النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب الجهاد/ باب آداب السفر
أبو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتِ رَفَعَهُ: ((مَنْ عَقَدَ لِخِيَته أو تَقَلَّدَ وَثَرًّا فَإِنَّ
مُحَمَّدًا بَرِيءٍ مِنْهُ)) فَإِنَّهُ عِنْدِ الرُّوَاةَ أَجْمَع بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ، وَالْجَرَس بِفَتْحِ الْحِيم وَالرَّاءِ ثُمَّ
مُهْمَلَةٍ مَعْرُوف، وَحَكَّى عِيَاض إِسْكَان الرَّاءِ، وَالتَّحْقِيقِ أَنَّ الَّذِي بِالْفَتْحِ اِسْم الْآلَة،
وَبِالإِسْگانِ اِسْم الصَّوْت.
وَرَوَى مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث الْعَلَاءِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ: ((الْرَس
مِزْمَار الشَّيْطَان)) وهو دَال عَلَى أَنَّ الْكَرَاهِيَة فِيهِ لِصَوْتِهِ؛ لِأَنَّ فِيهَا شَبَهَا بِصَوْتِ النَّاقُوس
وَشَكُله.
قَالَ النَّوَوِيّ وَغَيْرهِ: الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ التَّهْي لِلْكَرَاهَةِ، وَأَنَّهَا كَرَاهَة تَنْزِيه، وَقِيلَ:
لِلتَّحْرِيِ، وَقِيلَ: يَمْنَع مِنْهُ قَبْل الْحَاجَة، وَيَجُوزِ إِذَا وَقَعَتِ الْحَاجَةِ.
وَعَنْ مَالِكِ تَخْتَصّ الْكَرَاهَة مِن الْقَلَائِدِ بِالوتَرِ، وَيَجُوزِ بِغَيْرِهَا إِذَا لَمْ يَقْصِد دَفْع
الْعَيْنِ، هَذَا كُلّه فِي تَعْلِيقِ الثَّمَائِمِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ قُرْآن وَنحوه، فَأَمَّا مَا فِيهِ
ذِكْر اللّه فَلَا نَفْي فِيهِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُجْعَل لِلتَّبَرُّكِ بِهِ وَالتَّعَوُّد بِأَسْمَائِهِ وَذِكْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَا نَهْي
عَمَّا يُعَلَّقِ لِأَجْلِ الزّينَةِ مَا لَمْ يَبْلُغَ الْخُيَلَاءِ أو السَّرَفِ، وَأَغْرَبَ إِبْنِ حِبَّانَ فَزَعَمَ أَنَّ
الْمَلَائِكَة لَا تَصْحَب الرُّفْقَةِ الَّتِي يَكُون فِيهَا الْجَرَسِ إِذَا كَانَ رَسُولِ اللهِ وَ لَ فِيهَا.
[الفتح (٢١٠/٩)].
٣٨٩٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ
فَأَعْطُوا الإِبِلَ حَقَّهَا مِنَ الأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَأسرعوا عليهَا السير، وَإِذَا
عَرَّسْتُمْ بِالليلِ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ، فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابٌّ وَمَأْوِى الهوامٌ بِاللَّيْلِ)) وِفِي رِوايَةٍ:
(وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَبَادِرُوا بِهَا نِقِيَهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١).
(الْخِصْب) بِكَسْرِ الْحَاء، وهو كَثْرَة الْعُشْب وَالْمَرْعَى، وهو ضِدّ الْجَدْب؛
وَالْمُرَادِ بِالسَّنَةِ هُنَا: الْقَحْطِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ﴾
(١) أخرجه مسلم (١٩٢٦، ٥٠٦٩)، وأبو داود (٢٥٦٩)، والترمذي (٢٨٥٨) وقال: حسن صحيح. وابن
حبان (٢٧٠٣).

٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
[الأعراف: ١٣٠] أي: بِالْقُحُوط؛ و(نِقْيِهَا) بِكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَان الْقَاف، وهو: الْمُخّ؛
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: الْحَتّ عَلَى الرِّفْقِ بِالدَّوَابِّ، وَمُرَاعَاة مَصْلَحَتَهَا، فَإِنْ سَافَرُوا فِي الْخِصْب
قَلَّلُوا السَّيْرِ وَتَرَكُوهَا تَرْعَى فِي بَعْض النَّهَارِ، وَفِي أَثْنَاء السَّيْرِ، فَتَأْخُذ حَظّهَا مِن الْأَرْضِ
بِمَا تَرْعَاهُ مِنْهَا، وَإِنْ سَافَرُوا فِي الْقَحْط عَجَّلُوا السَّيْر لِيَصِلُوا الْمَقْصِد وَفِيهَا بَقِيَّةٌ مِنْ
قُوَّتِهَا، وَلَا يُقَلِّلوا السَّيْرِ فَيَلْحَقِهَا الضَّرَرِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِد مَا تَرْعَى فَتَضْعُف، وَيَذْهَب
نِقْيَهَا، وَرُبَّمَا كُلَّتْ وَوَقَفَتْ، وَقَدْ جَاءَ فِي أول هَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَة مَالِك في ((الْمُوَظَّ)):
((إنَّ الله رَفِيق يُحِبّ الرِّفْق)).
(وَإِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقِ، فَإِنَّهَا طُرُق الدَّوَابٌ، وَمَأْوِى الْوامٌ بِاللَّيْلِ) قَالَ
أَهْلِ اللُّغَة: التَّعْرِيس: النُّزُولِ فِي أواخِرِ اللَّيْلِ لِلنَّوْمِ وَالرَّاحَة، هَذَا قَوْل الْخَلِيل
وَالْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ أبو زَيْد: هو النُّزُول؛ أي: وَقْت كَانَ مِنْ لَيْل أو نَهَارِ، وَالْمُرَاد بِهَذَا
الْحَدِيث هو الأول، وَهَذَا أَدَب مِنْ آدَابِ السَّيْرِ وَالنُّزُولِ، أَرْشَدَ إِلَيْهِ وَ﴾؛ لِأَنَّ الْحَشَرَات
وَدَوَابّ الْأَرْضِ مِنْ ذَوَاتِ السَّمُومِ وَالسِّبَاعِ تَمْشِي فِي اللَّيْل عَلَى الطَّرِيقِ لِسُهولَتِهَا؛
وَلِأَنَّهَا تَلْتَقِط مِنْهَا مَا يَسْقُط مِنْ مَأْكُول وَنحوه، وَمَا تَجِد فِيهَا مِنْ رِمَّة وَنحوهَا، فَإِذَا
عَرَّسَ الْإِنْسَانِ فِي الطَّرِيقِ رُبَّمَا مَرَّ بِهِ مِنْهَا مَا يُؤْذِيهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَبَاعَد عَنِ الطَّرِيقِ.
[النووي (٤٠٣/٦)].
٣٨٩٨ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ رسول الله وَلَّهِ إِذْ
جَاءَه رَجُلُ عَلَى رَاحِلَةٍ فَجَعَلَ يَضرِبُ يَمِينًا وَشِمَالاً، فَقَالَ رَسُولُ اللّه ◌َ: (مَنْ كَانَ مَعَهُ
فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُّ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا
زَادَ لَهُ). قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. رَوَاهُ
مُسْلِمْ)(١).
٣٨٩٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ،
(١) أخرجه مسلم (١٧٢٨)، وأحمد (١١٣١١)، وأبو داود (١٦٦٣)، وأبو يعلى (١٠٦٤)، وابن حبان
(٥٤١٩).

٨٣
كتاب الجهاد/ باب آداب السفر
يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](١).
٣٩٠٠ - [وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ
تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إِلَيْهِ فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ
جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةً فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ، قَالَ: فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ)). رَوَاهُ
مُسْلِمْ)(٢).
٣٩٠١ - [وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّهُ أَقْبَلَ هو ◌َأبو طَلْحَةَ مَعَ رَسُولِ اللهِوَلَ وَمَعَ الَِّّ ◌َه
صَفِيَّةُ مُرْدِفَهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٣).
٣٩٠٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِلَ لَا يَظْرُقُ أَهْلَهُ ليلاً، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ إِلَّا
غُدْوَةً أو عَشِيَّةً، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
٣٩٠٣ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ، فَلَا
يَظْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلاً). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٥).
٣٩٠٤ - [وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((إِذَا دَخَلْتَ لَيْلاً فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى
تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٦).
٣٩٠٥ - [وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ ﴿ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ تَحَرَ جَزُورًا أُو بَقَرَةً. رَوَاهُ
(١) أخرجه البخاري (١٧١٠)، ومسلم (١٩٢٧)، ومالك (١٧٦٨)، وأحمد (٧٢٢٤)، وابن ماجه
(٢٨٨٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٧٨٣)، والدارمي (٢٦٧٠)، وأبو عوانة (٧٥١٨)، وابن حبان
(٢٧٠٨)، والطبراني في «الأوسط)) (٧٦٣)، والبيهقي (١٠١٤١)، والديلمي (٣٥٦٩).
(٢) أخرجه مسلم (٦٤٢١)، والبغوي (٣٩٧/٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٨٦)، والبغوي (٦٥٨/١).
(٤) أخرجه البخاري (١٨٠٠)، ومسلم (٥٠٧١)، وأحمد (١٢٥٩٥).
(٥) أخرجه أحمد (١٥٣٠٠)، والبخاري (٤٩٤٦)، ومسلم (٧١٥)، والدارمي (٢٦٣١)، وأبو عوانة
(٧٥٢٧)، والديلمي (١٢٠٦).
(٦) أخرجه البخاري (٤٩٤٨)، ومسلم (٥٠٧٤)، وأحمد (١٤٢٢٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٤٥)،
والديلمي (١٠٩٢).

٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الْبُخَارِيُّ](١).
٣٩٠٦ - [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ الشَِّيُّوَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي
الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
٣٩٠٧ - {وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ فِي سَفَرٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ لِي:
(ادْخُلِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فيه رَكْعَتَيْنٍ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٣).
(الفصل الثاني)
٣٩٠٨ - [عَنْ صَخْرِ بْنِ وَدَاعَةَ الْغَامِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ
الأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا)) قَالَ: وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِبَّةً أُو جَيْشًا بَعَثَهُمْ أُولَ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ
رَجُلاً تَاجِرًا، فَكَانَ إِذَا بَعَثَ تِجَارَتِهِ أُولَ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود
(٤)
وَالدَّارِمِيُّ](٤).
٣٩٠٩ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ، فَإِنَّ الأَرْضَ
تُطْوَى بِاللَّيْلِ)). رَوَاهُ أُبو داود](٥).
(عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ) بِضَمّ فَسُكُون ◌ِسْمٍ مِنْ أَدْلَجَ الْقَوْمِ بِتَخْفِيفِ الدَّال إِذَا سَارُوا
أول اللَّيْل، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْإِذْلَاجِ سَيْرِ اللَّيْلِ كُلّه، وَكَأَنَّهُ الْمَعْنَى بِهِ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ
عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ، فَإِنَّ الْأَرْضِ تُظْوَى بِاللَّيْلِ بِصِيغَةِ المجهول؛ أي: تُقْطَع بِالسَّيْرِ فِي اللَّيْل.
وَقَالَ الْمُظْهِرِ: يَعْنِي: لَا تَقْنَعُوا بِالسَّيْرِ نَهَارًا بَلْ سِيرُوا بِاللَّيْلِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَسْهُل
بِحَيْثُ يَظُنّ الْمَاشِي أَنَّهُ سَارَ قَلِيلاً وَقَدْ سَارَ كَثِيرًا. كَذَا فِي «الْمِرْقَاة)).
(١) أخرجه البخاري (٣٠٨٩)، وأبو داود (٣٧٤٩).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٧٧)، ومسلم (١٦٩٢)، وأحمد (٢٧٩٣٢).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٨٧)، ومسلم (٧١٥)، وأحمد (١٤٢٢٩)، وابن حبان (٦٥١٨).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٦٠٦)، والترمذي (١٢١٢) وقال: حسن. وأحمد (١٥٥٩٥)، والدارمي (٢٤٣٥)،
وابن حبان (٤٧٥٤)، والطيالسي (١٢٤٦)، والبيهقي (١٨٢٣٧)، والطبراني (٧٢٧٧).
(٥) أخرجه أبو داود (٢٥٧١)، وابن خزيمة (٢٥٥٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٥٠/٩)، والبيهقي
(١٠١٢٣)، والحاكم (١٦٣٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين.

٨٥
كتاب الجهاد/ باب آداب السفر
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إِسْنَاده أبو جَعْفَرِ الرَّازِيُّ اِسْمِه عِيسَى بْن عَبْد الله بْنِ مَاهَان،
وَقَدْ وَثَّقَهُ بَعْضِهِمْ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرٍ وَاحِد. [عون (٤٨٣/٥)].
٣٩١٠ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ:
((الرَّاكِبُ شَيْطَانٌّ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبُ)). رَوَاهُ مَالِكٌّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأُبو داود
وَالنَّسَائِيُّ](١).
٣٩١١ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: «إِذَا كَانَ ثَلَاثَةُ فِي سَفَرٍ
فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ)). رَوَاهُ أبو داود](٩).
٣٩١٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةُ، وَخَيْرُ
السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ)). رَوَاهُ
التّرْمِذِيُّ وَأبو داود وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ](٣).
٣٩١٣ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَتَخَلَّفُ فِي الْمَسِيرِ فَيُزْجِي
الضَّعِيفَ وَيُرْدِفُ وَيَدْعُو لَهُمْ)). رَوَاهُ أبو داود](٤).
٣٩١٤ - [وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلاً تَفَرَّقُوا فِي
الشِّعَابِ وَالأَودِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَودِيَةِ إِنَّمَا
ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ)) فَلَمْ يَنْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى
(١) أخرجه مالك (١٧٦٤)، وأحمد (٦٧٤٨)، وأبو داود (٢٦٠٧)، والترمذي (١٦٧٤) وقال: حسن
صحيح. والنسائي في ((الكبرى)) (٨٨٤٩)، والحاكم (٢٤٩٥) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي
(١٠١٢٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦٠٨)، وأبو يعلى (١٠٥٤)، والبيهقي (١٠١٣١)، وأبو عوانة (٧٥٣٨)، والطبراني
في «الأوسط)» (٨٠٩٣).
(٣) أخرجه أحمد (٢٦٨٢)، وأبو داود (٢٦١١) وقال: الصحيح أنه مرسل. والترمذي (١٥٥٥) وقال:
حسن غريب. والبيهقي (١٨٢٦٢)، وابن عساكر (٣٧/٤٠)، وعبد بن حميد (٦٥٢)، وابن خزيمة
(٢٥٣٨)، وابن حبان (٤٧١٧).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٦٤١)، والبيهقي (١٠٦٥٢).

٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
يُقَالَ: لو بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌّ لَعَمَّهُمْ. رَوَاهُ أبو داود](١).
٣٩١٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ،
فَكَانَ أبو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِينَيَ رَسُولِ الله ◌َِّ قَالَ: فَكَانَتْ إِذَا جَاءَتْ عُقْبَةُ
رَسُولِ اللهِ وََّ قَالَا: تَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ. قَالَ: ((مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّ، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ
الأَجْرِ مِنْكُمَا)). رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ)](٢).
٣٩١٦ - [وَعَنْ أَّبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((لا تَتَّخِذُوا ظُهورِ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ،
فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّ بِشِقٌّ
الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَاتِكُمْ)). رَوَاهُ أَبو داود](٣).
(أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهورِ دَوَابْكُمْ مَنَابِر) قَالَ الْقَارِيّ: وَالْمَعْنَى: لَا تَجْلِسُوا عَلَى ظُهورِهَا
فَتُوقِفُونَهَا وَتُحَدِّثُونَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ بَل إِنْزِلُوا وَاقْضُوا حَاجَاتِكُمْ ثُمَّ
إِرْ کَبُوا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَة عَنِ الْقِيَامِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا خَطَبُوا عَلَى الْمَنَابِرِ قَامُوا. اِنْتَهَى.
(لِتُبَلَّغْكُمْ) أي: لِتُوَصِّلِكُمْ (بَالِغِيهِ) أي: وَاصِلِينَ إِلَيْهِ (إِلَّا بِشِقُّ الْأَنْفُس)
بِكَسْرِ أوله أي: مَشَقَّتَهَا وَتَعَبهَا (وَجَعَلَ لَكُم الْأَرْضِ) أي: بِسَاطًا وَقَرَارًا (فَعَلَيْهَا)
أي: عَلَى الْأَرْض لَا عَلَى ظُهور الدَّوَابّ (فَاقْضُوا حَاجَاتِكُمْ) قَالَ الطَّيْبِيُّ: الْفَاء الْأولى
لِلسَّبَبِيَّةِ وَالثَّانِيَة لِلتَّعْقِيبِ؛ أي: إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَعَلَى الْأَرْضِ اِقْضُوا حَاجَاتِكُمْ، ثُمَّ
عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: فَاقْضُوا حَاجَاتِكُمْ تَفْسِيرًا لِلْمُقَدَّرِ. إِنْتَهَى.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَا مُحَصِّله: إِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ وَِّ أَنَّهُ خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتْه وَاقِفًا، فَدَلَّ
عَلَى أَنَّ الوقُوف عَلَى ظهورهَا إِذَا كَانَ لِإِرْبٍ أو بُلوغْ وَطَرلَا يُدْرَك مَعَ النُّزُول إِلَى الْأَرْض
جَائِزِ، وَأَنَّ النَّهْي ◌ِنْصَرَفَ إِلَى الوقُوف عَلَيْهَا لَا لِمَعْنَى يُوجِبهُ بِأَنْ يَسْتَوْطِنهُ الْإِنْسَانِ
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٣٠)، وابن حبان (٢٧٤٥).
(٢) أخرجه أحمد (٣٩٧٨)، والبغوي (٦٥٩/١).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٥٦٧)، والطبراني في «الشاميين)) (٨٦٧)، والبيهقي (١٠١١٥).

٨٧
كتاب الجهاد/ باب آداب السفر
وَيَتَّخِذهُ مَقْعَدًا، فَيُتْعِبِ الذَّابَّةِ وَيَضُرّ بِهَا مِنْ غَيْرِ طَائِلِ. إِنْتَهَى.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش، وَفِيهِ مَقَال.
وقَالَ الْحَافِظِ شَمْس الدِّينِ إِبْنِ الْقَيِّم رَحِمَهُ الله: وَأَمَّا وُقُوفِ النَِّيّ وَّ عَلَى
رَاحِلَتْه فِي حَجَّة الودَاعِ وَخُطْبَتْه عَلَيْهَا، فَذَاكَ غَيْرِ مَا نَهَى عَنْهُ، فَإِنَّ هَذَا عَارِض
لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ فِي وَقْت مَا لَا يَكُون دَائِمًا، وَلَا يَلْحَقِ الدَّابَّةِ مِنْهُ مِن الثَّعَب وَالْكِلَال ما
يَلْحَقِهَا مِن ◌ِعْتِيَادِ ذَلِكَ لَا لِمَصْلَحَةٍ، بَلْ يَسْتَوْطِنِهَا وَيَتَّخِذِهَا مَقْعَدًا يُنَاجِي عَلَيْهَا
الرَّجُل، وَلَا يَنْزِلِ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَكَزَّر وَيَطُول، بِخِلافٍ خُطْبَتِهِ وَلِ عَلَى رَاحِلَته
لِيُسْمِعِ النَّاسِ، وَيُعَلِّمُهُمْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِ النُّسُكِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَتَكَرَّر وَلَا يَطُول
وَمَصْلَحَته عَامَّة. [عون (٤٧٩/٥)].
٣٩١٧ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: «كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلاً لَا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُلَّ الرِّحَالَ)). رَوَاهُ
أبو داود](١).
٣٩١٨ - [وَعَنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ يَمْشِي إِذْ جَاءَهُ رَجُلُ وَمَعَهُ حِمَارٌ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، ارْكَبْ. وَتَأَخَّرَ الرَّجُلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّمَ: ((لَا أَنْتَ أَحَقُّ بِصَدْرٍ
دَابَّتِكَ إِلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ لِي)) قَالَ: جَعَلْتُهُ لَكَ فَرَكِبَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود](٩).
٣٩١٩ - [وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
(تَكُونُ إِلَّ لِلشَّيَاطِينِ وَبُيُوتُ لِلشَّيَاطِينِ، فَأَمَّا إِلُ الشَّيَاطِينِ فَقَدْ رَأَيْتُهَا، يَخْرُجُ
أَحَدُكُمْ بِجَنِيَبَاتٍ مَعَهُ قَدْ أَسْمَنَهَا فَلَا يَعْلُو بَعِيرًا مِنْهَا، وَيَمُرُّ بِأَخِيهِ قَدِ انْقَطَعَ بِهِ فَلَا
يَحْمِلُهُ، وَأَمَّا بُيُوتُ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ أَرَهَا)) كَانَ سَعِيدٌ يَقُولُ: لَا أَرَاهَا إِلَّا هَذِهِ الأَقْفَاصَ
الَّتِي يَسْتُرُ النَّاسُ بِالدِّيَبَاجِ رَوَاهُ أبو داود](٣).
٣٩٢٠ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْنا مَعَ النَّبِيِّ ◌َ فَضَيَّقَ النَّاسُ
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٥٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (٣٠٠٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٥٦٨)، والبيهقي (١٠١١٩).

٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الْمَنَازِلَ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، فَبَعَثَ نَبِيُّ اللّه ◌َلِّ مُنَادِيًّا يُنَادِي فِي النَّاسِ: ((أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ
مَنْزِلاً أَو قَطَعَ طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ)). رَوَاهُ أبو داود](١).
٣٩٢١ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ عَنِ الشَّبِيِّ ◌َلِ قَالَ: ((إِنَّ أَحْسَنَ مَا دَخَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ إِذَا
قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أُولَ اللَّيْلِ)). رَوَاهُ أبو داود](٢).
(الفصل الثالث)
٣٩٢٢ - [عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ بِلَيْلِ اضْطَجَعَ
عَلَى يَمِينِهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٣).
٣٩٢٣ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: بَعَثَ الشَّبِيُّ ◌َ﴿ عَبْدَ اللّه بْنَ رَوَاحَةَ فِي سَرِيَّةٍ فَوَافَقَ
ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَغَدَا أَصْحَابُهُ وَقَالَ: أَخَلَّفُ وَأَصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِوَّ ثُمَّ أَْحَقُهُمْ. فَلَمَّا
صَلَى مَعَ رسول الله وَهَ رَآهُ فَقَالَ: ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَغْدُو مَعَ أَصْحَابِكَ؟». فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ
أَصَلِّ مَعَكَ ثُمَّ أَلْقَهُمْ. فَقَالَ: ((لو أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتِهِمْ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٤).
٣٩٢٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: ((لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً
فِيهَا جِلْدُ نَمٍِ)). رَوَاهُ أَبو داود](٥).
٣٩٢٥ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد ◌َهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: ((سَيِّدُ القَوْمِ فِي السَّفَرِ
خَادِمُهُمْ، فَمَنْ سَبَقَهُمْ بِخِدْمَةٍ لَمْ يَسْبَقُوهُ بِعَمَلٍ إِلَّ الشَّهَادَةِ». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ
الإِيمَانِ))] (٦).
(١) أخرجه أحمد (١٥٦٨٦)، وأبو داود (٢٦٢٩)، والطبراني (٤٣٤)، وأبو يعلى (١٤٨٣)، والبيهقي
(١٨٢٣٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٧٧).
(٣) أخرجه مسلم (١٥٩٧).
(٤) أخرجه الترمذي (٥٣٠)، والبغوي (٢٥٥/١).
(٥) أخرجه أبو داود (٤١٣٢).
(٦) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨١٧٣).

٨٩
كتاب الجهاد/ باب آداب السفر
(سَيِّدُ القَوْمِ فِي السَّفَرِ) أي: ينبغي كون السيد كذلك لما وجب عليه من الإقامة
بمصالحهم ورعاية أحوالهم، أو معناه أن من يخدمهم، وإن كان أدناهم ظاهرًا، فهو
بالحقيقة سيدهم لحيازته للثواب، وإليه الإشارة بقوله: (فَمَنْ سَبَقَهُمْ بِخِدْمَةٍ لَمْ يَسْبَقُوهُ
بِعَمَلٍ إِلَّا الشَّهَادَةِ) لأنه شريكهم فيما يزاولونه من الأعمال بواسطة خدمته.

(باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام)
(الفصل الأول)
٣٩٢٦ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ وَهَ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ،
وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى لِيَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ،
فَإِذَا فِيهِ: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ،
سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ .. فَإِّ أَدْعُوكَ بِدِاعَيَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ
يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنٍ، وَإِنْ تَوَلَيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِبِسِيِّينَ ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ
تَعَالُوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ
بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلُوا فَقُولوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:
٦٤]. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ، وِفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ((مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله)) وَقَالَ: ((إِثْمَ الْيَرِيسِيِّينَ))
وَقَالَ: ((بِدِعايَةِ الإِسْلَامِ))](١).
٣٩٢٧ - [وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهَ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ الله بْنِ
حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى
كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَّأَهُ مَزَّقَهُ، قَالَ ابْنَ الْمُسَيَّبِ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِنَّهِ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ
مُمَزَّقٍ - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٤).
(مَعَ عَبْد الله بْنِ حُذَافَة) هَذَا هو الْمُعْتَمَدِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُمَر بْنِ شَبَّةٌ أَنَّهُ
خُنَيْسِ بْن حُذَافَة، وهو غَلَط فَإِنَّهُ مَاتَ بِأُحُدٍ فَتَأَيَّمَتْ مِنْهُ حَفْصَةٍ، وَبَعْث الرُّسُل كَانَ
بَعْدِ الْهُدْنَة سَنَة سَبْعٍ، وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَة عَبْد الله بْن عِيسَى أَخِي كَامِل بْن عَدِيّ مِنْ
طَرِيقه عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ عِكْرِمَة عَنِ إِبْنِ عَبَّاس فِي قِصَّةِ إِنَّخَاذ الْخَاتَم، وَفِيهِ:
(١) أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (٤٧٠٧)، وأحمد (٢٤١١).
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٢٤)، وأحمد (٢٢٢٢).
- ٩٠ -

٩١
كتاب الجهاد/ باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
((وَبَعَثَ كِتَابًا إِلَى كِسْرَى بْنِ هُرْمُز بَعَثَ بِهِ مَعَ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ)) كَذَا قَالَ، وَعَبْد الله
ضَعِيف، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ كَتَبَ إِلَى مَلِكَ فَارِسِ مَرَّتَيْنِ، وَذَلِكَ فِي أَوائِل سَنَة سَبْعٍ.
(إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ) هو الْمُنْذِرِ سَاوَى الْعَبْدِيُّ (فَدَفَعَهُ) الْفَاء عَاطِفَةٍ عَلَى
مَحْذُوف تَقْدِيرٍ فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ، فَأَعْطَاهُ الْكِتَاب فَأَعْطَاهُ لِقَاصِدِهِ عِنْده، فَتَوَجَّهَ بِهِ فَدَفَعَهُ
إِلَى كِسْرَى، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون الْمُنْذِرِ تَوَجَّهَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاجِ إِلَى الْقَاصِد، وَيَحْتَيِلِ أَنْ
يَكُون الْقَاصِد لَمْ يُبَاشِرِ إِعْطَاء كِسْرَى بِنَفْسِهِ كَمَا هو الْأَغْلَبِ مِنْ حَالِ الْمُلوكِ
فَيَزْدَاد التَّقْدِیر.
(فَلَمَّا قَرَأَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُول، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ: ((فَلَمَّا قَرََّهُ)» وَفِيهِ مَجَازِ،
فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا قُرِئَ عَلَيْهِ (مَرَّقَهُ) أي: قَطَعَهُ (فَحَسِبْت أَنَّ إِبْنِ الْمُسَيِّبِ)
الْقَائِل هو الزُّهْرِيّ، وهو مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَوَقَعَ فِي جَمِيعِ الظُّرُق مُرْسَلاً،
وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون اِبْنِ الْمُسَيِّب سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةٍ صَاحِب الْقِصَّةِ، فَإِنَّ
إِبْنِ سَعْد ذَكَرَ مِنْ حَدِيثه أَنَّهُ قَالَ: ((فَقَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابِ رَسُول الله وَِّ فَأَخَذَهُ فَمَزَّقَهُ)).
(فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُول اللّهِ وََّ) أي: عَلَى كِسْرَى وَجُنُودِه (أَنْ يُمَزَّقُوا كُلّ مُمَزَّق)
بِفَتْحِ الزَّاي؛ أي: يَتَفَرَّقُوا وَيَتَقَطَّعُوا، وَفِي حَدِيث عَبْد الله بْنِ حُذَافَة: ((فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ
رَسُول الله ﴿ قَالَ: اللَّهُمَّ مَزَّقْ مُلْكَه)) وَكَتَبَ إِلَى بَاذَانَ عَامِله عَلَى الْيَمَنِ: إِبْعَثْ مِنْ
عِنْدك رَجُلَيْنِ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ، فَكَتَبَ بَاذَانُ إِلَى النَّبِيّ ◌َ﴿ فَقَالَ: أَبْلِغَا
صَاحِبِكُمَا أَنَّ رَبِّي قَتَلَ رَبّه فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَة الثُّلَاثَاء لِعَشْرٍ مَضَيْنَ
مِنْ جُمَادَى الْأولى سَنَة سَبْعٍ، وَإِنَّ اللّه سَلَّطَ عَلَيْهِ إِبْنه شيرويه فَقَتَلَهُ.
وَعَنِ الزُّهْرِيّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى بَاذَانَ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ قُرَيْش
يَزْعُمْ أَنَّهُ نَبِيّ، فَسِرْ إِلَيْهِ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا إِبْعَثْ بِرَأْسِهِ، فَذَكَرَ الْقِصَّة قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ بَاذَانَ
أَسْلَمَ هو وَمَنْ مَعَهُ مِن الْفُرْس.
تَنْبِيهِ: جَزَمَ إِبْنِ سَعْدٍ بِأَنَّ بَعْث عَبْدِ الله بْنِ حُذَافَةٍ إِلَى كِسْرَى كَانَ فِي سَنَة سَبْع
فِي زَمَنِ الْهُدْنَة، وهو عِنْد الواقِدِيِّ مِنْ حَدِيث الشِّفَاء بِنْت عَبْد الله بِلَفْظِ: ((مُنْصَرَفه

٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
مِن الْحُدَيْبِيَة)) وَصَنِيِعِ الْبُخَارِيّ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَة تِسْعِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْد غَزْوَةٍ تَبُوك،
وَذَكَرٍ فِي آخَرِ الْبَابِ حَدِيث السَّائِبِ أَنَّهُ تَلَقَّى النَّبِيّ ◌ََّ لَمَّا رَجَعَ مِنْ تَبُوكَ إِشَارَةٍ إِلَى مَا
ذَكَرْت، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُ وَ لَمَّا كَانَ بِتَبُوكَ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرِ وَغَيْرِه، وَهِيَ غَيْرِ
الْمَرَّةِ الَّتِي كَتَبَ إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَةٍ، فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِ الْهُدْنَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَبَرِ، وَذَلِكَ
سَنَة سَبْع.
◌َيُّ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَر ... )) وَفِيهِ:
وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِمٍ عَنْ أَنَس: ((أَنَّ النَّبِيّ
((وَإِلَى كُلّ جَبَّارِ عَنِيد)).
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ عَخْرَمَةَ قَالَ: ((خَرَجَ رَسُول الله ◌َّهِ إِلَى
أَصْحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ الله بَعَثَنِي لِلنَّاسِ كَافَّة، فَأَدُّوا عَنِّي وَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيَّ، فَبَعَثَ
عَبْد الله بْن حُذَافَة إِلَى كِسْرَى، وَسَلِيطِ بْن عَمْرو إِلَى هوذَة بْن عَليّ بِالْيَمَامَةِ،
وَالْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَبِيّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى بِهَجَرِ، وَعَمْرو بْنِ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرِ، وَعَبَّاد
إِبْنَي الْجُلَنْدِيّ بِعَمَّن، وَدِحْيَة إِلَى قَيْصَرِ، وَشُجَاعِ بْنِ وَهْب إِلَى اِبْن أَبِي شَمِرِ الْغَسَّانِيّ،
وَعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةٍ إِلَى النَّجَاشِيّ، فَرَجَعُوا جَمِيعًا قَبْل وَفَاة النَّبِيّ ◌ََّ، غَيْرِ عَمْرِو بْن
الْعَاصِ)).
وَزَادَ أَصْحَابِ السِّيَرِ: إِنَّهُ بَعَثَ الْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةِ بْنِ الْحَارِثِ بْن عَبْد
كَلَالٍ وَحَرِيرًا إِلَى ذِي الْكُلَاعِ، وَالسَّائِب إِلَى مُسَيْلِمَة، وَحَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى
الْمُقَوْقِس.
وَفِي حَدِيث أَنَسِ الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ عِنْدِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّجَاشِيّ الَّذِي بَعَثَ إِلَيْهِ مَعَ
هَؤُلاءِ غَيْرِ النَّجَاشِيّ الَّذِي أَسْلَمَ. [الفتح (٢٤٦/١٢)].
٣٩٢٨ [وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيّ ◌َهَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى
كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الله تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالتَّجَاشِيِّ الذي صَلَّ عَلَيْهِ السَّبِيُّ ◌َّه رَوَاهُ
مُسْلِمْ)(١).
(١) أخرجه مسلم (٤٧٠٩).

٩٣
كتاب الجهاد/ باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
٣٩٢٩ - [وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا
عَلَى جَيْشٍ أو سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا،
ثُمَّ قَالَ: ((اغْزُوا بِاسْمِ اللّه فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلوا وَلَا
تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلوا وَلَا تَقْتُلوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى
ثَلَاثِ خِصَالٍ - أو خِلَالٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ
إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى
دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا
عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبُوا أَنْ يَتَحَوَّلوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ
يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الله الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءٍ
شَيْءُ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أبواٍ فَسَلْهُمُ الْحِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ
مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أُبوا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ
فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَلَا ذِمَّةَ نَبِّهِ،
وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ
أَصْحَابِكُمْ أهون مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ
فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلَا تُنْزِلُهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى
حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ الله فِيهِمْ أَمْ لَا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
(السَّرِيَّة) هِيَ قِطْعَة مِن الْجَيْش ◌َخْرُج مِنْهُ تُغِير وَتَرْجِع إِلَيْهِ.
قَالَ إِبْرَاهِيمِ الْحَرْبِيّ: هِيَ الْخَيْلِ تَبْلُغْ أَرْبَعَمِائَةٍ وَنحوها، قَالُوا: سُمِّيَتْ سَرِيَّة؛ لِأَنَّهَا
تَسْرِي فِي اللَّيْل، وَيَخْفَى ذَهَابِهَا، وَهِيَ فِعْلِيَّةٍ بِمَعْنَى فَاعِلَة، يُقَال: سَرَى وَأَسْرَى، إِذَا ذَهَبَ
لَيْلاً.
قَوْلْهِ بَ ل﴾: (وَلَا تَغْدِرُوا) بِكَسْرِ الدَّالِ، وَالولِيد الصَّبِيّ، وَفِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِن
(١) أخرجه مسلم (٤٦١٩)، وأحمد (٢٣٧٣٢)، والترمذي (١٧١٥).

٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الْحَدِيث فَوَائِد مُجْمَع عَلَيْهَا، وَهِيَ تَحْرِيمِ الْغَدْرِ، وَتَحْرِيمِ الْغُلول، وَتَحْرِيم قَتْلِ الصِّبْيَان
إِذَا لَمْ يُقَاتِلوا، وَكَرَاهَةِ الْمُثْلَةِ، وَاسْتِحْبَابِ وَصِيَّة الْإِمَامِ أَمَرَاءَهُ وَجُيُوشِه بِتَقْوَى الله
تَعَالَى، وَالرِّفْقِ بِأَتْبَاعِهِمْ، وَتَعْرِيفِهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ فِي غَزْوِهِمْ، وَمَا يَجِب عَلَيْهِمْ، وَمَا يَحِلّ
لَهُمْ، وَمَا يَحْرُم عَلَيْهِمْ. وَمَا يُكْرَهِ وَمَا يُسْتَحَبّ.
(ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ) هَكَذَا هو فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ، قَالَ الْقَاضِي
عِيَاض: صَوَابِ الرِّوَايَة: ((أُدْعُهُمْ)) بِإِسْقَاطِ (ثُمَّ) وَقَدْ جَاءَ بِإِسْقَاطِهَا عَلَى الصَّوَابِ فِي
كِتَابِ أَبِي عُبَيْدِ، وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ تَفْسِير لِلْخِصَالِ الثَّلاث، وَلَيْسَتْ
غَيْرهَا.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَيْسَتْ (ثُمَّ)) هُنَا زَائِدَة، بَلْ دَخَلْت لِسْتِفْتَاجِ الْكَلَامِ وَالْأَخْذ.
(ثُمَّ أُدْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّل مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلوا
ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبوا أَنْ يَتَحَوَّلوا مِنْهَا
فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمِ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُون لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُ وا مَعَ الْمُسْلِمِينَ) مَعْنَى
هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّهُمْ إِذَا أَسْلَمُوا أُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يُهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ
كَانُوا كَالْمُهَاجِرِينَ قَبْلِهِمْ فِي اِسْتِحْقَاقِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَة وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُمْ أَعْرَاب
كَسَائِرٍ أَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ السَّاكِنِينَ فِي الْبَادِيَةِ مِنْ غَيْرِ هِجْرَةٍ وَلَا غَزْو، فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ
أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَلَا حَقٌّ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْء، وَإِنَّمَا يَكُون لَهُمْ نَصِيب مِن الزَّكَاةِ إِنْ
کَانُوا بِصِفَةِ اِسْتِحْقَاقهَا.
قَالَ الشَّافِعِيّ: الصَّدَقَاتِ لِلْمَسَاكِينِ وَنحوِهِمْ مِمَّنْ لَا حَقٌّ لَهُ فِي الْفَيْء لِلْأَجْنَادِ.
قَالَ: وَلَا يُعْطَى أَهْلِ الْفَيْءٍ مِن الصَّدَقَاتِ، وَلَا أَهْلِ الصَّدَقَاتِ مِن الْفَيْءِ، وَاحْتَجّ
بِهَذَا الْحَدِيث.
وَقَالَ مَالِك وَأبو حنيفة: الْمَالَانِ سَوَاءِ، وَيَجُوز صَرْفِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى
التَّوْعَيْنِ.

٩٥
كتاب الجهاد/ باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
وَقَالَ أبو عُبَيْد: هَذَا الْحَدِيثِ مَنْسُوخٍ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحُكْم فِي أول
الْإِسْلَامِ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أُولَى
بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] وَهَذَا الَّذِي إِدَّعَاهُ أَبو عُبَيْد لَا يُسَلَّم لَهُ.
(فَإِنْ هُمْ أَبُوا فَسَلْهُمِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ) هَذَا مِمَّا
يَسْتَدِلّ بِهِ مَالِكِ وَالأوزَاعِي وَمُوَافِقُوهُمَا فِي جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَة مِنْ كُلّ كَافِرِ عَرَبِيًّا كَانَ أُو
عَجَمِيًّ كِتَابِيًّا أو مَجُوسِيًّا أو غَيْرِهمَا.
وَقَالَ أبو حنيفة ◌َ: تُؤْخَذ الْجِزْيَة مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إِلَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمَجُوسهمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ: لَا يُقْبَلِ إِلَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ عَرَبًا كَانُوا أَو عَجَمًّا،
وَيَحْتَجَ بِمَفهومِ آيَةِ الْجِزْيَة، وَبِحَدِيثِ: ((سُنُّوا بِهِمْ سُنَّة أَهْلِ الْكِتَاب)) وَيُتَأول هَذَا الْحَدِيث
عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ اِسْمِ الْمُشْرِكِ يُظْلَقِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَاب
وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ تَخْصِيصهمْ مَعْلوما عِنْدِ الصَّحَابَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْجِزْيَةِ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيّ: أَقَلْهَا دِينَارِ عَلَى الْغَنِيّ وَدِينَارِ عَلَى الْفَقِير
أَيْضًا فِي كُلّ سَنَةٍ، وَأَكْثَرِهَا مَا يَقَعِ بِهِ التَّرَاضِي، وَقَالَ مَالِك: هِيَ أَرْبَعَة دَنَانِيرٍ عَلَى أَهْل
الذَّهَب وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًّا عَلَى أَهْلِ الْفِضَّة، وَقَالَ أبو حنيفة وَغَيْرهِ مِن الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَد عِظُه:
عَلَى الْغَنِيّ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَالْمُتَوَسِّط أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ، وَالْفَقِيرِ إِثْنَا عَشَرَ.
قَوْله ◌َّهُ: (وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلِ حِصْنَ فَأَرَادُوكِ أَنْ تَجْعَل لَهُمْ ذِمَّةُ اللّه وَذِمَّة نَبِّه،
فَلَا تَجْعَل لَهُمْ ذِمَّةِ الله وَذِمَّة نَبِيّه، وَلَكِن إِجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتك وَذِمَّةٍ أَصْحَابك، فَإِنَّكُمْ
إِنْ تُخْفِرُوا) بِضَمِّ الثَّاء، يُقَال: أَخَفَرْتِ الرَّجُلِ إِذَا نَقَضْت عَهْده، وَخَفَرْتِهِ أَمِنْته وَحَمَيْتِهِ،
قَالُوا: وَهَذَا نَهْي تَنْزِيه؛ أي: لَا تَّجْعَل لَهُمْ ذِمَّة الله، فَإِنَّهُ قَدْ يَنْقُضِهَا مَنْ لَا يَعْرِفِ حَقّهَا،
وَيَنْتَهِكِ حُرْمَتهَا بَعْض الْأَعْرَابِ وَسَوَادِ الْجَيْش (ذِعَمَكُمْ وَذِمَم أَصْحَابِكُمْ أهون مِنْ
أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّة الله وَذِمَّة رَسُولِه ◌ِوَلِهِ) قَالَ الْعُلَمَاءِ: الذُّمَّة هُنَا: الْعَهْد.
(وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلِ حِصْنِ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلِهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلَا تُنْزِلُهُمْ عَلَى
حُكْم الله، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمك؛ فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْم الله فِيهِمْ أَمْ

٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
لَا) هَذَا الَّهْي أَيْضًا عَلَى التَّنْزِيه وَالإِحْتِيَاطِ، وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ يَقُول: لَيْسَ كُلّ مُجْتَهِد
مُصِيبًا، بَلِ الْمُصِيبِ وَاحِد، وهو الْمُوَافِقِ لُحُكْمِ الله تَعَالَى فِي نَفْس الْأَمْرِ، وَقَدْ تُجِيب
عَنْهُ الْقَائِلونَ بِأَنَّ كُلّ ◌ُجْتَهِد مُصِيبٍ بِأَنَّ الْمُرَادِ أَنَّك لَا تَأْمَن مِنْ أَنْ يَنْزِل عَلَيَّ وَحْي
بِخِلَافِ مَا حَكَمْت، وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ بَعْدِ النَّبِيّ ◌َّ.
٣٩٣٠ - [وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُوْنَى: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ
فِيهَا الْعدو انْتَظَرَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ فِي الناس فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا
تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعدو وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ
ظِلَالِ السُّيُوفِ)) ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الأُحْزَابِ اهْزِمْهُمْ
وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
﴿ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قُوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغزو بِنَا حَتَّى
٣٩٣١ - [وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ
يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ إِليهم، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ. قَالَ:
فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلاً، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ
أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَبِي لَتَمَسُّ قَدَمَ نَبِيِّ اللهِ لَ قَالَ: فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ
فَلَمَّا رَأُوا النَّبِيَّ ◌َيِّ قَالُوا: مُحَمَّدُّ وَالله، مُحَمَّدَّ وَالْخَمِيسُ. فَلَجَؤُوا إِلَى الحِصْنِ، فَلَمَّا رَآهُمْ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((اللّهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ
صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
٣٩٣٢ - [وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرٍِّ قَالَ: ((شَهِدْتُ الْقِتَالَ مَعَ رَسُولِ الله
ـوسـ
فَكَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أُولَ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ وَتَحْضُرَ الصَّلَاة)). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ](٣).
(١) أخرجه البخاري (٢٨٠٤)، ومسلم (١٧٤٢)، وأحمد (١٩١٣٧)، وأبو داود (٢٦٣١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٤)، ومسلم (١٣٦٥)، والطبراني (٤٧٠٤)، وابن أبي شيبة (٣٦٨٧٦)، وابن
حبان (٦٥٢١).
(٣) أخرجه البخاري (٣١٦٠).

٩٧
كتاب الجهاد/ باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
(الفصل الثاني)
٣٩٣٣ - [عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: ((شَهِدْتُ مع رَسُولَ اللهِ وَ﴿ فكان إِذَا لَمْ
يُقَاتِلْ مِنْ أُولِ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ)). رَوَاهُ أبو
داود](١).
٣٩٣٤ - [وَعَنْ قَتَادَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرٍِّ قَالَ: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ الله ◌َِهـ
فَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَمْسَكَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَاتَلَ، فَإِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ
أَمْسَكَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ قَاتَلَ حَتَّى الْعَصْرِ، ثُمَّ أَمْسَكَ حَتَّى يُصَلِّ
الْعَصْرَ، ثُمَّ يُقَاتِلُ. قَالَ قتادة: كَانَ يُقَالَ: عِنْدَ ذَلِكَ تَهِيجُ رِيَاحُ النَّصْرِ، وَيَدْعُو الْمُؤْمِنُونَ
◌ِخُيُوشِهِمْ فِي صَلَاتِهِم)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٢).
٣٩٣٥ - [وَعَنِ عِصَامِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: بعثنا رَسُولُ اللّهِ وَّهِ فِي سَرِيَّةً فَقَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمْ
مَسْجِدًا أُو سَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا فَلَا تَقْتُلوا أَحَدًّا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود](٣).
(الفصل الثالث)
٣٩٣٦ - [عَنْ أَبِي وَائِلِ، قَالَ: كَتَبَ خالد بن الوليد إِلَى أَهْلِ فَارِسَ يَدْعُوهُمْ إِلَى
الإِسْلامِ: ((بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ خالد بن الوليد إِلَى رُسْتُمَ ومِهْرَانَ فِي مِلَاءِ
فَارِسَ، سَلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ .. فَإِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ
فَأَعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتُمْ صَاغِرُونَ، فَإِنَّ مَعِي قَوْمًا يُحِبُّونَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَا
يُحِبُّ فَارِسُ الْخَمْرَ، وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)). رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ)](٤).
(١) أخرجه أحمد (٢٤٤٦٥)، وأبو داود (٢٦٥٧)، والترمذي (١٧١١).
(٢) أخرجه أحمد (١٧١٠).
(٣) أخرجه أحمد (١٥٧٥٢)، وأبو داود (٢٦٣٥)، والترمذي (١٥٤٩) وقال: غريب. والنسائي في
((الكبرى)) (٨٨٣١)، والشافعي في ((الأم)) (١٧٢/٤)، وابن أبي شيبة (٣٣٠٧٧)، والبخاري في
(التاريخ الكبير)) (٧٠/٧)، والطبراني (٤٦٧)، والبيهقي (١٨٠١٧).
(٤) أخرجه الطبراني (٣٧١٧)، ولم أقف عليه في ((شرح السنة).

(باب القتال في الجهاد)
(الفصل الأول)
٣٩٣٧ - [عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌّ لِلنَّبِيِّ وَهِ يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ
أَنَا؟ قَالَ: ((فِي الْجَنَّةِ)) فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
٣٩٣٨ - [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا
وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ - يَعْنِي: غَزْوَةُ تَبُوكَ - غَزَاهَا رَسُولُ الله ◌ٍَّ فِي
حَرِّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًّا بَعِيدًا وَمَفَازًّا وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا
أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٥).
(وَعَدُوًّا كَثِيرًا) فِي رِوَايَةٍ: ((وَغَزْو عَدُو كَبِير)) (فَجَلَّ) بِالْحِيمِ وَتَشْدِيد اللَّام،
وَيَجُوز تَخْفِيفهَا؛ أي: أوضَحَ (أَهْبَة غَزْوِهِمْ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ: ((أَهْبَة عَدُوّهُمْ))
وَالْأُهْبَةِ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَسُكُونِ الْهَاءِ: مَا يُحْتَاجِ إِلَيْهِ فِي السَّفَر وَالْحَرْب.
٣٩٣٩ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ ((الْخَرْبُ خُدْعَةُ)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٣).
(الْحَرْبُ خُدْعَةٌ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَبِضَمِّهَا مَعَ سُكُونِ الْمُهْمَلَةِ فِيهِمَا وَبِضَمِّ أوله
وَفَتْح ثَانِیه.
قَالَ النَّوَوِيّ: اِنَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأولى الْأَفْصَحِ، حَتَّى قَالَ ثَعْلَب: بَلَغَنَا أَنَّهَا لُغَة النَّبِيّ
وَلَه وَبِذَلِكَ جَزَمَ أبو ذرِّ الْهَرَوِيُّ وَالْقَزَّازِ. وَالثَّانِيَة ضُبِطَتْ كَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْأُصِيلِيِّ.
قَالَ أبو بكر بْن طَلْحَة: أَرَادَ ثَعْلَب أَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ كَانَ يَسْتَعْمِلِ هَذِهِ الْبِنْيَة كَثِيرًا؛
(١) أخرجه البخاري (٤٠٦٤)، ومسلم (٥٠٢٢)، وأحمد (١٤٦٨٥)، والنسائي (٣١٦٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٤٨).
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٦٦)، ومسلم (١٧٣٩)، والطيالسي (١٦٩٨)، وأحمد (١٤٢١٣)، وأبو داود
(٢٦٣٦)، وابن حبان (٤٧٦٣)، والترمذي (١٦٧٥) وقال: حسن صحيح. وأبو عوانة (٦٥٣٠)،
والبيهقي (١٣٠٥٧)، والقضاعي (٩).
- ٩٨ -

٩٩
كتاب الجهاد/ باب القتال في الجهاد
لوجَازَةٍ لَفْظهَا وَلِكَوْنِهَا تُعْطِي مَعْنَى الْبِنْيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ.
قَالَ: وَيُعْطِي مَعْنَاهَا أَيْضًا الْأَمْرِ بِاسْتِعْمَالِ الْحِيلَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ وَلو مَرَّة وَإِلَّ
فَقَاتِل، قَالَ: فَكَانَتْ مَعَ إِخْتِصَارِهَا كَثِيرَة الْمَعْنَى.
وَمَعْنَى خَدْعَةٍ بِالْإِسْكَانِ: إِنَّهَا تَخْدَعَ أَهْلِهَا، مِنْ وَصْف الْفَاعِلِ بِاسْمِ الْمَصْدَر، أو
أَنَّهَا وَصْف الْمَفْعُولِ كَمَا يُقَالِ هَذَا الدِّرْهَمَ ضَرْبِ الْأَمِير؛ أي: مَضْرُوبه.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا مَرَّةٍ وَاحِدَة؛ أي: إِذَا خُدِعَ مَرَّة وَاحِدَة لَمْ تُقَلْ عَثْرَته.
وَقِيلَ: الْحِكْمَةِ فِي الْإِثْيَانِ بِالتَّاءِ لِلذَّلَالَةِ عَلَى الوحْدَة، فَإِنَّ الْخِدَاعِ إِنْ كَانَ مِن
الْمُسْلِمِينَ، فَكَأَنَّهُ حَضَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلو مَرَّةٍ وَاحِدَة، وَإِنْ كَانَ مِن الْكُفَّارِ فَكَأَنَّهُ حَذَّرَهُمْ مِنْ
مَكْرِهِمْ وَلو وَقَعَ مَرَّةٍ وَاحِدَة، فَلَا يَنْبَغِي الَّهَاوُن بِهِمْ لِمَا يَنْشَأْ عَنْهُمْ مِن الْمَفْسَدَة وَلو قَلَّ،
وَفِي اللُّغَةِ الثَّالِئَة صِيغَة الْمُبَالَغَة كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ، وَحَكَى الْمُنْذِرِيُّ لُغَة رَابِعَة بِالْفَتْحِ فِيهِمَا.
قَالَ: وهو جَمْع خَادِعِ؛ أي: إنَّ أَهْلِهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَهْلِ الْحُرَّبِ خَدَعَةٌ.
قُلْت: وَحَكَى مَكِّيٍ وَمُحَمَّد بْن عَبْد الواحِدِ لُغَة خَامِسَة كَسْر أوله مَعَ الْإِسْكَان،
قَرَأَتْ ذَلِكَ بِخَطٌّ مُغَلْطَايٍ، وَأَصْلِ الْخُدْعِ إِظْهَارِ أَمْرِ وَإِضْمَارِ خِلافه.
وَفِيهِ التَّحْرِيضِ عَلَى أَخْذ الْحَذَرِ فِي الْحَرْبِ، وَالنَّدْبِ إِلَى خِدَاعِ الْكُفَّارِ، وَأَنَّ مَنْ
لَمْ يَتَيَقَّظْ لِذَلِكَ لَمْ يَأْمَنِ أَنْ يَنْعَكِسِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كَيْفَمَا أَمْكَنَ، إِلَّا أَنْ
يَكُون فِيهِ نَقْضُ عَهْد أو أَمَانٍ فَلَا يَجُوز.
قَالَ إِبْنِ الْعَرَبِيّ: الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ يَقَع بِالتَّعْرِيضِ وَبِالْكَمِينِ، وَنحو ذَلِكَ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْإِشَارَة إِلَى اِسْتِعْمَالِ الرَّأَي فِي الْحَرْبِ، بَلِ الإِحْتِيَاجِ إِلَيْهِ آكَد مِن
الشَّجَاعَة، وَكَذَا وَقَعَ الإِقْتِصَارِ عَلَى مَا يُشِيرِ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيث، وهو كَقَوْلِهِ:((الحَجّ عَرَفَة)).
قَالَ إِبْنِ الْمُنِير: مَعْنَى ((الْحُرْبِ خَدْعَةٍ)) أي: الْحُرْبِ الْجِيِّدَة لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَة فِي
مَقْصُودهَا إِنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَةِ لَا الْمُوَاجَهَةِ، وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَة وَحُصُول الظَّفَرِ مَعَ
الْمُخَادَعَة بِغَيْرٍ خَطّر.

١٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
ذَكَرَ الواقِدِيُّ أَنَّ أول مَا قَالَ النَِّيّ ◌َِّ: ((الْحَرْب خَدْعَة)» فِي غَزْوَة الْخُنْدَق.
٣٩٤٠ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ الله ◌ِهِ يَغزو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَفِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ
مَعَهُ إِذَا غَزَا يَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١).
٣٩٤١ - [وَعَنْ أَمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: ((غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَّ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَخْلُفُهُمْ
فِي رِحَالِهِمْ فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ وَأُدَاوِي الْخَرْحَى وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢).
٣٩٤٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ وَهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ
وَالصِّبْيَانِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (٣).
٣٩٤٣ - [وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّمَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ
يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ: ((هُمْ مِنْهُمْ)). وفِي رِوايَةٍ: «هُمْ
مِنْ آبَائِهِمْ)» مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
٣٩٤٤ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَطَعَ تَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ وَلَهَا
يَقُولُ حَسَّانُ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيّ
حَرِيقُّ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا
فَبِإِذْنِ الله﴾ [الحشر:٥]. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٥).
٣٩٤٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَوْنٍ: ((أَنَّ نَافِعًا كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ
أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينَ فِي نِعَمِهِمْ بِالْمُرَيْسِيعِ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبِّى
(١) أخرجه مسلم (٤٧٨٥)، والترمذي (١٦٧٠).
(٢) أخرجه مسلم (٤٧٩٣)، وأحمد (٢١٣٣٧)، وابن ماجه (٢٩٦٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٥)، ومسلم (٤٦٤٦)، ومالك (٩٧٠)، وأحمد (٤٨٤٢)، والترمذي (١٦٦٤)،
وابن ماجه (٢٩٤٨).
(٤) أخرجه البخاري (٣٠١٢)، ومسلم (٤٦٤٧)، وأحمد (١٦٨٦٩)، وأبو داود (٢٦٤٧)، وابن ماجه
(٢٩٤٦)، والبيهقي (١٨٥٥٣).
(٥) أخرجه البخاري (٢٣٢٦)، ومسلم (٤٦٥١).