النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
كتاب الصيد والذبائح
٤٠٨٣ - [وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ قَالَ: ((مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أُو بَازِ ثُمَّ
أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ)) قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ: ((إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ
يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ)). رَوَاهُ أَبو داود](١).
(مَا عَلَّمْتِ مِنْ كَلْب أو بَازٍ) أي: أَحَد مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالظُّيُورِ وَالإِقْتِصَار
عَلَيْهِمَا إِمَّا مَثَلاً أو بِنَاء عَلَى الْأَعْلَبِ. قَالَهُ الْقَارِي، وَ((مَا)) شَرْطِيَّة أو مَوْصُولَة وهو
الْأَظْهَرِ؛ أي: مَا عَلَّمْته.
وَأَمَّا الْبَازِ؛ فَقَالَ التَّمِيرِيّ فِي ((حَيَاةُ الْحَيَوَان)): الْبَازِي أَفْصَحِ لُغَاتِه ◌ُخَفَّفَة الْيَاءِ،
وَالثَّانِيَة بَازٍ، وَالثَّالِئَة بَازِيّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ حَكَاهُمَا اِبْنِ سِيدَه، وهو مُذَكَّر لَا إِخْتِلَاف
فِيهِ، وَيُقَال فِي التَّثْنِيَة: بَازِيَانٍ، وَفِي الْجَمْعِ: بُزَاةٌ كَقَاضِيَانِ وَقُضَاةَ، وَيُقَال لِلْبُرَاةِ
وَالشَّوَاهِينِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَصِيد: ((صُقُور) وهو مِنْ أَشَدّ الْحَيَوَانِ تَكَبُّرًا وَأَضْيَقِهَا خُلُقًا،
وَأَطَالَ الْكَلَامِ فِي أَشْكَالِهِ وَاخْتِلَاف أَنْوَاعِه.
(وَذَكَرْت إِسْم الله) أي: عِنْدِ إِرْسَاله (مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك) أي: بِأَنْ لَمْ يَأْكُل مِنْهُ
شَيْئًا (قُلْت وَإِنْ قَتَلَ) ((إِنْ)) وَصْلِيَّةُ؛ أي: آكُلُهُ وَلو قَتَلَهُ أَحَدهمَا، وَيُحْتَمَلِ أَنْ تَكُون إِنْ
شَرْطِيَّةٍ وَالْجَزَاء مُقَدَّر؛ أي: فَمَا حُكْمِه. [عون (٣١٤/٦)].
٤٠٨٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرْمِي الصَّيْدَ فَأَجِدُ فِيهِ مِنَ الْغَدِ سَهْمِي
قَالَ: (إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ فَكُلْ)). رَوَاهُ أَبو داود](٢).
(وَإِنْ رَمَيْتِ الصَّيْدِ فَوَجَدْته بَعْدِ يَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أَثَرِ سَهْمك فَكُلْ)
وَمَفهومه: إنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهِ أَثَرِ غَيْرِ سَهْمِه لَا يَأْكُل، وهو نَظِيرِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْكُلْب مِن
التَّفْصِيلِ فِيمَا إِذَا خَالَطَ الْكَلْب الَّذِي أَرْسَلَهُ الصَّائِدِ كَلْبَ آخَرَ، لَكِنِ التَّفْصِيلِ فِي
مَسْأَلَةِ الْكُلْب فِيمَا إِذَا شَارَكَ الْكَلْبِ فِي قَتْله كَلْب آخَرِ، وَهُنَا الْأَثَرِ الَّذِي يُوجَد فِيهِ مِنْ
(١) أخرجه أحمد (١٨٧٥٢)، وأبو داود (٢٨٥٣).
(٢) لم أقف عليه عند أبي داود بهذا اللفظ، وأخرجه بلفظه الترمذي (١٤٦٨) وقال: حسن صحيح.
والبيهقي (٢٤٢/٩)، وأبو نعيم في الحلية (٣٠٨/٤).
١٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
غَيْرِ سَهْمِ الرَّامِي أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون أَثَرِ سَهْم رَامٍ آخَرِ، أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَسْبَاب
الْقَاتِلَةِ، فَلَا يَحِلّ أَكْله مَعَ التَّرَدُّد، وَقَدْ جَاءَتْ فِيهِ زِيَادَةٍ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ
عَدِيّ بْن حَاتِمِ عِنْدِ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَالطَّحَاوِيّ بِلَفْظِ: ((إِذَا وَجَدْت سَهْمك فِيهِ، وَلَمْ
يَجِد بِهِ أَثَرِ سَبُعٍ، وَعَلِمْت أَنَّ سَهْمك قَتَلَهُ فَكُلْ مِنْهُ».
قَالَ الرَّافِعِيّ: يُؤْخَذْ مِنْهُ أَنَّهُ لو جَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ، ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُ مَيَِّا أَنَّهُ لَا يَحِلّ،
وهو ظَاهِرِ نَصّ الشَّافِعِيّ فِي ((الْمُخْتَصَر).
وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْحِلّ أَصَحَ دَلِيلاً.
وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي ((الْمَعْرِفَة)) عَنِ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ إِبْنِ عَبَّاس: ((كُلْ مَا
أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْت)): مَعْنَى ((مَا أَصْمَيْتَ): مَا قَتَلَهُ الْكَلْب وَأَنْتَ تَرَاهُ، وَمَا (أَنْمَيْت)):
وَمَا غَابَ عَنْكِ مَقْتَله.
قَالَ: وَهَذَا لَا يَجُوزِ عِنْدِي غَيْرِهِ إِلَّ أَنْ يَكُونِ جَاءَ عَنِ النَّبِيّ ◌َّهُ فِيهِ شَيْء،
فَيَسْقُطْ كُلّ شَيْءٍ خَالَفَ أَمْرِ النَّبِيّ ◌َّهِ، وَلَا يَقُومِ مَعَهُ رَأْي وَلَا قِيَاس.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ ثَبَتَ الْخَبَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون هو قَوْلِ الشَّافِعِيّ.
(وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُل) يُؤْخَذْ سَبَب مَنْعِ أَكْلِهِ مِن الَّذِي قَبْله؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ
يَقَعِ التََّدُّد هَلْ قَتَلَهُ السَّهْمِ أو الْغَرَقِ فِي الْمَاءِ؟ فَلو تَحَقَّقَ أَنَّ السَّهْمِ أَصَابَهُ، فَمَاتَ فَلَمْ
يَقَعِ فِي الْمَاءِ إِلَّ بَعْد أَنْ قَتَلَهُ السَّهْمِ فَهَذَا مَحِلّ أَكْله.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي (شَرْحِ مُسْلِم): إِذَا وُجِدَ الصَّيْدِ فِي الْمَاءِ غَرِيقًا حَرُمَ بِالإِتَّفَاقِ.
انتهى.
وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيّ بِأَنَّ مَحِلّهِ مَا لَمْ يَنْتَهِ الصَّيْدِ بِتِلْكَ الْجِرَاحَةِ إِلَى حَرَكَة الْمَذْبُوح،
فَإِنِ إِنْتَهَى إِلَيْهَا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ مَثَلاً فَقَدْ تَمَّتْ زَكَاتِه، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ:
(فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاءِ قَتَلَهُ أُو سَهْمك)) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ سَهْمِه هو الَّذِي قَتَلَهُ أَنَّهُ
يَحِلّ. [الفتح (٤٢٠/١٥)].
١٨٣
كتاب الصيد والذبائح
٤٠٨٥ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نُهِينَا عَنْ صَيْدِ كَلْبِ الْمَجُوسِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ(١).
٤٠٨٦ - [وَعَنْ أَبِي تَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أَهْلُ سَفَرٍ نَمُرُّ
بِالْتَّهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ فَلَا تَجِدُ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ، قَالَ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلوها
بِالْمَاءِ ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٢).
٤٠٨٧ - [وَعَنْ قَبِيصَة بْنِ هُلْبٍ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: سَأُلْتُ النَّبِيّ ◌ِ عَنْ
طَعَامِ النَّصَارَى، - وِفِي رِوايَةٍ: سَأَلَّهُ رَجُلٌ - فَقَالَ: إِنَّ مِنَ الطَّعَامِ طَعَامًا أَتَّخَرَّجُ مِنْهُ.
فَقَالَ: (لَا يَتَخَلَّجَنَّ فِي صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَ فِيهِ النَّصْرَانِيَّةَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو
داود](٣).
٤٠٨٨ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلِ عَنْ أَكْلِ الْمُجَثَّمَةِ، وَهِيَ الَّتِي
تُصْبَرُ بِالنَّبْلِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ(٤).
(نَهَى رَسُولُ اللهِ وَهُ عَنْ أَكْلِ الْمُجَثَّمَةِ) بالجيم والثاء المثلثة المفتوحة: التي
تجثم، ثم ترمی حتى تقتل.
وقيل: إنها في الطير خاصة والأرنب وأشباه ذلك.
وقال الخطابي: المجثمة هي المصبورة بعينها.
وقال: بين المجثمة والجاثمة فرق؛ لأن الجاثمة هي التي جثمت بنفسها، فإذا
صيدت على تلك الحال لم تحرم، والمجثمة هي التي ربطت وحبست قهرًا. [القاري
(٤٥/٢١)].
٤٠٨٩ - [وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُومٍ
(١) أخرجه الترمذي (١٥٣٩).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٢٠٥)، والترمذي (١٥٣٦).
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٠١٥)، وأبو داود (٣٧٨٤)، والترمذي (١٥٦٥) وقال: حسن، وابن ماجه (٢٨٣٠)،
والطبراني (٤٢٧).
(٤) أخرجه الترمذي (١٥٤٧).
١٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَعَنْ لُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ،
وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَعَنِ الْخَلِيسَةِ، وَأَنْ تُوطَأَّ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ. قَالَ
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى: سُئِلَ أبو عَاصِمٍ عَنِ الْمُجَثَّمَةِ فَقَالَ: أَنْ يُنْصَبَ الطَّيْرُ أو الشَّيْءُ فَيُرْقَى.
وَسُئِلَ عَنِ الْخَلِيسَةِ فَقَالَ: الذَّتْبُ أو السَّبُعُ يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ فَيَمُوتُ فِي يَدِهِ
قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهَا. رَوَاهُ التِّرْمِنِيُّ](١).
٤٠٩٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهَ نَهَى عَنْ شَرِيطَةٍ
الشَّيْطَانِ. زَادَ ابْنُ عِيسَى: هِيَ الَّتِي تُذْبَعُ يُقْطَعُ مِنْهَا الْجِلْدُ وَلَا تُفْرَى الأَودَاجُ ثُمَّ تُتْرَكُ
حَتَّى تَمُوتَ رَوَاهُ أُبو داود](٩).
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ْ نَهَى عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ) أي: الذَّبِيحَة الَّتِي لَا تَنْقَطِع
أودَاجِهَا وَلَا يَسْتَقْصِي ذَبْجِهَا، وهو مَأْخُوذ مِنْ شَرْط الْحَجَّامِ، وَكَانَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّة
يَقْطَعُونَ بَعْض حَلْقِهَا وَيَتْرُكُونَهَا حَتَّى تَمُوت، وَإِنَّمَا أَضَافَهَا إِلَى الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهُ هو
الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي ((النَّهَايَة)) (هِيَ) أي: شَرِبِطَة الشَّيْطَان (وَلَا تُفْرَى)
بِصِيغَةِ المجهول؛ أي: لَا تُقْطَع مِن الْفَرْي، وهو الْقَطْع (الأودَاجُ) أي: الْعُرُوقِ الْمُحِيطَة
بِالْعُنُقِ الَّتِي تُقْطَع حَالَة الذَّبْحِ، وَاحِدهَا: وَدَج مُحَرَّكَةٍ؛ وَالْمَعْنَى: يَشُقَّ مِنْهَا جِلْدِهَا، وَلَا
يَقْطَع أودَاجِهَا حَتَّى يَخْرُج مَا فِيهَا مِن الدَّم، وَيَكْتَفِي بِذَلِكَ.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إِسْنَاده عَمْرِو بْن عَبْد الله الصَّنْعَانِيُّ، وهو الَّذِي يُقَال لَهُ:
عَمْرو بْنِ بَرَّاق، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرٍ وَاحِد. [عون (٢٨٥/٦)].
٤٠٩١ - [وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((ذَكَةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أَمِّهِ)). رَوَاهُ أبو داود
(٣)
وَالدَّارِمِيُّ] (٣).
(١) أخرجه الترمذي (١٥٤٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٢٨).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٨٢٨)، والدارمي (١٩٧٩)، والبغوي في («الجعديات)) (٢٦٥٣)، والحاكم
(٧١٠٩) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (١٩٢٧٢).
١٨٥
كتاب الصيد والذبائح
٤٠٩٢ - [وَرَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ](١).
٤٠٩٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدَرِي قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ
الْبَقَرَةَ وَالشَّاءَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ، أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ قَالَ: ((كُلُوه إِنْ شِئْتُمْ، فَإِنَّ ذَكَتَهُ
ذَكَاةُ أُمَّهِ)). رَوَاهُ أبو داود وَابْنُ مَاجَه](٤).
٤٠٩٤ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمرو بْنِ الْعَاص أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ
عُصْفُورًا فَمَا فَوْقها بِغَيْرِ حَقِّهَا سَأَلَهُ اللهُ عَنْ قَتْلِهِ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ الله وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ:
((أَنْ يَذْبَهَا فَيَأْكُلَهَا وَلَا يَقْطَعْ رَأْسَهَا فَيُرْقَى بِهَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ والدارمي](٢).
٤٠٩٥ - [وَعَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْنِيِّ قَالَ: قَدِمَ النَِّيُّ ◌َ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَحُبُّونَ أَسْنِمَةَ
الإِبِلِ وَيَقْطَعُونَ أَلْيَاتِ الْغَنَمِ، قَالَ: ((مَا يُقْطِعِ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةُ فهو مَيْتَةٌ لا تُؤْكَل)).
رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ وَأَبو داود](٤).
(الفصل الثالث)
٤٠٩٦ - [عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّهُ كَانَ يَرْعَى لِفْحَةً
بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابٍ أَحُدٍ فَرَأَى بِهَا الْمَوْتَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَنْحَرُهَا بِهِ، فَأَخَذَ وَتَدًا فَوَجَأَ بِهِ
فِي لَبَّتِهَا حَتَّى أَهْرِيقَ دَمُهَا، ثُمَّ أَخْبَر رسول اللّه وَِّ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ أبو داودٍ وَمَالِكُ،
وَفِي رِوَايَتِهِ: قَالَ: ((فَذَكَّاهَا بِشِظَاظٍ))](٥).
قال القتبي: هو العود الذي يدخل في عروة الجواليق.
(١) أخرجه أحمد (١١٣٦١)، والترمذي (١٤٧٦) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (٣١٩٩)، وأبو يعلى
(١٢٠٦)، وابن حبان (٥٨٨٩)، والدار قطني (٢٧٤/٤)، والحاكم (٧١١٢)، والبيهقي (١٩٢٧٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٢٩)، وابن ماجه (٣٣٢٠).
(٣) أخرجه أحمد (٦٧٠٨)، والنسائي (٤٣٦٦)، والدارمي (٢٠٣٠).
(٤) أخرجه أحمد (٢١٩٥٣)، وأبو داود (٢٨٥٨)، والترمذي (١٤٨٠) وقال: حسن غريب. وأبو يعلى
(١٤٥٠)، والطبراني (٣٣٠٤)، والحاكم (٧٥٩٧) وقال: صحيح على شرط البخاري. والبيهقي
(٧٨).
(٥) أخرجه مالك (١٠٤٧)، وأبو داود (٢٨٢٥).
١٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وقال غيره: الشظاظ فلقة العود، وهذا كله صحيح في النحر يتهيأ بعود الجواليق
إذا كان محدد الطرف، وفي الشاة لا يتهيأ به إلا أن يكون فلقة عود محددة الجانب
يمكن الذبح بها. [مشارق الأنوار (٥٠٢/٢)].
٤٠٩٧ - {وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي البَحْرِ إِلا قَدْ
ذَكَّهَا اللّه لِبَنِي آدَم)). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ](١).
(١) أخرجه الدارقطني (٤٧٧٢).
(باب ذِكر الكلب)
(الفصل الأول)
٤٠٩٨ - [عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ
أو ضَارٍ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانٍ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(مَنِ اقْتَنَى كُلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أو ضَارٍ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانٍ) يُقَال:
إِقْتَنَى الشَّيْء إِذَا اِنَّخَذَهُ لِلإِدِّخَارِ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيث اِبْنِ عُمَر فِي ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَة طُرُق
عَنْهُ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأولى: (لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَة أو ضَارِيَة)) وَفِي الثَّانِيَةِ: ((إِلَّا كَلْبًا
ضَارِيًّا لِصَيْدٍ أو كَلْب مَاشِيَة)) وَفِي الثَّالِئَة: ((إِلَّا كَلْب مَاشِيَة أو ضَارِيًّا)) فَالرِّوَايَة الثَّانِيَة
تُفَسِّرِ الْأولى وَالثَّالِئَةِ.
فَالْأولى إِمَّا لِلإِسْتِعَارَةِ عَلَى أَنَّ ضَارِيًّا صِفَة لِلْجَمَاعَةِ الضَّارِينَ أَصْحَاب الْكِلَاب
الْمُعْتَادَة الضَّارِبَةِ عَلَى الصَّيْدِ، يُقَال: ضَرَا عَلَى الصَّيْدِ ضَرَاوَة؛ أي: تَعَوَّدَ ذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ
عَلَيْهِ، وَضَرَا الْكُلْبِ وَأَضْرَاهُ صَاحِبه؛ أي: عَوَّدَهُ وَأَغْرَاهُ بِالصَّيْدِ، وَالْجُمْعِ: ضَوَارٍ.
وَإِمَّا لِلتَّنَاسُبِ لِلَفْظِ مَاشِيَةٍ مِثْلِ ((لَا دَرَيْت وَلَا تَلَيْتَ)) وَالْأَصْل: تَلوت، وَالرِّوَايَة
الثَّالِئَةِ فِيهَا حَذْفِ تَقْدِيره أو كُلْبًا ضَارِيًّا، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَة فِي غَيْرِ رِوَايَةٍ أَبِي ذَرّ:
(إِلَّ كَلْب ضَارِي)) بِالْإِضَافَةِ وهو مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صِفَته، أو لفْظ ضَارِي صِفَة
لِلرَّجُلِ الصَّائِد؛ أي: إِلَّا كَلْب رَجُل مُعْتَاد لِلصَّيْدِ، وَثُبُوت الْيَاءِ فِي الإِسْمِ الْمَنْقُوص
مَعَ حَذْفِ الْأَلْفِ وَاللََّمِ مِنْهُ لُغَة. (أو مَاشِيَة) ((أو)) لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّرْدِيدِ. [الفتح
( ١٧١/٧)].
٤٠٩٩ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: (مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ
(١) أخرجه البخاري (٥١٦٥)، ومسلم (١٥٧٤)، ومالك (١٧٤١)، وابن أبي شيبة (١٩٩٤٠)، وأحمد
(٤٩٤٤)، والترمذي (١٤٨٧)، والنسائي (٤٢٨٧)، والشافعي (١٤١/١)، والروياني (١٣٨٩)، وأبو
عوانة (٥٣٢٨)، والبيهقي (١٠٨٠٤).
١٨٧
١٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
أو صَيْدٍ أو زَرْعِ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](١).
(مَنِ اتَّخَذَ كَلْبَا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أو صَيْدٍ أو زَرْعِ) قَالَ إِبْن عَبْد الْبَرّ: فِي هَذَا
الْحَدِيث إِبَاحَةِ إِنََّاذ الْكِلَاب لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ، وَكَذَلِكَ الزَّرْع؛ لِأَنَّهَا زِيَادَة حَافِظُ،
وَكَرَاهَةِ اِتََّاذهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ يَدْخُل فِي مَعْنَى الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ إِنَّخَادُهَا لِلْبٍ
الْمَنَافِعِ وَدَفْع الْمَضَارّ قِيَاسًا، فَتَمَحَضَّ كَرَاهَةٍ إِنََّاذهَا لِغَيْرِ حَاجَة لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيع
النَّاس، وَامْتِنَاعِ دُخُولِ الْمَلَائِكَة لِلْبَيْتِ الَّذِي هُمْ فِيهِ.
وَفِي قَوْله: (نَقَصَ مِنْ عَمَله)) - أي: مِنْ أَجْرِ عَمَله - مَا يُشِيرِ إِلَى أَنَّ إِنتَّخَاذْهَا لَيْسَ
بِمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ إِنَّخَاذه مُحَرَّمَا اِمْتَنَعَ إِنتَّخَذَه عَلَى كُلّ حَالِ سَوَاء نَقَصَ الْأَجْرِ أو لمْ
يَنْقُص، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ إِنَّخَاذْهَا مَكْرُوهِ لَا حَرَامِ.
قَالَ: وَوَجْهُ الْحَدِيث عِنْدِي أَنَّ الْمَعَانِي الْمُتَعَبَّد بِهَا فِي الْكِلَابِ مِنْ غَسْلِ الْإِنَاءِ
سَبْعًا لَا يَكَاد يَقُومِ بِهَا الْمُكَلَّف وَلَا يَتَحَفَّظ مِنْهَا، فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ بِاتَّخَاذِهَا مَا
يَنْقُصِ أَجْرهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَيُرْوَى أَنَّ الْمَنْصُورِ سَأَّلَ عَمْرو بْنِ عُبَيْد عَنْ سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفُهُ،
فَقَالَ الْمَنْصُور: لِأَنَّهُ يَنْبَح الضَّيْف، وَيُرَوّع السَّائِل. انتهى.
وَمَا إِذَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ وَاسْتَنَدَ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلْ يَحْتَمِل أَنْ
تَكُون الْعُقُوبَة تَقَع بِعَدَمِ التَّوْفِيق لِلْعَمَلِ بِمِقْدَارٍ قِيرَاط مِمَّا كَانَ يَعْمَلُهُ مِن الْخَيْرِ لُو لَمْ
يَتَّخِذِ الْكَلْبِ، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون الإِتَّخَاذْ حَرَامًا.
(انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمِ قِيرَاطُ) الْمُرَاد بِالنَّقْصِ أَنَّ الْإِثْم الْحَاصِل بِتَّخَاذِ
يُوَازِي قَدْر قِيرَاط أو قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْرِ، فَيَنْقُص مِنْ ثَوَابِ عَمَل الْمُتَّخِذِ قَدْرِ مَا يَتَرَتَّب
عَلَيْهِ مِن الْإِثْم بِتَّخَاذِهِ، وهو قِيرَاط أو قِيرَاطَانٍ.
وَقِيلَ: سَبَب النُّقْصَانِ إِمْتِنَاعِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ بَيْته، أو مَا يَلْحَقِ الْمَارِّينَ
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٢٣٢٢)، وبلفظه مسلم (٤١١٤)، وأحمد (٧٨٣٥).
١٨٩
كتاب الصيد والذبائح/ باب ذكر الكلب
مِن الْأَذَى، أو لأَنَّ بَعْضِهَا شَيَاطِين، أو عُقُوبَة لِمُخَالَفَةِ النَّهْي، أو لولوغِهَا فِي الْأوانَي
عِنْدِ غَفْلَةٍ صَاحِبهَا، فَرُبَّمَا يَتَنَجَّسِ الطَّاهِرِ مِنْهَا، فَإِذَا أُسْتُعْمِلَ فِي الْعِبَادَةِ لَمْ يَقَع مَوْقِع
الظَّاهِر.
وَقَالَ إِبْنِ التّين: الْمُرَادِ أَنَّهُ لو لَمْ يَتَّخِذهُ لَكَانَ عَمَله كَامِلاً، فَإِذَا اِقْتَنَاهُ نَقَصْنَ مِنْ
ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَلَا يَجُوزِ أَنْ يَنْقُصِ مِنْ عَمَل مَضَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ عَمَله فِي الْكَمَال
عَمَلِ مَنْ لَمْ يَتَّخِذُ انتهى.
وَمَا إِدَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَاز مُنَازَعِ فِيهِ، فَقَدْ حَكَى الرُّوبَانِيُّ فِي ((الْبَحْرِ)) إِخْتِلَافًا فِي
الْأَجْرِ هَلْ يَنْقُصِ مِن الْعَمَلِ الْمَاضِي أَو الْمُسْتَقْبَل، وَفِي مُحَصَّلِ نُقْصَانِ الْقِيرَاطَيْنِ،
فَقِيلَ: مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ قِيرَاط وَمِنْ عَمَلِ اللَّيْلِ آخَر.
وَقِيلَ: مِن الْفَرْضِ قِيرَاط وَمِنِ النَّفْلِ آخَر.
وَاخْتَلَفُوا فِي اِخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْقِيرَاطَيْنِ وَالْقِيرَاط، فَقِيلَ: الْحُكْمِ الَّائِد
لِكَوْنِهِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظُهُ الْآخَرِ، أو أَنَّهُ وَلَ أَخْبَرَ أولاً بِنَقْصِ قِيرَاط وَاحِدٍ، فَسَمِعَهُ
الرَّاوِي الْأُولِ، ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِنَقْصِ قِيرَاطَيْنِ فِي التَّأْكِيدِ فِي التَّنْفِيرِ مِنْ ذَلِكَ، فَسَمِعَهُ
الرَّاوِي الثّاني.
وَقِيلَ: يَنْزِل عَلَى حَالَيْنِ، فَنُقْصَانِ الْقِيرَاطَيْنِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَة الْأَضْرَارِ بِتَّخَاذِهَا،
وَنَقْصِ الْقِيرَاط ◌ِاغْتِبَارٍ قِلَّته.
وَقِيلَ: يَخْتَصّ نَقْص الْقِيرَاطَيْنِ بِمَن اِنَّخَذَهَا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ خَاصَّةٍ وَالْقِيرَاط
بِمَا عَدَاهَا.
وَقِيلَ: يَلْتَحِقِ بِالْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ سَائِرِ الْمُدُنِ وَالْقُرَى، وَيَخْتَصّ الْقِيرَاط بِأَهْلِ
الْبَوَادِي، وهو يَلْتَفِتِ إِلَى مَعْنَى كَثْرَة التَّأَذِّي وَقِلَّتِهِ، وَكَذَا مَنْ قَالَ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي
نَوْعَيْنِ مِن الْكِلَابِ، فَفِيمَا لَا بِسِه آدَمِيّ قِيرَاطَانٍ وَفِيمَا دُونه قِیرَاط.
وَجَوَّزَ إِبْنِ عَبْد الْبَرّ أَنْ يَكُونِ الْقِيرَاط الَّذِي يَنْقُصِ أَجْرِ إِحْسَانِه ◌ِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ
جُمْلَةٍ ذَوَات الْأَكْبَادِ الرَّظْبَةِ أَو الْحَرَّى، وَلَا يَخْفَى بُعْده.
١٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا هَلْ هُمَا كَالْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي
الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَاتَّبَاعِهَا؟ فَقِيلَ بِالتَّسْوِيَةِ، وَقِيلَ: الَّذَانِ فِي الْجِنَازَةِ مِنْ بَاب
الْفَضْلِ، وَاللَّذَانِ هُنَا مِنْ بَاب الْعُقُوبَة وَبَابِ الْفَضْل أوسَع مِنْ غَيْرهِ، وَالْأَصَحّ
عَنِ الشَّافِعِيَّةِ إِيَاحَةِ إِنتَّخَاذ الْكِلَابِ لِحِفْظِ الدَّرْبِ إِلْحَافًا لِلْمَنْصُوصِ بِمَا فِي مَعْنَاهُ كَمَا
أَشَارَ إِلَيْهِ إِبْن عَبْد الْبَرّ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَأْذُون فِي إِنََّاذه مَا لَمْ يَحْصُل الإتّفَاق
عَلَى قَتْله وهو الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَأَمَّا غَيْرِ الْعَقُورِ فَقَد أُخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزِ قَتْله مُظْلَقًا أَمْ
لام
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَرْبِيَة الْجَرْوِ الصَّغِيرِ لِأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يَؤولُ أَمْرِهِ إِلَيْهَا إِذَا
كَبِرَ، وَيَكُونِ الْقَصْدِ لِذَلِكَ قَائِمًا مَقَامٍ وُجُودِ الْمَنْفَعَة بِهِ كَمَا يَجُوز بَيْعِ مَا لَمْ يُنْتَفَعِ بِهِ فِي
الْحَال؛ لِكَوْنِهِ يَنْتَفِعِ بِهِ فِي الْمَآلِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْكُلْبِ الْجَائِزِ إِنََّاذه؛ لِأَنَّ فِي
مُلَابَسَته مَعَ الإِحْتِرَازِ عَنْهُ مَشَقَّة شَدِيدَة، فَالْإِذْنِ فِي إِنََّاذه إِذْن فِي مُكَمِّلَات مَقْصُوده،
كُمَا أَنَّ الْمَنْعِ مِنْ لوازِمه مُنَاسِب لِلْمَنْعِ مِنْهُ، وهو إِسْتِدْلَال قَوِيّ لَا يُعَارِضِهُ إِلَّا عُمُوم
الْخْبَرِ الوارِدِ فِي الْأَمْر مِنْ غَسْلِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكُلْب مِنْ غَيْرِ تَفْصِيل، وَتَّخْصِيص الْعُمُوم
غَيْرِ مُسْتَنْكَر إِذَا سَوَّغَهُ الدَّلِیل.
وَفِي الْحَدِيث: الْحَتّ عَلَى تَكْثِيرِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحِةِ، وَالتَّحْذِيرِ مِن الْعَمَلِ بِمَا
يَنْقُصِهَا، وَالتَّنْبِيِهِ عَلَى أَسْبَابِ الزَّيَادَة فِيهَا وَالنَّقْصِ مِنْهَا لِتُجْتَنَبِ أُو تُرْتَكَب، وَبَيَان
نُظْف الله تَعَالَى بِخَلْقِهِ فِي إِبَاحَة مَا لَهُمْ بِهِ نَفْعٍ، وَتَبْلِيغ نَبِّهِمْ وََّ لَهُمْ أُمُورِ مَعَاشِهِمْ
وَمَعَادهمْ.
وَفِيهِ: تَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَة عَلَى الْمَفْسَدَة لوقُوعٍ إِسْتِثْنَاء مَا يُنْتَفَع بِهِ مِمَّا
حَرُمَ إِنَّخَاذه. [الفتح (١٧١/٧)].
٤١٠٠ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنَّ
الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى رَسُولِ اللهِ وَهَ عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ:
١٩١
كتاب الصيد والذبائح/ باب ذكر الكلب
((عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النَّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ] (١).
(عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ) مَعْنَى الْبَهِيمِ: الْخَالِصِ السَّوَاد، وَأَمَّا
النُّقْطَتَانِ: فُهِّمَا نُقْطَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ بَيْضَاوَانِ فَوْق عَيْنَيْهِ، وَهَذَا مُشَاهَد مَعْرُوف.
(فَإِنَّهُ شَيْطَان) اِحْتَجَّ بِهِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَل وَبَعْض أَصْحَابِنَا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزِ صَيْد
الْكُلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ، وَلَا يَحِلّ إِذَا قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْطَان، إِنَّمَا حَلَّ صَيْدِ الْكَلْب.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: يَحِلّ صَيْدِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ كَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ
الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ إِخْرَاجِه عَنْ جِئْس الْكِلَاب، وَلِهَذَا لو وَلَغَ فِي إِنَاءِ وَغَيْرِهِ وَجَبَ غَسْله
كَمَا يُغْسَل مِنْ وُلوغ الْكُلْب الْأَبْيَض. [النووي (٤٢٣/٥)].
٤١٠١ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيّ ◌َهْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّ كَلْبَ صَيْدٍ أو كَلْبَ
غَنَمِ أو مَاشِيَةٍ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ](٢).
قال الشيخ النووي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَتْلِ الْكُلْب، وَالْكَلْبِ الْعَقُور.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ مَا لَا ضَرَرِ فِيهِ؛ فَقَالَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَمَرَ النَّبِيّ
أولاً بِقَتْلِهَا كُلّهَا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وَنُهِيَ عَنْ قَتْلهَا إِلَّ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ، ثُمَّ إِسْتَقَرَّ الشَّرْع عَلَى
النَّهْي عَنْ قَتْل جَمِيعِ الْكِلَابِ الَّتِي لَا ضَرَر فِيهَا سَوَاء الْأَسْوَدِ وَغَيْره، وَيُسْتَدَلّ لِمَا ذَكَرَهُ
◌ِحَدِيثِ اِبْنِ الْمُغَفَّل.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ: ذَهَبَ كَثِير مِن الْعُلَمَاءِ إِلَى الْأَخْذِ بِالْحَدِيثِ فِي قَتْل
الْكِلَابِ إِلَّ مَا اِسْتَثْنَى مِنْ كَلْب الصَّيْد وَغَيْرِه.
قَالَ: وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَأَصْحَابِه.
قَالَ: وَاخْتَلَفَ الْقَائِلونَ بِهَذَا هَلْ كَلْب الصَّيْد وَنحوه مَنْسُوخِ مِن الْعُمُوم الأول
فِي الْحُكْم بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَأَنَّ الْقَتْلِ كَانَ عَامَّا فِي الْجَمِيعِ أَمْ كَانَ مَخْصُوصًا بِمَا سِوَى
(١) أخرجه مسلم (١٥٧٢)، وأحمد (١٤٦١٥)، وابن حبان (٥٦٥١)، والبيهقي (١٠٨١٨)، والديلمي
(٤٠٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٢٣)، ومسلم (٤١٠٢)، والترمذي (١٥٦٥).
١٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
ذَلِكَ.
قَالَ: وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَاز ◌ِتَّخَاذ جَمِيعِهَا، وَنُسِخَ الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا، وَالنَّهْي عَن
إِقْتِنَائِهَا إِلَّ الْأَسْوَدِ الْبَهِيم.
قَالَ الْقَاضِي: وَعِنْدِي أَنَّ النَّهْي أولاً كَانَ نَهْيَا عَامًّا عَنِ اِقْتِنَاءِ جَمِيعِهَا، وَأَمَرَ بِقَتْلِ
جَمِيعِهَا، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلهَا مَا سِوَى الْأَسْوَدِ، وَمَنَعَ الاِقْتِنَاءِ فِي جَمِيعِهَا إِلَّا كَلْب صَيْد أو
زَرْع أو مَاشِيَةٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي هو ظَاهِرِ الْأَحَادِيث، وَيَكُون حَدِيث اِبْن
الْمُغَفَّل ◌َخْصُوصًا بِمَا سِوَى الْأَسْوَد؛ لِأَنَّهُ عَامٌ فَيَخُصّ مِنْهُ الْأَسْوَدِ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ.
وَأَمَّا اِقْتِنَاءِ الْكِلَابِ فَمَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَحْرُم ◌ِقْتِنَاء الْكَلْبِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَيَجُوز اِقْتِنَاؤُهُ
لِلصَّيْدِ وَلِلْزَّرْعِ وَلِلْمَاشِيَةِ.
وَهَلْ يَجُوزِ لِحِفْظِ الدُّورِ وَالدُّرُوبِ وَنحوها؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدهمَا: لَا يَجُوزِ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيث، فَإِنَّهَا مُصَرِّحَة بِالنَّهْيِ إِلَّ لِزَرْعٍ أو صَيْد أو
مَاشِيَةٍ، وَأَصَحّهَا يَجُوزِ قِيَاسًا عَلَى الثَّلَاثَةِ عَمَلاً بِالْعِلَّةِ الْمَفهومَة مِن الْأُحَادِيث، وَهِيَ
الحاجة.
وَهَلْ يَجُوز ◌ِقْتِنَاءِ الْجَرْو وَتَرْبِيَتِه لِلصَّيْدِ أو الزَّرْعِ أو الْمَاشِيَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ
لِأَصْحَابِنَا: أَصَحّهمَا جَوَازِهِ. [٤٢١/٥].
(الفصل الثاني)
٤١٠٢ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ عَنِ النَّبِّ ◌َ ﴿ قَالَ: (لولَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةُ مِنَ
الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلّ أَسْوَدٍ بَهِيم). رَوَاهُ أبو داود وَالدَّارِيُّ، وَزَادَ
التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: ((وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْبًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ
قِيَرَاطُ إِلَّ كَلْبَ صَيْدٍ أو كَلْبَ حَرْثٍ أو كَلْبَ غَنَمٍ)](١).
٤١٠٣ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: نَفَى رَسُولُ اللهِ ﴿ ﴿ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ.
(١) أخرجه أحمد (١٦٨٣٤)، والترمذي (١٤٨٦) وقال: حسن صحيح. وأبو داود (٢٨٤٧)، والنسائي
(٤٢٨٠)، وابن ماجه (٣٢٠٥)، والدارمي (٢٠٦٠).
١٩٣
كتاب الصيد والذبائح/ باب ذكر الكلب
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](١).
(نَهَى رَسُولُ اللهِ وَِّ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ) هو الْإِغْرَاءِ وَتَهْبِيجِ بَعْضِهَا عَلَى
بَعْض كَمَا يَفْعَل بَيْنِ الْكِبَاش وَالدُّيُوكِ وَغَيْرهَا.
وَوَجْهُ النَّفْي: إنَّهُ إِيلَام لِلْحَيَوَانَاتِ وَإِثْعَابِ لَهُ بِدُونِ فَائِدَة بَلْ مُجَّد عَبَث.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعًا وَمُرْسَلاً، وَحُكِيَ أَنَّ الْمُرْسَل أَصَحّ. [عون
(٤٦٩/٥)].
(١) أخرجه الترمذي (١٨١٠) وأبو داود (٢٥٦٤) والبيهقي (١٩٥٦٧) وأبو يعلى (٢٥٠٩) والطبراني
(١١١٢٣).
(باب ما يحل أكله وما يحرم)
(الفصل الأول)
٤١٠٤ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ: ((كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ
حَرَامٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١).
٤١٠٥ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ◌ََّ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ،
وَكُلِّ ذِي يُخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمُ(٢).
( نَقَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي يُخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ)
الْمِخْلَب: بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْحِ اللَّامِ، قَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْمِخْلَب لِلطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ بِمَنْزِلَةِ
الظُّفْر لِلْإِنْسَانِ.
فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَةٍ وَأَحْمَد وَدَاوُد وَالْجُمْهورِ أَنَّهُ
يَحْرُمِ أَكْلِ كُلّ ذِي نَابٍ مِن السِّبَاعِ، وَكُلّ ذِي ◌ُخْلَب مِن الطّْر.
وَقَالَ مَالِك: يُكْرَهُ وَلَا يَخْرُمٌ.
قَالَ أَصْحَابِنَا: الْمُرَاد بِذِي النَّابِ مَا يُتَقَوَّى بِهِ وَيُصْطَاد، وَاحْتَجَّ مَالِك بِقَوْلِهِ
تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدِ فِيمَا أُوحِيَ إِلَّ مُحَرَّمًا .. ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا بِهَذِهِ
الْأَحَادِيثِ قَالوا: وَالْآيَةِ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِد فِي ذَلِكَ الوقْت مُحَرَّمًا إِلَّا
الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ، ثُمَّ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِتَحْرِيمِ كُلّ ذِي نَابٍ مِن السِّبَاعِ، فَوَجَبَ قَبُوله
وَالْعَمَل بِهِ. [النووي (٤١٦/٦)].
٤١٠٦ - [وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ}(٣).
(١) أخرجه مسلم (١٩٣٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٨٣٦).
(٢) أخرجه مسلم (٥١٠٣)، وأحمد (٢٢٣٠)، وأبو داود (٣٨٠٥).
(٣) أخرجه البخاري (٥٥٢٧)، ومسلم (٥١١٨)، وأحمد (١٨٢٢٠).
- ١٩٤ -
١٩٥
كتاب الصيد والذبائح/ باب ما يحل أكله وما يحرم
٤١٠٧ - [وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ
وَأَذِنَ فِي لُومِ الْخَيْلِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(وَأَذِنَ فِي لُومِ الْخَيْلِ) قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَذَهَبَ أبو حنيفة إِلَى كَرَاهَة أَكْلِ الْخَيْل
وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَغَيْرِهِمَا، وَاحْتَجُوا بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي حِلّهَا، وَلَو كَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا
مِنْ طَرِيقِ النَّظَر لَمَا كَانَ بَيْنِ الْخَيْلِ وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَرْق، وَلَكِنَّ الْآثَارِ إِذَا صَحَّتْ عَنْ
رَسُول الله ﴿ أولى أَنْ يُقَال بِهَا مِمَّا يُوجِبهُ النَّظَرِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْبَرَ جَابِرِ أَنَّهُ عَ
أَبَاحَ لَهُمْ لُومِ الْخَيْلِ فِي الوقْت الَّذِي مَنَعَهُمْ فِيهِ مِنْ لُومِ الْحُمُرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى
اخْتِلاف حُكْمهمًا.
قُلْت: وَقَدْ نَقَلَ الْحِلّ بَعْض التَّابِعِينَ عَنِ الصَّحَابَة مِنْ غَيْرِ إِسْتِثْنَاءِ أَحَدٍ، فَأَخْرَجَ
إِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَطَاء قَالَ: ((لَمْ يَزَلْ سَلَفك
یْکُلونَهُ».
قَالَ إِبْن جُرَيْجٍ: قُلْت لَهُ: أَصْحَابِ رَسُول الله وَ لَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ)).
وَأَمَّا مَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبَّاس مِنْ كَرَاهَتهَا فَأَخْرَجَهُ إِبْنِ أَبِي شَيْبَة
وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَنَّدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ، وَبَدُلّ عَلَى ضَعْف ذَلِكَ عَنْهُ مَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ إِسْتَدَلَّ
لإِبَاحَةِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ فَإِنَّ هَذَا إِنْ
صَلُحَ مُسْتَمْسَكًا لِحِلِّ الْحُمُر صَلْحَ لِلْخَيْلِ وَلَا فَرْق.
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي سَبَبِ الْمَنْعِ مِنْ أَكْلِ الْحُمُرِ هَلْ كَانَ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا أو
بِسَبَبٍ كَوْنهَا كَانَتْ حَمُولَة النَّاس؟ وَهَذَا يَأْتِي مِثْله مِن الْخَيْلِ أَيْضًا، فَيَبْعُد أَنْ يَثْبُت عَنْهُ
الْقَوْل بِتَحْرِيمِ الْخَيْلِ وَالْقَوْلِ بِالتَّوَقُّفِ فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، بَلْ أَخْرَجَ الدَّارَقُظْنِيُّ بِسَنَدٍ
قَوِيّ عَن إِبْنِ عَبَّاس مَرْفُوعًا مِثْل حَدِيث جَابِرٍ وَلَفْظُه: (نَهَى رَسُولِ اللهِوَ لَ عَنْ لُوم
الْخُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَمَرَ بِلُحُومِ الْخَيْلِ)) وَصَحَّ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ عَنِ الْحَكَمَ بْن عُيَيْنَةَ وَمَالِك
(١) أخرجه البخاري (٥٥٢٠)، ومسلم (٥١٣٤)، وأحمد (١٥٢٧٢)، وأبو داود (٣٧٩٠).
١٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَبَعْض الْحَنَفِيَّةِ، وَعَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ التَّحْرِيمِ.
وَقَالَ الْفَاكِهِيّ: الْمَشْهور عِنْدِ الْمَالِكِيَّةِ الْكَرَاهَةِ، وَالصَّحِيحِ عِنْد الْمُحَقِّقِينَ
مِنْهُم التّحْرِیم.
وَقَالَ أبو حنيفة في ((الْجَامِعِ الصَّغِير)) أَكْرَه لَخْم الْخَيْلِ فَحَمَلَهُ أبو بكر الرَّازِيّ عَلَى
التَّنْزِيهِ، وَقَالَ: لَمْ يُظْلِقِ أبو حنيفة فِيهِ التَّحْرِيمِ، وَلَيْسَ هو عِنْده كَالْحِمَارِ الْأَهْلِّ،
وَصَحَّحَ عَنْهُ أَصْحَابِ الْمُحِيطِ وَالْهِدَايَة وَالذَّخِيرَة التَّحْرِيمِ، وهو قَوْل أَكْثَرِهِمْ، وَعَنْ
بَعْضهمْ يَأْثَم آكِله وَلَا يُسَمَّى حَرَامًا، وَرَوَى إِبْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْب عَنْ مَالِك الْمَنْع،
وَأَنَّهُ إِحْتَجَّ بِالْآيَةِ الْآتِي ذَكَرَهَا.
وَأَخْرَجَ مُحَمَّد بْنِ الْحَسَنِ فِي ((الْآثَار)): عَنْ أَبِي حَنِيفَة بِسَنَّدٍ لَهُ عَن اِبْنِ عَبَّاس نحو
ذَلِكَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ ◌ِي ((شَرْحِ مُسْلِم)): مَذْهَب مَالِك الْكَرَاهَةِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ إِبْنِ بَظَّال
بِالْآيَةِ.
وَقَالَ إِبْنِ الْمُنَيِّر: الشَّبَهِ الْخِلْقِيّ بَيْنِهَا وَبَيْنِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ مِمَّا يُؤَكِّد الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ،
فَمِنْ ذَلِكَ هَيْئَتْهَا وَزُهومَة لَخْمِهَا، وَغِلَظُهُ، وَصِفَة أَرْوَائِهَا، وَأَنَّهَا لَا تَجْتَرّ، قَالَ: وَإِذَا تَأَكَّدَ
الشَّبَهُ الْخِلْقِيّ ◌ِلْتَحَقَ بِنَفْي الْفَارِقِ، وَبَعُدَ الشَّبَهِ بِالْأَنْعَامِ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَكْلهَا. انتهى.
وَقَالَ الشَّيْخِ أبو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة: الدَّلِيلِ فِي الْجَوَازِ مُطْلَقًا وَاضِحِ، لَكِنْ سَبَب
كَرَاهَة مَالِكَ لِأَكْلِهَا؛ لِكَوْنِهَا تُسْتَعْمَل غَالِبًا فِي الْجِهَادِ، فَلو إِنْتَفَتِ الْكَرَاهَة لَكَثُرَ
إِسْتِعْمَالِه وَلو كَثُرَ لَأَدَّى إِلَى قَتْلهَا فَيُفْضِي إِلَى فَنَائِهَا، فَيَؤول إِلَى النَّقْصِ مِنْ إِرْهَاب
الْعَدُو الَّذِي وَقَعَ الْأَمْرِ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
قُلْت: فَعَلَى هَذَا فَالْكَرَاهَة لِسَبَبٍ خَارِجٍ وَلَيْسَ الْبَحْث فِيهِ، فَإِنَّ الْحَيَوَانِ الْمُتَّفَق
عَلَى إِبَاحَته لو حَدَثَ أَمْرِ يَقْتَضِي أَنْ لو ذُبِحَ لَأَفْضَى إِلَى إِرْتِكَاب ◌َحْذُورِ لَا مْتَنَعَ، وَلَا
يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِهِ، وَكَذَا قَوْله: إِنَّ وُقُوعِ أَكْلِهَا فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيّ كَانَ نَادِرًا،
فَإِذَا قِيلَ بِالْكَرَاهَةِ قَلَّ اِسْتِعْمَاله فَيُوَافِقِ مَا وَقَعَ قَبْلِ. إِنْتَهَى.
١٩٧
كتاب الصيد والذبائح / باب ما يحل أكله وما يحرم
وَهَذَا لَا يَنْهَضِ دَلِيلاً لِلْكَرَاهَةِ بَلْ غَايَتِهِ أَنْ يَكُونُ خِلَافِ الْأولى، وَلَا يَلْزَمْ مِنْ
كَوْن أَصْلِ الْحَيَوَان حَلَّ أَكْله فَنَاؤُهُ بِالْأَكْلِ.
وَأَمَّا قَوْلِ بَعْض الْمَانِعِينَ لو كَانَتْ حَلالاً لَجَازَتِ الْأُضْحِيَّة بِهَا، فَمُنْتَقَض بِحَيَوَانٍ
الْبَرّ، فَإِنَّهُ مَأْكُولٍ وَلَمْ تُشْرَعِ الْأُضْحِيَّةِ بِهِ، وَلَعَلَّ السَّبَب فِي كَوْنِ الْخَيْلِ لَا تُشْرَع
الْأُضْحِيَّة بِهَا اِسْتِبْقَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ لو شُرِعَ فِيهَا جَمِيعِ مَا جَازَ فِي غَيْرِهَا لَفَاتَتِ الْمَنْفَعَة بِهَا
فِي أَهَمّ الْأَشْيَاءِ مِنْهَا وهو الجهاد.
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيّ وَأبو بكر الرَّازِيّ وَأبو مُحَمَّد بْن حَزْم مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة بْن
عَمَّارِ عَنْ يَخْتَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِرِ قَالَ: ((نَغَى رَسُولِ اللهِ وَّ عَنْ
لُومِ الحُمُر وَالْخَيْلِ وَالْبِغَال».
قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَأَهْلِ الْحَدِيثِ يُضَعِّفُونَ عِكْرِمَة بْن عَمَّار.
قُلْت: لَا سِيَّمَا فِي يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير، فَإِنَّ عِكْرِمَة وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي تَوْثِيقه، فَقَدْ
أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٍ، لَكِنْ إِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَتِه عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير، وَقَدْ قَالَ
يَحْيَى بْنِ سَعِيد الْقَطَّانُ: أَحَادِيثه عَنْ يَحَْ بْن أَبِي كَثِير ضَعِيفَة.
وَقَالَ الْبُخَارِيّ حَدِيثه عَنْ يَحْنَى مُضْطَرِب.
وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس إِلَّا فِي تحْتَى.
وَقَالَ أَحْمَد: حَدِيثه عَنْ غَيْرِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَة مُضْطَرِبٍ، وَهَذَا أَشَدّ مِمَّا قَبْله،
وَدَخَلَ فِي عُمُومِه يَحْبَى بْن أَبِي كَثِيرٍ أَيْضًا، وَعَلَى تَقْدِير صِحَّة هَذِهِ الطَّرِيقِ، فَقَدْ أُخْتُلِفَ
عَنْ عِكْرِمَةٍ فِيهَا، فَإِنَّ الْحَدِيثِ عِنْد أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقه لَيْسَ فِيهِ لِلْخَيْلِ ذِكْر،
وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونِ الَّذِي زَادَهُ حَفِظَهُ، فَالرِّوَايَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ عَنْ جَابِرِ الْمُفَصِّلَةِ بَيْن
لُومِ الْخَيْلِ وَالْحُمُر فِي الْحُكْم أَظْهَر ◌ِتِّصَالاً وَأَنْقَن رِجَالاً وَأَكْثَرِ عَدَدًا، وَأَعَلَّ بَعْض
الْحَنَفِيَّةِ حَدِيث جَابِرِ بِمَا نَقَلَهُ عَن إِبْنِ إِسْحَاق أَنَّهُ لَمْ يَشْهَد خَيْبَرِ، وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ؛ لِأَنَّ
غَايَتِهِ أَنْ یَكُونُ مُرْسَل صَحَابِيّ.
وَمِنْ حُجَجَ مَنْ مَنَعَ أَكْلِ الْخَيْل: حَدِيث خالد بن الوليد الْمُخَرَّج في ((السُّنَن)):
١٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(إِنَّ النَّبِيّ ◌َِّ نَهَى يَوْمٍ خَيْبَر عَنْ لُومِ الْخَيْلِ)) وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ شَاذْ مُنْكَر؛ لِأَنَّ فِي سِيَاقِه
أَنَّهُ شَهِدَ خَيْبَر، وهو خَطَأْ فَإِنَّهُ لَمْ يُسْلِمِ إِلَّ بَعْدهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَالَّذِي جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَر
أَنَّ إِسْلَامِه كَانَ سَنَة الْفَتْحِ، وَالْعُمْدَة فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ مُصْعَب الزُّبَيْرِيّ، وهو أَعْلَم
النَّاس بِقُرَيْشٍ قَالَ: «كَتَبَ الولِيد بْن الوليد إِلَى خَالِدِ حِين فَرَّ مِنْ مَكَّة فِي عُمْرَة
الْقَضِيَّةِ حَتَّى لَا يَرَى النَّبِيّ ◌َّهِ بِمََّة، فَذَكَرَ الْقِصَّةِ فِي سَبَب إِسْلَامٍ خَالِدٍ، وَكَانَتْ عُمْرَة
الْقَضِيَّةِ بَعْد خَيْبَرِ جَزْمًا، وَأُعِلَّ أَيْضًا بِأَنَّ فِي السَّنَدِ رَاوِيًّا مَجْهولاً.
لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ رَجُل مِنْ أَهْلِ حِمْص
قَالَ: كُنَّا مَعَ خَالِدٍ، فَذَكَرَ أَنَّ رَسُول الله وَّهِ حَرَّمَ لُومُ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةِ وَخَيْلِهَا وَبِغَالِهَا،
وَأَعِلَّ بِتَدْلِيسِ يَحَْى وَإِبْهَامِ الرَّجُلِ، وَاذَّعَى أبو دَاوُدَ أَنَّ حَدِيث خالد بن الوليد مَنْسُوخ
وَلَمْ يُبَيِّنْ نَاسِخه.
وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ: الْأَحَادِيثِ فِي الْإِبَاحَةِ أَصَحّ، وَهَذَا إِنْ صَحَّ كَانَ مَنْسُوخًا،
وَكَأَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ عِنْدِه الْخَبَرَانِ، وَرَأَى فِي حَدِيث خَالِدِ (نَهَى)) وَفِي حَدِيث جَابٍ: ((أَذِنَ))
حَمَلَ الْإِذْنِ عَلَى نَسْجِ التَّحْرِيمِ، وَفِيهِ نَظَر؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِ النَّهْي سَابِقًا عَلَى الْإِذْن
أَنْ يَكُون إِسْلَام خَالِدِ سَابِقًا عَلَى فَتْح خَيْبَرِ، وَالْأَكْثَرِ عَلَى خِلَافِه وَالنَّسْخِ لَا يَثْبُت
بِالإِحْتِمَالِ.
وَقَدْ قَرَّرَ الْحَازِميّ النَّسْخِ بَعْد أَنْ ذَكَرَ حَدِيث خَالِدٍ وَقَالَ: هو شَاِيّ الْمَخْرَجِ، جَاءَ
مِنْ غَيْرِ وَجْه بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيث جَابِرٍ مِنْ ((رَخَّصَ)) و(أَذِنَ)) لِأَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ يَظْهَرِ أَنَّ الْمَنْعِ
كَانَ سَابِقًا وَالْإِذْنِ مُتَأَخّرًا فَيَتَعَيَّنِ الْمَصِيرِ إِلَيْهِ، قَالَ: وَلو لَمْ تَرِدِ هَذِهِ اللَّفْظَة لَكَانَتْ
دَعْوَى النَّسْخِ مَرْدُودَة لِعَدَمِ مَعْرِفَة التَّارِيخ. انتهى.
وَلَيْسَ فِي لَفْظِ رَخَّصَ وَأَذِنَ مَا يَتَعَيَّنْ مَعَهُ الْمَصِيرِ إِلَى النَّسْخِ، بَلِ الَّذِي يَظْهَرِ أَنَّ
الْحُكْم فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِير كَانَ عَلَى الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّةِ، فَلَمَّا نَهَاهُم الشَّارِعِ يَوْم
خَيْبَر عَنِ الْحُمُر وَالْبِغَالِ خُشِيَ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ الْخَيْلِ كَذَلِكَ لِشَبَهِهَا بِهَا، فَأَذِنَ فِي أَكَلَهَا
دُون الْحَمِير وَالْبِغَالِ، وَالرَّاجِحِ أَنَّ الْأَشْيَاء قَبْل بَيَان حُكْمَهَا فِي الشَّرْعَ لَا تُوصَف لَا بِحِلّ
١٩٩
كتاب الصيد والذبائح/ باب ما يحل أكله وما يحرم
وَلَا حُرْمَةٍ، فَلَا يَثْبُتِ النَّسْخِ فِي هَذَا.
وَنَقَلَ الْحَازِيّ أَيْضًا تَقْرِيرِ النَّسْخِ بِطَرِيقٍ أُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّ التَّهْي عَنْ أَكْلِ الْخَيْل
وَالْحَمِيرِ كَانَ عَامًّا مِنْ أَجْلِ أَخْذِهِمْ لَهَا قَبْلِ الْقِسْمَةِ وَالتَّخْمِيسِ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِإِكْفَاءٍ
الْقُدُورِ، ثُمَّ بَيِّنَ بِنِدَائِهِ بِأَنَّ لُومِ الحُمُرِ رِجْس أَنَّ تَحْرِيمِهَا لِذَاتِهَا، وَأَنَّ النَّهْي عَنِ الْخَيْل
إِنَّمَا كَانَ بِسَبَبٍ تَرْكِ الْقِسْمَةِ خَاصَّة.
وَيُعَكِّرْ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَمْرِ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ إِنَّمَا كَانَ بِطَبْخِهِمْ فِيهَا الْخُمُرُ كَمَا هو
مُصَرَّح بِهِ فِي الصَّحِيحِ لَا الْخَيْلِ فَلَا يَتِمّ مُرَاده، وَالْحَقّ أَنَّ حَدِيث خَالِدٍ وَلو سَلِمَ أَنَّهُ
ثَابِت لَا يَنْهَض مُعَارِضًا لِحَدِيثِ جَابِرِ الدَّالّ عَلَى الْجَوَازِ، وَقَدْ وَافَقَهُ حَدِيث أَسْمَاءِ، وَقَدْ
ضَعَّفَ حَدِيث خَالِدِ أَحْمَد وَالْبُخَارِيّ وَمُوسَى بْنِ هَارُون وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْخَطَّابِيّ وَابْن
عَبْد الْبَرّ وَعَبْد الْحَقِّ وَآخَرُونَ.
وَجَمَعَ بَعْضِهِمْ بَيْنِ حَدِيث جَابِرٍ وَخَالِدٍ بِأَنَّ حَدِيث جَابِرِ دَالٌ عَلَى الْجَوَاز في
الْجُمْلَةِ وَحَدِيث خَالِدِ دَالٌ عَلَى الْمَنْعِ فِي حَالَة دُونٍ حَالَة؛ لِأَنَّ الْخَيْلِ فِي خَيْبَر كَانَتْ
عَزِيزَة، وَكَانُوا مُخْتَاجِينَ إِلَيْهَا لِلْجِهَادِ، فَلَا يُعَارِضِ التَّهْي الْمَذْكُورِ، وَلَا يَلْزَمْ وَصْف أَكْلٍ
الْخَيْلِ بِالْكَرَاهَةِ الْمُظْلَقَةِ فَضْلاً عَنِ التَّحْرِيمِ.
وَقَدْ وَقَعَ عِنْدِ الدَّارَقُظْنِيِّ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءِ: «كَانَتْ لَنَا فَرَس عَلَى عَهْدِ رَسُول الله
﴿ فَأَرَادَتْ أَنْ تَمُوت فَذَبَحْنَاهَا فَأَكَلْنَاهَا)) وَأَجَابَ عَنْ حَدِيث أَسْمَاءِ بِأَنَّهَا وَاقِعَة عَيْن،
وَسـ
فَلَعَلَّ تِلْكَ الْفَرَس كَانَتْ كَبِرَتْ بِحَيْثُ صَارَتْ لَا يُنْتَفَعِ بِهَا فِي الْجِهَادِ، فَيَكُونُ التَّهْي عَن
الْخَيْلِ لِمَعْنَى خَارِجِ لَا لِذَاتِهَا، وهو جَمْعِ جَيِّد.
وَزَعَمَ بَعْضِهِمْ أَنَّ حَدِيث جَابِرٍ فِي الْبَابِ دَالٌ عَلَى التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ: ((رَخَّصَ)) لِأَنَّ
الرُّخْصَةِ اِسْتِبَاحَةِ الْمَخْطُورِ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِيهَا بِسَبَبٍ
الْمَخْمَصَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ بِخَيْبَرِ، فَلَا يَدُلّ ذَلِكَ عَلَى الْحِلّ الْمُظْلَقِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ جَاءَ بِلَفْظِ الْإِذْنِ، وَبَعْضِهَا بِالْأَمْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ
الْمُرَاد بِقَوْلِهِ رَخَّصَ أَذِنَ لَا خُصُوص الرُّخْصَة بِاصْطِلَاجِ مَنْ تَأْخَّرَ عَنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ.
٢٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَنُوقِضَ أَيْضًا بِأَنَّ الْإِذْنِ فِي أَكْلِ الْخَيْلِ لو كَانَ رُخْصَة ◌ِأَجْلِ الْمَخْمَصَة لَكَانَتِ الْحُمُر
الْأَهْلِيَّةِ أُولِى بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهَا وَعِزَّة الْخَيْلِ حِينَئِذٍ، وَلِأَنَّ الْخَيْلِ يُنْتَفَع بِهَا فِيمَا يُنْتَفَع بِالْحَمِيرِ
مِن الْحَمْلِ وَغَيْرِهِ، وَالْحَمِيرِ لَا يُنْتَفَع بِهَا فِيمَا يُنْتَفَع بِالْخَيْلِ مِن الْقِتَالِ عَلَيْهَا، وَالواقِعِ صَرِيحًا
أَنَّهُ وَّهِ أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ فِيهَا الْحُمُرِ مَعَ مَا كَانَ بِهِمْ مِن الْحَاجَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ
عَلَى أَنَّ الْإِذْنِ فِي أَكْلِ الْخَيْلِ إِنَّمَا كَانَ لِلْإِبَاحَةِ الْعَامَّةِ لَا لِخُصُوصِ الضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنِ إِبْنِ عَبَّاس وَمَالِك وَغَيْرِهِمَا مِن الإِحْتِجَاجِ لِلْمَنْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةٍ﴾ [النحل: ٨] فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَا أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ
پالتّحْرِيمِ.
وَقَرَّرُوا ذَلِكَ بِأَوْجُهٍ: أَحَدِهَا: إِنَّ اللَّامِ لِلتَّعْلِيلِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُخْلَق لِغَيْرِ ذَلِكَ؛
لِأَنَّ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ تُفِيد الْحَصْرِ فَإِبَاحَة أَكْلِهَا تَقْتَضِي خِلاف ظَاهِرِ الْآيَةِ.
ثَانِيهَا: عَظْفِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، فَدَلَّ عَلَى اِشْتِرَاكِهَا مَعَهَا فِي حُكْم التَّحْرِيم،
فَيَحْتَاجِ مَنْ أَفْرَدَ حُكْمِهَا عَنْ حُكْمِ مَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ إِلَى دَلِیل.
ثَالِثُهَا: إِنَّ الْآيَةِ سَبَقَتْ مَسَاقِ الإِمْتِنَانِ، فَلو كَانَتْ يُنْتَفَعِ بِهَا فِي الْأَكْلِ لَكَانَ
الإِمْتِنَان بِهِ أَعْظَم؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقِ بِهِ بَقَاء الْبِنْيَة بِغَيْرٍ وَاسِطَةٍ، وَالْحَكِيم لَا يَمْتَنّ بِأَدْنَى
النّعَم وَيَتْرُكِ أَعْلَاهَا، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ الاِمْتِنَانِ بِالْأَكْلِ فِي الْمَذْكُورَاتِ قَبْلِهَا.
رَابِعِهَا: لو أُبِيحَ أَكْلِهَا لَفَاتَتِ الْمَنْفَعَة بِهَا فِيمَا وَقَعَ بِهِ الإِمْتِنَانِ مِن الرُّكُوب
وَالزِّينَة، هَذَا مُلَخَّص مَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَالْجُوَّابِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ أَنَّ آيَة النَّحْلِ مَكِّيَّةٍ إِنْفَاقًا، وَالْإِذْنِ فِي أَكْلِ الْخَيْل
كَانَ بَعْد الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّة بِأَكْثَرِ مِنْ سِتّ سِنِينَ، فَلو فَهِمَ النَّبِيّ ◌ََّ مِن الْآيَةِ الْمَنْعِ لَمَا
أَذِنَ فِي الْأَكْلِ.
وَأَيْضًا فَآيَة النَّحْلِ لَيْسَتْ نَصَّا فِي مَنْع الْأَكْلِ، وَالْحَدِيث صَرِيحٍ فِي جَوَازه.
وَأَيْضًا عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّل فَإِنَّمَا يَدُلّ مَا ذُكِرَ عَلَى تَرْكِ الْأَكْلِ، وَالتَّرْكَ أَعَمّ مِنْ أَنْ
يَكُون لِلتَّحْرِيمِ أو للتَّنْزِيهِ أو خِلَاف الأولى.