النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
كتاب الجهاد/ باب القتال في الجهاد
الذُّرِّيَّة)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](١).
٣٩٤٦ - [وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ: أَنَّ النَِّيَّ ◌َهْ قَالَ لنا يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَّفْنَا لِقُرَيْشِ
وَصَقُّوا لَنَا: ((إِذَا أَكْتَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالتَّبْلِ)) وِفِي رِوايَةٍ: ((إِذَا أَكْتَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا
نَبْلَكُمْ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (٢).
وَحَدِيثُ سَعْدٍ: ((هَلْ تُنْصَرُونَ)) سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ ((فَضلِ الفُقرَاءِ) وَحَديثُ البَرَاءِ:
(بَعَثَ رَسُولُ الله ◌ِ﴿ رَهْطَا)) فِي بَابِ (المُعجِزَاتِ)) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
(الفصل الثاني)
٣٩٤٧ - [عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَبَّأَنَا النَّبِيُّ ◌َهُ بِبَدْرٍ لَيْلاً. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ](٣).
٣٩٤٨ - [وَعَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِ قَالَ: ((إِنْ بَيَّتَكُمُ الْعدو فَقُولُوا: ((حم)»
لَا يُنْصَرُونَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود](٤).
٣٩٤٩ - [وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: «كَانَ شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ: عَبْدُ اللهِ، وَشِعَارُ
الأَنْصَارِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ)). رَوَاهُ أَبو داود](٥).
٣٩٥٠ - [وَعَنْ سَلَمَةَ بن الأكوعِ قَالَ: «غَزَوْنَا مع أَبِي بَكْرٍ زَمَنِ النَّبِيِّ
فَبَيَّتْنَاهُمْ نَقْتُلُهُمْ، وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ: أَمِتْ أَمِتْ)). رَوَاهُ أَبو داود](٦).
صَلى الله
وسلم
(فَكَانَ شِعَارِنَا أَمِتْ أَمِثْ) قَالَ اِبْنِ الْأَثِير: هو أَمْرِ بِالْمَوْتِ، وَالْمُرَاد بِهِ التَّفَاؤُل
بِالنَّصْرِ بَعْد الْأَمْرِ بِالْإِمَاتَةِ مَعَ حُصُول الْغَرَض لِلشِّعَارِ، فَإِنَّهُمْ جَعَلوا هَذِهِ الْكَلِمَة عَلَامَة
بَيْنِهِمْ يَتَعَارَفُونَ بِهَا لِأَجْلِ ظُلْمَة اللَّيْل. اِنْتَقَى.
(١) أخرجه البخاري (٢٥٤١)، ومسلم (٤٦١٦)، وأحمد (٤٩٦٣)، وأبو داود (٢٦٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٤٤)، وأبو داود (٢٦٦٣)، والبيهقي (١٨٢٥٦).
(٣) أخرجه الترمذي (١٧٧٨).
(٤) أخرجه الترمذي (١٧٨٣).
(٥) أخرجه أبو داود (٢٥٩٧).
(٦) أخرجه أبو داود (٢٦٤٠)، والبيهقي (١٨٥٦١).

١٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَالشَّكْرَارِ لِلتَّأْكِيدِ أو الْمُرَادِ أَنَّ اللَّفْظِ كَانَ مِمَّا يَتَكَزَّر، قِيلَ: الْمُخَاطَب هو الله
تَعَالَى فَإِنَّهُ الْمُمِيتِ؛ فَالْمَعْنَى: يَا نَاصِرِ أَمِتِ الْعَدُوّ.
وَفِي (شَرْحِ السُّنَّة): ((يَا مَنْصُورِ أَمِتْ)) فَالْمُخَاطَب كُلّ وَاحِدٍ مِن الْمُقَاتِلِينَ. ذَكَرَهُ
الْقَارِيّ.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
٣٩٥١ - [وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيّ ◌َهِ يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ
عِنْدَ الْقِتَالِ)). رَوَاهُ أَبو داود](١).
٣٩٥٢ - [وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدٍُ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ،
وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ)) أي: صِبْيانِهِمْ رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وَأبو داود](٢).
٣٩٥٣ - [وَعَنْ عُرْوَة قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ عَهِدَ إِلَيْهِ قَالَ:
(أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ)). رَوَاهُ أَبو داود](٣).
٣٩٥٤ - [وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ: ((إِذَا أَكْتَبُوكُمْ
فَارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ، وَلَا تَسُلُوا السُّيُوفَ حَتَّى يَغْشَوْكُمْ)). رَوَاهُ أَبو داود](٤).
(إِذَا أَكْثَبُوكُمْ) بِمُتَلَّئَةٍ ثُمَّ مُوَخَّدَةٍ، وَالْكَتَبُ بِفَتْحَتَيْنِ: الْقُرْبُ؛ فَالْمَعْنَى: إِذَا دَنَوْا
مِنْكُمْ، وَقَد اِسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الَّذِي يَلِيقُ بِالدُّنُو الْمُطَاعَنَةُ بِالرُّمْحِ وَالْمُضَارَبَةُ بِالسَّيْفِ،
وَأَمَّا الَّذِي يَلِيقُ بِرَبِيِ النَّبْلِ فَالْبُعْدُ.
وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ مَعْنَى ((أَكْتَبُوكُمْ): كَائَرُوكُمْ.
قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّبْلَ إِذَا رُبِي فِي الْجَمْعِ لَمْ يُخْطِئْ غَالِبًا، فَفِيهِ رَدْعُ لَهُمْ، وَقَدْ تُعُقِبَّ
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٨٥).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٢٤٣)، وأبو داود (٢٦٧٠) واللفظ لهما، والترمذي (١٥٨٣) وقال: حسن صحيح
غريب. والطبراني (٦٩٠٠)، والديلمي (٣٦٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٦١٨).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٦٦٤)، والبيهقي (١٨٢٥٧)، وعبد الرزاق (٩٢٩٥)، والحاكم (٤٣٠٣) وقال:
صحيح الإسناد.

١٠٣
كتاب الجهاد/ باب القتال في الجهاد
هَذَا التَّفْسِيرِ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ، وَتَفْسِيرُ الْكَتَبِ بِالْكَثْرَةِ غَرِيبٌ، وَالْأُولِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ
بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدِ حَيْثُ زَادَ فِي آخِرِهِ: (وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ)) وَفِي رِوَايَةٍ لَّهُ: (وَلَا تَسُلوا
السُّيُوف حَتَّى يَغْشَوْكُمْ)) فَظَهَرَ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ: الْأَمْرُ بِتَرْكِ الرَّئْي وَالْقِتَالِ حَتَّى
يَقْرُبُوا؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا رَمَوْهُمْ عَلَى بُعْدٍ قَدْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِمْ وَتَذْهَبُ فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ، وَإِلَى ذَلِكَ
الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ((وَاسْتَبْقُوْا نَبْلَكُمْ)) وَعَرَّفَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَسُلُوا السُّيُّوف حَتَّى يَغْشَوْكُمْ))
أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْبِ الْمَطْلوبِ فِي الرَّئْيِ قُرْبُ نِسْبِيُّ؛ بِحَيْثُ تَنَالُهُم السِّهَامِ لِأَقْرَب قَرِيب
بِحَيْثُ يَلْتَحِمُونَ مَعَهُمْ، وَالنَّبْلُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَخَّدَةِ جَمْعُ: نَبْلَةٍ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا
عَلَى نِبَالٍ، وَهِيَ السِّهَامُ الْعَرَبِيَّةُ اللَّطَافِ. [الفتح (٥٢/٩)].
٣٩٥٥ - [وَعَنْ رَبَاجِ بْنِ رَبِيعِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهُ فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ
مُخْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ: (انْظُرْ عَلى مَن اجْتَمَعَ هَؤُلَاءٍ)) فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ
قَتِيلٍ. فَقَالَ: ((مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ) قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خالد بن الوليد فَبَعَثَ رَجُلاً،
فَقَالَ: ((قُلْ لِخَالِدِ: لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا)). رَوَاهُ أبو داود](١).
٣٩٥٦ - [وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((انْطَلِقُوا بِاسْمِ الله وَبِاللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ
رَسُولِ اللهِ، وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًّا وَلَا طِفْلاً وَلَا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَغُلوا، وَضُمُّوا
غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا؛ فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)). رَوَاهُ أبو داود](٢).
(لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًّا) أي: إِلَّا إِذَا كَانَ مُقَاتِلاً أو ذَا رَأْي، وَقَدْ صَحَّ أَمْرِهِ وَّ
بِقَتْلِ زَيْدِ بْنِ الصِّمَّة، وَكَانَ عُمْرِهِ مِائَة وَعِشْرِينَ عَامًا أو أَكْثَرِ، وَقَدْ جِيءَ بِهِ فِي جَيْش
هوازِن لِلرَّأْيِ. قَالَهُ الْقَارِيّ.
(وَلَا طِفْلاً وَلَا صَغِيرًا) وَفِي بَعْض النُّسَخِ: ((وَلَا ◌ِفْلاً صَغِيرًا)) بِدُونٍ وَاو الْعَظْف،
وَكَذَلِكَ فِي ((الْمِشْكَاة)).
(١) أخرجه أحمد (١٦٠٣٥)، وأبو داود (٢٦٦٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٦٢٥)، وابن ماجه (٢٨٤٢)،
وابن حبان (٤٧٨٩)، والحاكم (٢٥٦٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦١٤)، والبيهقي (١٧٩٣٢).

١٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
قَالَ الْقَارِيّ: الظَّاهِرِ أَنَّهُ بَدَل أو بَيّان؛ أي: صَبِيًّا دُون الْبُلوغِ، وَاسْتُْنِيَ مِنْهُ مَا
إِذَا كَانَ مَلِكًا أو مُبَاشِرًا لِلْقِتَالِ (وَلَا إِمْرَأَةَ) أي: إِذَا لَمْ تَكُنْ مُقَاتِلَةٍ أَو مَلِكَة (وَضُمُّوا)
أي: اِجْمَعُوا (وَأَصْلِحُوا) أي: أُمُورِكُمْ (وَأَحْسِنُوا) أي: فِيمَا بَيْنِكُمْ.
٣٩٥٧ - [وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ بَدرٍ تَقَدَّمَ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةً وَتَبِعَهُ ابْنُهُ
وَأَخُوهُ، فَنَادَى: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ،
فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيَكُمْ إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَسِ: ((قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا
عَلُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ)). فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةً، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ، وَاخْتُلِفَ بَيْنَ
عُبَيْدَةَ وَالولِيدِ ضَرْبَتَانٍ، فَأَنْخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الولِيد فَقَتَلْنَاهُ
وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةً). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأبو داود](١).
٣٩٥٨ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ وَ فِي سَرِيَّةٍ فَحَاصَ النَّاسُ
حَيْصَةً فَأَتيْنَا الْمَدِينَةَ فَاخْتَفَيْنَا بِهَا وَقُلْنَا: هَلَكْنَا ثُمَّ أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ وَ لَ فَقُلْنَا: يَا
رَسُولَ اللهِ، نَحْنُ الْفَرَّارُونَ. قَالَ: ((بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وفِي
رِوايَةٍ أَبِي دَاوُد نحوه، وقَالَ: ((لَا بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ)). قَالَ: فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ، فَقَالَ: «أَنَا
فِئَةُ المُسْلِمِينَ))](٢).
وَحَدِيثُ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ: ((ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ)) فِي بَابِ ((فَضْلِ الفُقَرَاءِ» إِنْ شَاءَ اللهُ
تَعَالَی.
(الفصل الثالث)
٣٩٥٩ - [عَنْ تَوْرِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيََّ﴾: (نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلاً](٣).
(١) أخرجه أحمد (٩٦٠)، وأبو داود (٢٦٦٥)، والحاكم (٤٨٨٢).
(٢) أخرجه أحمد (٥٨٨٥)، والترمذي (١٨٢٠)، وأبو داود (٢٦٤٩).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٩٨٩).

(باب حُكم الأسرى)
(الفصل الأول)
٣٩٦٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: (عَجِبَ اللهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
فِي السَّلَاسِلِ)» وِفِي رِوايَةٍ: ((يقادون إلى الجنة بالسلاسل)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
٣٩٦١ - [وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: أَى النَِّيَّ ◌ِ عَيْنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وهو في
سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َهِ: ((اطْلُبُوهُ وَاقْتُلوُ)).
فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ](٢).
٣٩٦٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ هوازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَخَّى مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ إِذْ جَاءَ رَجُلُ عَلَى جَمَلِ أَحْمَرَ فَأَنَاخَهُ وَجَعَلَ يَنْظُرُ وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةُ من
الظّهْرِ وَبَعْضُنَا مُشَاةٌّ؛ إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ فَأَى جَمَلَهُ فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ
حَتَّى أَخَذْتُ بِطَامِ الْجَمَلِ فَأَخْتُهُ، ثم اخْتَرَظْتُ سَيْفِي فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، ثُمَّ جِئْتُ
بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ وَعَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللهِهِ وَالنَّاسُ فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ
الرَّجُلَ؟)) قالوا: ابْنُ الأَكْوَعِ. فَقَالَ: (لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
٣٩٦٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ
مُعَاذٍ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِليهِ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قُومُوا إِلَى
سَيِّدِكُمْ)) فَجَاءَ فَجَلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ:((إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ)) قَالَ: فَإِنِي
أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْتَّى الذُّرِّيَّةُ. قَالَ: (لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ))
وِفِي رِوايَةٍ: ((بُحُكْمِ الله)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
(١) أخرجه البخاري (٢٨٤٨)، وأحمد (٨٢٣٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٥١)، والبغوي (٦٦٤/١).
(٣) أخرجه بنحوه البخاري (٣٠١٥)، وبلفظه مسلم (٤٦٧١)، وأحمد (١٦٩٧٢)، وأبو داود (٢٦٥٦).
(٤) أخرجه البخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (٤٦٩٥)، وأحمد (١١٤٦٨).
- ١٠٥ ٠

١٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ) فِيهِ: إِكْرَامٍ أَهْلِ الْفَضْلِ وَتَلَقِّيهِمْ بِالْقِيَامِ لَهُمْ إِذَا أَقْبَلوا،
هَكَذَا اِحْتَجَّ بِهِ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ لِإِسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَيْسَ هَذَا مِن الْقِيَامِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَنْ يَقُومُونَ عَلَيْهِ
وهو جَالِس، وَيَمْتُلونَ قِيَامًا ◌ُول جُلوسه.
قُلْت: الْقِيَامِ لِلْقَادِمِ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ مُسْتَحَبٌ، وَقَدْ جَاءَ فِيهِ أَحَادِيث، وَلَمْ يَصِحّ
فِي النَّهْي عَنْهُ شَيْءٍ صَرِيحِ، وَقَدْ جَمَعْتِ كُلّ ذَلِكَ مَعَ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ وَأَجَبْت
فِيهِ عَمَّا تَوَهَّمَ النَّهْي عَنْهُ، والله أعلم.
قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِينَ عَنَاهُمُ النَِّيّ ◌َّهِ بِقَوْلِهِ: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ))
هَلْ هُم الْأَنْصَارِ خَاصَّة، أَمْ جَمِيع مَنْ حَضَرَ مِن الْمُهَاجِرِينَ مَعَهُمْ؟
قَوْلُهُ وَّهِ لِسَعْدِ بْن مُعَاذ: (إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمك) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى:
((قَالَ: فَنَزَلُوا عَلَى حُكْم رَسُول الله ◌ٍَّ، فَرَدَّ رَسُولِ اللهِوَّهِ الْحُكْمُ فِيهِمْ إِلَى سَعْد)) قَالَ
الْقَاضِي: يُجْمَعِ بَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُمْ نَزَلوا عَلَى حُكْم رَسُول الله ◌َّهِ فَرَضُوا بِرَدِّ الْحُكْم
إِلَى سَعْد، فَنُسِبَ إِلَيْهِ.
قَالَ: وَالْأَشْهَرِ أَنَّ الْأَوْسَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيّ ◌َّهِ الْعَفْوِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُلَفَاءَهُمْ،
فَقَالَ لَهُمِ النَّبِيّ ◌ََّ: أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمْ فِيهِمْ رَجُل مِنْكُمْ - يَعْنِي: مِن الْأوس،
يُرْضِيهِمْ بِذَلِكَ - فَرَضُوا بِهِ، فَرَدَّهُ إِلَى سَعْد بْن مُعَاذ الْأَوسِيّ.
(وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ) إِنَّ الذُّرِّيَّة تُظْلَق عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مَعًا.
(لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بُحُكْمِ الْمَلِكِ) بِكَسْرِ اللَّام، وهو الله ◌َ، وَتُؤَيِّدهَا
الرِّوَايَاتِ الَّتِي قَالَ فِيهَا: ((لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ الله)).
قَالَ الْقَاضِي: رَوَيْنَاهُ فِي ((صَحِيحِ مُسْلِم)) بِكَسْرِ اللَّم بِغَيْرِ خِلَاف.
قَالَ: وَضَبَطَهُ بَعْضِهِمْ فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيّ)) بِكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا، فَإِنْ صَحَّ الْفَتْح،
فَالْمُرَاد بِهِ جِبْرِيلِ الَّيْهِ، وَتَقْدِيرِه بِالْحُكْمِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْمَلَكِ عَنِ الله تَعَالَى. [النووي
(٢١٧/٦)].

١٠٧
كتاب الجهاد/ باب حكم الأسرى
٣٩٦٤ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ
بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالَ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْتَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ
سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَ فَقَالَ: «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟)) فَقَالَ:
عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرُ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ
الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ له: «مَا
عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟)) قَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ
ذَا دَمِ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَّى كَانَ
مِنَ الْغَدِ فَقَالَ له: «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى
شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَّةُ:(أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ)) فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلِ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ
الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ، وَالله
مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهُ أَبْغَضَ إِلَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوجُوهِ كُلِّهَا
إِلَيّ، وَالله مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَّ،
وَالله مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَّ مِنْ بَلَيِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلُّهَا إِلَيَّ، وَإِنَّ
خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ،
فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلُ: أَصَبَوْتَ. فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ الله ◌َِّهِ وَلَا
وَالله لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ الله)). رَوَاهُ مُسْلِمُ
وَاخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ](١).
٣٩٦٥ - [وَعَنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: «لو كَانَ
الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٌّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٢).
(١) أخرجه البخاري (٤٣٧٢)، ومختصرًا (٢٤٢٢)، ومسلم (٤٦٨٨)، وأحمد (١٠٠٨٨)، وأبو داود
(٢٦٨١).
(٢) أخرجه البخاري (٣١٣٩)، والطبراني (١٤٨٦).

١٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(لو كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِبٌّ حَيَّ، ثُمَّ كُلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) قَالَ إِبْنُ
بَطَّالٍ: وَجْهُ الإِحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ وَ لَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ شَيْءٍ لو وَقَعَ لَفَعَلَهُ وهو
غَيْرُ جَائٍِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الْأَسَارَى بِغَيْرِ فِدَاءٍ، خِلافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْغَنَائِمَ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْغَانِمِينَ عَلَيْهَا إِلَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَبِهِ
قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَمْلِكُونَ بِنَفْسِ الْغَنِيمَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ مَحْمُولُ
عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَسْتَطِيبُ أَنْفُسَ الْغَانِمِينَ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، فَلَا يَصْلُحُ
لِلِإِحْتِجَاجِ بِهِ، وَلِلْفَرِبِقَيْنِ إِحْتِجَاجَاتٌ أُخْرَى وَأَجْوِبَةُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ أَطِلْ بِهَا
هُنَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَانًا.
وَاسْتَبْعَدَ اِبْنُ الْمُنِيرِ الْحَمْلَ الْمَذْكُورَ، فَقَالَ: إِنَّ طِيبَ قُلوبِ الْغَانِمِينَ بِذَلِكَ مِن
الْعُقُودِ الإِخْتِيَارِيَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أَلَا يُذْعِنَ بَعْضُهُمْ، فَكَيْفَ بَتَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يُعْطِيهِ إِيَّاهُمْ مَعَ
أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفُ عَلَى إِخْتِيَارٍ مَنْ يَحْتَمِلُ أَلَا يَسْمَحَ؟
قُلْت: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا كَانَ بِاعْتِبَارٍ مَا تَقَدَّمَ في أولِ الْأَمْرِ أَنَّ الْغَنِيمَةَ كَانَتْ
لِلنَّبِيِّ وَلِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا حَيْثُ شَاءَ، وَفَرْضُ الْخُمُسِ إِنَّمَا نَزَلَ بَعْدَ قِسْمَةٍ غَنَائِمِ بَدْرٍ كَمَا
تَقَرَّرَ، فَلَا حُجَّةَ إِذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَقَدْ أَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ دُخُولَ التَّخْمِيسِ فِي أَسَارَى بَدْرٍ، فَقَالَ: لَمْ يَقَعْ فِيهِمْ غَيْرُ
أَمْرَيْنِ إِمَّا الْمَنُّ بِغَيْرِ فِدَاءٍ وَإِمَّ الْفِدَاءُ بِمَالٍ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالُّ عَلَّمَ أولَادَ الْأَنْصَارِ
الْكِتَابَةَ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِ بِطَائِلٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعٍ شَيْءٍ أَو شَيْئَيْنِ مِمَّا خُيِّرَ
فِيهِ مَنْعُ التَّخْبِيرِ، وَقَدْ فَتَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ مِنْهُمْ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَغَيْرَهُ، وَادِّعَاؤُهُ أَنَّ
قُرَيْشًا لَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ الرِّقِّ يَخْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ، وَإِلَّا فَأَصْلُ الْخِلَافِ هَلْ يُسْتَرَقُّ
الْعَرَبِيُّ أَوْلَا ثَابِتُّ مَشْهورٌ وَالله أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ((النَّتْنَى)) بِنُونَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا سَاكِنَةُ مَقْصُورٌ، جَمْعُ: نَتِنٍ أَو نَقِينٍ
كَزَمِنٍ وَزَمْنَى أو جَرِيجِ وَجَرْحَى، وَرُوِيّ بِمُهْمَلَةٍ فَمُوَخَّدَةٍ سَاكِنَةٍ وهو تَصْحِيفٌ، وَأَبْعَدَ

١٠٩
كتاب الجهاد/ باب حكم الأسرى
مَنْ جَعَلَهُ هو الصَّوَابَ. [الفتح (٤٠٤/٩)].
٣٩٦٦ - [وَعَنْ أَنَسِ: ((أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ مَّةَ هَبِطُوا عَلَى رَسُولِ اللهَِّ
مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﴿ وَأَصْحَابِهِ فَأَخَذَهُمْ سَلَمًّا
فَاسْتَحْيَاهُمْ)) وِفِي رِوايَةٍ: فَأَعْتَقَهُمْ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وهو الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَظْنٍ مَكَّةَ﴾ [الفتح:٢٤]. رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
٣٩٦٧ - [وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ نَبِيَّ الله ◌َيّـ
أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشِ فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَظْوَاءِ بَدٍْ
خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرِ الْيَوْمَ
الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ
الرَّكِيّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: ((يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ،
أَيَسُرُ كُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ
مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّ)) فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا؟ قَالَ
النَِّيََُّّ: « وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ - وِفِي رِوايَةٍ: «مَا أَنْتُمْ
بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ)) - وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَزَادَ البُخَارِيّ: قَالَ قَتَادَةُ:
((أَحْيَاهُمُ اللهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيجًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًّا))](٢).
٣٩٦٨ - [وَعَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ
هوازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهِ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ: ((فَاخْتَارُوا إِحْدَى
الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا الْمَالَ)) قَالُوا: فَإِنَّا تَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ الله ◌ِ لَ فَأَثْنَى
عَلَى اللّه بِمَا هو أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاؤُوا تَائِبِينَ، وَإِّ قَدْ رَأَيْتُ
أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ
يَكُونَ عَلَى حَظّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّهُ مِنْ أُولِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ)) فَقَالَ النَّاسُ:
(١) أخرجه مسلم (٤٧٨٢)، وأحمد (١٢٥٨٦)، والترمذي (٣٥٧٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٧٤٠٢)، وأحمد (١٢٨٠٦)، والنسائي (٢٠٨٦).

١١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
قَدْ طَيِّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى
يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَا ؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ الله
وَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيِّبُوا وَأَذِنُوا. رَوَاهُ الْخَارِيُّ](١).
٣٩٦٩ - [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حليفًا لِبَنِي عُقَيْلٍ فَأَسَرَتْ
تَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَ وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ◌َ رَجُلاً مِنْ بَنِي
عُقَيْلٍ، فَأَوتَقُوهُ، فَطَرَحُوهُ فِي الْخَرَّةِ، فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَنَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ،
يَا مُحَمَّدُ، فِيمَ أُخِذْتُ؟ قَالَ: ((بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ تَقِيفَ)) فَتَرَكَهُ وَمَضَى، فَنَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ،
يَا مُحَمَّدُ، فَرَحِمَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ فَرَجَعَ فَقَالَ: مَا شَأَنُكَ؟ قَالَ: إِنِّي مُسْلِمْ، فَقَالَ: ((لو قُلْتُهَا
وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ)) قَالَ: فَفَدَاهُ رَسُولُ اللهِ وَهَ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ
أَسَرَتْهُمَا تَقِيف. رَوَاهُ مُسْلِمْ](٩).
(فَفَدَاهُ رَسُولُ الله ◌ِلَهَ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْهُما ثَقِيف) قال صاحب ((الهداية)):
ولا يفادى بالأسارى عند أبي حنيفة.
قال ابن الهمام: هذا إحدى الروايتين عنه، وعليها مشى القدوري وصاحب
((الهداية)).
وعن أبي حنيفة أنه يفادى بهم كقول أبي يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد
إلا بالنساء، فإنه لا يجوز المفاداة بهن عندهم، ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم، هذه رواية
((السير الكبير)) قيل: وهو أظهر الروايتين عن أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: تجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة لا بعدها، وعند محمد تجوز
بكل حالٍ.
وجه رواية الكتاب - يعني: ((الهداية)) - ما ذكر أن فيه معونة الكفر؛ لأنه يعود
حربًا علينا، ودفع شر حرابته خير من استنقاذ المسلم؛ لأنه إذا بقي في أيديهم كان
(١) أخرجه البخاري (٢٣٠٧)، وأحمد (١٩٤٢٧)، وأبو داود (٢٦٩٥).
(٢) أخرجه مسلم (٤٣٣٣).

١١١
كتاب الجهاد/ باب حكم الأسرى
إيذاء في حقه فقط، والضرر بدفع أسيرهم إليهم يعود على جماعة المسلمين.
ووجه الرواية الموافقة لقول العامة أن تخليص المسلم أولى من كسب الكافر
للانتفاع به، ولأن حرمته عظيمة، وما ذكر من الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إليهم
يدفعه نفع المسلم الذي يتخلص منهم؛ لأنه ضرر شخص واحد، فيقوم بدفعه واحد
مثله ظاهرًا، فيتكافأ ثم تبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله كما ينبغي
زيادة ترجيح. [القاري (١٣٠/١٢)].
(الفصل الثاني)
٣٩٧٠ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءٍ
أَسْرَاهُمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءٍ أَبِيِ الْعَاصِ بِمَالٍ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ
خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِهَ رَقَّ لَهَا رِقَّةٌ شَدِيدَةً وَقَالَ:
(إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُظْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا) فَقَالُوا: نَعَمْ. وَكَانَ النبي ◌َّـ
أَخَذَ عَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ، وَبَعَثَ رَسُولُ الله ◌َهِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلاً مِنَ
الأَنْصَارِ فَقَالَ: ((كُونَا بِبَظْنٍ يَأْحِجَ حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا).
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأبو داود](١).
٣٩٧١ - [وَعَنْهُا: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ لِمَّا أُسِرَ أَهْلُ بَدْرٍ قَتَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ،
وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَمَنَّ عَلَى أَبِ عَزَّةَ الْجُمَجِيِّ. رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ) وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ
إِسْحَاقَ فِي (السِّيرَة)](٢).
٣٩٧٢ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ لَمَّا أَرَادَ قَتْلَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ
قَالَ: ((مَنْ لِلصَّبْيَةِ؟ قَالَ: النَّارُ)). رَوَاهُ أبو داود](٣).
(١) أخرجه أحمد (٢٧١١٧)، وأبو داود (٢٦٩٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٧٢٨)، وابن إسحاق كما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام
(ص٦٤٤)، والبيهقي (٥٥٩٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٦٨٨).

١١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
٣٩٧٣ - [وَعَنْ عَلَيِّ عَنِ رَسُولِ اللهَِّ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: خَيِّرْهُمْ
- يَعْنِي: أَصْحَابَكَ - فِي أَسَارَى بَدْرٍ: الْقَتْلَ والْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ قَابِلاً مِثْلُهُمْ))
قَالوا: الْفِدَاءَ وَيُقْتَلَ مِنَّا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ](١).
٣٩٧٤ - [وَعَنْ عَطِيَّةِ الْقُرَغِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي سَبِي قُرَيْظَةً عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ
◌َلى الله
فَكَانُوا يَنْظُرُونَ؛ فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكَشَفُوا عَانَتِي
فَوَجَدُوهَا لَمْ تُنْبِتْ فَجَعَلوِنِي فِي السَّبْي. رَوَاهُ أبو داود وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ](؟).
٣٩٧٥ - [وَعَنْ عَلِيّ ◌َّهِ قَالَ: خَرَجَ عِبْدَانُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ - يَعْنِي: يَوْمَ
الْحُدَيْبِيَةِ - قَبْلَ الصُّلْحِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَوَالِهِمْ فَقَالوا: يَا مُحَمَّدُ، وَالله مَا خَرَجُوا إِلَيْكَ
رَغْبَةً فِي دِينِكَ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا هَرَبًا مِنَ الرِّقِّ، فَقَالَ نَاسَّ: صَدَقُوا يَا رَسُولَ اللهِ، رُدَّهُمْ
إِلَيْهِمْ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللّهِ وَ وَقَالَ: «مَا أُرَاكُمْ تَنْتَهونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ حَتَّى
يَبْعَثَ اللهُ عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى هَذَا)) وَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُمْ، وَقَالَ: ((هُمْ
عُتَقَاءُ الله)). رَوَاهُ أَبو داود](٣).
(الفصل الثالث)
٣٩٧٦ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َه خالد بن الوليد إِلَى بَنِي جَذِيمَةً
فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا، صَبَأْنَا.
فَجَعَلَ خَالِدْ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُّ أَمَرَ
خَالِدْ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ: وَالله لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلُ مِنْ
أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َهَ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ يَدَيْهُ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ
إِلَيْكَ مِمَّ صَنَعَ خَالِدُ)) مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٤).
(١) أخرجه الترمذي (١٥٦٧) والنسائي في ((الكبرى)) (٨٦٦٢) وابن حبان (٤٧٩٥) والضياء (٦٢٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٤٠٦)، وابن ماجه (٢٦٣٨)، والدارمي (٢٥١٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧٠٠)، والحاكم (٢٥٧٦)، والبيهقي (١٨٦١٨)، والضياء (٤٤٦).
(٤) أخرجه البخاري (٤٣٣٩)، وأحمد (٦٥٣٣)، والنسائي (٥٤٢٢).

١١٣
كتاب الجهاد/ باب حكم الأسرى
(وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ) أي: مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي السَّرِيَّةِ، وَفِي
رِوَايَة الْبَاقِرِ: ((فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٍ: ضَعُوا السِّلَاحِ فَإِنَّ النَّاسِ قَدْ أَسْلَمُوا، فَوَضَعُوا السِّلَاح،
فَأَمَرَ بِهِمْ فَكُتّفُوا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْف)).
(حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٍ) كَذَا بِالتَّنْوِينِ؛ أي: مِن الْأَيَّامِ، وَكَانَ تَامَّة، وَعِنْد أَبِي سَعْد:
((فَلَمَّا كَانَ السَّحَرِ نَادَى خَالِدِ مَنْ كَانَ مَعَهُ أَسِير فَلْيَضْرِبْ عُنُقَهُ)».
(أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ: ((كُلّ إِنْسَان)).
(فَقُلْت: وَالله لَا أَقْتُلِ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرُ) وَعِنْدِ إِبْنِ
اسْعْد: ((فَأَمَّا بَنُو سُلَيمٍ فَقَتَلُوا مَنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارِ فَأَرْسَلوا
أَسْرَاهُمْ)) وَفِيهِ جَوَازِ الْحَلِفِ عَلَى نَفْي فِعْلِ الْغَيْرِ إِذَا وَثِقَ بِطَوَاعِيَتِهِ.
قَوْله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأْ إِلَيْك مِمَّ صَنَعَ خَالِدِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْعَجَلَةِ
وَتَرْكِ التَّنَبُّتِ فِي أَمْرِهِمْ قَبْلِ أَنْ يَعْلَمِ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلهُمْ: ((صَبَأْنَا)).
(مَرَّتَيْنِ) زَادَ إِبْنِ عَسْكَر عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق: (أو ثَلَاثَة)) أُخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَفِي
رِوَايَة الْبَاقِينَ: ((ثَلَاث مَرَّات)).
وَزَادَ الْبَاقِرِ فِي رِوَايَتِه: ((ثُمَّ دَعَا رَسُول الله وَّهِ عَلِيًّا فَقَالَ: أُخْرُجْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ
وَاجْعَلْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتِ قَدَمَيْك، فَخَرَجَ حَتَّى جَاءَهُمْ وَمَعَهُ مَال، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ أَحَد
إِلَّا وَدَاهُ».
وَذَكَرَ إِبْنِ هِشَامٍ فِي زِيَادَاته أَنَّهُ إِنْفَلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٍ فَأَتَى النَّبِيّ ◌َّهُ بِالْخَبَرِ، فَقَالَ:
هَلْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَد؟ فَوَصَفَ لَهُ صِفَةٍ إِبْن عُمَر وَسَالِمِ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة.
وَذَكَرَ إِبْنِ إِسْحَاقٍ مِنْ حَدِيث اِبْنِ أَّبِي حَدْرَدِ الْأَسْلَمِيّ قَالَ: «كُنْت فِي خَيْلِ خَالِدِ
فَقَالَ لِي فَتَّى مِنْ بَنِي جَذِيمَة قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ فِي عُنُقه بِرُمَّةٍ: يَا فَتَى هَلْ أَنْتَ آخِذِ بِهَذِهِ
الرُّمَّةِ، فَقَائِدِي إِلَى هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ؟ فَقُلْت: نَعَمْ، فَقُدْته بِهَا فَقَالَ: أَسْلِمِي حُبَيْش قَبْل
نِفَادِ الْعَيْش
أُرَيْتُك إِنْ طَالَبَتْكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ بِحِلْيَةٍ أَوْ أَدْرَكَتْكُمْ بِالْخَوَانِقِ

١١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
تَكَلَّفَ إِذْلَاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ
أَلَمْ يَكُ حَقًّا أَنْ يُنَوَّلَ عَاشِقُ
قَالَ: فَقَالَتْ لَهُ إِمْرَأَةٍ مِنْهُنَّ: وَأَنْت نَجَّيْت عَشْرًا، وَتِسْعًا وَوَتْرًا، وَثَمَانِيًّا تَتْرَى. قَالَ:
ثُمَّ ضَرَبْتِ عُنُقِ الْفَتَى، فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ فَمَا زَالَتْ تُقَبِّلهُ حَتَّى مَاتَتْ)).
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَِيُّ فِي ((الدَّلَائِلِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحِ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس
نحو هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَالَ فِيهَا: ((فَقَالَ إِّي لَسْت مِنْهُمْ، إِي عَشِقْتِ إِمْرَأَةٌ مِنْهُمْ فَدَعُونِي
أَنْظُر إِلَيْهَا نَظْرَة - قَالَ فِيهِ - فَضَرَبُوا عُنُقه، فَجَاءَتِ الْمَرْأَةٌ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ فَشَهِقَتْ
شَهْقَة أو شَهْقَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَتْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُل
رحِیم؟!».
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ نحوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا:
((فَانْحَدَرَتْ إِلَيْهِ مِنْ هودَجِهَا فَحَنَّتْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَتْ)). [الفتح (١٤٩/١٢)].

(باب الأمان)
(الفصل الأول)
٣٩٧٧ - [عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَت: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِوَ عَامَ
الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بثوبٍ، فَسَلَّمْتُ فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟)) فَقُلْتُ:
أَنَا أُمُّ هَانِئْ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: ((مَرْحَبًا بِأَمِّ هَانِ) فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى
ثَمَانِي رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًّا فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلُ
رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ
هَانِئٍ)) قَالَتْ أَمُّ هَانِيٍّ: وَذَاكَ ضُحَى. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وِفِي رِوايَةٍ لِلْتِّرْمِذِيِّ: قَالَتْ: أَجَرْتُ
رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّ: (قَدْ أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ))](١).
(الفصل الثاني)
٣٩٧٨ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ قَالَ: ((إِنَّ الْمَرَّةَ لَتَأْخُذُ لِلْقَوْمِ) يَعْنِي: تُجِرُ
عَلَى الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] (٢).
٣٩٧٩ - [وَعَنْ عمرو بن الْحَمِقِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: «مَنْ آمَنَ
رَجُلاً عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ أَعْطِيَ لواءَ الْغَدْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)] (٣).
(أُعْطِيَ لواءَ الْغَدْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيه استعارة يوم القيامة، كناية عن فضيحته
على رؤوس الإشهاد، وفي شرح ابن الهمام: والغدر محرم بالعمومات.
٣٩٨٠ - [وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدُ، وَكَانَ یَسِیرُ
فِي بِلَادِهِمْ حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ رَجُلُ عَلَى فَرَسٍ أو برذون وهو
(١) أخرجه البخاري (٣٠٠٠)، ومسلم (٣٣٦)، ومالك (٣٦٠)، وأحمد (٢٨١٥٠)، والترمذي (١٦٧٥).
(٢) أخرجه الترمذي (١٦٧٤).
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٥٨٩)، والبغوي (٣٥٧/٥).
- ١١٥ -

١١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ. فَنَظَرَ فَإِذَا هو عَمْرِو بْن عَبَسَةَ فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ
عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدُ فَلَا يَحُلَّنَ
عَهْدًا وَلَا يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوِ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءِ» قَالَ: فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود](١).
٣٩٨١ - [وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: بَعَثَنْنِي قُرَيْشُ إِلَى رَسُولِ اللهِ لَّهَ فَلَمَّا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللّهِوَّهِ أَلْقِي فِي قَلْبِي الإِسْلَامُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنّ وَالله لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا.
قَالَ: (إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ، وَلَكِنِ ارْجِعْ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي فِي
نَفْسِكَ الآنَ فَارْجِعْ)) قَالَ: فَذَهَبْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيِّ ◌َلِ فَأَسْلَمْتُ رَوَاهُ أَبو داود](٢).
٣٩٨٢ - [وَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ قَالَ لِرَجُلَيْنِ جَاءَا مِنْ عِنْد
مُسَيْلَمَةٍ: (أَمَا وَالله لولَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبو
داود](٣).
(مُسَيْلِمَة) بِضَمِّ الْمِيمِ الأولِى وَفَتْح السِّين وَكَسْر اللَّام، وهو الْكَذَّاب الْمَشْهور
بِدَعْوَةِ التُّبُوَّة (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (لولا أَنَّ الرَّسُل ... إِلَغْ) وَلَفْظِ أَحْمَدِ فِي (مُسْنَده))
عَنْ نُعَيْم بْن مَسْعُودِ الْأَشْجَعِيّ قَالَ: ((سَمِعْت حِين قُرِئَّ كِتَاب مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب قَالَ
لِلْمَرْسُولَيْنِ: فَمَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ قَالَا: نَقُول كَمَا قَالَ، فَقَالَ رَسُول الله وَّ: ((وَالله لولاً أَنَّ
الرُّسُل لَا تُقْتَل لَضَرَبْت أَعْنَاقَكُمَا)) فِيهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم قَتْل الرُّسُل الواصِلِينَ مِن
الْكُفَّارِ، وَإِنْ تَكَلَّمُوا بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فِي حَضْرَة الْإِمَامِ، وَالْحَدِيث سَكَتَ عَنْهُ
الْمُنْذِرِيُّ. [عون (٢٠٨/٦)].
(١) أخرجه أحمد (١٧٠٥٦)، وأبو داود (٢٧٥٩)، والترمذي (١٥٨٠) وقال: حسن صحيح. والبيهقي في
((شعب الإيمان)) (٤٣٥٩)، وابن أبي شيبة (٣٣٤٠٨)، والبيهقي (١٨٦٢٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٩٠٨)، وأبو داود (٢٧٥٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٦٧٤)، وابن حبان
(٤٨٧٧)، والطبراني (٩٦٣)، والحاكم (٦٥٣٨)، والبيهقي (١٨٢٠٩).
(٣) أخرجه أحمد (١٦٠٣٢)، وأبو داود (٢٧٦١)، والحاكم (٢٦٣٢) وقال: صحيح على شرط مسلم.
والبيهقي (١٨٥٥٦).

١١٧
كتاب الجهاد/ باب الأمان
٣٩٨٣ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ فِي
خُطْبَتِهِ: ((أوفُوا بِحِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ - يَعْنِي: الإِسْلَامَ - إِلَّا شِدَّةً، وَلَا تُحْدِثُوا
حِلْفًا فِي الإِسْلَامِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ ذَكْوَان عَنْ عَمْرو وَقَالَ: حَسَنٌ](١).
وَذُكِرَ حَدِيثُ عَلِيّ: (المُسْلِمون تَتَكَافًا)) فِي كِتَابِ ((القِصَاصِ)).
(الفصل الثالث)
٣٩٨٤ - [عَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أَثَالٍ رَسُولَا مُسَيْلِمَةً إِلَى
النَّبِيّ ◌َِّ فَقَالَ لَهُمَا: (أَتَشْهَدَانِ أَنِّ رَسُولُ الله)) فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ الله.
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((آمَنْتُ بِالله وَرُسُولِهِ، لو كُنْتُ قَاتِلاً رَسُولاً لَقَتَلْتُكُمَا)) قَالَ عَبْدُ الله:
فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ](٤).
(١) أخرجه أحمد (٦٩٩٢)، والترمذي (١٥٨٥).
(٢) أخرجه أحمد (٣٨٣٤).

(باب قسمة الغنائم والغلول فيها)
الغنيمة: ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة، وهو أعم من النفل، والفيء
أعم من الغنيمة؛ لأنه اسم لكل ما صار للمسلمين من أموال أهل الشرك.
قال أبو بكر الرازي: الغنيمة فيء والجزية فيء ومال أهل الصلح فيء والخراج
فيء؛ لأن ذلك كله مما أفاء الله على المسلمين من المشركين.
وعند الفقهاء: كل ما يحل أخذه من مالهم فهو فيء، ذكره الطيبي.
وقال ابن الهمام: المأخوذ من الكفار بقتال يُسمى: غنيمة، وبغير قتال كالجزية
والخراج: فيئًا. [القاري (١٥٤/١٢)].
(الفصل الأول)
٣٩٨٥ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللهِ وَ قَالَ: ((فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لأَحَدٍ مِنْ
قَبْلِنَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيِّبَهَا لَنَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٣٩٨٦ [وَعَنْ أَبِيِ قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َه عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَّيْنَا كَانَتْ
لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَضَرَبْتُهُ
مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلٍ عَاتِقِهِ بِالسَّيْفِ فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ، وَأَقْبَلَ عَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ
مِنْهَا رِيعَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مَا بَالُ
النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللهِ، ثُمَّ رَجَعُوا وَجَلَسَ النبي ◌ََّ فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ
فَلَهُ سَلَبُهُ)) فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ النبيِ رَ فَقُمْتُ فَقَالَ: ((مَا لَكَ يَا
أَبَا قَتَادَةَ؟)) فأخبرته فَقَالَ رَجُلُ: صَدَقَ وسَلَبُه عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنِّي فَقَالَ أبو بكر:
لَاهَا اللهُ إِذَا لَا يَعْمِدُ أَسَدُّ مِنْ أُسُد الله يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ
النبيِنَّهِ: (صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ)). فَأَعْطَانِيه فَاتَبَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأولُ
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٣١٢٤)، ومسلم (٤٦٥٣)، وأحمد (٨٤٢٤).
- ١١٨ -

١١٩
كتاب الجهاد/ باب قسمة الغنائم والغلول فيها
مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَة) بِفَتْحِ الْحِيم؛ أي: إِنْهِزَام وَخِيفَة ذَهَبُوا فِيهَا، وَهَذَا إِنَّمَا
كَانَ فِي بَعْض الْجَيْش، وَأَمَّا رَسُول الله ◌َ ◌ّهِ وَطَائِفَة مَعَهُ فَلَمْ يُوَلُوا، وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة
بِذَلِكَ مَشْهورَة.
وَقَدْ نَقَلُوا إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزِ أَنْ يُقَالِ: إِنْهَزَمَ النَّبِيّ ◌َِه وَلَمْ يَرْوِ
أَحَدٍ قَظُّ أَنَّهُ إِنْهَزَمَ بِنَفْسِهِ وَ فِي مَوْطِنِ مِن الْمَوَاطِنِ، بَلْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة
بِإِقْدَامِهِ وَثَبَاتِهِ نَّهِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاطِن.
(فَرَأَيْتِ رَجُلاً مِن الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلاً مِن الْمُسْلِمِينَ) يَعْنِي: ظَهَرَ عَلَيْهِ
وَأَشْرَفَ عَلَى قَتْله أو صَرْعه، وَجَلَسَ عَلَيْهِ لِقَتْلِهِ (فَضَرَبْتِه عَلَى حَبْل عَاتِقه) هو مَا بَيْن
الْعُنُقِ وَالْكَتِفِ (فَضَمَّنِي ضَمَّة وَجَدْتِ مِنْهَا رِيحِ الْمَوْتِ) يَحْتَمِل أَنَّهُ أَرَادَ شِدَّة كَشِدَّةٍ
الْمَوْت، وَيَحْتَمِل قَارَبْتِ الْمَوْت.
(ثُمَّ إِنَّ النَّاسِ رَجَعُوا وَجَلَسَ رَسُول اللّه ◌َلْ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة
فَلَهُ سَلَبَهُ) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَالأوزاعي
وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيّ وَأبو ثَوْر وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِمْ: يَسْتَحِقْ الْقَاتِلِ سَلَب
الْقَتِيل فِي جَمِيعِ الْحُرُوب سَوَاء.
قَالَ أَمِيرِ الْجَيْشِ قَبْلِ ذَلِكَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبِهِ أَمْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، قَالُوا: وَهَذِهِ
فَتْوَى مِن النَّبِّ وَّهِ إِخْبَارِ عَنْ حُكْمَ الشَّرْعِ، فَلَا يَتَوَقَّف عَلَى قَوْل أَحَد.
وَقَالَ أبو حنيفة وَمَالِك وَمَنْ تَابَعَهُمَا رَحِمَهُم الله تَعَالَى: لَا يَسْتَحِقْ الْقَاتِل بِمُجَرَّدٍ
الْقَتْلِ سَلَب الْقَتِيلِ، بَلْ هو ◌ِجَمِيعِ الْغَانِمِينَ كَسَائِرِ الْغَنِيمَة، إِلَّا أَنْ يَقُولِ الْأَمِير قَبْل
الْقِتَالِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبه.
وَحَمَلُوا الْحَدِيث عَلَى هَذَا، وَجَعَلُوا هَذَا إِظْلَاقًا مِن النَّبِيّ ◌َّ، وَلَيْسَ بِفَتْوَى
(١) أخرجه البخاري (٤٣٢١)، ومسلم (٤٦٦٧)، ومالك (٩٧٩)، وأبو داود (٢٧١٩).

١٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَإِخْبَارِ عَامٌ، وَهَذَا الَّذِي قَالوه ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ النَّبِيّ ◌َُّ قَالَ
هَذَا بَعْد الْفَرَاغْ مِن الْقِتَالِ وَاجْتِمَاعِ الْغَنَائِم، والله أعلم.
ثُمَّ إِنَّ الشَّافِعِيّ ﴾، يَشْتَرِطِ فِي اِسْتِحْقَاقِه أَنْ يَغْزُو بِنَفْسِهِ فِي قَتْل كَافِرِ مُمْتَنِع في
حَالِ الْقِتَالِ، وَالْأَصَحّ أَنَّ الْقَاتِل لو كَانَ مِمَّنْ لَهُ رَضْخِ، وَلَا سَهْمِ لَهُ كَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيّ
وَالْعَبْد، اِسْتَحَقَّ السَّلَب.
وَقَالَ مَالِك: لَا يَسْتَحِقَّهُ إِلَّ الْمُقَاتِل.
وَقَالَ الأوزاعي وَالشَّامِيُّونَ: لَا يَسْتَحِقِ السَّلَبَ إِلَّ فِي قَتِيل قَتَلَهُ قَبْل ◌ِلْتِحَامِ
الْحَرْب، فَأَمَّا مَنْ قَتَلَ فِي إِلْتِحَامِ الْحَرْبِ فَلَا يَسْتَحِقْهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْمِيسِ السَّلَبِ؛ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ الصَّحِيحِ مِنْهُمَا عِنْد
أَصْحَابِهِ: لَا يُخَمَّس، هو ظَاهِرِ الْأَحَادِيث، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَابْنِ جَرِيرِ وَابْنِ الْمُنْذِر
وَآخَرُونَ، وَقَالَ مَكْحُول وَمَالِك وَالأوزاعي: يُخَمَّس، وهو قَوْل ضَعِيف لِلشَّافِعِيِّ، وَقَالَ
عُمَر بْنِ الْخَطَّب ◌َ﴾ وَإِسْحَاقِ بْنِ رَاهويْهِ: يُخَمَّس إِذَا كَثُرَ، وَعَنْ مَالِك رِوَايَة إِخْتَارَهَا
إِسْمَاعِيلِ الْقَاضِي أَنَّ الْإِمَامِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ خَّسَهُ وَإِلَّا فَلَا.
وَأَمَّا قَوْله ◌َّةِ: (مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةِ فَلَهُ سَلَبِه) فَفِيهِ: تَصْرِيحِ بِالدَّلَالَةِ
لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَاللَّيْثِ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا مِن الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ السَّلَبِ لَا يُعْطَى إِلَّا
لِمَنْ لَهُ بَيِّنَةٍ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ، وَلَا يُقْبَل قَوْله بِغَيْرٍ بَيِّنَة.
وَقَالَ مَالِك وَالأَ وزَاعِي: يُعْطَى بِقَوْلِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ، قَالَا: لِأَنَّ النَّبِيّ ◌َّ أَعْطَاهُ السَّلَب
فِي هَذَا الْحَدِيث بِقَوْلِ وَاحِدٍ وَلَمْ يُحَلِّفُهُ، وَالْجَوَابِ: إِنَّ هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ النَّبِيّ ◌ٍَّ عَلِمَ
أَنَّهُ الْقَاتِل بِطَرِيقٍ مِن الظُّرُقِ، وَقَدْ صَرَّحَ وَه ◌ِالْبَيِّنَةِ فَلَا تُلْغَى، وَقَدْ يَقُول الْمَالِكِيّ: هَذَا
مَفهومٍ، وَلَيْسَ هو بِحُجَّةٍ عِنْدِه، وَيُجَابِ بِقَوْلِهِ وَِّ:(لو يُعْطَى النَّاسِ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى ... ))
فَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ هو الْمُعْتَمَدِ فِي دَلِيل الشَّافِعِيّ ◌َ﴾.
وَأَمَّا مَا يَحْتَجَ بِهِ بَعْضِهِمْ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ إِنَّمَا يَسْتَحِقّ السَّلَبِ بِإِقْرَارٍ مَنْ هو فِي يَده
فَضَعِيف، وَإِنَّ الْإِقْرَارِ إِنَّمَا يَنْفَعِ إِذَا كَانَ الْمَالِ مَنْسُوبًا إِلَى مَنْ هو فِي يَده، فَيُؤْخَذ ◌ِاقْرَارِهِ