النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
كتاب الجهاد/ باب الصلح
قَوْله: (فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَى سِيفَ الْبَحْرِ)
بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُون التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدهَا فَاء؛ أي: سَاحِله، وَعَيَّنَ اِبْنِ إِسْحَاقِ الْمَكَان
فَقَالَ: ((حَتَّى نَزَلَ الْعِيص)) وهو بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدِهَا مُهْمَلَة.
قَالَ: وَكَانَ طَرِيقِ أَهْلِ مَكَّةٍ إِذَا قَصَدُوا الشَّام.
قُلْت: وهو يُجَاذِي الْمَدِينَةِ إِلَى جِهَة السَّاحِل، وهو قَرِیب مِنْ بِلَاد بَنِي سُلَيْمِ.
(قَالَ: وَانْفَلَتَ أبو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ
قُرَيْشٍ رَجُلُ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّ لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ) أي: مِنْ أَبِيهِ وَأَهْلِهِ، وَفِي تَعْبِيره بِالصِّيغَةِ
الْمُسْتَقْبَلَةِ إِشَارَةٍ إِلَى إِرَادَةٍ مُشَاهَدَة الْحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللهِ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحِ فَتُثِير
سَحَابًا﴾ وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةٍ: «وَانْفَلَتَ أبو جَنْدَل فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا مُسْلِمِينَ
فَلَحِقُوا بِأَبِي بَصِير، فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ ذِي الْمَرْوَةِ عَلَى طَرِيق عِيرِ قُرَيْش فَقَطَعُوا مَادَّتهمْ)).
(حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةُ) أي: جَمَاعَةِ وَلَا وَاحِد لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَهِيَ تُظْلَق
عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَمَا دُونِهَا، وَهَذَا الْحَدِيثِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا تُظْلَقَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ، فَفِي
رِوَايَة إِبْن إِسْحَاق أَنَّهُمْ بَلَغُوا نحوًا مِنْ سَبْعِينَ نَفْسًا، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي الْمَلِيحِ: بَلَغُوا أَرْبَعِينَ
أو سَبْعِينَ، وَجَزَمَ عُرْوَةٍ فِي ((الْمَغَازِي)) بِأَنَّهُمْ بَلَغُوا سَبْعِينَ، وَزَعَمَ السُّهَيْلِيّ أَنَّهُمْ بَلَغُوا
ثَلَاثِمِائَةِ رَجُل.
وَزَادَ عُرْوَةٍ: ((فَلَحِقُوا بِأَبِي بَصِير وَكَرِهُوا أَنْ يَقْدَمُوا الْمَدِينَةِ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ خَشْيَة
أَنْ يُعَادُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ)) وَسَمَّى الواقِدِيّ مِنْهُم الولِيد بْنِ الولِيد بْنِ الْمُغِيرَة.
(خَرَجَتْ لِقُرَيْشِ إِلَى الشَّأَمِ فَوَالله مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ) أي: بِخَبَرِ عِیر بِالْمُهْمَلَةِ
الْمَكْسُورَةِ؛ أي: قَافِلَةٍ (إِلَّ اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلوهِمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ) أي: وَقَفُوا فِي
طَرِيقهَا بِالْعَرْضِ، وَهِيَ كِنَايَةٍ عَنْ مَنْعِهِمْ لَهَا مِنِ السَّيْرِ (فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َُّ
تُنَاشِدُهُ اللهَ وَالرَّحِمَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ أَتَاهُ فهو آمِنُ) فِي رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةٍ:
(فَأَرْسَلُوا أَبَا سُفْيَانِ بْنِ حَرْبِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَ يَسْأَلُونَهُ، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ أَنْ يَبْعَثِ إِلَى
أَبِي جَنْدَل وَمَنْ مَعَهُ وَقَالوا: وَمَنْ خَرَجَ مِنَّا إِلَيْك فهو لَك حَلَال غَيْرِ حَرَج)».
١٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَيْهِمْ) فِي رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَدِ الْمَذْكُورَةِ: ((فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ فَقَدِمُوا
عَلَيْهِ)).
وَفِي رِوَايَةٍ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزّهْرِيِّ: فَكَتَبَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلَى أَبِي بَصِير،
فَقَدِمَ كِتَابِه وَأبو بَصِير يَمُوت، فَمَاتَ وَكِتَابِ رَسُول اللّهِ وَّهِ فِي يَده، فَدَفَنَهُ أبو جَنْدَل
مَكَانِه وَجَعَلَ عِنْدِ قَبْرهِ مَسْجِدًا.
قَالَ: وَقَدِمَ أبو جَنْدَل وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا إِلَى أَنْ خَرَجَ إِلَى الشَّام
مُجَاهِدًا، فَاسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَة عُمَر.
قَالَ: فَعَلِمَ الَّذِينَ كَانُوا أَشَارُوا بِأَلَّا يُسَلَّمَ أَبو جَنْدَل إِلَى أَبِيهِ أَنَّ طَاعَةِ رَسُول الله
مَل﴾ خَيْرِ مِمَّا کَرِهوا.
وَفِي قِصَّة أَبِي بَصِيرٍ مِن الْفَوَائِد: جَوَازِ قَتْلِ الْمُشْرِكِ الْمُعْتَدِي غِيلَةٍ، وَلَا يُعَدّ مَا
وَقَعَ مِنْ أَبِي بَصِيرٍ غَدْرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي جُمْلَةٍ مَنْ دَخَلَ فِي الْمُعَاقَدَةِ الَّتِي بَيْنِ النَّبِيّ
وَّه وَبَيْنِ قُرَيْش؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ تَحْبُوسًا بِمَكَّةٍ، لَكِنَّهُ لَمَّا خَشِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِ يُعِيدُهُ إِلَى
الْمُشْرِكِينَ دَرَّأَ عَنْ نَفْسه بِقَتْلِهِ، وَدَافَعَ عَنْ دِينه بِذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرِ الشَّبِيّ قَوْله ذَلِكَ.
وَفِيهِ: إِنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلِ فِعْلِ أَبِي بَصِير لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَوَدٍ وَلَّا دِيَةٍ، قَدْ وَقَعَ عِنْد
إِبْن إِسْحَاق أَنَّ سُهَيْلِ بْن عَمْرو لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلِ الْعَامِرِيّ طَالَبَ بِدِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رَهْطه،
فَقَالَ لَهُ أبو سُفْيَان: لَيْسَ عَلَى مُحَمَّد مُطَالَبَةٍ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَفَى بِمَا عَلَيْهِ وَأَسْلَمَهُ
لِرَسُولِكُمْ، وَلَمْ يَقْتُلُهُ بِأَمْرِهِ، وَلَا عَلَى آل أَبِي بَصِيرٍ أَيْضًا شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى دِینھمْ.
وَفِيهِ: إِنَّهُ كَانَ لَا يَرُدّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إِلَّا بِطَلَبٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا
طَلَبُوا أَبَا بَصِير أول مَرَّةٍ أَسْلَمَهُ لَهُمْ، وَلَّمَّا حَضَرَ إِلَيْهِ ثَانِيًّا لَمْ يُرْسِلُهُ لَهُمْ، بَلْ لو أَرْسَلوا
إِلَيْهِ وهو عِنْده لَأَرْسَلَهُ، فَلَمَّا خَشِيَ أبو بَصِير مِنْ ذَلِكَ نَّجَا بِنَفْسِهِ.
وَفِيهِ: إِنَّ شَرْط الرَّ أَنْ يَكُونِ الَّذِي حَضَرَ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ بَاقِيًّا فِي بَلَدِ الْإِمَامِ،
وَلَا يَتَنَاوَلِ مَنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتِ يَدِ الْإِمَامِ وَلَا مُتَحَيِّزًا إِلَيْهِ.
وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ بَعْض مُلوكِ الْمُسْلِمِينَ مَثَلاً لو هَادَنَ بَعْض
١٦٣
كتاب الجهاد/ باب الصلح
مُلوك الشِّرْكِ فَغَزَاهُمْ مَلِك آخَر مِن الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُمْ وَغَنِمَ أَمْوَالهِمْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ
عَهْد الَّذِي هَادَنَهُمْ لَمْ يَتَنَاوَلِ مَنْ لَمْ يُهَادِنْهُمْ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ
هُنّاكَ قَرِينَة تَعْمِیم.
٤٠٤٣ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى
ثَلَاثَةٍ أَشْيَاءَ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ
يَرُدُوهُ، وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ
السَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَنحوه، فَجَاءَ أبو جَنْدَلٍ يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٤٠٤٤ - [وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ قُرَيْشًا صَالَخُوا النَّبِيَّ ◌َ فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ وَ أَنَّ مَنْ
جَاءَنا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله،
أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ
سَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا)). رَوَاهُ مُسْلِمُ](٢).
٤٠٤٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ
بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَابِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] فَمَنْ أَقَّرّت
بِهَذَا الشَّرْطِ مِنَهِن قَالَ لَهَا: ((قَدْ بَايَعْتُكِ)). كَلَامًا يُكَّلِّمُها بِهِ، وَالله مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ
امْرَأَةٍ قَظُ فِي الْمُبَايَعَةِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
(الفصل الثاني)
٤٠٤٦ - [عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ: أَنَّهُمُ اصْطَلَحُوا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ
يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَعَلَى أَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ. رَوَاهُ أبو
(٤)
داود] (٤).
(١) أخرجه بلفظه البخاري (٢٧٠٠)، وبنحوه مسلم (٤٧٣١).
(٢) أخرجه مسلم (٤٧٣٢)، وأحمد (١٤١٨٠).
(٣) أخرجه البخاري (٤٨٩١)، ومسلم (٤٩٤١)، وأحمد (٢٧٠٨٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٧٦٨).
١٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
٤٠٤٧ - [وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَهُ
عَنْ آبَائِهِمْ عَنِ رَسُولِ اللهِ وَ قَالَ: ((أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أو انْتَقَصَهُ، أو كَلَّفَهُ فَوْقَ
طَاقَتِهِ، أو أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبٍ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ أبو داود](١).
٤٠٤٨ - [وَعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَت: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ فِي نِسْوَةٍ فَقَالَ لَّنَا:
((فِيَمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ)) قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا بِأَنْفُسِنَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله،
بَايِعْنَا. تَعْنِي: صَافِحْنَا، قَالَ: (إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِإِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِدِيُّ
وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ وَمَالِكَّ فِي (المُوَظّ))](٢).
(الفصل الثالث)
٤٠٤٩ - [عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبِى
أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ؛ يَعْنِي: مِنَ العَامِ المُقْبِلِ
يُقِيمُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا: ((هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُّ رَسُولُ الله))
قَالُوا: لَا نُقِرُّ بِهَا، فَلو نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ، ولَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: ((أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله)) ثُمَّ قَالَ لِعَلِي بْنِ أَبِي طَالِبٍ:
((امْحُ رَسُولُ الله)) قَالَ: لَا، وَاللّه لَا أَنْحُوكَ أَبَدًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَِ الْكِتَابَ وَلَيْسَ
يَحْسُنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ: ((هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ سِلَاحُ
إِلَّا فِي الْقِرَابِ، وَأَلَّا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّبِعَهُ، وَلَّا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ
أَصْحَابِهِ أحد إن أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا)) فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الأَجَلُ أَتَوْا عَلِيًّا، فَقَالُوا: قُلْ
لِصَاحِبِكَ: اخْرُجْ عَنَّ، فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ. فَخَرَجُ النَّبِيُّ ◌ِ مُتَفَقُّ عَلَيْهِ] (٣).
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٥٢)، والبيهقي (١٨٥١١).
(٢) أخرجه مالك (١٨١٢)، وأحمد (٢٧٧٦٥)، والترمذي (١٦٩٣)، والنسائي (٤١٩٨)، وابن ماجه
(٢٩٤٨).
(٣) أخرجه البخاري (٤٢٥١)، وبنحوه مسلم (٤٧٣١)، وأحمد (١٩١٤٤).
(باب إخراج اليهود من جزيرة العرب)
(الفصل الأول)
٤٠٥٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا تَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ: «انْطَلِّقُوا
إِلَى يَهودَ)) فَخَرَجْنَا معه حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَام النبيَِ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ يَهودَ،
أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ للهِ وَلَرَسُولِهِ، وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ
الأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٤٠٥١ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهْ كَانَ
عَامَلَ يَهودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ: (نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ)) وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ،
فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِيِ الْحُقَيْقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُخْرِجُنَا
وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدْ وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَنِّ نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ الله
﴿: ((كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعدو بِكَ قَلوصُكَ، لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ؟) فَقَالَ: هَذِهِ
هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ. فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عدو الله، فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ
لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مَالاً وَإِلاً وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرٍ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٢).
٤٠٥٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ أُوصَى بِثَلَاثَة قَالَ: «أَخْرِجُوا
الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوفْدَ بِنحو مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ:
وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِئَةِ، أَوْ قَالَ: فَأَنْسِيتُهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أُوصَى بِثَلاثة) أي: فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَهَذَا
يَدُلّ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَكْتُبُهُ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا مُتَحَتِّمًا؛ لِأَنَّهُ لو كَانَ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ
لَمْ يَكُنْ يَتْرُكَهُ لوقُوعِ إِخْتِلَافھمْ، وَلَعَاقَبَ الله مَنْ حَالَ بَيْنِه وَبَيْن تَبْلِيغه، وَلَبَلَّغَهُ لَهُمْ
(١) أخرجه البخاري (٦٥٤٥)، ومسلم (١٧٦٥)، وأبو داود (٣٠٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٨٠)، والبيهقى (١٨٥٢٥).
(٣) أخرجه البخاري (٢٩٩٧)، ومسلم (١٦٣٧)، وأبو داود (٣٠٢٩).
- ١٦٥ -
١٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
لَفْظًا كَمَا أوصَاهُمْ بِإِخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَاشَ بَعْد هَذِهِ الْمَقَالَة أَيَّامًا
وَحَفِظُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ لَفْظَا، فَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون ◌َجْمُوعِهَا مَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبُهُ، وَالله أَعْلَمُ.
(وَأَجِيْزُوا الوقْد) أي: أَعْطُوْهُمْ، وَالْجَائِزَةِ الْعَطِيَّةِ، وَقِيلَ: أَصْلِهِ أَنَّ نَاسًا وَفَدُوا عَلَى
بَعْض الْمُلوك وهو قَائِمٍ عَلَى قَنْظَرَةِ، فَقَالَ: أَجِيزُوهُمْ فَصَارُوا يُعْطُونَ الرَّجُلِ وَيُظْلِقُونَهُ
فَيَجُوزِ عَلَى الْقَنْطَرَةِ مُتَوَجِّهَا، فَسُمِّيَتْ عَطِيَّة مَنْ يَقْدَم عَلَى الْكَبِيرِ جَائِزَة، وَتُسْتَعْمَل
أَيْضًا فِي إِعْطَاءِ الشَّاعِرِ عَلَى مَدْحِه وَنحو ذَلِكَ.
(بِنحو مَا كُنْتُ أَجِيزُهُمْ) أي: بِقَرِيبٍ مِنْهُ، وَكَانَتْ جَائِزَة الواحِد عَلَى عَهْده
وُقِيَّةٍ مِنْ فِضَّةِ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
(وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِئَةِ أَو قَالَ: فَنَسِيتِهَا) يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الْقَائِلِ ذَلِكَ هو
سَعِيد بْن جُبَيْ، ثُمَّ وَجَدْتِ عِنْدِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ النَّصْرِيحِ بِأَنَّ قَائِل ذَلِكَ هو إِبْنِ عُيَيْنَةَ.
وَفِي ((مُسْنَد الْحُمَيْدِيِّ)) وَمِنْ طَرِيقه أبو نُعَيْم في ((الْمُسْتَخْرَج)) قَالَ سُفْيَان: قَالَ
سُلَيْمَان؛ أي: اِبْن أَبِي مُسْلِمٍ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ سَعِيد بْنِ جُبَيْرِ الثَّالِئَةِ فَنَسِيتِهَا أُو سَكَتَ
عَنْهَا، وَهَذَا هو الْأَرْجَحِ.
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الثَّالِئَة: الوصِيَّة بِالْقُرْآنِ، وَبِهِ جَزَمَ إِبْن التِّين.
وَقَالَ الْمُهَلَّب: بَلْ هو تَجْهِيزِ جَيْش أُسَامَةٍ، وَقَوَّاهُ إِبْنِ بَظَّال بِأَنَّ الصَّحَابَة لَمَّا
إِخْتَلَفُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي تَنْفِيذ جَيْشِ أُسَامَة قَالَ لَهُمْ أبو بكر: إِنَّ النَّبِيّ ◌َّرْ عَهِدَ
بِذَلِكَ عِنْد مَوْته.
وَقَالَ عِيَاضِ: يَحْتَمِلِ أَنْ تَكُونِ هِيَ قَوْله: ((وَلَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنَّ)) فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ
فِي الْمُوَظَّأْ مَقْرُونَة بِالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس
أَنَّهَا قَوْله: ((الصَّلَاة وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ)) [الفتح (٢٥٢/١٢)].
٤٠٥٣ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّه قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﴾ أَنَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ الله ◌َ يَقُولُ: ((الأُخْرِجَنَّ الْتَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ فيها
إِلَّا مُسْلِمًا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ، وِفِي رِوايَةٍ: (لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللهُ لِأَخْرِجَنَّ الْيَهُود
١٦٧
كتاب الجهاد/ باب إخراج اليهود من جزيرة العرب
وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ))](١).
(لأُخْرِجَنَّ الْتَهُودِ وَالنَّصَارَى) قَالَ أبو عُبَيْد: قَالَ الْأَصْمَعِيّ: جَزِيرَة الْعَرَبِ مَا بَيْن
أَقْصَى عَدَنِ الْيَمَنِ إِلَى رِيف الْعِرَاقِ فِي الْطُولِ، وَأَمَّا فِي الْعَرْضِ فَمِنْ جُدَّة وَمَا وَالَاهَا إِلَى
أَظْرَافِ الشَّام.
وَقَالَ أُبو عُبَيْدة: هِيَ مَا بَيْنِ حَفَرٍ أَبِي مُوسَى إِلَى أَقْصَى الْيَمَن فِي الْطُولِ، وَأَمَّا فِي
الْعَرْضِ فَمَا بَيْنِ رَمْل يَرِين إِلَى مُنْقَطِعِ السَّمَاوَةِ.
وَسُمِّيَتْ جَزِيرَة؛ لِإِحَاطَةِ الْبِحَارِ بِهَا مِنْ نَوَاحِيهَا وَانْقِطَاعِهَا عَنِ الْمِيَاهِ الْعَظِيمَةِ،
وَأَصْلِ الْجُزُرِ فِي اللُّغَةِ: الْقِطَعِ، وَأُضِيفَتْ إِلَى الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهَا الْأَرْضِ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِيهِمْ
قَبْل الْإِسْلَامِ، وَدِيَارهم الَّتِي هِيَ أوْطَانِهِمْ وَأَوْطَان أَسْلَافهمْ.
وَحَكَى الْهَرَوِيُّ عَنْ مَالِكِ أَنَّ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ هِيَ الْمَدِينَةِ، وَالصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ عَنْ
مَالِك أَنَّهَا مَكَّة وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَالْيَمَنِ، وَأَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيث مَالِك وَالشَّافِعِيّ
وَغَيْرِهِمَا مِن الْعُلَمَاءِ، فَأَوْجَبُوا إِخْرَاج الْكُفَّارِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَقَالوا: لَا يَجُوز
تَمْكِينِهِمْ مِنْ سُكْنَاهَا، وَلَكِنَّ الشَّافِعِيّ خَصَّ هَذَا الْحُكْم بِبَعْضِ جَزِيرَة الْعَرَب وهو
الْحِجَاز، وهو عِنْده مَكَّة وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَة وَأَعْمَالَهَا دُون الْيَمَن وَغَيْرِهِ مِمَّا هو مِنْ
جَزِيرَة الْعَرَب بِدَلِيلٍ آخَر مشهور في گُتُبه وَكُتُب أَصْحَابه.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: وَلَا يُمْنَعِ الْكُفَّارِ مِن التَّرَدُّد مُسَافِرِينَ فِي الْحِجَازِ، وَلَا يُمَّنُونَ مِن
الْإِقَامَةِ فِيهِ أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ.
قَالَ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقُوهُ: إِلَّ مَكَّةٍ وَحَرَمِهَا فَلَا يَجُوز تَمْكِين كَافِرِ مِنْ دُخُوله بِحَالٍ،
فَإِنْ دَخَلَهُ فِي خُفْيَةٍ وَجَبَ إِخْرَاجِهِ، فَإِنْ مَاتَ وَدُفِنَ فِيهِ نُبِشَ وَأَخْرِجَ مَا لَمْ يَتَغَيَّرِ. هَذَا
مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ، وَجَوَّزَ أبو حنيفة دُخُولهم الْحَرَم، وَحُجَّة الْجَمَاهِير
(١) أخرجه مسلم (٤٦٩٣)، وأحمد (٢١٥)، وأبو داود (٣٠٣٠)، والترمذي (١٦٠٦، ١٦٠٧) وقال: حسن
صحيح. والنسائي في ((الكبرى)) (٨٦٨٦)، وابن الجارود (١١٠٣)، وأبو عوانة (٦٧٠٥)، وابن حبان
(٣٧٥٣)، والحاكم (٧٧٢١)، وعبد الرزاق (٩٩٨٥)، والبيهقي (١٨٥٢٨).
١٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
قَوْل الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ بَعْد عَامِهِمْ هَذَا﴾
[التوبة: ٢٨] وَالله أَعْلَم. [النووي (٢٦/٦)].
(الفصل الثاني)
[لَيْسَ فِيهِ إِلَّا حَدِيث ابنِ عَبَّاسِ: «لَا تَكُونُ قِبْلَتَان» وَقَد مَرَّفِي بَابِ الجِزْيَة].
(الفصل الثالث)
٤٠٥٤ - [عنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَجْلَ الْيَّهُود
وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ
الْتُهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهَا لله ولرسوله وَلِلْمُسْلِمِينَ، فَسَأَلَ الْتَّهُود
رَسُولَ اللهِ وٍَّ أَنْ يَتْرُكَهُمْ عَلَى أَنْ يَكْفُوا الْعَمَلَ، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ رَسُولُ الله
وَهُ: (" نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا)) فَأَقِرُّوا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ فِي إِمَارَتِهِ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاء.
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(فَأُقِرُّوا حَتَى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ فِي إِمَارَتِهِ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاء) قال ابن بطال: آثار هذا
الباب ترد قول الشافعي؛ فإنه زعم أن النبي وقال: إنما كان يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم
من خمس الخمس؛ لأنه سهمه خاصة.
قال إسماعيل بن إسحاق: وهذه قسمة لم يعدل فيها الشافعي؛ لأنه لا يتوهم
أحد أن خمس الخمس يكون مبلغه ما أعطى المؤلفة من تلك العطايا الكثيرة، فإن
كان ذلك كله من خمس الخمس، فإن أربعة أخماس الخمس أضعاف ذلك كله.
قال إسماعيل: وأعطى النبي المؤلفة قلوبهم من الخمس، وليس للمؤلفة قلوبهم
ذكر في الخمس ولا في الفيء، وإنما ذكروا في الصدقات فدل إعطاؤهم من غنائم حنين،
أن الخمس يقسمه الإمام على ما يراه، وليس على الأجزاء التي قال الشافعي وأبو عبيدة،
ولو كان كذلك ما جاز أن يعطي المؤلفة قلوبهم من ذلك شيئًا.
(١) أخرجه البخاري (٣١٥٢)، ومسلم (٤٠٤٩)، وأحمد (٦٥١٩).
١٦٩
كتاب الجهاد/ باب إخراج اليهود من جزيرة العرب
قال: وآثار هذا الباب أيضًا ترد مقالة قوم ذكرهم الطبري، زعموا أن إعطاء
النبي ◌َّ﴾ المؤلفة قلوبهم كان من جملة الغنيمة لا من الخمس، وزعموا أنه كان له وَله
أن يمنع الغنيمة من شاء ممن حضر القتال ويعطيها من لم يحضر، وهو قول مردود
بالآثار الثابتة، وبدلائل القرآن. [ابن بطال (٣٩٨/٩)].
(باب الفيء)
(الفصل الأول)
٤٠٥٥ - [عَنْ مَالِكِ بْنِ أُوسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﴾: إِنَّ اللّهَ
قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ وَ فِي هَذَا الْفَيْءٍ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًّا غَيْرَهُ، ثُمَّ قَرَأَّ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ
عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ وَهُ
يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ الله.
مُتَّفَقُ عَلَيْهِ](١).
٤٠٥٦ - [وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي التَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ
يُوجِفِ المُسْلِمونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ الله ◌َّهِ خَالصَةً، وَكَانَ يُنْفِقُ
عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ الله. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](٢).
(الفصل الثاني)
٤٠٥٧ - [عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ فِي
يَوْمِهِ فَأَعْطَى الْآَهِلَ حَظّيْنِ، وَأَعْطَى الْأُعَزَبَ حَظّ، فَدُعِيتُ فَأَعْطَانِ حَظَّيْنِ وَكَانَ لِي
أَهْلُّ، ثُمَّ دُعِيَ بَعْدِي عَمَّرُ بْنُ يَاسِرٍ فَأُعْطِيَ حَظًّا وَاحِدًا رَوَاهُ أَبو داود](٣).
٤٠٥٨ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ل﴿ أول مَا جَاءَهُ شَيْءٌ بَدَأَ
بِالْمُحَرَّرِينَ)). رَوَاهُ أبو داود](٤).
(١) أخرجه البخاري (٣٠٦٤)، ومسلم (٤٦٧٧)، وأحمد (١٨٠٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٠٤)، ومسلم (١٧٥٧)، وأحمد (١٧١)، والشافعي (٣٢٢/١)، وأبو داود
(٢٩٦٥)، والترمذي (١٧١٩)، والنسائي (٤١٤٠)، والبيهقي (١٢٥٠٤).
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٧١٣)، وأبو داود (٢٩٥٥).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٩٥٣).
- ١٧٠ -
١٧١
كتاب الجهاد/ باب الفيء
٤٠٥٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ أَنِيَ بِظَبْيَةٍ فِيهَا خَرَرٌّ فَقَسَمَهَا لِلْحُرَّةِ وَالأَمَةِ،
قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ أَبِي يَقْسِمُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ رَوَاهُ أَبو داود](١).
٤٠٦٠ - [وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أوسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا
الْفَيْءَ فَقَالَ: مَا أَنَا أَحَقَّ بِهَذَا الْفَيْءٍ مِنْكُمْ، وَمَا أَحَدَّ مِنَّا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَنَّا عَلَى
مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللّه ◌َ وَقَسْمِ رَسُولِهِ بَّهِ فَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ وَالرَّجُلُ
وَعِيَالُهُ وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ رَوَاهُ أبو داود](٢).
٤٠٦١ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَرَّأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﴾ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ
وَالْمَسَاكِينِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] فَقَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءٍ. ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾
[الأنفال: ٤١] ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾
حَقَى بَلَغَ ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ [الحشر:٧ - ٨] ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠]
ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ اسْتَوْعَبَتِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، فَلَئِنْ عِشْتِ فَلَيَأْتِيَنَ الرَّاعِي وهو بِسُرَّ وَهِمْيَرَ
نَصِيبَهُ مِنْهَا لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ. رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))] (٣).
٤٠٦٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: كَان فِيمَا احْتَجَّ فِيهِ عُمَرُ أن قَالَ: كانت لِرَسُولِ الله ◌َِّ
ثَلَاثُ صَفَايَا بَنُو النَّضِيرِ وَخَيْبَرُ وَفَدَكُ، فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حُبْسًا لِتَوَائِبِهِ، وَأَمَّا فَدَكُ
فَكَانَتْ حُبْسًا لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا رَسُولُ اللهِ وََّ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْأَيْنِ
بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَجُزْءاً نَفَقَةً لَأَهْلِهِ فَمَا فَضَلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ
الْمُهَاجِرِينَ. رَوَاهُ أبو داود](٤).
(١) أخرجه أحمد (٢٦٠٠٣)، وأبو داود (٢٩٥٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٩٥٢)، والبيهقي (١٣٣٥٤).
(٣) لم أقف عليه في (شرح السنة)) للبغوي، وأورده القاري في ((المرقاة)) (٣١٢/١٢).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٩٦٧)، وابن سعد (٥٠٢/١)، والبيهقي (١٣١٤٨).
١٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(الفصل الثالث)
٤٠٦٣ - [عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: جَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَنِي مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ
فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَتْ لَهُ فَدَكُ، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرٍ بَنِي
هَاشٍِ، وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ، وَإِنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا فَأَبِى، فَكَانَتْ كَذَلِكَ فِي
حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ وَلَ حَقَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلَمَّ أَنْ وَلِيَ أبو بكر ﴿ عَمِلَ فِيهَا بِمِثْلِ مَا
عَمِلَ النَّبِيُّ ◌َ فِي حَيَاتِهِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، ثُمَّ اقْتَطَعَهَا مَرْوَانُ، ثُمَّ صَارَتْ لِعُمَرَ بْنِ
عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَأَيْتُ أَمْرًّا مَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ فَاطِمَةَ لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، وَأَنَا أَشْهِدُكُمْ أَنِّي
رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ؛ يَعْنِي: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. رَوَاهُ أبو داود](١).
(حِين أُسْتُخْلِفَ) بِصِيغَةِ المجهول؛ أي: جُعِلَ خَلِيفَة (كَانَتْ لَهُ فَدَك) أي:
خَاصَّة (فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرٍ بَنِي هَاشِمٍ) أي: يُحْسِن مِنْهَا عَلَى
صِغَارِهِمْ مَرَّةٍ بَعْد أَخْرَى، وَالْمَعْنَى: إِنَّهُ كُلَّمَا فَرَغَ نَفَقَتهمْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ وَعَادَ إِلَيْهِمْ بِنَفَقَةٍ
أُخْرَى. قَالَهُ الْقَارِي
(وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ. قَالَ فِي ((الْقَامُوس)):
أَيِّمَ كَكَيِّسٍ: مَنْ لَا زَوْج لَهَا بِكْرًا أو ثَيِّبًا، وَمَنْ لَا إِمْرَأَةَ لَهُ.
(حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ) كِنَايَة عَنْ وَفَاتِهِ وََّ (فَلَمَّا أَنْ وَلِيَ أبو بكر ) بِضَمِّ
فَتَشْدِيد مَكْسُور؛ أي: تَوَلَّى. قَالَهُ الْقَارِي.
(ثُمَّ اقْتَطَعَهَا مَرْوَانُ) أي: فِي زَمَن عُثْمَانِ ﴾ وَالْمَعْنَى: جَعَلَهَا قَطِيعَة لِنَفْسِهِ
وَتَوَابِعِهِ، وَالْقَطِيعَة: الظَّائِفَةِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ يَقْطَعَهَا السُّلْطَانِ مَنْ يُرِيد، وَمَرْوَان هو
مَرْوَانِ بْن الْحَكَم جَدّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز.
(ثُمَّ صَارَتْ) أي: الولَايَة أو فَدَك (لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَأَيْتُ أَمْرًا مَنَعَهُ
رَسُولُ اللهِ ﴿ فَاطِمَةَ) وُضِعَ مَوْضِع لِي مُلْتَفِتًا؛ لِيُشْعِرِ بِأَنَّ نَفْسِه غَيْرُ رَاضِيَة بِهَذَا.
(لَيْسَ لِي بِحَقٌ) أي: لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا اِسْتِحْفَاق وَلو كَانَ خَلِيفَة فَضْلاً عَنْ غَيْره
(وَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي رَدَدْتُهَا) أي: فَدَك. [عون (٤٥١/٦)].
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٧٤)، والبيهقي (١٣١١٤).
(كتاب الصيد والذبائح)
(الفصل الأول)
٤٠٦٤ - [عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ
فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيَّ فَاذْبَجْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ
يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وإن أكل فَلَا تَأْكُلْ، فإنما أمسك على نفسك، فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ
كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِذا رَمَيْتَ بَسَهْمَكَ فَاذْكُرٍ
اسْمَ اللهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ
غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَإِذا رَمَيْتَ بِسَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ
سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ) هَذَا دَلِيل لِمَنْ يَقُولِ: إِذَا أَثَّرَ جُرْحِه فَغَابَ عَنْهُ فَوَجَدَهُ مَيًِّا،
وَلَيْسَ فِيهِ أَثَرِ غَيْرِ سَهْمِهِ، حَلَّ، وهو أَحَدِ قَوْلَي الشَّافِعِيّ وَمَالك فِي الصَّيْدِ وَالسَّهْم،
وَالثَّانِي: يَحْرُم، وهو الْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابِنَا، وَالثَّالِثِ يَحْرُمٌ فِي الْكَلْبِ دُون السَّهْم، وَالْأول
أَقْوَى وَأَقْرَبِ إِلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ فَضَعِيفَةٍ، وَمَحْمُولَة
عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيهِ، وَكَذَا الْأَثَرِ عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا أَصْمَيْت، وَدَعْ مَا أَنْمَيْت؛ أي: كُلُّ
مَا لَمْ يَغِبْ عَنْكِ دُونِ مَا غَابَ. [النووي (٤١٢/٦)].
٤٠٦٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ قَالَ:
(كُلَّ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ)) قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ قَتَلْنَ)) قُلْتُ: وَإِنَّا نَرْبي
بِالْمِعْرَاضِ قَالَ: «كُلْ مَا خَزَقَ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ)). مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ](٢).
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٤٥٨٤)، وبلفظه مسلم (٥٠٩٠)، والنسائي (٤٢٦٣).
(٢) أخرجه البخاري (٥١٥٨)، ومسلم (١٩٢٩)، والترمذي (١٤٧١).
- ١٧٣ -
١٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
٤٠٦٦ - [وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ
الْكِتَابِ أَفَتَأْكُلُ فِي آنِبَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمِ
وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ؟ قَالَ: ((أَمَّا ذَكَرْتَ مِنْ آنية أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنْ وَجَدْتُمْ
غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلوها وَكُلوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ
فَذَكَرْتَ اسْمَ اللّه فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ
بِكَلْبِكَ غَيْرَ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ الله فَكُلْ) أجمع العلماء أن السهم إذا أصاب
الصيد فجرحه وأدماه، فسقط على الأرض ميتًا، ولم يدر أمات في الهواء أو بعد ما صار
إلى الأرض فإن سقط فمات، فقال مالك: إنه يؤكل إذا أنفذ السهم مقاتله، وهو قول أبي
حنيفة والأوزاعي والشافعي وأبي ثور قالوا: وإن وقع على جبل فتردى فمات أو وقع في
ماء ولم ينفذ السهم مقاتله لم يؤكل، وإذا رمى الصيد بسهم مسموم أدرك ذكاته، فكان
مالك يقول: لا يعجبني أن يؤكل، وبه قال أحمد وإسحاق: إذا علم أن السهم قتله، وقال
غیرہ: إذا ذکاه فأ کله جائز.
واختلفوا في الصيد يضرب فيبين منه عضو؛ فقالت طائفة: يطرح العضو الذي
بان منه ويؤكل الباقي، هذا قول ابن مسعود وابن عباس وعطاء وقتادة.
وقال مالك: إذا قطع وسطه أو ضرب عنقه أكل كله، وإن قطع فخذه لم يؤكل
الفخذ وأكل الباقي.
وقال الشافعي: إن قطعه قطعتين أكله، وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى إذا
مات من تلك الضربة، وإن قطع يدًا أو رجلاً أو شيئًا يمكن أن يعيش بعده ساعة أو
أكثر، ثم قتله بعد رميته أكل ما لم يبنٍ، ولا يأكل ما بان وفيه الحياة، وهذا نحو قول
مالك. [ابن بطال (٤٧٢/٩)].
(١) أخرجه البخاري (٥١٦١)، ومسلم (١٩٣٠)، وأحمد (١٧٧٨٧)، وابن ماجه (٣٢٠٧)، وابن حبان
(٥٨٧٩)، والبيهقي (١٣٠).
١٧٥
كتاب الصيد والذبائح
٤٠٦٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ
فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
٤٠٦٨ - [وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ: (فَكُلُهُ مَا لَمْ
يُنْتِنْ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(٢).
٤٠٦٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هُنَا أَقْوَامًا حَدِيث عَهْدُهُمْ
بِشِرْكِ، يَأْتُونَنا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي أَيَذْكُرُونَ اسْمَ الله عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: «اذْكُرُوا أَنْتُمُ
اسْمَ الله وَكُلوا)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٣).
٤٠٧٠ - [وَعَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٍّ: أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللهِوَهِ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ
بِهِ النَّاسَ إِلَّا مَا فِي قِرَابٍ سَيْفِي هَذَا؟ فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً فِيهَا: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ
لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ سَرَّقَ مَنَارَ الأَرْضِ، وَلَعَنَ اللّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ
آوَى مُحْدِثَّ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٤).
٤٠٧١ - [وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَاقُو الْعدو غَدًا
وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدِّى أَفَتَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ، لَيْسَ
الَّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ عنه: أَمَّا السِّنُ فَعَظُمْ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَش)) وَأَصَبْنَا
نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرً، فَرَمَاهُ رَجُلُّ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ
لِهَذِهِ الإِبِلِ أوابِدَ كَأوابِدِ الوحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَافْعَلوا بِهِ هَكَذَا)). مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ](٥).
(١) أخرجه مسلم (٥٠٩٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٣١)، وأحمد (١٧٧٧٩).
(٣) أخرجه البخاري (٧٣٩٨)، والبغوي (٤٠١/٥).
(٤) أخرجه مسلم (١٩٧٨)، والنسائي (٤٤٢٢)، وأبو عوانة (٧٨٤٤)، وابن حبان (٦٦٠٤)، والبيهقي
(١١٣١٧).
(٥) أخرجه البخاري (٥٢٢٣)، ومسلم (١٩٦٨)، والطيالسي (٩٦٤)، وأحمد (١٥٨٤٤)، وأبو داود (١)،
والترمذي (١٤٩١)، والنسائي (٤٤٩٩)، وابن ماجه (٣١٧٨).
١٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
٤٠٧٢ [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ غَنَمُ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ
لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْنًّا، فَكَسَرَتْ حَجَرًّا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَسْأَلَ النَّبِيَّ ◌َِّ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)(١).
قال المهلب: وفيه من الفقه تصديق الراعي والوكيل على ما اؤتمن عليه حتى
يظهر عليه دليل الخيانة والكذب، وهذا قول مالك وجماعة.
وقال ابن القاسم: إذا خاف الموت على شاة فذبحها لم يضمن، ويصدق إن جاء
بها مذبوحة.
وقال غيره: یضمن حتی یتبین ما قال.
واختلف ابن القاسم وأشهب، إذا أنزى على إناث بغير أمر أربابها فهلك، فقال
ابن القاسم: لا ضمان عليه؛ لأن الإنزاء من صلاح المال ونمائه، وقال أشهب: عليه
الضمان.
وقول ابن القاسم أشبه بدليل هذا الحديث؛ لأن الرسول لما أجاز ذبح الأمة
الراعية للشاة، وأمرهم بأكلها، وقد كان يجوز ألا تموت لو بقيت؛ دلَّ على أن الراعي
والوكيل يجوز له الاجتهاد فيما استرعى عليه ووكل به، وأنه لا ضمان عليه فيما أتلف
باجتهاده إذا كان من أهل الصلاح، وممن يعلم إشفاقه على المال والنية في إصلاحه، وأما
إن كان من أهل الفسوق والفساد وأراد صاحب المال أن يضمنه فعل؛ لأنه لا يصدق
أنه رأى بالشاة موتًا؛ لما عرف من فسقه وإن صدقه لم يضمنه. [ابن بطال (٤٥٣/١١)].
٤٠٧٣ - [وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أُوسِ عَنِ رَسُولِ اللهِ وَلِّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ - تَبَارَكَ
وَتَعَالَى - كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَخْتُمْ
فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ)(٢).
(١) أخرجه البخاري (٢٣٠٤).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٥٥)، والطيالسي (١١١٩)، وأحمد (١٧١٥٤)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي
(١٤٠٩) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٤٤٠٥)، وابن ماجه (٣١٧٠)، والدارمي (١٩٧٠)، وابن أبي
-
١٧٧
كتاب الصيد والذبائح
٤٠٧٤ - [وَعَن ابْنِ عُمَر قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ ينَهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أو
غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(أَنْ تُصْبَرِ بَهِيمَة أو غَيْرِهَا لِلْقَتْلِ) ((أو)) لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، وهو زَائِد عَلَى حَدِيث
أَنَس فَيَدْخُلِ فِيهِ الْبَهَائِمِ وَالظُّيُور وَغَيْرِهِمَا، وَنحوه حَدِيث أَبِي أَيُّوب قَالَ: ((وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لو كَانَتْ دَجَاجَة مَا صَبَرْتَهَا، سَمِعْتِ رَسُول الله ◌َّهِ يَنْهَى عَنْ قَتْلِ الصَّبْرِ)»
أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيّ.
وَيَجْمَعِ ذَلِكَ حَدِيث شَدَّاد بْن أُوسِ عِنْد مُسْلِمٍ رَفَعَهُ: ((إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا
الْقِتْلَةِ، وَإِذَا ذَبَجْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَة، وَلْيُحِدَّ أَحَدِكُمْ شَفْرَتِه، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَته)».
قَالَ إِبْنِ أَّبِي جَمْرَة: فِيهِ رَحْمَة الله لِعِبَادِهِ حَتَّى فِي حَالِ الْقَتْلِ فَأَمَرَ بِالْقَتْلِ، وَأَمَرَ
بِالرِّفْقِ فِیهِ.
وَيُؤْخَذْ مِنْهُ قَهْرِه ◌ِجَمِيعِ عِبَاده؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ لِأَحَدِ التَّصَرُّفِ فِي شَيْءٍ إِلَّ وَقَدْ حَدّ
لَهُ فِيهِ كَيْفِيَّة. [الفتح (٤٦١/١٥)].
٤٠٧٥ - [وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا. مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](٢).
قَالَ الْعُلَمَاءِ: صَبْرِ الْبَهَائِمِ: أَنْ تُحْبَسِ وَهِيَ حَيَّة لِتُقْتَل بِالرَّي وَنحوه، وهو مَعْنَى:
لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحِ غَرَضًا؛ أي: لَا تَتَّخِذُوا الْحَيَوَان الْحَيّ غَرَضًا تَرْمُونَ إِلَيْهِ،
كَالْغَرَضِ مِن الْجُدودِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا النَّفْي لِلْتَّحْرِيمِ، وَلِهَذَا (لَعَنْ) أي: النبي ◌َّ مَنْ فَعَلَ
هَذَا؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيب لِلْحَيَوَانِ وَإِثْلَافِ لِنَفْسِهِ، وَتَضْبِيع ◌ِمَالِيَّتِهِ، وَتَقْوِيت لِذَكَاتِهِ إِنْ كَانَ
=
شيبة (٢٧٩٢٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١١٠٧١)، والطبراني (٧١١٤)، والبزار (٣٤٦٨)،
والديلمي (٦٤٨).
(١) أخرجه بلفظه البخاري (٥٥١٤)، وأحمد (٥٨١٥)، وبنحوه مسلم (١٥٦٩).
(٢) أخرجه بنحوه البخاري (٥٥١٥)، وبلفظه مسلم (٥١٧٤)، وأحمد (٥٧٢٠).
١٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
مُذَكَّى، وَلِمَنْفَعَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُذَكَّى. [النووي (٤٤٦/٦)].
٤٠٧٦ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا)».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١).
٤٠٧٧ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَقَى رَسُولُ اللّه ◌َ عَنِ الضَّرْبِ فِي الوجْه وَعَنِ الوسْمِ
فِي الوجْهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(٢).
(نَقَى رَسُولُ اللّهِ وَِّ عَنِ الضَّرْبِ فِي الوجْهِ وَعَنِ الوَسْمِ فِي الوجْهِ) وَفِي رِوَايَة: ((مَرَّ
عَلَيْهِ حِمَارِ وَقَدْ وُسِمَ فِي وَجْهه فَقَالَ: لَعَنَ اللهِ الَّذِي وَسَمَهُ)) وَفِي رِوَايَة إِبْن عَبَّاس ◌َظُه:
((فَأَنْكَرَ ذَلِكَ قَالَ: فَوَالله لَا أَسِمِهُ إِلَّ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِن الوجْهُ، فَأَمَرَ بِحِمَارٍ لَهُ فَكُوِيَ
فِي جَاعِرَتَيْهِ، فهو أول مَنْ كَوَى الْجَاعِرَتَیْنِ».
أَمَّا الوَسْمِ فَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، هَذَا هو الصَّحِيحِ الْمَعْرُوف ◌ِي الرِّوَايَات وَكُتُب
الْحَدِيث، قَالَ الْقَاضِي: ضَبَطْنَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ.
قَالَ: وَبَعْضِهِمْ يَقُولُهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُعْجَمَةِ، وَبَعْضهمْ فَرَّقَ فَقَالَ: بِالْمُهْمَلَةِ فِي
الوجْهُ، وَبِالْمُعْجَمَةِ فِي سَائِرِ الْجَسَد.
وَأَمَّا الْجَاعِرَتَانِ، فَهُمَا حَرْفَا الورِكَ الْمُشْرِفَانِ مِمَّا يَلي الُّبُر.
وَأَمَّا الْقَائِلِ: ((فَوَالله لَا أَسِمهُ إِلَّ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِن الوَجْه)) فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي
عِيَاض: هو الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْد الْمُظَّلَب، كَذَا ذَكَرَهُ فِي ((سُنَن أَبِي دَاوُدَ)) وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ فِي
رِوَايَة الْبُخَارِيّ في ((تَارِيخه)).
قَالَ الْقَاضِي: وهو فِي كِتَاب مُسْلِمٍ مُشْكِل، يُوهَم أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيّ ◌ََّ، وَالصَّوَاب
أَنَّهُ قَوْل الْعَبَّاس ◌َ﴿ه كَمَا ذَكَرْنَا. هَذَا كَلَام الْقَاضِي.
(١) أخرجه مسلم (١٩٥٧)، والطيالسي (٢٦١٦)، وأحمد (٢٥٣٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٥٣٢)،
وابن ماجه (٣١٨٧)، والطحاوي (١٨١/٣)، وأبو عوانة (٧٧٥٩)، والطبراني (١٢٢٦٣)، وابن حبان
(٥٦٠٨).
(٢) أخرجه مسلم (٥٦٧٢)، والبغوي (٤١٦/٥).
١٧٩
كتاب الصيد والذبائح
وَقَوْله: ((يُوهِمِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيّ ◌َّ) لَيْسَ هو بِظَاهِرٍ فِيهِ، بَلْ ظَاهِرِهِ أَنَّهُ مِنْ
كَلَامِ إِبْن عَبَّاس، وَحِينَئِذٍ يَجُوزِ أَنْ تَكُونِ الْقَضِيَّة جَرَتْ لَلْعَبَّاسِ وَلاِبْنِهِ.
وَأَمَّا الضَّرْبِ فِي الوجْهُ فَمَنْهِيّ عَنْهُ فِي كُلّ الْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ مِن الْآَدَبِيّ وَالْحَمِير
وَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْبِغَالِ وَالْغَنَم وَغَيْرِهَا، لَكِنَّهُ فِي الْآَدَبِيّ أَشَدّ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعِ الْمَحَاسِن مَعَ
أَنَّهُ لَطِيف؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرِ فِيهِ أَثَرِ الضَّرْبِ وَرُبَّمَا شَانَهُ، وَرُبَّمَا آذَى بَعْض الْحَوَاسّ.
وَأَمَّا الوسْمِ فِي الوجْه فَمَنْهِيّ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ لِلْحَدِيثِ، فَأَمَّا الْآدَمِيّ فَوَسْمِه حَرَام
لِكَرَامَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةٍ إِلَيْهِ، فَلَا يَجُوزِ تَعْذِيبِه، وَأَمَّا غَيْرِ الْآَدَمِّ فَقَالَ جَمَاعَة مِنْ
أَصْحَابِنَا: يُكْرَه، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزِ فَأَشَارَ إِلَى تَخْرِيمه، وهو الْأَظْهَر؛
لِأَنَّ النَّبِيّ ◌َّهُ لَعَنَ فَاعِله، وَاللَّعْنِ يَقْتَضِي التَّحْرِيم.
وَأَمَّا وَسْمِ غَيْرِ الوجْه مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيّ فَجَائِزِ بِلَا خِلَاف عِنْدنَا، لَكِنْ يُسْتَحَبّ
فِي نَعَمَ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَة، وَلَا يُسْتَحَبّ فِي غَيْرِهَا، وَلَا يَنْهَى عَنْهُ.
قَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ: الوسْمِ أَثَر كَيَّة، يُقَال: بَعِير مَوْسُومٍ، وَقَدْ وَسَمَهُ يَسِمِهُ وَسْمًا وَسِمَةٌ،
وَالْمِيسَمِ: الشَّيْءِ الَّذِي يُوسَم بِهِ، وهو بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح السِّين، وَجَمْعه: مَيَاسِمُ
وَمَوَاسِم، وَأَصْلِه كُلّهُ مِن السِّمَةِ، وَهِيَ الْعَلَامَةِ، وَمِنْهُ مَوْسِمِ الْحَجّ؛ أي: مَعْلَمْ جَمْع النَّاس،
وَفُلَان مَوْسُوْمٍ بِالْخَيْرِ، وَعَلَيْهِ سِمَةِ الْخَيْرِ؛ أي: عَلَامَتِهِ، وَتَوَسَّمْت فِيهِ كَذَا؛ أي: رَأَيْت
فِيهِ عَلَامَته، والله أعلم. [النووي ( ٢٢٧/٧)].
٤٠٧٨ - [وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: ((لَعَنَّ اللّهُ
الَّذِي وَسَمَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
٤٠٧٩ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﴿ بِعَبْدِ الله بْنِ أَبِي طَلْحَةَ
لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِلَ الصَّدَقَةِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
٤٠٨٠ - [وَعَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ وهو فِي مِرْبَدٍ
(١) أخرجه مسلم (٥٦٧٤)، والبيهقي (١٣٦٣٨).
(٢) أخرجه البخاري (١٥٠٢)، ومسلم (٥٦٨٠)، وأحمد (١٤٣٩١).
١٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
فَرَأَيْتُهُ يَسِمُ شَاةً حَسِبْتُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(الفصل الثاني)
٤٠٨١ - [عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَحَدُنَا أَصَابَ
صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكْينْ أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشِقَّةِ الْعَصَا، فَقَالَ: ((أَمْرِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ
وَاذْكُرِ اسْمَ الله). رَوَاهُ أَبو داود وَالنَّسَائِيُّ](٤).
(فَقَالَ: أَمْرِرِ الدَّمَ) أَمْرِ مِن الْإِمْرَارِ بِالْفَكِّ؛ أي: أَجْرٍ وَأَسِلْ، وَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ
النُّسَخِ الْحَاضِرَة بِفَكِّ الْإِدْغَامِ، وَفِي ((مُسْنَد أَحْمَد)): (أَمِرِ الدَّم)).
قَالَ الشَّوْكَائِيُّ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيم وَبِالرَّاءِ مُخَفَّفَةِ، مِنْ أَمَارَ الشَّيْء وَمَارَ: إِذَا
جَرَى.
قَالَ الْخَطَائِيُّ: الْمُحَدِّثُونَ يَرْؤُونَهُ بِتَشْدِيدِ الرَّاء، وهو خَطَأْ إِنَّمَا هو بِتَخْفِيفِهَا مِنْ
مَرَيْتِ النَّاقَةِ: إِذَا جَلَبْتَهَا.
قَالَ إِبْنِ الْأَثِير: وَيُرْوَى: ((أَمْرِرْ)) بِرَائَيْنِ مُظْهَرَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِذْغَامِ، وَكَذَا فِي
التَّلْخِيصِ أَنَّهُ بِرَائَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ الْأُولِى مَكْسُورَةٍ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَّامِ الخَطَّابِيِّ، قَالَ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ
التَّثْقِيل؛ لِكَوْنِهِ أَدْغَمَ أَحَدِ الرَّائَيْنِ فِي الْأُخْرَى عَلَى الرِّوَايَة الأولى. إِنْتَهَى.
٤٠٨٢- [وَعَنْ أَبِ الْعُشَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَا تَكُونُ الذَّكَةُ إِلَّا
فِي الْخَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ قَالَ: ((لو طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَجْزَاً عَنْكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود
وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ، وقَالَ أبو داودٍ: وَهَذِهِ ذَكَاةُ الْمُتَرَّدِّي. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا
فِي الضَّرُورَةِ] (٣).
(١) أخرجه البخاري (٥٥٤٢)، ومسلم (٥٦٧٨)، وأحمد (١٣٠٦٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٢٦)، وبنحوه النسائي (٤٣٢١).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٨٢٥)، والترمذي (١٤٨١)، وابن ماجه (٣١٨٤)، والنسائي (٤٤٠٨)، والدارمي
(١٩٧٢)، وعبد بن حميد (٤٧٤)، والطيالسي (١٢١٦)، والبغوي في ((الجعديات)) (٣٣٢١)، وابن أبي
عاصم في «الآحاد والمثاني)) (١٢٠٠)، وأبو يعلى (١٥٠٣)، وابن الجارود (٩٠١)، والطبراني (٦٧١٩)،
وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٥٧/٦)، والبيهقي (١٨٧١٠).