النص المفهرس

صفحات 1-20

فَتْحُ الإِلَهُ
في
شَرَجَ المشكارة
تصنيف
الشَِّ الإِمَّامِ العَلّامَةِ الِحُقِّوْ
ابْنُحِجَ الهَيْتِيّ
المتوفى ٩٧٤ هنه
تحقيق وَتَخْرِيُ وَتعليق
الشَّيخُ أحْمَد فَرَيِّدِ المَرَيَدِيّ
الجُزْء التاسع
الأحاديث من ٣٦٦١ - ٥١٢٢
دار الكتب العلمية®
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
DKi
أسْسَها محمّد عَليْ بيضوت سنة 1971 بَيْرُوت - لبْنَان
Est. by Mohammad Ali Baydoun 1971 Beirut - Lebanon
Établie par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - Liban

الكتاب : فتح الإله
في شرح المشكاة
Title : FATH AL-ILÂH
FĪ ŠARH AL-MIŠKĀT
التصنيف : شرح حديث
Classification: Prophetic hadith explanation
المؤلف :: العلامة المحقق ابن حجر الهيتمي (ت974 هـ)
Author : Ibn Hajar Al-Haytami (D 974H-)
المحقق : الشيخ أحمد فريد المزيدي
Editor : Al-Sheikh Ahmad Farīd Al-Mazidi
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
Publisher : Dar Al-Kotob Al-Ilmīyah - Beirut
عدد الصفحات (10 مجلدات) 5728 (Pages (10 Volumes
Size
17x24 cm
قياس الصفحات
Year
2015 A.D - 1436 H
سنة الطباعة
Printed in : Lebanon
بلد الطباعة : لبنان
Edition : 1ª (2 Colors)
الطبعة : الأولى (لونان)
baydoun@al-ilmiyah.com
sales@al-ilmiyah
info@al-ilmiyah.com
http://www.al-ilmiyah.com
Exclusive rights by @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beirut-Lebanon No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any form or by any
means,or stored in a data base or retrieval system,without
the prior written permission of the publisher.
Tous droits exclusivement réservés à @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beyrouth-Liban Toute représentation, édition, traduction ou reproduction
même partielle, par tous procédés, en tous pays, faite sans autorisation
préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à
des poursuites judiciaires.
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية
بيروت-لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب
كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Dar Al-Kotob
Al-ilmiyah
Est. by Mohamad Ali Baydoun
1971 Beirut - Lebanon
Aramioun, al-Quebbah,
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg
Tel
+961 5 804 810/11/12
Fax
+961 5 804813
P.o. Box, 11-9424 Beirut-Lebanon.
Riyad al-Soloh Beirut 1107 2290
عبرمون القية: ميتى دار الكتب العلمية
هاتف: ٤٨١٠/١١/١٢ ٥٨ ٩٦١+
٥٨٠٤٨١٣ ٩٦١+
فاکس
بيروت-تيبان
ص .ب: ٩٤٢٤-١١
:٧٢٢٩ ١١
رياض الصلح-بيروت
ISBN-13: 978-2-7451-7813-8
90000
ISBN-10: 2-7451-7813-X
9 782745 178138

بسـِ اللَّهِالرَّحْمنِالرّحِيمِ
(كتاب الإمارة والقضاء)
(الفصل الأول)
٣٦٦١ - [عَنْ أَّبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ،
وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ
عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللّه وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ
بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٣٦٦٢ - [وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله
((إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ
عَبْدٌ مُجَدَّعْ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢).
(إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدُ مُجَدَّعْ) الْمُجَدَّعِ بِفَتْجِ الْحِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ،
وَالْجُدْعِ: الْقَطْعِ مِنْ أَصْلِ الْعُضْو؛ وَمَقْصُوده: التَّنْبِيه عَلَى نِهَايَة خِسَّته، فَإِنَّ
الْعَبْدِ خَسِيسٍ فِي الْعَادَةِ، ثُمَّ سَوَاده نَقْصَّ آخَرِ، وَجَدْعه نَقْص آخَر، وَفِي الْحَدِيث الْآخَر:
(كَأَنَّ رَأْسِه زَبِيبَة)) وَمِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ مَجْمُوعَة فِيهِ فهو فِي نِهَايَةِ الْخِسَّةِ، وَالْعَادَة أَنْ
يَكُون مُمْتَهَنَّا فِي أَرْذَل الْأَعْمَالِ، فَأَمَرَ وَهِ بِطَاعَةٍ وَلِي الْأَمْرِ، وَلو كَانَ بِهَذِهِ الْخُسَاسَة مَا
دَامَ يَقُودِنَا بِكِتَابِ الله تَعَالَى.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَاهُ: مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِالْإِسْلَامِ وَالدُّعَاءِ إِلَى كِتَابِ اللّه تَعَالَى
عَلَى أي حَالِ كَانُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ وَأَخْلَاقهمْ، وَلَا يُشَقّ عَلَيْهِم الْعَصَا، بَلْ إِذَا
(١) أخرجه البخاري (٢٧٩٧)، ومسلم (١٨٣٥)، والنسائي (٤١٩٣)، وابن أبي شيبة (٣٢٥٢٩)، وأحمد
(٧٤٢٨)، وابن ماجه (٢٨٥٩).
(٢) أخرجه ومسلم (١٢٩٨)، وابن أبي شيبة (٣٢٥٣٧)، وابن ماجه (٢٨٦١)، وابن حبان (٤٥٦٤).
- ٣ -

٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
ظَهَرَتْ مِنْهُم الْمُنْكَرَاتِ وُعِظُوا وَذُكِّرُوا.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يُؤْمَر بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة لِلْعَبْدِ مَعَ أَنَّ شَرْط الْخَلِيفَةِ كَوْنِهِ قُرَشِيًّا؟
فَالْجَوَابِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: إِنَّ الْمُرَادِ بَعْض الولاة الَّذِينَ يُوَلِّيهِم الْخُلِيفَة وَنُوَّابِهِ، لَا
أَنَّ الْخُلِيفَة يَكُون عَبْدًا.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْمُرَاد لو قَهَرَ عَبْد مُسْلِمٍ وَاسْتَوْلَى بِالْقَهْرِ نَفَذَتْ أَحْكَامِه، وَوَجَبَتْ
طَاعَتِه، وَلَمْ يَجُزْ شَقَ الْعَصَا عَلَيْهِ، والله أعلم. [النووي (٤٢٢/٤)].
٣٦٦٣ . [وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ قَالَ: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ
حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) أي: فِيمَا فِيهِ طَاعَةٌ لِله (وَإِن أُسْتُعْمِلَ) أي: جُعِلَ عَامِلاً،
وَلِلْبُخاري في ((الْأَحْكَامِ)) عَنْ مُسَدَّد عَنْ يَحْتَى: ((وَإِن أُسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْد حَبَشِيّ)»
وَذَكَرَهُ بَعْدَ بَابٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِلَفْظِ: ((قَالَ النَّبِيّ ◌ََّ لِأَبِي ذَرٍّ: إِسْمَعْ
وَأَطِعْ.)).
وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَر أَيْضًا لَكِنْ بِإِسْنَادٍ لَّهُ آخَرَ عَنْ شُعْبَة عَنْ
أَبِي عِمْرَانَ الْجُونِيِّ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الصَّامِت عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: ((إِنَّ خَلِيلِي ◌َّ أَوْصَانِي
أَن إِسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّ ◌ُجَدَّعِ الْأَظْرَاف)).
وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمْ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الوجْهِ، وَفِيهِ قِصَّة أَنَّ أَبَا ذَرِّ إِنْتَهَى إِلَى الرَّبَذَة
وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةِ فَإِذَا عَبْدُ يَؤُمُّهُمْ، قَالَ: فَقِيلَ: هَذَا أبو ذرٍّ، فَذَهَبَ يَتَأَخَّر، فَقَالَ أبو
ذر: (أوصَانِي خَلِيلِي ◌َلّ.)) فَذَكَرَ الْحَدِيث.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ غُنْدَر أَيْضًا عَنْ شُعْبَةٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ
سَمِعْتِ جَدَّتِي تُحَدِّث أَنَّهَا سَمِعْتِ النَّبِيّ ◌َِّ يَخْطُب فِي حَجَّة الودَاعِ يَقُول: ((وَلو أُسْتُعْمِلَ
عَلَيْكُمْ عَبْدِ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ الله)) وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة فَائِدَتَانٍ: تَعْبِين جِهَة الطَّاعَةِ،
(١) أخرجه البخاري (٦٧٢٣)، وأحمد (١٢١٤٧)، وابن ماجه (٢٨٦٠)، والبيهقي (٦٣٨٣)، وأبو يعلى
(٤١٧٦).

٥
كتاب الإمارة والقضاء
ـح الله
وَتَارِيخِ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ كَانَ فِي أواخِر عَهْد النَّبِيّ
(كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ) قِيلَ: شَبَّهَهُ بِذَلِكَ لِصِغَرٍ رَأْسِه، وَذَلِكَ مَعْرُوفٍ فِي الْحَبَشَةِ،
وَقِيلَ: لِسَوَادِهِ، وَقِيلَ: لِقِصَرِ شَعْرِ رَأْسِه وَتَفَلْفُلِهِ.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ عَلَى صِحَّة إِمَامَةِ الْعَبْدِ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِطَاعَتِهِ، فَقَدْ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ
خَلْفَهُ قَالَهُ إِبْنِ بَطَالٍ، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون مَأْخُوذًا مِنْ جِهَة مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ أَنَّ
الْأَمِيرِ هو الَّذِي يَتَوَّى الْإِمَامَة بِنَفْسِهِ أو نَائِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْمَنْعِ مِن الْقِيَامِ عَلَى
السَّلَاطِينِ، وَإِنْ جَارُوا؛ لِأَنَّ الْقِيَامِ عَلَيْهِمْ يُفْضَى غَالِبًا إِلَى أَشَدَّ مِمَّا يُنْكَرِ عَلَيْهِمْ.
وَوَجْهُ الَّلَالَة مِنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِطَاعَةِ الْعَبْدِ الْحَبَشِيّ وَالْإِمَامَةِ الْعُظْمَى إِنَّمَا تَكُون
بِالإِسْتِحْقَاقِ فِي قُرَيْشٍ، فَيَكُون غَيْرِهِمْ مُتَغَلِّبًا، فَإِذَا أَمَرَ بِطَاعَتِهِ إِسْتَلْزَمَ النَّهْي عَنْ
◌ُخَالَفَتِهِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ.
وَرَدَّهُ إِبْنِ الْجَوْزِيّ بِأَنَّ الْمُرَادِ بِالْعَامِلِ هُنَا مَنْ يَسْتَعْمِلهُ الْإِمَامِ لَا مَنْ تَلِي الْإِمَامَة
الْعُظْمَى، وَبِأَنَّ الْمُرَاد بِالطَّاعَةِ الطَّاعَةِ فِيمَا وَافَقَ الْحَقِ. إِنْتَهَى.
وَلَا مَانِعٍ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ وُجِدَ مَنْ وَلِيَ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى مِنْ غَيْرِ
قُرَيْش مِنْ ذَوَى الشَّوْكَة مُتَغَلِّبًا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ ((الْأَحْكَامِ)) وَقَدْ عَكَسَهُ
بَعْضهمْ، فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِمَامَةِ فِي غَيْرِ قُرَيْش، وهو مُتَعَقَّبُ؛ إِذْ لَا تَلَازُم بَيْنَ
الْإِجْزَاء وَالْجَوَازِ، وَالله أَعْلَم. [الفتح (٣٢/٣)].
٣٦٦٤ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((السَّمْعُ
وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَّرِةٍ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا
سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
٣٦٦٥ [وَعَنْ عَلىَّ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا
(١) أخرجه البخاري (٦٧٢٥)، ومسلم (١٨٣٩)، أحمد (٦٢٧٨)، وأبو داود (٢٦٢٦)، والترمذي
(١٧٠٧) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٤٢٠٦)، وابن ماجه (٢٨٦٤)، وابن أبي شيبة (٣٣٧٠٧)،
وابن الجارود (١٠٤١)، وأبو عوانة (٧١٠٨)، والبيهقي (٥١١٧)، والديلمي (٣٥٦٨).

٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٣٦٦٦ - [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِنَّهِ عَلَى السَّمْعِ
وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثْرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَلَّا نُنَازِعَ الأَمْرَ
أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا تَخَافُ فِي الله لومَةَ لَائِمٍ. وِفِي رِوايَةٍ: وَعَلَى أَلَّا
نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللّه فِيهِ بُرْهَانٌ. مُتَّفَقُ
عَلَيْهِ](٢).
(عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) صِلَة «بَايَعْنَا)) بِتَضْمِينِ مَعْنَى الْعَهْد؛ أي: عَلَى أَنْ نَسْمَعَ
كَلَامَك وَنُطِيعَك فِي مِرَاسك، وَكَذَا مَنْ يَقُومِ مَقَامك مِن الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدك (وَالْمَنْشَط
وَالْمَكْرَهِ) مَفْعَل بِفَتْحِ مِيمٍ وَعَيْنِ مِنِ النَّشَاطِ وَالْكَرَاهَةِ، وَهُمَا مَصْدَرَانٍ؛ أي: فِي حَالَة
النَّشَاط وَالْكَرَاهَة؛ أي: حَالَة إِنْشِرَاح صُدُورنَا وَطِيب قُلوبنَا وَمَا يُضَادُّ ذَلِكَ، أو إِسْمَا
زَمَان وَالْمَعْنَى وَاضِح، أو إِسْمَا مَكَان؛ أي: فَمَا فِيهِ نَشَاطِهِمْ وَكَرَاهَتهمْ كَذَا قِيلَ، وَلَا
يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِن الْمَعْنَى عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنهمَا اِسْمَيْ مَكَان مَعْنَى مَجَازِيّ، وَكَذَا قَالَ
بَعْضِهِمْ: كَوْنَهُمَا إِسْمَيْ مَكَّن بَعِيد (وَعَلَى أَلَّا نُنَازِعَ الأَمْرَ) أي: الْإِمَارَة أو كُلّ أَمْر
(أَهْله) الضَّمِيرِ لِلْأَمْرِ؛ أي: إِذَا ؤُكَّلَ الْأَمْرِ إِلَى مَنْ هو أَهْلِ لَهُ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَجُرّهُ إِلَى
غَيْرِهِ سَوَاء كَانَ أَهْلاً أَمْ لَا (وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقّ) بِإِظْهَارِهِ وَتَبْلِيغه (أَيْنَمَا كُنَّا لَا تَخَافُ)
أي: لَا نَتْرُكِ قَوْل الْحَقّ لِخَوْفٍ مَلَامَتهمْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْخَوْف مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَدِّي إِلَى تَرَك
فَلَيْسَ بِمَنْهِيٌّ عَنْهُ، بَلْ وَلَا فِي قُدْرَة الْإِنْسَانِ الإِحْتِرَازِ عَنْهُ. [حاشية السندي على
النسائي ( ٤٥٨/٤)].
٣٦٦٧ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ الله
(١) أخرجه البخاري (٤٠٨٥)، ومسلم (١٨٤٠)، وأحمد (٦٢٢)، وابن أبي شيبة (٣٣٧٠٦)، وأبو
داود (٢٦٢٥)، والنسائي (٤٢٠٥)، وأبو يعلى (٣٧٨)، وأبو عوانة (٧١١٢)، وابن حبان
(٤٥٦٧).
(٢) أخرجه البخاري (٧٠٥٦)، ومسلم (٤٨٧٤)، وأحمد (٢٣٣٩٤)، والنسائي (٤١٦٨).

٧
كتاب الإمارة والقضاء
وَ﴿ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: ((فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
٣٦٦٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا
يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدُّ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ إِلَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٩).
٣٦٦٩ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ خَرَجَ مِنَ
الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ
لِعَصَبِيَّةٍ أو يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةُ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي بِسَيْفِهِ يَضْرِبُ
بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَّا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَلَسْتُ
مِنْهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٣).
٣٦٧٠ - [وعَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ عَنِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((خِيَارُ
أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ
أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ)) قَالَ: قُلْنَا: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((لَا مَا أَقَامُوا فِيَكُمُ الصَّلَاةَ، لَا مَا أَقَامُوا
فِيكُمُ الصَّلَاةَ، أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ فَلْيَكْرَوْ مَا يَأْتِي
مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ) (٤).
٣٦٧١ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ
(١) أخرجه البخاري (٧٢٠٢)، ومسلم (٤٩٤٣)، وأحمد (٤٦٦٥)، والنسائي (٤٢٠٤)، ومالك (١٨١١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٨٤٩)، وأحمد (٢٨٢٦)، وأبو يعلى (٢٣٤٧)، والطبراني
(١٢٧٥٩)، والدارمي (٢٥١٩)، والبيهقي (١٦٣٩٣)، وأبو عوانة (٧١٧٨).
(٣) أخرجه مسلم (١٨٤٨)، وابن أبي شيبة (٣٧٢٤٣)، وأحمد (٧٩٣١)، والنسائي (٣٥٧٩)، وابن
حبان (٤٥٨٠)، وأبو عوانة (٧١٦٩)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٦٣٨٨)، وفي («شعب
الإيمان)) (٧٤٩٥).
(٤) أخرجه مسلم (١٨٥٥)، وأحمد (٢٤٠٢٧)، والدارمي (٢٧٩٧)، والبزار (٢٧٥٢)، والطبراني في
((الشاميين)) (٥٨٦)، والبيهقي (١٦٤٠٠)، والديلمي (٢٨٧٢).

٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهِ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ))
قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: ((لَا مَا صَلوا، لَا مَا صَلوا)) أي: مَنْ كَرِهِ بِقَلْبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ.
رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
٣٦٧٢ - [وعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لنا رسول الله ◌ََّ: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ
بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا) قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ،
وَسَلُوا اللهَ حَقَّكُمْ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
٣٦٧٣ - [وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حَجَرِ قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ الله ◌َِّ
فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا
تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمَّلْتُمْ)). رَوَاهُ
مُسْلِمْ)(٣).
٣٦٧٤ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ خَلَعَ
يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ
مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٤).
٣٦٧٥ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَّ قَالَ: ((كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ
الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيُّ خَلَفَهُ نَبِيُّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ))
قَالوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ((فُوا بِبَيْعَةِ الأولِ فَالأول، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا
اسْتَرْعَاهُم)». مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٥).
٣٦٧٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِذَا بُوبِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلوا
(١) أخرجه مسلم (٤٩٠٧)، والبغوي (١٦٥/٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٠٨)، ومسلم (١٨٤٣)، وأحمد (٤١٢٧).
(٣) أخرجه مسلم (١٨٤٦)، والترمذي (٢١٩٩) وقال: حسن صحيح.
(٤) أخرجه مسلم (١٨٥١)، وأبو عوانة (٧١٥٣)، والبيهقي (٦٣٨٩).
(٥) أخرجه البخاري (٣٢٦٨)، ومسلم (١٨٤٢)، وأحمد (٧٩٤٧)، وابن ماجه (٢٨٧١).

٩
كتاب الإمارة والقضاء
الآخَرَ مِنْهُمَا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(إِذَا بُوِيعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا) هَذَا تَحْمُول عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَنْدَفِعِ إِلَّا
بِقَتْلِهِ، وإِذَا بُوبِعَ لِخَلِيفَةٍ بَعْد خَلِيفَةٍ، فَبَيْعَة الْأُولِ صَحِيحَة يَجِب الوفَاء بِهَا، وَبَيْعَة
الثَّانِي بَاطِلَة يَحْرُمُ الوفَاء بِهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ طَلَبِهَا، وَسَوَاء عَقَدُوا لِلَّانِي عَالِمِينَ بِعَقْدٍ
الْأول أو جَاهِلِينَ، وَسَوَاء كَانَا فِي بَلَدَيْنِ أو بَلَد، أو أَحَدهمَا فِي بَلَدِ الْإِمَامِ الْمُنْفَصِل
وَالْآخَرِ فِي غَيْرِه، هَذَا هو الصَّوَابِ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابِنَا وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقِيلَ: تَكُون لِمَنْ عُقِدَتْ لَهُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ، وَقِيلَ: يُقْرَعْ بَيْنِهِمْ، وَهَذَانِ فَاسِدَانٍ،
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزِ أَنْ يُعْقَد ◌ِخَلِيفَتَيْنِ فِي عَصْرِ وَاحِد سَوَاء إِنَّسَعَتْ دَار
الْإِسْلَامِ أَمْ لَا.
وَقَالَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِه ((الْإِرْشَاد)): قَالَ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزِ عَقْدهَا
لِشَخْصَيْنِ، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزِ عَقْدِهَا لِاثْنَيْنِ فِي صُفْع وَاحِد، وَهَذَا مُجْمَعِ عَلَيْهِ.
قَالَ: فَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ وَتَخَلَّلَتْ بَيْنِهِمَا شُسُوعٍ فَلِلِحْتِمَالِ فِيهِ مَجَال،
قَالَ: وهو خَارِجِ مِن الْقَوَاطِعِ، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ هَذَا الْقَوْل عَنْ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْل
الْأَصْلِ، وَأَرَادَ بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وهو قَوْل فَاسِد مُخَالِفِ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَف وَالْخُلَف،
وَلِظَوَاهِرِ إِظْلَاقِ الْأَحَادِيث، والله أعلم. [النووي (٣١٦/٦)].
٣٦٧٧ [وَعَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتُ
وَهَنَاتُ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَفْيَ جَمِيعُ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ)).
31- (٢)
رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢).
(سَتَكُونُ هَنَاتٍ وَهَنَاتٍ) الْهَنَاتِ جَمْعٍ: هَنَةٍ، وَتُظْلَقَ عَلَى كُلّ شَيْءِ، وَالْمُرَاد بِهَا
هُنَا: الْفِتَنِ وَالْأُمُورِ الْحَادِثَةِ.
(فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّق أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّة، وَهِيَ جَمِيعٍ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ)
(١) أخرجه مسلم (١٨٥٣)، وأبو عوانة (٧١٣٣)، والبيهقي (١٦٣٢٤).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٥٢)، وأحمد (٢٠٢٩٢)، وأبو داود (٤٧٦٢)، والنسائي (٤٠٢١).

١.٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
فِيهِ الْأَمْرِ بِقِتَالٍ مَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ، أو أَرَادَ تَفْرِيقِ كَلِمَة الْمُسْلِمِينَ وَنحو ذَلِكَ،
وَيَنْفَى عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ قُوتِلَ، وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعِ شَرّه إِلَّا بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ كَانَ هَدَرًا، فَقَوْله
وَّ: (فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ)، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: ((فَاقْتُلُوهُ)) مَعْنَاهُ: إِذَا لَمْ يَنْدَفِع إِلَّا
بِذَلِكَ.
٣٦٧٨ - [وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ
عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أو يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ) . رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١).
(يُرِيدُ أَنْ يَشْقَّ عَصَاكُمْ أو يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ) مَعْنَاهُ: يُفَرِّق جَمَاعَتِكُمْ كَمَا
تُفَرَّقُ الْعُصَاةِ الْمَشْقُوقَة، وهو عِبَارَةٍ عَنِ اِخْتِلَافِ الْكَلِمَة وَتَنَافُرِ النُّفُوس.
٣٦٧٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: «مَنْ بَايَعَ إِمَامًا
فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا
عُنُقَ الآخَرِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢).
٣٦٨٠ - [وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ إِ: ((لَا تَسْأَلِ
الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرٍ مَسْأَلَةٍ
أُعِنْتَ عَلَيْهَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
(عَنْ مَسْأَلَةٍ) أي: سُؤَالٍ (وُكِلْت إِلَيْهَا) بِضَمِّ الواو وَكَسْر الْكَاف مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا
وَسُكُون اللَّامِ، وَمَعْنَى الْمُخَفَّف؛ أي: صُرِفَ إِلَيْهَا وَمَنْ وُكِلَ إِلَى نَفْسِه هَلَكَ، وَمِنْهُ فِي
الدُّعَاءِ: ((وَلَا تَكِلِنِي إِلَى نَفْسِي)) وَوَكَلَ أَمْرِهِ إِلَى قُلَان صَرَفَهُ إِلَيْهِ، وَوَكَلَهُ بِالتَّشْدِيدِ:
اِسْتَحْفَظَهُ؛ وَمَعْنَى الْحَدِيث: إنَّ مَنْ طَلَبَ الْإِمَارَةِ فَأُعْطِيَهَا تُرِكَتْ إِعَانَتِه عَلَيْهَا مِنْ أَجْل
حِرْصه، وَيُسْتَفَادِ مِنْهُ أَنَّ طَلَب مَا يَتَعَلَّقِ بِالْحُكْمِ مَكْرُوهِ، فَيَدْخُل فِي الْإِمَارَةِ الْقَضَاءِ
(١) أخرجه مسلم (٤٩٠٤)، والطبراني (١٣٨١٢)، والبيهقي (١٧١٣٦).
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٨٢)، وأحمد (٦٧٩٣)، ومسلم (١٨٤٤)، والنسائي (٤١٩١)، وابن ماجه
(٣٩٥٦).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٤٨)، ومسلم (١٦٥٢)، وابن أبي شيبة (٣٢٥٤٣)، وأحمد (٢٠٦٤٧)، وأبو داود
(٢٩٢٩)، والترمذي (١٥٢٩) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٣٧٨٤).

١١
كتاب الإمارة والقضاء
وَالْحِسْبَةِ وَنحو ذَلِكَ، وَأَنَّ مَنْ حَرَصَ عَلَى ذَلِكَ لَا يُعَان.
وَيُعَارِضِهُ فِي الظَّاهِرِ مَا أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ رَفَعَهُ: «مَنْ طَلَبَ قَضَاء
الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْله جَوْرِهِ فَلَهُ الْجَنَّةِ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرِهِ عَدْله فَلَهُ النَّارِ».
وَالْجُمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِه لَا يُعَانِ بِسَبَبٍ طَلَبه ◌َلَا يَحْصُلَ مِنْهُ الْعَدْلِ
إِذَا وَلِيٍ، أو يُجْمَلِ الظَّلَبِ هُنَا عَلَى الْقَصْدِ وَهُنَاكَ عَلَى الثَّوْلِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَبِي
مُوسَى: ((إِنَّا لَا نُوَلِّي مَنْ حَرَصَ)) وَلِذَلِكَ عَبَّرَ فِي مُقَابِلِه بِالْإِعَانَةِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن
الله عَوْن عَلَى عَمَله لَا يَكُون فِيهِ كِفَايَة لِذَلِكَ الْعَمَلِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَاب سُؤَّاله، وَمِن
الْمَعْلومِ أَنَّ وِلَايَةِ لَا تَخْلُو مِن الْمَشَقَّةِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن اللهِ إِعَانَة تَوَرَّطَ فِيمَا دَخَلَ
فِيهِ وَخَسِرَ دُنْيَاهُ وَعُقْبَاهُ، فَمَنْ كَانَ ذَا عَقْل لَمْ يَتَعَرَّض لِلطَّلَبِ أَصْلاً، بَلْ إِذَا كَانَ كَافِيًّا
وَأُعْطِيهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَقَدْ وَعَدَهُ الصَّادِقِ بِالْإِعَانَةِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِن الْفَضْلِ.
قَالَ الْمُهَلَّب: جَاءَ تَفْسِيرِ الْإِعَانَة عَلَيْهَا فِي حَدِيث بِلَالِ بْنِ مِرْدَاس عَنْ خَيْئَمَةَ
عَنْ أَنَسِ رَفَعَهُ: ((مَنْ طَلَبَ الْقَضَاء وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِالشُّفَعَاءِ وُكِلَ إِلَى نَفْسِه، وَمَنْ أَكْرِهِ
عَلَيْهِ أَنْزَلَ الله عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُ) أَخْرَجَهُ إِبْنِ الْمُنْذِر.
قُلْت: وَكَذَا أَخْرَجَهُ التّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقٍ أَبِي عَوَانَة عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيّ،
وَأَخْرَجَهُ هو وَأَبو دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي عَوَانَة وَمِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيل عَنْ
عَبْد الْأَعْلَى فَأَسْقَطَ خَيْئَمَةَ مِن السَّنَد.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَرِوَايَة أَبِي عَوَانَة أَصَحّ، وَقَالَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة: حَدِيث حَسَن
غَرِيب، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلِ وَصَحَّحَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِبْنِ مَعِين ◌َيَّنَ
خَيْثَمَةَ وَضَعَّفَ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَكَذَا قَالَ الْجُنْهورِ فِي عَبْدِ الْأَعْلَى: لَيْسَ بِقَوِيٌّ.
قَالَ الْمُهَلَّب: وَفِي مَعْنَى الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ، فَلَا يَرَى نَفْسه أَهْلاً لِذَلِكَ
هَيْبَةً لَهُ وَخَوْفًا مِن الوقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ، فَإِنَّهُ يُعَانِ عَلَيْهِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ وَيُسَدَّد، وَالْأَصْل
فِيهِ أَنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لله رَفَعَهُ الله.
وَقَالَ إِبْنِ التِّينِ: هو مَحْمُول عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ يُوسُف: ﴿إِجْعَلْنِي عَلَى

١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] وَقَالَ سُلَيْمَانِ: ﴿وَهْب ◌ِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] قَالَ: وَيَحْتَمِل
أَنْ يَكُون فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاء. [الفتح (١٦٤/٢٠)].
٣٦٨١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ،
وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)(١).
٣٦٨٢ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ
بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌّ
وَنَدَامَةُ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)). وِفِي رِوايَةٍ: قَالَ لَهُ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنّي
أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِّ أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ)).
رَوَاهُ مُسْلِمْ](٤).
هَذَا الْحَدِيث أَصْل عَظِيمٍ فِي إِجْتِنَابِ الولَايَاتِ، لَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْف
عَنِ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ تِلْكَ الولَايَةِ، وَأَمَّا الْخِزْي وَالنَّدَامَة فهو حَقّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً لَهَا،
أو كَانَ أَهْلاً وَلَمْ يَعْدِل فِيهَا فَيُخْزِيهِ الله تَعَالَى يَوْمِ الْقِيَامَة وَيَفْضَحُهُ، وَيَنْدَم عَلَى مَا
فَرَّطَ.
وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلاً لِلوَلَايَةِ، وَعَدَلَ فِيهَا، فَلَهُ فَضْل عَظِيمِ، تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيث
الصَّحِيحَة كَحَدِيثِ: (سَبْعَة يُظِلّهُم الله)) وَحَدِيث: ((إنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُور))
وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مُنْعَقِد عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا فَلِكَثْرَةِ الْخُطَرِ فِيهَا حَذَّرَهُ وَيه
مِنْهَا، وَكَذَا حَذَّرَ الْعُلَمَاءِ، وَامْتَنَعَ مِنْهَا خَلَائِقِ مِنِ السَّلَفِ، وَصَبَرُوا عَلَى الْأَذَى حِين
إِمْتَنَعُوا. [النووي (٢٩٦/٦)].
٣٦٨٣ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَهِ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي،
فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللّهُ. وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ،
(١) أخرجه البخاري (٦٧٢٩)، وأحمد (٩٧٩٠)، وابن أبي شيبة (٣٢٥٤٢)، والنسائي (٤٢١١).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٢٥، ٤٨٢٤)، والطيالسي (٤٨٥)، وابن أبي شيبة (٣٢٥٤٠)، وابن سعد (٢٣١/٤)،
والحاكم (٧٠٢٠).

١٣
كتاب الإمارة والقضاء
فَقَالَ: ((إِنَّا وَالله لَا نُوَّلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ. وِفِي رِوايَةٍ
قَالَ: (لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ». مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٣٦٨٤. [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ
أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
٣٦٨٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ
وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولُ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وهو مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،
وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وهو مَسْؤُولُّ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرَّةُ رَاعِيَةُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا
وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وهو مَسْؤولُ عَنْهُ، أَلَا
فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولْ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
قَالَ الطَّيبِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيث: إنَّ الرَّاعِي لَيْسَ مَظْلوبًا لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا أُقِيمَ لِحِفْظِ مَا
إِسْتَرْعَاهُ الْمَالِكُ، فَيَنْبَغِي أَا يَتَصَرَّفِ إِلَّا بِمَا أَذِنَ الشَّارِعِ فِيهِ، وهو تَمْثِيل لَيْسَ فِي الْبَاب
أَلْطَف وَلَا أَجْمَع وَلَا أَبْلَغِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَجْمَلَ أولاً، ثُمَّ فَصَّلَ وَأَى بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ مُكَرَّرًا، قَالَ:
وَالْفَاءِ فِي قَوْله: (أَا فَكُلْكُمْ) جَوَابِ شَرْط ◌َحْذُوفٍ، وَخَتَمَ مَا يُشْبِهِ الْفَذْلَكَة إِشَارَةٍ إِلَى
إِسْتِيفَاء التَّفْصِيل.
وَقَالَ غَيْرهِ: دَخَلَ فِي هَذَا الْعُمُومِ الْمُنْفَرِدِ الَّذِي لَا زَوْج لَهُ وَلَا خَادِمٍ وَلَا وَلَد، فَإِنَّهُ
يَصْدُق عَلَيْهِ أَنَّهُ رَاعٍ عَلَى جَوَارِحِه حَتَّى يَعْمَلِ الْمَأْمُورَاتِ وَيَجْتَنِبِ الْمَنْهِيَّاتِ فِعْلاً
وَنُظْقًّا وَاعْتِقَادًا، فَجَوَارِحِه وَقُوَاهُ وَحَوَاسّه رَعِيَّته، وَلَّا يَلْزَم مِن الاِتِّصَاف بِكَوْنِهِ رَاعِيًّا
أَلَا يَكُون مَرْعِيًّا بِاعْتِبَارٍ آخر.
(١) أخرجه البخاري (٦٧٣٠، ٦٩٢٣)، ومسلم (١٧٣٣)، وابن أبي شيبة (٣٢٥٤١)، وأبو عوانة (٧٠١٦)،
وابن حبان (٤٤٨١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٠٥)، ومسلم (١٨١٨)، والحميدي (١٠٤٤)، وأحمد (٧٣٠٤)، وأبو عوانة
(٦٩٦٩).
(٣) أخرجه البخاري (٧١٣٨)، ومسلم (١٨٢٩)، وأحمد (٤٤٩٥)، وأبو داود (٢٩٢٨)، والترمذي
(١٧٠٥) وقال: حسن صحيح.

١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَس مِثْل حَدِيث اِبْنِ عُمَرِ، فَزَادَ فِي آخِرِهِ: ((فَأَعِدُّوا لِلْمَسْأَلَةِ
جَوَابًا، قَالوا: وَمَا جَوَابِهَا؟ قَالَ: أَعْمَالِ الْبِّ)) أَخْرَجَهُ إِبْنِ عَدِيّ وَالطَّبَرَائِيُّ فِي ((الْأَوسَط))
وَسَنَده حَسَن.
وَلَّهُ مِنْ حَدِيث أَّبِي هُرَيْرَة: ((مَا مِنْ رَاعٍ إِلَّا يُسْأَل يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَقَامَ أَمْر الله أَمْ
أَضَاعَهُ)).
وَلاِ بْنِ عَدِيّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَس «إِنَّ اللّهِ سَائِل كُلّ رَاعٍ عَمَّا إِسْتَرْعَاهُ حَفِظَ
ذَلِكَ أَو ضَيَّعَهُ)).
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفِ يُؤَاخَذِ بِالتَّقْصِيرِ فِي أَمْر مَنْ هو فِي حُكْمِهِ، وَتَرْجَمَ لَهُ
فِي النَّكَاحِ («بَابِ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)) وَعَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَصَرَّفِ فِي مَال سَيِّده
بِإِذْنِهِ وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالولَدِ، وَتَرْجَمَ لِكَرَاهَةِ التَّطَاوُل عَلَى الرَّقِيقِ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهِه هُنَاكَ، وَفِي
هَذَا الْحَدِيث بَيَانِ كَذِبِ الْخَبَرِ الَّذِي اِفْتَرَاهُ بَعْض الْمُتَعَصِّبِينَ لِبَنِي أُمَيَّةَ قَرَأْتِ فِي ((كِتَاب
الْقَضَاء)) لِأَّبِي عَلِيِّ الْكَرَابِيسِيّ أَنْبَأَنَا الشَّافِعِيّ عَنْ عَمّه هو مُحَمَّد بْن عَلِّ قَالَ: دَخَلَ إِبْن
شِهَاب عَلَى الولِيد بْن عَبْد الْمَلِكِ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيث: ((إِنَّ اللّه إِذَا اِسْتَرْعَى عَبْدًا
الْخِلَافَة كَتَبَ لَهُ الْحَسَنَاتِ وَلَمْ يَكْتُب لَهُ السَّيِّئَات)) فَقَالَ لَهُ: هَذَا كَذِب، ثُمَّ تَلًا: ﴿یَا
دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] إِلَى قَوْله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾
[ص: ٢٦] فَقَالَ الولِيد: إِنَّ النَّاسِ لَيُغْرُونَنَا عَنْ دِينَنَا. [الفتح (١٥٣/٢٠)].
٣٦٨٦ [وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهَ يَقُولُ: ((مَا مِنْ وَالٍ
يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وهو غَاشُّ لَهُمْ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ](١).
٣٦٨٧ [وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ
رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُظْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(١) أخرجه البخاري (٧١٥١).
(٢) أخرجه بنحوه البخاري (٧١٥٠)، ومسلم (٣٨٠).

١٥
كتاب الإمارة والقضاء
٣٦٨٨ - [وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ
الْخُطَمَةُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
٣٦٨٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَّ مِنْ أَمْرِ أَمَّتِي
شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرٍ أَمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ)). رَوَاهُ
مُسْلِمْ](٤).
٣٦٩٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((إِنَّ
الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكَلْتَا يَدَيْهِ يَمِينَ، الَّذِينَ
يَعْدِلونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(٣).
٣٦٩١ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيِّ وَلَا
اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةُ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَخُضُّهُ عَلَيْهِ،
وَبِطَانَةُ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَه اللهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٤).
٣٦٩٢ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مِنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبٍ
الشّرَطِ مِنَ الأَمِيرِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)(٥).
٣٦٩٣ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﴿ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا
عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: ((لَنْ يُفْلِحَ قَوْمُ وَلوا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً)) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٦).
(١) أخرجه مسلم (٤٨٣٨)، وابن حبان (٤٥١١)، وأبو عوانة (٧٠٥٠)، والبيهقي (١٦٤١٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٢٨)، وأحمد (٢٤٦٦٦)، وأبو عوانة (٧٠٢٣)، وابن حبان (٥٥٣)، والبيهقي
(٢٠٢٥٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٨٢٧)، وأحمد (٦٤٨٥)، والنسائي (٥٣٧٩)، والحاكم (٧٠٠٦) وقال: صحيح على
شرط الشيخين.
(٤) أخرجه البخاري (٦٧٧٣)، وأحمد (١١٣٦٠)، والنسائي (٤٢٠٢)، وابن حبان (٦١٩٢).
(٥) أخرجه البخاري (٧١٥٥)، والترمذي (٤٢٢١).
(٦) أخرجه البخاري (٦٦٨٦)، وأحمد (٢٠٥٣٦)، والترمذي (٢٢٦٢) وقال: حسن صحيح. والنسائي
(٥٣٨٨).

١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(لَنْ يُفْلِحِ قَوْمٍ وَلوا أَمْرهم إِمْرَأَة) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّة، وَفِي رِوَايَةٍ حُمَيْدٍ: ((وَلِيَ
أَمْرَهُم اِمْرَأَةً)) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا الْفَاعِلِ، وَكِسْرَى الْمَذْكُور هو شيرويه بْن أبرويز بْن
هُرْمُز، وَاسْمِ إِبْنَتِه الْمَذْكُورَةِ: بُورَانُ.
وَقَوْله: ((وَلُوا أَمْرِهِم ◌ِمْرَأَةٍ)) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ عَنْ عَوْف
فِي آخِرِه: (قَالَ أبو بكرة: فَعَرَفْت أَنَّ أَصْحَابِ الْجَمَلِ لَنْ يُفْلِحُوا)).
وَنَقَلَ إِبْنِ بَطَّال عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ ظَاهِرِ حَدِيث أَبِي بَكْرَة يُوهِم تَوْهِين رَأي
عَائِشَةٍ فِيمَا فَعَلَتْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذْهَب أَبِي بَكْرَة أَنَّهُ كَانَ عَلَى
رَأْي عَائِشَةٍ فِي طَلَب الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدهم الْقِتَالِ، لَكِنْ لَمَّا
إِنْتَشَبَتِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ مَعَهَا بُدُّ مِن الْمُقَاتَلَةِ، وَلَمْ يَرْجِع أبو بكرة عَنْ رَّأَي
عَائِشَة، وَإِنَّمَا تَفَرَّسَ بِأَنَّهُمْ يُغْلَبُونَ لَمَّا رَأَى الَّذِينَ مَعَ عَائِشَة تَّحْتَ أَمْرِهَا لِمَا سَمِعَ فِي أَمْر
فَارِسِ.
قَالَ: وَيَدُلّ لِذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَنْقُلِ أَنَّ عَائِشَةٍ، وَمَنْ مَعَهَا نَازَعُوا عَلِيًّا فِي الْخِلَافَةِ،
وَلَا دَعَوْا إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ لِيُوَلُوهِ الْخِلَافَةِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ هِيَ وَمَنْ مَعَهَا عَلَى عَلِيٍّ مَنْعه مِنْ
قَتْل قَتَلَةِ عُثْمَان وَتَرْك الإِقْتِصَاص مِنْهُمْ، وَكَانَ عَلِيُّ يَنْتَظِرِ مِنْ أولياء عُثْمَانِ أَنْ
يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ، فَإِذَا ثَبَتَ عَلَى أَحَد بِعَيْنِهِ أَنَّهُ مِمَّنْ قَتَلَ عُثْمَان ◌ِفْتَصَّ مِنْهُ، فَاخْتَلَفُوا
بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَخَشِيَ مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِم الْقَتْلِ أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى قَتْلِهِمْ، فَأَنْشَبُوا الْخَرْب
بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ كَانَ مَا كَانَ، فَلَمَّ اِنْتَصَرَ عَلِيّ عَلَيْهِمْ حَمِدَ أبو بكرة رَأْيِهِ فِي تَرْكِ الْقِتَال
مَعَهُمْ، وَإِنْ كَانَ رَأْيِه كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيٍ عَائِشَةٍ فِي الطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَان. اِنْتَهَى كَلَامه.
قَالَ إِبْن التِّين: اِحْتَجَّ بِحَدِيثٍ أَبِي بَكْرَة مَنْ قَالَ: ((لَا يَجُوزِ أَنْ تُوَلَّى الْمَرْأَةَ
الْقَضَاء)» وهو قَوْل الْجُمْهور، وَخَالَفَ إِبْنِ جَرِير الطَّبَرِيُّ فَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَقْضِي فِيمَا تُقْبَل
شَهَادَتَهَا فِيهِ، وَأَظْلَقَ بَعْض الْمَالِكِيَّة الجواز.
وَقَالَ اِبْنِ التّينِ أَيْضًا: كَلَّامٍ أَبِي بَكْرَة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لولًا عَائِشَة لَكَانَ مَعَ طَلْحَة
وَالزُّبَيْرِ؛ لِأَنَّهُ لو تَبَّنَ لَهُ خَطَؤُهُمَا لَكَانَ مَعَ عَلِيّ.

١٧
كتاب الإمارة والقضاء
وَكَذَا قَالَ وَأَغْفَلَ قِسْمًا ثَالِثًا، وهو أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْكَفّ عَنِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ،
وَهَذَا هو الْمُعْتَمَدِ، وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِه تَرَكَ الْقِتَالِ مَعَ أَهْلِ بَلَده لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَلَّا
يَكُونِ مَانَعَهُ مِن الْقِتَالِ سَبَب آخَر، وهو مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيِه الْأَحْنَف عَنِ الْقِتَال
وَاحْتِجَاجِه بِحَدِيثِ: ((إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا)) [الفتح (١٠٧/٢٠)].
(الفصل الثاني)
٣٦٩٤ - [عَنِ الْحَارِثِ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ:
بِالْجَمَاعَةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ
الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَى أَنْ يُرَاجِعَ، وَمَنْ دَمَا بِدَعْوَى
الْجَاهِلِيَّةِ فهو مِنْ جُنَى جَهَنَّمَ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّرْمِِيُّ](١).
٣٦٩٥ - [وَعَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبِ الْعَدَوِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ تَحْتَ مِنْبَرِ ابْنِ
عَامِرٍ وهو يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُ رِقَاقُ، فَقَالَ أبو بِلَالٍ: انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ
الْفُسَّاقِ. فَقَالَ أبو بكرَةَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: «مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ الله
فِي الأَرْضِ أَهَانَهُ اللهُ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ](٢).
(مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللّه فِي الأَرْضِ) أي: أذل حاكمًا بأن آذاه أو عصاه
(أَهَانَهُ اللهُ) قال الطيبي: والظاهر هذا الاحتمال؛ لأن أبا بكرة رده بقوله: ((من أهان ...
إلخ)) يعني: تفسيقك إياه بسبب لبسه هذه الثياب التي يصون بها عزته ليس بحق؛ لأن
المعنى من أهان من أعزه الله، وألبسه خلع السلطنة أهانه الله، وفي الأرض متعلق
بسلطان الله، والإضافة في سلطان الله إضافة تشريف كبيت الله وناقة الله.
ويحكى عن جعفر الصادق مع سفيان الثوري وعلى جعفر جبة خز دكناء، فقال
له: يا ابن رسول الله ليس هذا من لباسك، فحسر عن ردن جبته، فإذا تحتها جبة
(١) أخرجه أحمد (١٧٢٠٩)، والترمذي (٣١٠٢)، والطبراني (٣٤٣١).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٢٢٤) وقال: حسن غريب. والطيالسي (٨٨٧)، والبزار (٣٦٧٠).

١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن، فقال: يا ثوري لبسنا هذا الله
وهذا لكم، فما كان لله أخفيناه وما كان لكم أبديناه. ذكره صاحب ((جامع الأصول))
في كتاب ((مناقب الأولياء»، والدكناء بالدال المهملة تأنيث: الأدڪن، وهو ثوب مغبر
اللون. ذكره الطيبي.
وقال الإمام حجة الإسلام في ((منهاج العابدين)): ذكر أن فرقد السنجي دخل
على الحسن وعليه كساء، وعلى الحسن حلة فجعل يلمسها، فقال الحسن: ما لك تنظر
إلى ثيابي ثيابي ثياب أهل الجنة، وثيابك ثياب أهل النار بلغني أن أكثر أهل النار
أصحاب الأكسية، ثم قال الحسن: جعلوا الزهد في ثيابهم والكبر في صدورهم، والذي
يحلف به لأحدكم بكسائه أعظم كبرًا من صاحب المطرف بمطرفه. [المرقاة (١١)
٣٣١)].
٣٦٩٦ - [وَعَنِ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لا طَاعَةَ لِمَخْلوقٍ
فِي مَعْصِيةِ الْخَالِقِ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))](١).
٣٦٩٧ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ: «مَا مِنْ أَمِيرٍ عَشَرَةٍ إِلَّا وهو
يُؤْثَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلولاً حَتَّى يَفُكَ عَنْهُ الْعَدْلُ أو يُوبِقَهُ الْجَورُ)). رَوَاهُ
الدَّارِميُّ((؟).
٣٦٩٨ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ، وَيْلَّ لِلْعُرَفَاءِ، وَيْلُ
لِلْأُمَنَاءِ، لَيَتَمَنََّنَّ أَقْوَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ نَوَاصِيَهُمْ مُعَلَّقَةُ بِالتُّرَّيَّا يَتَجَلْجَلونَ بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَلوا عَمَلاً)). رَوَاهُ فِي ((شَرْجِ السُّنَّةِ)) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي رِوَايَتِهِ: (أَنَّ
ذَوَائِبَهُمْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِالتُّرَّيًّا، يَتَذَبْذَبُونَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَكُونُوا عَمِلُوا عَلَى
(١) أخرجه أحمد (٢٠٦٧٢)، والحاكم (٥٨٧٠) وقال: صحيح الإسناد. والطبراني (٣٦٧)، والبغوي
(١٦٣/٥).
(٢) أخرجه أحمد (٩٥٧٠)، وابن أبي شيبة (٣٢٥٥٦)، والبيهقي (٢٠٠٠٢)، وابن عساكر (٣٨/٣٦)، وأبو
یعلى (٦٦١٤)، والدارمي (٢٥٧٠).

١٩
كتاب الإمارة والقضاء
شَيْءٍ)](١).
٣٦٩٩ [وَعَنْ غَالِبِ الْقَطَّانِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ:((إِنَّ الْعِرَافَةَ حَقّ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنَ الْعُرَفَاءِ، وَلَكِنَّ الْعُرَفَاءَ فِي النَّار)).
رَوَاهُ أبو داود](٢).
(إِنَّ الْعِرَافَة حَقٌّ) أي: عَمَلهَا حَقٌّ لَيْسَ بِبَاطِلٍ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَصْلَحَة لِلنَّاسِ وَرِفْقًا
بِهِمْ فِي أَحْوَالهُمْ وَأُمُورِهِمْ لِكَثْرَةِ إِحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، وَالْعِرَافَة تَدْبِير أُمُورِ الْقَوْمِ وَالْقِيَامِ
بِسِيَاسَتِهِمْ.
(وَلَا بُدّ لِلنَّاسِ مِن الْعُرَفَاء) لِيَتَعَرَّفِ أَحْوَالهِمْ فِي تَرْتِيب الْبُعُوث وَالْأَجْنَاد
وَالْعَطَايَا وَالسِّهَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَلَكِنَّ الْعُرَفَاءِ فِي النَّارِ) وَهَذَا قَالَهُ تَحْذِيرًا مِن التَّعَرُّض
لِلرِّيَاسَةِ وَالْحِرْص عَلَيْهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الْفِتْنَةِ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِحَقِّهَا أَثِّمَ، وَاسْتَحَقَّ
الْعُقُوبَةِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ. كَذَا فِي ((السِّرَاجِ الْمُنِير)).
وَفِي ((اللُّغَات): الْعُرَفَاءِ فِي النَّار؛ أي: عَلَى خَطَرِ وَفِي وَرْطَةِ الْهَلَاكِ وَالْعَذَابِ؛
لِتَعَذُّرِ الْقِيَامِ بِشَرَائِط ذَلِكَ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُرَاعُوا الْحَقِّ وَالصَّوَاب.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إِسْنَادِهِ مَجَاهِيلٍ، وَغَالِب الْقَطَّن قَدْ وَثَّقَهُ غَيْرٍ وَاحِد مِن الْأَئِمَّة،
وَاحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمٍ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
وَذَكَرَ إِبْنِ عَدِيّ الْحَافِظِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَاب «الضُّعَفَاءِ)) فِي تَرْجَمَة غَالِب
الْقَطَّانِ مُخْتَصَرًّا، وَقَالَ: وَلِغَالِبٍ غَيْرِ مَا ذَكَرْت، وَفِي حَدِيثه التَّكِرَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَن
الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد الله حَدِيث يَشْهَد الله حَدِيث مُعْضِل، وَقَالَ أَيْضًا
وَغَالِب الضَّعْف عَلَى حَدِيثه بَيِّن. [عون (٤٠٩/٦)].
٣٧٠٠ - [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ:(أُعِيذُكَ بِاللهِ مِنْ إِمَارَةِ
(١) أخرجه أحمد (٨٦١٢)، والطيالسي (٢٥٢٣)، والحاكم (٧٠١٦) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي
(٢٠٠١١)، وابن عساكر (٢٧٦/٢١)، وأبو يعلى (٦٢١٧)، والبغوي (٦٠٠/١).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٩٣٤).

٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
السُّفَهَاءِ» قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أُمَرَاءُ سَيَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي، مَنْ دَخَلَ
عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسُوا مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُم، وَلَنْ يَرِدُوا
عَلَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ
فَأُولَئِكَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ، وَأُولَئِكَ يَرِدُونَ عَّ الْخَوْضَ)). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ(١).
٣٧٠١ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ ﴿ قَالَ: (مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ
الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَنَى أبواب السَّلَاطِينِ افْتُتِنَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وِفِي
رِوايَةٍ أَبِي دَاوُدٍ: «مَنْ لَزِمَ السُّلْطَانَ افْتُيِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدُ مِنَ السُّلْطَانِ دُنُوَّ إِلَّا ازْدَادَ
مِنَ الله بُعْدًا))](٢).
٣٧٠٢ - [وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لِ ضَرَبَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ
قَالَ: ((أَفْلَحْتَ يَا قُدَيْمُ، إِنْ مُتَّ وَلَمْ تَكُنْ أَمِيرًا وَلَا كَاتِبًا وَلَا عَرِيفًا)). رَوَاهُ أَبو داود](٣).
٣٧٠٣ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ
مَكْسٍ)) يَعْنِي: الَّذِي يُعِّرِ النَّاسَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأبو داود وَالدَّارِمِيُّ](٤).
٣٧٠٤ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ، وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ
عَذَابًا - وِفِي رِوايَةٍ: ((وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا)) - إِمَامُ جَائِرً)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ](٥).
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٢٥)، والنسائي (٤٢٢٥)، والبغوي (٥٠١/١).
(٢) أخرجه أحمد (٣٣٦٢)، وأبو داود (٢٨٥٩، ٢٨٦٢)، والترمذي (٢٢٥٦) وقال: حسن صحيح
غريب. والنسائي (٤٣٠٩)، والبيهقي (٢٠٠٤٠).
(٣) أخرجه أحمد (١٧٢٤٤)، وأبو داود (٢٩٣٣)، وابن السني (٣٩٥)، والبيهقي (١٢٨٢٦)، والطبراني
في ((الشاميين)) (١٣٧٧).
(٤) أخرجه أحمد (١٧٣٣٣)، وأبو داود (٢٩٣٧)، والطبراني (٨٧٨)، والحاكم (١٤٦٩) وقال: صحيح
على شرط مسلم. والبيهقي (١٢٩٥٤)، والدارمي (١٦٦٦).
(٥) أخرجه أحمد (١١١٩٠)، والترمذي (١٣٢٩) وقال: حسن غريب. والبيهقي في ((شعب الإيمان))
-