَالَتْ طَائِفَةٍ: هَذَا نَاسِخِ لِلنَّهْي، وَقَالَتْ طَائِفَة: بَلْ مُبَيِّن أَنَّ النَّغْيَ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ، بَلْ لِلْإِرْشَادِ وَتَرْك الأولى. وَقَالَتْ طَائِفَةٍ: لَا تَعَارُض بَيْنهمَا أَصْلاً، فَإِنَّهُ إِنَّمَا شَرِبَ قَائِمًا لِلْحَاجَةِ، فَإِنَّهُ جَاءَ إِلَى زَمْزَم وَهُمْ يَسْقُونَ مِنْهَا فَاسْتَقَى فَنَاوَلُوهِ الدَّلو فَشَرِبَ وهو قَائِم، هَذَا كَانَ مَوْضِع حَاجَة. وَلِلشُّرْبِ قَائِمًا آفَات عَدِيدَةٍ، مِنْهَا: إنَّهُ لَا يَحْصُل لَهُ الرِّيّ التَّامّ، وَلَا يَسْتَقِرّ فِي ٢٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع الْمَعِدَة حَتَّى يَقْسِمُهُ الْكَبِد عَلَى الْأَعْضَاءِ، وَيَنْزِل بِسُرْعَةٍ وَحِدَّةٍ إِلَى الْمَعِدَة، فَيُخْشَى مِنْهُ أَنْ يُبَرِّدِ حَرَارَتِهَا وَتَشَوُّشِهَا، وَتُسْرِعِ النُّقُوذ إِلَى أَسْفَلِ الْبَدَنِ بِغَيْرٍ تَدْرِيج، وَكُلّ هَذَا يَضُرّ بِالشَّارِبِ، وَأَمَّا إِذَا فَعَلَهُ نَادِرًا أو لحَاجَةٍ لَمْ يَضُرّهُ إِنْتَهَى. وَأَخْرَجَ مَالِكٍ فِي ((الْمُوَظَأ) أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرِ بْنِ الْخُطَّابِ وَعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب وَعُثْمَانِ بْنِ عَقَّان كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا. وَقَالَ مَالِك عَنِ إِبْنِ شِهَابٍ: إِنَّ عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَسَعْد بْنِ أَبِي وَقَّاص كَانَا لَا يَرَيَانِ بِشُرْبِ الْإِنْسَان، وهو قَائِم بَأْسًّا. قَالَ مَالِك عَنْ أَبِي جَعْفَرِ الْقَارِي إِنَّهُ قَالَ: رَأَيْتِ عَبْدِ الله بْن عُمَرِ يَشْرَبِ قَائِمًا، وَمَالِكِ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْد الله بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبِ قَائِمًا. إِنْتَهَى. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْنِ مَاجَه بِنحوه. قَالَ الْحَافِظُ ابْنِ الْقَيِّم: وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٍ فِي ((صَحِيحه)) عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ ((أَنَّ رَسُول الله وَِّ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا)). وَفِيهِ أَيْضًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ ◌َ﴿ قَالَ: ((لَا يَشْرَبَنْ أَحَد مِنْكُمْ قَائِمًا فَشَرِبَ وهو قَائِمٍ فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ)». وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): عَن إِبْن عَبَّاس قَالَ: ((سَقَيْت رَسُول اللّهِ وَهُ مِنْ زَمْزَم، فَشَرِبَ وهو قَائِم)». وَفِي لَفْظ آخَر: ((فَحَلَفَ عِكْرِمَةٍ: مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِیر)». ٤٢٦٧ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ((لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُّ مِنكُمْ قَائِمًا، فَمَنْ فَسِيَ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَقِئْ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). ٤٢٦٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهَ بِدَلو مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وهو قَائِمٌ)). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ](٢). (١) أخرجه مسلم (٢٠٢٦). (٢) أخرجه البخاري (١٦٣٧)، ومسلم (٥٣٩٩). ٢٧٩ كتاب الأطعمة / باب الأشربة ٤٢٦٩ - [وَعَنْ عَلِيِّ ﴾: أَنَّهُ صَلَى الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلاةُ الْعَصْرِ، ثُمَّ أَنِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وهو قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَنَاسًا يَكْرَهونَ الشُّرْبَ قَائِمًا، وَإِنَّ الَّبِيَّ ◌َّهِ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ﴾(١). ٤٢٧٠ - [وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَمَعَهُ صَاحِبٌّ لَهُ، فَسَلَّمَ فَرَدَّ وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءُ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ وَإِلَّا كَرَعْنَا)) فَقَالَ: عِنْدِي مَاءُ بَاتَ أَظُنُّهُ فِي شَنَّةٍ. فَانْطَلِقْ إِلَى الْعَرِيشِ فَسَكَبَ فِي قَدَجِ مَاءً ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ ◌َِّ ثُمَّ أَعَادَ فَشَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جاء مَعَهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(؟). (إِنْ كَانَ عِنْدِكَ مَاء بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فِي شَنَّة) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الثُّون وَهِيَ الْقِرْبَةِ الْخُلِقَة. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ: هِيَ الَّتِي زَالَ شَعْرِهَا مِن الْبِلَى. قَالَ الْمُهَلَّب: الْحِكْمَةِ فِي طَلَب الْمَاءِ الْبَائِتِ أَنَّهُ يَكُونِ أَبْرَد وَأَصْفَى، وَأَمَّا مَزْج اللَّبَنِ بِالْمَاءِ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَوْمِ حَارَ كَمَا وَقَعَ في قِصَّةِ أَبِي بَكْر مَعَ الرَّاعِي. قُلْت: لَكِنِ الْقِصَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَصَنِيعِ أَبِي بَكْرِ ذَلِكَ بِاللَّبَنِ لِشِدَّةِ الْحُرّ، وَصَنِيعِ الْأَنْصَارِيّ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَلَا يَسْقِي النَّبِيّ ◌َّهِ مَاءِ صِرْفًا، فَأَرَادَ أَنْ يُضِيفِ إِلَيْهِ اللَّبَن، فَأَحْضَرَ لَهُ مَا طُلِبَ مِنْهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ مِنْ جِئْسِ جَرَتْ عَادَتْهُ بِالرَّغْبَةِ فِيهِ، وَيُؤَيِّد هَذَا مَا فِي رِوَايَة الْهَيْثَمَ بْن نَصْرِ قَبْلِ أَنَّ الْمَاء كَانَ مِثْلِ الشَّلْجِ. (وَإِلَّا كَرَعْنَا) فِيهِ حَذَفَ تَقْدِيره: فَاسْقِنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدِك كَرَعْنَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْن مَاجَه التَّصْرِيحِ بِطَلَبِ السَّقْي. وَالْكَرْعِ بِالرَّاءِ: تَنَاوُلِ الْمَاء بِالْفَمِ مِنْ غَيْرِ إِنَاء وَلَا گَفّ. (١) أخرجه البخاري (٥٦١٦). (٢) أخرجه البخاري (٥٦٢١)، وأحمد (١٤٨٩٣). ٢٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع وَقَالَ اِبْنِ التّين: حَكَّى أبو عَبْد الْمَلِكِ أَنَّهُ الشُّرْبِ بِالْيَدَيْنِ مَعًا. قَالَ: وَأَهْلِ اللُّغَة عَلَى خِلَافه. قُلْت: وَيَرُدّهُ مَا أَخْرَجَهُ إِبْنِ مَاجَه عَن إِبْن عُمَرِ، قَالَ: ((مَرَرْنَا عَلَى بِرْكَة فَجَعَلْنَا نَكْرَعْ فِيهَا، فَقَالَ رَسُول الله وَله: لَا تَكْرَعُوا وَلَكِن إِغْسِلُوا أَيْدِيكُمْ ثُمَّ إِشْرَبُوا بِهَا ... )) وَلَكِنْ فِي سَنَده ضَعْف، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالنَّغْيِ فِيهِ لِلَّنْزِيِهِ، وَالْفِعْل ◌ِبَيَانِ الْجَوَاز، أو قِصَّة جَابِرِ قَبْل النَّهْي، أو النَّهْي فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ، وَهَذَا الْفِعْلِ كَانَ لِضَرُورَةِ شُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي لَيْسَ بِبَارِدٍ، فَيَشْرَبِ بِالْكَرْعِ لِضَرُورَةِ الْعَطَش؛ لِئَلَّا تَكْرَهُهُ نَفْسِه إِذَا تَكَرَّرَت الْجُرْع، فَقَدْ لَا يَبْلُغ الْغَرَض مِن الرَّيّ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الْأَخِيرِ إِبْنِ بَطَّال. وَإِنَّمَا قِيلَ لِلشُّرْبِ بِالْفَمِ كَرْع؛ لِأَنَّهُ فِعْلِ الْبَهَائِمِ لِشُرْبِهَا بِأَفْوَاهِهَا، وَالْغَالِب أَنَّهَا تُدْخِلِ أَكَارِعِهَا حِينَئِذٍ فِي الْمَاءِ، وَوَقَعَ عِنْد ◌ِبْن مَاجَه مِنْ وَجْهُ آخَرِ عَنِ اِبْنِ عُمَرِ، فَقَالَ: (نَهَانَا رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنْ نَشْرَب عَلَى بُطُونَنَا)) وهو الْكَرْعِ، وَسَنَده أَيْضًا ضَعِيف، فَهَذَا إِنْ ثَبَتَ إِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونِ النَّغْي خَاصَّا بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَهِيَ أَنْ يَكُون الشَّارِبِ مُنْبَطِحًا عَلَى بَطْنه، وَيُحْمَلِ حَدِيث جَابِرٍ عَلَى الشُّرْبِ بِالْفَمِ مِنْ مَكَان عَالٍ لَا يَحْتَاج إِلَى الإِنْبِطاح. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أَحْمَد: ((وَإِلَّا تَجَرَّعْنَا)) بِمُثَنَّةٍ وَجِيمٍ وَتَشْدِيد الرَّاء؛ أي: شَرِبْنَا جَرْعَة جَرْعَةٍ، وَهَذَا قَدْ يُعَكِّر عَلَى الإِحْتِمَالِ الْمَذْكُور، والله أعلم. (وَالرَّجُلِ يُحَوِّل الْمَاءِ فِي حَائِطه) أي: يَنْقُلِ الْمَاءِ مِنْ مَكَان إِلَى مَكَان آخَر مِن الْبُسْتَان لِيَعُمّ أَشْجَارِهِ بِالسَّقْي، وَفِي لَفْظِ: ((وهو يُحَوّل فِي حَائِطْ لَهُ» يَعْنِي: الْمَاءِ، وَفِي لَفْظ لَهُ: «يُحَوِّل الْمَاءِ فِي الْحَائِط)) فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَقَعَ مِنْهُ تَحْوِيلِ الْمَاءِ مِن الْبِتْرِ مَثَلاً إِلَى أَعْلَاهَا، ثُمَّ حَوَّلَهُ مِنْ مَگان إِلَى مَگان. (إِلَى الْعَرِيش) هو خَيْمَةٍ مِنْ خَشَب وَثُمَامٍ بِضَمِّ الْمُثَلَّئَةِ مُخَفَّفًا، وهو نَبَات ضَعِيف لَهُ خَوَاصّ، وَقَدْ يُجْعَل مِن الْجَرِيدِ كَالْقُبَّةِ أو مِن الْعِيدَانِ وَيُظَلَّل عَلَيْهَا. (فَسَكَبَ فِي قَدَحِ) فِي رِوَايَةٍ أَحْمَد: ((فَسَكَبَ مَاءِ فِي قَدَح)» (ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ