النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٧٩
کتاب الحدود/ باب حد الخمر
وَالنَّعَالَ لِلِضُّعَفَاءِ وَمَنْ عَدَاهُمْ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ وهو مُتَّجَهُ، وَنَقَلَ إِبْنِ دَقِيقِ الْعِيد
عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْله: (نَحَوًّا مِنْ أَرْبَعِينَ)) تَقْدِيرُه أَرْبَعِينَ ضَرْبَةً بِعَصًا مَثَلاً، لَا أَنَّ
الْمُرَادِ عَدَدُ مُعَيَّنُ؛ وَلِذَلِكَ وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ سَأَلَ
مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ الضَّرْبَ فَقَوَّمَهُ أَرْبَعِينَ فَضَرَبَ أبو بكر أَرْبَعِينَ، قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي
خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيُبْعِدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: ((جَلَّدَ فِي الْخُمْرِ أَرْبَعِينَ)).
قُلْت: وَيُبْعِدُ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ فِي حَدِيثِ أَنَسِ «فَأَمَرَ
عِشْرِينَ رَجُلاً، فَجَلَدَهُ كُلُّ رَجُلٍ جَلْدَتَيْنِ بِالْجْرِيدِ وَالنَّعَال)). [النووي (١٢٨/٦)].
٣٦١٥ . [وَفِي رِوايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ: كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ
أَرْبَعِينَ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٣٦١٦ - [وَعَن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ يُؤْثَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله وَهُ
وَإِمْرَةٍ أَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ
آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَّ ثَمَانِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٢).
(كَانَ يُؤْقَى بِالشَّارِبِ) فِيهِ إِسْنَادِ الْقَائِلِ الْفِعْلَ بِصِيغَةِ الْجُمْعِ الَّتِي يَدْخُل هو فِيهَا
مَجَازًا؛ لِكَوْنِهِ مُسْتَوِيًّا مَعَهُمْ فِي أَمْرٍ مَا، وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ هو ذَلِكَ الْفِعْلَ الْخَاصَّ؛ لِأَنَّ
السَّائِبَ كَانَ صَغِيرًا جِدًّا فِي عَهْدِ النَِّّ نَِّ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ إِبْنَ
سِتّ سِنِينَ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ شَارَكَ مَنْ كَانَ يُجَالِسُ النَّبِيَّ نَّهِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ ضَرْب
الشَّارِبِ، فَكَأَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: ((كُنَّ)) أي: الصَّحَابَةِ، لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَحْضُرِ مَعَ أَبِيهِ أو
عَمِّهِ فَيُشَارِكِهُمْ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونِ الْإِسْنَاد عَلَى حَقِيقَتِهِ.
(وَإِمْرَة أَبِي بَكْرٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمِيم؛ أي: خِلَافَتِه، وَفِي رِوَايَة حَاتِمٍ:
((مِنْ زَمَنِ النَّبِيّ ◌َ﴿ وَأَبِي بَكْر وَبَعْض زَمَان عُمَر)).
(وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَر) أي: جَانِبًا أولِيًّا (فَنَقُومِ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا)
(١) أخرجه مسلم (٤٥٥٣)، وابن ماجه (٢٦٦٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٧٩)، وأحمد (١٦١٣٠)، والبيهقي (١٧٩٩٠).
٦٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
أي: فَنَضْرِبِهُ بِهَا (حَتَّى كَانَ آخِرِ إِمْرَة عُمَر فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ) ظَاهِرِهِ أَنَّ التَّحْدِيدِ بِأَرْبَعِينَ
إِنَّمَا وَقَعَ فِي آخِرِ خِلَافَة عُمَرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا فِي قِصَّة خالد بن الوليد وَكِتَابَته إِلَى
عُمَرِ، فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَمْرِ عُمَر بِجَلْدِ ثَمَانِينَ كَانَ فِي وَسَطِ إِمَارَته؛ لِأَنَّ خَالِدًا مَاتَ فِي
وَسَط خِلَافَة عُمَر، وَإِنَّمَا الْمُرَادِ بِالْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ أولاً اِسْتِمْرَارُ الْأَرْبَعِينَ، فَلَيْسَتِ الْفَاءُ
مُعَقِّبَةً لِآخِرِ الْإِمْرَةِ بَلْ لِزَمَانٍ أَبِي بَكْرٍ وَبَيَان مَا وَقَعَ فِي زَمَن عُمَرِ، فَالتَّقْدِيرِ فَاسْتَمَرَّ
جَلْدِ أَرْبَعِينَ، وَالْمُرَاد بِالْغَايَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْله: ((حَتَّى إِذَا عَتَوْا)) تَأْكِيدًا لِغَايَةِ الْأولى،
وَبَيَانِ مَا صَنَعَ عُمَر بَعْدِ الْغَايَةِ الْأُولِى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْن
عَبْد الرَّحْمَنِ عَنِ الْجُعَيْدِ بِلَفْظِ: (حَتَّى كَانَ وَسَط إِمَارَةٍ عُمَرِ، فَجَلَّدَ فِيهَا أَرْبَعِينَ حَتَّى إِذَا
عَتَوْا)) وَهَذِهِ لَا إِشْكَالَ فِيهَا.
(حَتَّى إِذَا عَتَوْا) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاة مِن الْعُتُو وهو التَّجَبُّرُ، وَالْمُرَادِ هُنَا ◌ِنْهِمَا كُهمْ فِي
الطِّغْيَانِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْفَسَادِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ يَنْشَأْ عَنْهُ الْفَسَاد (وَفَسَقُوا) أي:
خَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ: ((فَلَمْ يَنْكُلُوا)) أي: يَدَعُوا (جَلَدَ ثَمَانِينَ)
وَقَعَ فِي مُرْسَل عُبَيْد بْنِ عُمَيْرِ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ
صَحِيحٍ عَنْهُ نحو حَدِيث السَّائِب، وَفِيهِ: ((إنَّ عُمَرِ جَعَلَهُ أَرْبَعِينَ سَوْطًا، فَلَمَّا رَآهُمْ لَا
يَتَنَاهونَ جَعَلَهُ سِتِّينَ سَوْطَا، فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَتَنَاهونَ جَعَلَهُ ثَمَانِينَ سَوْطًا وَقَالَ: هَذَا أَدْنَى
الْحُدُود)) وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ وَافَقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي أَنَّ الثَّمَانِينَ أَدْنَى الْحُدُودِ،
وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْحُدُودَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَهِيَ حَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ السَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ وَحَدُّ
الْقَذَّف، وهو أَخَفُّهَا عُقُوبَةً وَأَدْنَاهَا عَدَدًا.
وَأَخْرَجَ مَالِك فِي ((الْمُوَظَأ)) عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيد (أَنَّ عُمَر إِسْتَشَارَ فِي الْخُمْرِ، فَقَالَ لَهُ
عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ ثَمَانِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَاذَا
هَذَى اِفْتَرَى)) فَجَلَّدَ عُمَرِ فِي الْخُمْرِ ثَمَانِينَ، وَهَذَا مُعْضِلُ.
وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيق يَحَْى بْنِ فُلَيْحِ عَنْ ثَوْرِ عَنْ عِكْرِمَة
عَن إِبْن عَبَّاس مُطَوَّلاً، وَلَفْظه: ((إِنَّ الشُّرَّابَ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُول الله وَّـ
٦٨١
کتاب الحدود/ باب حد الخمر
بِالْأَيْدِي وَالنَّعَالِ وَالْعَصَا حَتَّى تُوُثِّ، فَكَانُوا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرِ أَكْثَرَ مِنْهُمْ، فَقَالَ أبو
بكر: لو فَرَضْنَا لَهُمْ حَدًّا فَتَوَجَّى نحو مَا كَانُوا يُضْرَبُونَ فِي عَهْدِ الشَّبِيّ ◌َّهِ، فَجَلَدَهُمْ
أَرْبَعِينَ حَتَّى تُوُنّ، ثُمَّ كَانَ عُمَرُ فَجَلَّدَهُمْ كَذَلِكَ حَتَّى أُنِيَ بِرَجُلٍ .... )) فَذَكَرَ قِصَّةً، وَأَنَّهُ
تَأُولَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحِ فِيمَا طَعِمُوا﴾
[المائدة: ٩٣] وَأَنَّ إِبْن عَبَّاسِ نَاظَرَهُ فِي ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِبَقِيَّةِ الْآيَة، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا مَا
إِتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٩٣] وَالَّذِي يَرْتَكِبُ مَا حَرَّمَهُ اللهِ لَيْسَ بِمُتَّقٍ، فَقَالَ عُمَرٍ: مَا تَرَوْنَ؟
فَقَالَ عَلِيّ ... )) فَذَكَرَهُ، وَزَادَ بَعْدِ قَوْله: ((وَإِذَا هَذَى اِفْتَرَى)): ((وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ جَلْدَةً
فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ فَجَلَّدَهُ ثَمَانِینَ)».
وَلِهَذَا الْأَثَرِ عَنْ عَلِيّ طُرُقُّ أُخْرَى مِنْهَا: مَا أَخْرَجَهَا الطَبَرَانِيّ وَالطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ
مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةِ بْنِ زَيْد عَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ((إنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي
كُلْب يُقَال لَهُ: إِبْنِ دَبْرَة أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ يَجْلِدٍ فِي الْخُمْرِ أَرْبَعِينَ، وَكَانَ عُمَرِ يَجْلِد
فِيهَا أَرْبَعِينَ، قَالَ: فَبَعَثَنِي خَالِدِ بْنِ الوليد إِلَى عُمَرِ، فَقُلْت: إِنَّ النَّاسِ قَدِ إِنْهَمَكُوا فِي
الْخُمْرِ وَاسْتَخَقُوا الْعُقُوبَةَ، فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَا تَرَوْنَ؟ قَالَ: وَوَجَدْت عِنْده عَلِيًّا
وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ عَلِيٍّ ... ) فَذَكَّرَ مِثْل ◌ِوَايَة ثَوْر
الْمَوْصُولَة.
وَمِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَةِ((أَنَّ عُمَرِ شَاوَرّ
النَّاسِ فِي الْخَمْرِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيّ: إِنَّ السَّكْرَانِ إِذَا سَكِرَ هَذَى ... )).
وَمِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ إِبْنِ أَبِي شَيْبَةٍ مِنْ رِوَايَةٍ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيّ عَنْ عَليّ قَالَ:
((شَرِبَ نَفَرُّ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْخَمْرِ وَتَأولُوا الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِيهِمْ، فَقُلْت:
أَرَى أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ، فَإِنْ تَابُوا ضَرَبْتِهِمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ وَإِلَّ ضَرَبْت أَعْنَاقَهُمْ؛ لِأَنَّهُم
اِسْتَحَلُوا مَا حَرَّمَ اللهِ، فَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابُوا، فَضَرَبَهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ».
وَأَخْرَجَ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَزْهَر فِي قِصَّة الشَّارِبِ
الَّذِي ضَرَبَهُ النَّبِيّ ◌َّهِ بِحُنَيْنٍ، وَفِيهِ: ((فَلَمَّا كَانَ عُمَرِ كَتَبَ إِلَيْهِ خَالدُ بْنِ الولِيدِ: إِنَّ
٦٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
النَّاسِ قَد إِنْهَمَكُوا فِي الُّرْب وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَةِ، قَالَ: وَعِنْدِه الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارِ،
فَسَأَلَهُمْ وَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبِهُ ثَمَانِينَ، وَقَالَ عَلَيُّ .. )) فَذَكَرَ مِثْله.
وَأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَن إِبْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَر عَن إِبْنِ شِهَابِ قَالَ: ((فَرَضَ أبو بكر
فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا، وَفَرَضَ فِيهَا عُمَرِ ثَمَانِينَ)).
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: جَاءَتِ الْأَخْبَارِ مُتَوَاتِرَة عَنْ عَليّ أَنَّ النَّبِيّ ◌َهْلَمْ يَسُنَّ فِي الْخَمْرِ
شَيْئًا، وَيُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَقْبِيدُ بِعَدَدٍ: حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةِ، وَحَدِيث
عُقْبَة بْنِ الْحَارِثِ، وَحَدِيث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَر: ((أَنَّ النَّبِيِّ وَّهِ أَنِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ
الْخُمْرِ فَقَالَ لِلنَّاسِ: إِصْرِبُوهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالنَّعَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْعَصَا، وَمِنْهُمْ
مَنْ ضَرَبَهُ بِالْجْرِيدِ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَ تُرَابًا فَرَتَى بِهِ فِي وَجْهِهِ».
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْض ◌ُرُقِه مَا يُخَالِفِ قَوْله وهو مَا عِنْد أَبِي دَاوُدَ
وَالنَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث: (ثُمَّ أُنِيَ أبو بكر بِسَكْرَانَ فَتَوَخَّى الَّذِي كَانَ مِنْ ضَرْبِهِمْ عِنْدَ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ فَضَرَبَهُ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَنِيَ عُمَرُ بِسَكْرَانَ فَضَرَبَهُ أَرْبَعِينَ)) فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْخَبَرِ تَنْصِيصُ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، فَفِيمَا اِعْتَمَدَهُ أبو بكر حُجَّةٌ عَلَى
ذَلِكَ.
وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حُضَيْرٍ بِمُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّر إِبْنِ
الْمُنْذِرِ: ((إنَّ عُثْمَانِ أَمْرِ عَلِيًّا بِجَلْدِ الولِيد بْنِ عُقْبَةٍ فِي الْخَمْرِ، فَقَالَ لِعَبْدِ الله بْنِ جَعْفَر:
إِجْلِدْهُ فَجَلَدَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ قَالَ: أَمْسِكْ، جَلَّدَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَرْبَعِينِ، وَجَلَّدَ أبو
بكر أَرْبَعِينَ، وَجَلَّدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلُّ سُنَّةُ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَّ، فَإِنَّ فِيهِ الْجُزْمَ بِأَنَّ النَّبِيّ
وَّ جَلَّدَ أَرْبَعِينَ، وَسَائِرِ الْأَخْبَارِ لَيْسَ فِيهَا عَدَدِ إِلَّ بَعْض الرِّوَايَاتِ الْمَاضِيَة عَنْ أَنَسِ،
فَفِيهَا: نحو الْأَرْبَعِينَ.
وَالْجُمْعِ بَيْنِهَا أَنَّ عَلِيًّا أَظْلَقَ الْأَرْبَعِينَ، فهو حُجَّة عَلَى مَنْ ذَكَرَهَا بِلَّفْظِ التَّقْرِيب،
وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ رِوَايَةٍ أَبِي سَاسَانِ هَذِهِ ضَعِيفَة لِمُخَالَفَتِهَا الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ، وَلِأَنَّ
رَاوِيَهَا عَبْد الله بْن فَيْرُوز الْمَعْرُوفِ بِالدَّانَاجِ بِنُونٍ وَحِيمٍ ضَعِيفٌ، وَتَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّهُ
٦٨٣
کتاب الحدود/ باب حد الخمر
حَدِيث صَحِيح ◌ُخَرَّج فِي الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ، وَأَنَّ التّرْمِذِيّ سَأَلَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ فَقَوَّاهُ،
وَقَدْ صَحَّحَهُ مُسْلِمُ وَتَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ.
وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرَ: إِنَّهُ أَثْبَتُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَصِحَّة الْحَدِيث إِنَّمَا تُعْرَفُ بِثِقَةِ رِجَالِهِ، وَقَدْ عَرَفَهُمْ حُفَّاظ
الْحَدِيثِ وَقَبِلوهمْ، وَتَضْعِيفُهُ الدَّانَاجَ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ بَعْد ثُبُوت التَّعْدِيلِ لَا يُقْبَلُ
إِلَّا مُفَسَّرًا، وَمُخَالَفَةُ الرَّاوِي غَيْرَهُ فِي بَعْض أَلْفَاظِ الْحَدِيث لَا تَقْتَضِي تَضْعِيفه، وَلَا سِيَّمَا
مَعَ ظُهور الْجُمْع.
قُلْت: وَثَّقَ الدَّانَاجَ الْمَذْكُورَ أبو زُرْعَة وَالنَّسَائِيّ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيِّ فِي هَذِهِ
الْقِصَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ جَلَّ الوليد أَرْبَعِينَ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ يُوسُف عَنْ
مَعْمَرٍ وَقَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وهو كَمَا قَالَ.
وَطَعَنَ الطَّحَاوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي رِوَايَةٍ أَبِي سَاسَان أَيْضًا بِأَنَّ عَلِيًّا قَالَ: وَهَذَا أَحَبُّ
إِلَيّ؛ أي: جَلْدُ أَرْبَعِينَ مَعَ أَنَّ عَلِيًّا جَلَّدَ النَّجَاشِيّ الشَّاعِرَ فِي خِلَافَتِهِ ثَمَانِينَ، وَبِأَنَّ إِبْن
أَبِي شَيْبَة أَخْرَجَ مِنْ وَجْه آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ حَدَّ النَّبِيذِ ثَمَانُونَ.
وَالْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدهمَا: إنَّهُ لَا تَصِحَ أَسَانِيدِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْ
عَلِيٍّ، الثَّانِي: عَلَى تَقْدِير ثُبُوتِه فَإِنَّهُ يَجُوزِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفِ بِحَالِ الشَّارِبِ، وَأَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ لَا
يُنْقَصُ عَنِ الْأَرْبَعِينَ وَلَا يُزَادُ عَلَى الثَّمَانِينَ، وَالْحُجَّةُ إِنَّمَا هِيَ فِي جَزْمِه بِأَنَّهُ وَِّ جَلَّدَ
أَرْبَعِينَ، وَقَدْ جَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بَيْنِهِمَا بِمَا أَخْرَجَهُ هو وَالطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَر
مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الوليد بِسَوْطٍ لَّهُ طَرَفَانٍ.
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةٍ مِثْلِه، لَكِنْ قَالَ: (لَهُ ذَنَبَانٍ أَرْبَعِينَ
جَلْدَةٍ فِي الْخَمْرِ فِي زَمَن عُثْمَان)) قَالَ الطَّحَاوِيُّ: فَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَهُ ثَمَانِينَ؛
لِأَنَّ كُلّ سَوْطَ سَوْطَانٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السَّنَدِ الْأول مُنْقَطِعٌّ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرِ وُلِدَ بَعْد مَوْت
عَلِيّ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَبِأَنَّ الثَّانِيَ فِي سَنَدِهِ إِبْنُ لَهِيعَةَ وهو ضَعِيفُ، وَعُرْوَةٍ لَمْ
يَكُنْ فِي الوقْت الْمَذْكُورِ مُمَيِّزًا، وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوتِه فَلَيْسَ فِي الطَّرِيقَيْنِ أَنَّ الطََّفَيْنِ
٦٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
أَصَابَاهُ فِي كُلِّ ضَرْبَةٍ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يَخْتَمِل أَنْ يَكُونَ ضَرَبَهُ بِالطَّرَفَيْنِ عِشْرِينَ، فَأَرَادَ بِالْأَرْبَعِينَ مَا
إِجْتَمَعَ مِنْ عِشْرِينَ وَعِشْرِينَ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْخَبَرِ: ((وَكُلُّ سُنَّةُ وَهَذَا أَحَبُّ
إِلَّ) لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّغَايُرَ، وَالتَّأْويلِ الْمَذْكُورِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُون كُلُّ مِن الْفَرِيقَيْنِ
جَلَّدَ ثَمَانِينَ، فَلَا يَبْقَى هُنَاكَ عَدَد بَقَع النَّفَاضُل فِیهِ.
وَأَمَّا دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ((هَذَا)) الْإِشَارَةُ إِلَى الثَّمَانِينَ، فَيَلْزَم مِنْ
ذَلِكَ أَنْ يَكُون عَلِيُّ رَجَّحَ مَا فَعَلَ عُمَر عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ نَّهِ وَأبو بكر، وَهَذَا لَا يُظَنُّ
بِهِ قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَاسْتَدَلَّ الطّحَاوِيُّ لِضَعْفٍ حَدِيث أَبِي سَاسَانِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْل
عَلِيّ ((إِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى ... إِلَخْ)) قَالَ: فَلَمَّ اِعْتَمَدَ عَلِيّ فِي ذَلِكَ عَلَى ضَرْبِ الْمَثَلِ،
وَاسْتَخْرَجَ الْحَدّ بِطَرِيقِ الإِسْتِنْبَاطِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ عِنْده مِن الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ،
فَيَكُونِ جَزْمُهُ بِأَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ جَلَّدَ أَرْبَعِينَ غَلَطَا مِن الرَّاوِي؛ إِذْ لو كَانَ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ
الْمَرْفُوعُ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ إِلَى الْقِيَاسِ، وَلو كَانَ عِنْد مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِن الصَّحَابَة كَعُمَرَ
وَسَائِرٍ مَنْ ذُكِرَ فِي ذَلِكَ شَيْءُ مَرْفُوعُ لَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُتَّجَهِ الْإِنْكَارُ
لو كَانَ الْمَنْزَعُ وَاحِدًا، فَأَمَّا مَعَ الإِخْتِلَاف فَلَا يُتَجّه الإِنْكَار.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ الْحَدّ أَرْبَعُونَ،
وَإِنَّمَا تَشَاوَرُوا فِي أَمْرِ يَحْصُل بِهِ الإِرْتِدَاعِ يَزِيد عَلَى مَا كَانَ مُقَرَّرًا، وَيُشِير إِلَى ذَلِكَ مَا
وَقَعَ مِن النَّصْرِيحِ فِي بَعْض طُرُقه أَنَّهُم ◌ِحْتَقَرُوا الْعُقُوبَةِ وَانْهَمَكُوا، فَاقْتَضَى رَأْيِهِمْ أَنْ
يُضِيفُوا إِلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ قَدْرُهُ، إِمَّ اِجْتِهَادًا بِنَاءً عَلَى جَوَاز دُخُولِ الْقِيَاس فِي الْحُدُود
فَيَكُونِ الْكُلُّ حَدًّا، أو إِسْتَنْبَطُوا مِن النَّصّ مَعْنَى يَقْتَضِي الزِّيَادَة فِي الْحَدّ لَا النُّقْصَانِ
مِنْهُ، أو الْقَدْرِ الَّذِي زَادُوهُ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْزِيرِ تَحْذِيرًا وَتَخْوِيفًا؛ لِأَنَّ مَن إِحْتَقَرَ
الْعُقُوبَةَ إِذَا عَرَفَ أَنَّهَا غُلِّظَتْ فِي حَقِّهِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى إِرْتِدَاعِهِ، فَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونُوا
إِرْتَدَعُوا بِذَلِكَ، وَرَجَعَ الْأَمْرِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ، فَرَأَى عَلِيِّ الرُّجُوع إِلَى الْحَدّ
الْمَنْصُوصِ، وَأَعْرَضَ عَنِ الزِّيَادَةِ لِاِنْتِفَاءِ سَبَبِهَا.
٦٨٥
کتاب الحدود/ باب حد الخمر
وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الْقَدْرِ الزَّائِدِ كَانَ عِنْدهمْ خَاصَّا بِمَنْ تَمَرَّدَ، وَظَهَرَتْ مِنْهُ
أَمَارَاتُ الإِشْتِهَارِ بِالْفُجُورِ، وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْض ◌ُرُق حَدِيث الزُّهْرِيّ عَنْ
◌ُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدِ الدَّارَقُظِيِّ وَغَيْرِهِ: ((فَكَانَ عُمَرَ إِذَا أَتِيَ بِالرَّجُلِ الضَّعِيف
تَكُون مِنْهُ الزَّلَّةِ جَلَدَهُ أَرْبَعِينَ)) قَالَ: وَكَذَلِكَ عُثْمَانِ جَلَّدَ أَرْبَعِينَ وَثَمَانِينَ.
وَقَالَ الْمَازِرِيّ: لو فَهِمَ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ حَدَّ فِي الْخُمْرِ حَدًّا مُعَيَّنًا لَمَا قَالُوا
فِيهِ بِالرَّأَيِ كَمَا لَمْ يَقُولُوا بِالرَّأْيِ فِي غَيْرِهِ، فَلَعَلَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهُ ضَرَبَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ فِي حَقِّ
مَنْ ضَرَبَهُ. اِنْتَهَى.
وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحِ بِالْحَدِّ الْمَعْلومِ فَوَجَبَ الْمَصِير إِلَيْهِ، وَرُجِّحَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الَّذِي
اِجْتَهَدُوا فِيهِ زِيَادَةً عَلَى الْحَدِّ إِنَّمَا هو التَّعْزِيرُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ إِجْتَهَدُوا فِي الْحَدّ الْمُعَيَّنِ
لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِن الْمُخَالَفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا كَمَا سَبَقَ فِي تَقْرِيره.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَن إِبْنِ جُرَيْجٍ أَنْبَأَنَا عَطَاء أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْد بْنِ عُمَيْر
يَقُول: كَانَ الَّذِي يَشْرَبِ الْخُمْرِ يَضْرِبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَنِعَالِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ فَعَلَ ذَلِكَ حَتَّى
خَشِيَ فَجَعَلَهُ أَرْبَعِينَ سَوْطًا، فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَتَنَأهون جَعَلَهُ ثَمَانِينَ سَوْطًا، وَقَالَ: هَذَا
أَخَفُ الحُدُود.
وَالْجُمْعِ بَيْن حَدِيث عَلِيّ الْمُصَرِّحِ بِأَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ جَلَدَ أَرْبَعِينَ، وَأَنَّهُ سُنَّةُ وَبَيْن
حَدِيثِه الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ النَّبِيّ ◌َه لَمْ يَسُنَّهُ بِأَنْ يُحْمَلَ النَّفْيُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ
الثَّمَانِينَ؛ أي: لَمْ يَسُنَّ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ((وَإِنَّمَا هو شَيْءٌ صَنَعْنَاهُ
نَحْزُ)) يُشِيرِ إِلَى مَا أَشَارَ بِهِ عَلَى عُمَر، وَعَلَى هَذَا فَقَوْله: (لومَاتَ لودَيْته)) أي: فِي الْأَرْبَعِينَ
الزَّائِدَةِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهِيُّ وَابْن حَزْم.
وَيَخْتَمِلِ أَنْ يَكُون قَوْله: ((لَمْ يَسُنَّهُ)) أي: الثَّمَانِينَ؛ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى:
(وَإِنَّمَا هُو شَيْءٍ صَنَعْنَاهُ، فَكَأَنَّهُ خَافَ مِنِ الَّذِي صَنَعُوهُ بِاجْتِهَادِهِمْ أَلَا يَكُون مُطَابِقًا،
وَاخْتُصَّ هو بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ الَّذِي كَانَ أَشَارَ بِذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ لَهُ، ثُمّ ◌َهَرَ لَهُ أَنَّ الوقُوفَ عِنْد
مَا كَانَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ أولاً أولَى، فَرَجَعَ إِلَى تَرْجِيحه، وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ لو أَقَامَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ، فَمَاتَ
٦٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الْمَضْرُوبُ وَدَاهُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الضَّمِيرِ فِي قَوْله: ((لَمْ يَسُنَّهُ)) لِصِفَةِ الضَّرْبِ، وَكَوْنِهَا بِسَوْطِ
الْجُلْدِ؛ أي: لَمْ يَسُنَّ الْجُلْد بِالسَّوْطِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَضْرِب فِيهِ بِالنِّعَالِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ
ذِكْرُهُ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْهَفِيُّ.
وَقَالَ اِبْنِ حَزْم أَيْضًا: لو جَاءَ عَنْ غَيْرِ عَلِيّ مِن الصَّحَابَة فِي حُكْم وَاحِدٍ أَنَّهُ
مَسْئُونٌّ وَأَنَّهُ غَيْرِ مَسْنُونٍ لوجَبَ حَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى غَيْرِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْآخَرُ، فَضْلاً عَنْ
عَلِيٍّ مَعَ سَعَةٍ عِلْمِهِ وَقُوَّةٍ فَهْمِهِ، وَإِذَا تَعَارَضَ خَبَرُ عُمَر بْنِ سَعِيدٍ وَخَبَرُ أَبِي سَاسَان، فَخَبَر
أَبِي سَاسَان أولَى بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ مُصَرِّحُ فِيهِ بِرَفْعِ الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ وَخَبَر عُمَيْر مَوْقُوف
عَلَى عَلِيٍّ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ قُدِّمَ الْمَرْفُوعُ.
وَأَمَّا دَعْوَى ضَعْف سَنَد أَبِي سَاسَان قَمَرْدُودَة وَالْجُمْعِ أولَى مَهْمَا أَمْكَنَ مِنْ
تَوْهِينِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَعَلَى تَقْدِير أَنْ تَكُون إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمَّا، فَرِوَايَة
الْإِثْبَاتِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَة النَّفْي، وَقَدْ سَاعَدَتْهَا رِوَايَةٍ أَنَس عَلَى إِخْتِلَاف أَلْفَاظِ النَّقَلَة
عَنْ قَتَادَة، وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون بَيْنِهِمَا تَمَامِ التَّعَارُض، فَحَدِيث أَنَس سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ،
وَاسْتَدَلَّ بِصَنِيعِ عُمَرِ فِي جَلْدِ شَارِبِ الْخُمْرِ ثَمَانِينَ عَلَى أَنَّ حَدّ الْخَمْرِ ثَمَانُونَ، وهو قَوْل
الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ إِبْنِ الْمُنْذِرِ، وَالْقَوْل الْآخَرِ لِلشَّافِعِيِّ وهو
الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ.
قُلْت: جَاءَ عَنْ أَحْمَد كَالْمَذْهَبَيْنِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ: أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْحَدّ فِي الْخَمْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيره،
فَذَهَبَ الْجُمْهورِ إِلَى الشَّمَانِينَ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهور عَنْهُ وَأَحْمَدٍ فِي رِوَايَة وَأبو ثَوْر
وَدَاوُدْ أَرْبَعِينَ، وَتَبِعَهُ عَلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ إِبْنِ دَقِيقِ الْعِيد وَالنَّوَوِيّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا، وَتُعُقِّبَ
بِأَنَّ الطَّبَرِيّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِمَا حَكَوْا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْخَمْرِ لَا حَدَّ
فِيهَا، وَإِنَّمَا فِيهَا التّعْزِير.
وَاسْتَدَلُوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهَا سَاكِتَةٍ عَنْ تَعْبِين عَدَد الضَّرْبِ، وَأَصْرَحُهَا
٦٨٧
کتاب الحدود/ باب حد الخمر
حَدِيث أَنَسِ، وَلَمْ يَجْزِمٍ فِيهِ بِالْأَرْبَعِينَ فِي أَرْجَجِ الطُّرُقِ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ عَبْدِ الرَّزَّاق
(أَنْبَأَنَا إِبْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرِ سُئِلَ إِبْنِ شِهَابٍ: كَمْ جَلَّدَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي الْخَمْرِ؟ فَقَالَ: لَمْ
يَكُنْ فَرَضَ فِيهَا حَدًّا، كَانَ يَأْمُر مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَضْرِبُوهُ بِأَيْدِيهِمْ وَنِعَالِهِمْ حَتَّى يَقُول
لَهُمْ: إِرْفَعُوا)) وَوَرَدَ أَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْهُ أَصْلاً، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَّدٍ
قَوِيٌّ: ((عَن إِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللهِ وَه لَمْ يُوَقِّتْ فِي الْخَمْرِ حَدًّا، قَالَ إِبْن عَبَّاس:
وَشَرِبَ رَجُل فَسَكِرَ فَانْظُلِقَ بِهِ إِلَى النَّبِيّ ◌َهِ، فَلَمَّا حَاذَى دَارِ الْعَبَّاس ◌ِنْفَلَتَ فَدَخَلَ
عَلَى الْعَبَّاسِ فَالْتَزَمَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَِّّ ◌َ﴿ فَضَحِكَ وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ)).
وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيّ مِنْ وَجْهَ آخَرِ: ((عَن إِبْن عَبَّاس مَا ضَرَبَ رَسُولِ اللهِ { ل﴾ فِي
الْخُمْرِ إِلَّا أَخِيرًا، وَلَقَدْ غَزَا تَبُوكِ، فَغَشِيَ حُجْرَتَهُ مِن اللَّيْلِ سَكْرَانُ فَقَالَ: لِيَقُمْ إِلَيْهِ
رَجُلُّ، فَيَأْخُذْ بِيَدِهِ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى رَحْله)).
وَالْجَوَابِ: إِنَّ الْإِجْمَاعِ إِنْعَقَدَ بَعْد ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدّ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْر تَحَرَّى مَا
كَانَ النَّبِيّ وَّهِ ضَرَبَ السَّكْرَانَ، فَصَيَّرَهُ حَدًّا وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا اِسْتَمَرَّ مَنْ بَعْدَهُ وَإِن
إِخْتَلَفُوا فِي الْعَدَد، وَجَمَعَ الْقُرْطُبِيّ بَيْن الْأَخْبَارِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أولاً فِي شُرْبِ الْخَمْرِ حَدٌّ،
وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَدِيثُ اِبْنِ عَبَّاس فِي الَّذِي إِسْتَجَارَ بِالْعَبَّاسِ، ثُمَّ شُرِعَ فِيهِ التَّعْزِيزُ
عَلَى مَا فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تَقْدِيرَ فِيهَا، ثُمَّ شُرِعَ الْحُدُّ، وَلَمْ يَطَّلِعْ أَكْثَرُهُمْ عَلَى
تَعْبِينِهِ صَرِيحًا مَعَ إِعْتِقَادهمْ أَنَّ فِيهِ الْحَدَّ الْمُعَيَّنَ، وَمِنْ ثَمَّ تَوَتَّى أبو بكر مَا فُعِلَ
بِحَضْرَةِ النَّبِيّ ◌َّهِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرِ، ثُمَّ رَأَى عُمَرُ وَمَنْ وَافَقَهُ الزّيَادَة عَلَى الْأَرْبَعِينَ إِمَّا
حَدًّا بِطَرِيقِ الإِسْتِنْبَاطِ وَإِمَّا تَعْزِيرًا.
قُلْت: وَبَقِيَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: ((إِنَّهُ إِنْ شَرِبَ فَحُدَّ ثَلَاث مَرَّاتِ ثُمَّ شَرِبَ قُتِلَ فِي
الرَّابِعَةِ) وَفِي رِوَايَة: ((فِي الْخَامِسَة)) وهو حَدِيثٌ مُخَرَّجُ فِي السُّنَن مِنْ عِدَّة طُرُق أَسَانِيدُهَا
قَوِيَّةٌ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَرْكِ الْقَتْلِ، وهو مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ بَعُدَ مِنْ نَقْلِ غَيْرِهِ
عَنْهُ الْقَوْلُ بِهِ كَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرو فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَبَعْضُ أَهْلِ
الظَّاهِرِ، وَبَالَغَ النَّوَوِيّ فَقَالَ: كُلُّ قَوْلٍ بَاطِلُ مُخَالِفٌّ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ،
٦٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَالْحَدِيث الوارِدِ فِيهِ مَنْسُوخُ إِمَّا بِحَدِيثِ: ((لَا يَحِلّ دَم ◌ِمْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث)»
وَإِمَّا لِأَنَّ الْإِجْمَاعِ دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ.
قُلْت: بَلْ دَلِيل النَّسْخِ مَنْصُوص؛ وهو مَا أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيّ عَنْ
قَبِيصَةٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ: ((فَأُنِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَّدَهُ، ثُمَّ أُنِيَ بِهِ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ
أُنِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ ثُمَّ أَبِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ فَرَفَعَ الْقَتْلَ وَكَانَتْ رُخْصَةً)).
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ حَدَّهُ ثَمَانُونَ بِالْإِجْمَاعِ فِي عَهْد عُمَر حَيْثُ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ
كِبَارُ الصَّحَابَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَلِيًّا أَشَارَ عَلَى عُمَر بِذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ عَلِيّ عَنْ ذَلِكَ، وَاقْتَصَرَ
عَلَى الْأَرْبَعِينَ؛ لِأَنَّهَا الْقَدْرُ الَّذِي إِنَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَفِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ مُسْتَنِدِينَ إِلَى تَقْدِیر
مَا فُعِلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ ◌ََّ.
وَأَمَّا الَّذِي أَشَارَ بِهِ فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاقِ قِصَّته أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ رَدْعًا لِلَّذِينَ
إِنْهَمَكُوا؛ لِأَنَّ فِي بَعْض ◌ُرُق الْقِصَّة كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ ((احْتَقَرُوا الْعُقُوبَةَ)) وَبِهَذَا تَمَسَّكَ
الشَّافِعِيَّةِ فَقَالوا: أَقَلُّ مَا فِي حَدِّ الْخَمْرِ أَرْبَعُونَ، وَتَجُوزِ الزّيَادَةُ فِيهِ إِلَى الثَّمَانِينَ عَلَى سَبِيلِ
التَّعْزِيرِ، وَلَا يُجَاوِزِ الثَّمَانِينَ، وَاسْتَنَدُوا إِلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ إِلَى رَأَي الْإِمَامِ، فَرَأَى عُمَرُ فِعْلَهُ
بِمُوَافَقَةِ عَلِيٍّ، ثُمَّ رَجَعَ عَلِيّ وَوَقَفَ عِنْد مَا فَعَلَهُ النَّبِيّ ◌ََّ وَأبو بكر وَوَافَقَهُ عُثْمَان عَلَى
ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْل عَلىّ: ((وَكُلُّ سُنَّةُ)) فَمَعْنَاهُ: إِنَّ الإِقْتِصَارِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ سُنَّهُ النَّبِيّ
فَصَارَ إِلَيْهِ أبو بكر، وَالوصُولِ إِلَى الثَّمَانِينَ سُنَّهُ عُمَرَ رَدْعًا لِلشَّارِبِينَ الَّذِينَ إِحْتَفَرُوا
الْعُقُوبَةَ الْأولى، وَوَافَقَهُ مَنْ ذُكِرَ فِي زَمَانِهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَ، وَسَوَّعَ لَهُمْ ذَلِكَ إِمَّا
إِعْتِقَادُهُمْ جَوَازَ الْقِيَاسِ فِي الْحُدُودِ عَلَى رَأْي مَنْ يَجْعَل الْجَمِيعِ حَدًّا، وَإِمَّا أَنَّهُمْ جَعَلوا
الزِّيَادَةَ تَعْزِيرًا بِنَاء عَلَى جَوَازِ أَنْ يَبْلُغِ بِالتَّعْزِيرِ قَدْر الْحَدّ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْخَبَرُ الْآتِي
فِي بَاب التَّعْزِير، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الْقِيَاسِ فِي الْحُدُودِ وَادَّعَى إِجْمَاعَ
الصَّحَابَةِ، وَهِيَ دَعْوَى ضَعِيفَةٌ لِقِيَامِ الإِحْتِمَالِ، وَقَدْ شَنَّعَ إِبْنِ حَزْم عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلهُمْ:
((إِنَّ الْقِيَاسِ لَا يَدْخُلِ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَات)) مَعَ جَزْمِ الطَّحَاوِيّ، وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْهُمْ بِأَنَّ
٦٨٩
کتاب الحدود/ باب حد الخمر
حدّ الْخَمْرِ وَقَعَ بِالْقِيَاسِ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ مِن الْمَالِكِيَّة
وَالشَّافِعِيَّة.
وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ شُرِعَتْ بِحَسَب الْمَصَالِحِ، وَقَدْ
تَشْتَرِك أَشْيَاء مُخْتَلِفَة وَتَخْتَلِفِ أَشْيَاء مُتَسَاوِيَة، فَلَا سَبِيلٍ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ إِلَّ بِالنَّصِّ.
وَأَجَابُوا عَمَّا وَقَعَ فِي زَمَن عُمَر بِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنِهِ جَلَّدَ قَدْرِ حَدِّ الْقَذْفِ أَنْ
يَكُون جَعَلَ الْجَمِيعَ حَدًّا بَلِ الَّذِي فَعَلوهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهَ حَدَّ
فِيهِ أَرْبَعِينَ؛ إِذْ لُو بَلَغَهُمْ لَمَا جَاوَزُوهُ كَمَا لَمْ يُجَاوِزُوا غَيْرِهِ مِن الْحُدُودِ الْمَنْصُوصَةِ.
وَقَدٍ إِنَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزِ أَنْ يُسْتَنْبَطِ مِن النَّصّ مَعْنَى يَعُودِ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ،
فَرُجِّعَ أَنَّ الزِّيَادَة كَانَتْ تَعْزِيرًا، وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ أبو عُبَيْدٍ فِي (غَرِيب الْحَدِيث)) بِسَنَدٍ
صَحِيحٍ عَنْ أَبِي رَافِعِ بْن عُمَر أَنَّهُ أَتِيَ بِشَارِبٍ، فَقَالَ لِمُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ: إِذَا أَصْبَحْت
غَدًا فَاضْرِبْهُ، فَجَاءَ عُمَرُ فَوَجَدَهُ يَضْرِبِهُ ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: كَمْ ضَرَبْته؟ قَالَ: سِتِّينَ،
قَالَ: إِقْتَصَّ عَنْهُ بِعِشْرِينَ، قَالَ أبو عُبَيْد: يَعْنِي: اِجْعَلْ شِدَّةَ ضَرْبِك لَهُ قِصَاصًا
بِالْعِشْرِينَ الَّتِي بَقِيَتْ مِن الثَّمَانِينَ.
قَالَ أبو عُبَيْد: فَيُؤْخَذْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ضَرْبَ الشَّارِبِ لَا يَكُون شَدِيدًا،
وَأَا يُضْرَبَ فِي حَالِ السُّكْر؛ لِقَوْلِهِ: ((إِذَا أَصْبَحْتِ فَاضْرِبْهُ)).
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَيُؤْخَذْ مِنْهُ أَنَّ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ لَيْسَتْ بِحَدٍّ؛ إِذْ لو كَانَتْ حَدًّا
لَمَا جَازَ النَّقْصُ مِنْهُ بِشِدَّةِ الضَّرْب؛ إِذْ لَا قَائِل بِهِ.
وَقَالَ صَاحِب ((الْمُفْهِمْ)) مَا مُلَخَّصُهُ بَعْد أَنْ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الْمَاضِيَةَ: هَذَا كُّهُ
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ نَّهِ كَانَ أَدَبًا وَتَعْزِيرًا، وَلِّذَلِكَ قَالَ عَليُّ: فَإِنَّ النَّبِيّ
وَيُّهَ لَمْ يَسُنَّهُ، فَلِذَلِكَ سَاغَ لِلصَّحَابَةِ الإِجْتِهَادُ فِيهِ، فَأَلْقُوهُ بِأَخَفٌّ الْحُدُودِ، وَهَذَا قَوْلُ
طَائِفَةٍ مِنْ عُلَمَائِنَا.
وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُ عَلِيِّ (جَلَّدَ النَّبِيّ ◌َ﴿ أَرْبَعِينَ)) وَكَذَا وُقُوع الْأَرْبَعِينَ فِي عَهْد أَبِي
بَكْرِ، وَفِي خِلَافَةِ عُمَر أولاً أَيْضًا ثُمَّ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانِ، فَلَولَا أَنَّهُ حَدُّ لَاخْتَلَفَ
٦٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
التَّقْدِيرُ، وَيُؤَيِّدُهُ قِيَامُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ فِي الْخَمْرِ الْحَدّ، وَإِنْ وَقَعَ الإِخْتِلَافِ فِي الْأَرْبَعِينَ
وَالثَّمَانِينَ.
قَالَ: وَالْجُوَابِ أَنَّ النَّقْلِ عَنِ الصَّحَابَةِ اِخْتَلَفَ فِي التَّحْدِيدِ وَالتَّقْدِيرِ، وَلَا بُدَّ مِن
الْجُمْعِ بَيْن ◌ُخْتَلَف أَقْوَالِهِمْ، وَطَرِيقُهُ أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي زَمَنِهِ وَ كَانَ أَدَبًّا مِنْ
أَصْلِ مَا شَاهَدُوهُ مِن إِخْتِلَافِ الْحَالِ، فَلَمَّا كَثُرَ الْإِقْدَامِ عَلَى الشُّرْبِ أَلْقُوهُ بِأَخَفٌ
الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ، وَقَوَّى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ وُجُودُ الإِفْتِرَاءِ مِن السُّكْرِ فَأَتْبَتُوهَا
حَدًّا، وَلِهَذَا أَظْلَقَ عَلِيُّ أَنَّ عُمَرَ جَلَدَ ثَمَانِينَ وَهِيَ سُنَّةُ، ثُمَّ ظَهَرَ لِعَلِيِّ أَنَّ الإِقْتِصَارِ عَلَى
الْأَرْبَعِينَ أولَى مَخَافَة أَنْ يَمُوتِ، فَتَجِب فِيهِ الدِّيَة وَمُرَاده بِذَلِكَ الثَّمَانُونَ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ
بَيْنِ قَوْله: (لَمْ يَسُنَّهُ)) وَبَيْن تَصْرِيحِهِ بِأَنَّهُ وَلِهِ جَلَّدَ أَرْبَعِينَ.
قَالَ: وَغَايَة هَذَا الْبَحْثِ أَنَّ الضَّرْبِ فِي الْخَمْرِ تَعْزِيرٌ يُمْنَعُ مِن الزِّيَادَةِ عَلَى غَايَتِهِ،
وَهِيَ مُخْتَلَفُّ فِيهَا.
قَالَ: وَحَاصِلِ مَا وَقَعَ مِن إِسْتِنْبَاطِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَقَامُوا السُّكْرَ مَقَامَ الْقَذْفِ؛
لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْهُ غَالِبًا فَأَعْطَوْهُ حُكْمَهُ، وهو مِنْ أَقْوَى حُجَجِ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ، فَقَد
اِشْتَهَرَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ وَلَمْ يُنْكِرْهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مُنْكِرُ.
قَالَ: وَقَد اِعْتَرَضَ بَعْض أَهْلِ النَّظَرِ بِأَنَّهُ إِنْ سَاغَ إِلْحَاقِ حَدّ السُّكْرِ بِحَدِّ الْقَذْف،
فَلْيُحْكَمْ لَهُ بِحُكْمِ الزَّنَا وَالْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُمَا مَظِنَّتُهُ وَلْيَقْتَصِرُوا فِي الثَّمَانِينَ عَلَى مَنْ سَكِرَ
لَا عَلَى مَن ◌ِقْتَصَرَ عَلَى الُّرْبِ وَلَمْ يَسْگرْ.
قَالَ: وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَظِنَّةَ مَوْجُودَةٌ غَالِبًا فِي الْقَذْفِ نَادِرَةً فِي الزَّنَا وَالْقَتْلِ، وَالوجُود
يُحَقِّقُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَقَامُوا الْحَدَّ عَلَى الشَّارِبِ وَإِنْ لَمْ يَسْكَرْ مُبَالَغَةً فِي الرَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْقَلِيل
يَدعو إِلَى الْكَثِيرِ، وَالْكَثِيرِ يُسْكِرِ غَالِبًا وهو الْمَظِنَّة، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُم ◌ِنَّفَقُوا عَلَى إِقَامَة الْحَدّ
فِي الزَّنَا بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ، وَإِنْ لَمْ يَتَذَّدْ وَلَا أَنْزَلَ وَلَا أَكْمَلَ.
قُلْت: وَالَّذِي تَحَصَّلَ لَنَا مِن الْآَرَاءِ فِي حَدِّ الْخَمْرِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ:
الْأُولِ: إِنَّ النَّبِيّ وََّ لَمْ يَجْعَلِ فِيهَا حَدَّا مَعْلوما، بَلْ كَانَ يَقْتَصِرِ فِي ضَرْبٍ
٦٩١
کتاب الحدود/ باب حد الخمر
الشَّارِب عَلَى مَا يَلِیق بِهِ.
قَالَ اِبْنِ الْمُنْذِر: قَالَ بَعْض أَهْلِ الْعِلْمِ: أُنِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِسَكْرَانَ فَأَمَرَهُمْ بِضَرْبِهِ
وَتَبْكِيتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَلَا حَدَّ فِي السُّكْرِ بَلْ فِيهِ التَّنْكِيلُ وَالتَّبْكِيتُ، وَلو كَانَ ذَلِكَ عَلَى
سَبِيلِ الْحَدّ لَبَيَّنَهُ بَيَانًا وَاضِحًا.
قَالَ: فَلَمَّا كَثُرَ الشُّرَّابُ فِي عَهْد عُمَر إِسْتَشَارَ الصَّحَابَةِ، وَلو كَانَ عِنْدِهِمْ عَنِ
النَّبِيّ ◌َِّ شَيْءُ تَحْدُودُ لَمَا تَّجَاوَزُوهُ، كَمَا لَمْ يَتَجَاوَزُوا حَدَّ الْقَذْفِ وَلو كَثُرَ الْقَاذِفُونَ
وَبَالَغُوا فِي الْفُحْشِ، فَلَمَّ اِقْتَضَى رَأْيُهُمْ أَنْ يَجْعَلوه كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَاسْتَدَلَّ عَلِيُّ بِمَا ذُكِرَ
مِنْ أَنَّ فِي تَعَاطِيهِ مَا يُؤَدِّي إِلَى وُجُودِ الْقَذْفِ غَالِبًا أو إِلَى مَا يُشْبِهِ الْقَذْفِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى
الوقُوف عِنْد تَقْدِير مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ النَّبِيّ ◌َِّ دَلَّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَات فِي
التَّحْدِيدِ بِأَرْبَعِينَ إِخْتَلَفَتْ عَنْ أَنَس وَكَذَا عَنْ عَلِيٍّ، فَالْأُولِى أَلَا يَتَجَاوَزُوا أَقَلَّ مَا وَرَدَ
أَنَّ النَّبِيّ ◌ََّ ضَرَبَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ سَوَاء كَانَ ذَلِكَ حَدًّا أو تَعْزِيرًا.
الثَّانِي: إِنَّ الْحَدّ فِيهِ أَرْبَعُونَ، وَلَا تَجُوزِ الزِّيَادَة عَلَيْهَا.
الثَّالِثِ مِثْله: لَكِنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْلُغ بِهِ ثَمَانِينَ، وَهَلْ تَكُون الزِّيَادَةِ مِنْ تَمَام
الْحَدّ أو تَعْزِيرًا؟ قَوْلَانٍ.
الرَّابع: إِنَّهُ ثَمَانُونَ، وَلَا تَجُوزِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.
الْخَامِس: كَذَلِكَ وَتَّجُوزِ الزَّيَادَة تَعْزِيرًا، وَعَلَى الْأَقْوَالِ كُلّهَا هَلْ يَتَعَيَّنِ الْجُلْدُ
بِالسَّوْطِ أو يَتَعَيَّن بِمَا عَدَاهُ أُو يَجُوزِ بِكُلِّ مِنْ ذَلِكَ؟ أَقْوَالُ.
السَّادِسُ: إِنْ شَرِبَ فَجُلِدَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَعَادَ الرَّابِعَةَ وَجَبَ قَتْلُهُ، وَقِيلَ: إِنْ شَرِبَ
أَرْبَعًا فَعَادَ الْخَامِسَةَ وَجَبَ قَتْلُهُ، وَهَذَا السَّادِسِ فِي الطَّرَفِ الْأَبْعَد مِن الْقَوْل الْأُول،
وَكِلَاهُمَا شَاذٌّ، وَأَظُنُّ الْأُولِ رَأْي الْبُخَارِيّ، فَإِنَّهُ لَمْ يُتَرْجِم بِالْعَدَدِ أَصْلاً، وَلَا أَخْرَجَ هُنَا
فِي الْعَدَدِ الصَّرِيحِ شَيْئًا مَرْفُوعًا.
وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ: (لَا يُزَادِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ)) بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَحَرَّى مَا كَانَ فِي زَمَنٍ
النَّبِيّ ◌َّهِ فَوَجَدَهُ أَرْبَعِينَ فَعَمِلَ بِهِ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ فِي زَمَنِهِ مُخَالِفٌ، فَإِنْ كَانَ السُّكُوت
٦٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
إِجْمَاعًا، فَهَذَا الْإِجْمَاعِ سَابِقُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي عَهْدِ عُمَرَ وَالتَّمَسُّكُ بِهِ أولَى؛ لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ
فِعْلُ النَّبِيّ ◌َّهِ، وَمِنْ ثَمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ عَلِيٍّ فَفَعَلَهُ فِي زَمَن عُثْمَانَ بِحَضْرَتِهِ، وَبِحَضْرَةٍ مَنْ كَانَ
عِنْدَهُ مِن الصَّحَابَة مِنْهُمْ عَبْد الله بْن جَعْفَرِ الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ وَالْحْسَنِ بْن عَلِيّ، فَإِنْ كَانَ
السُّكُوتِ إِجْمَاعًا فَهَذَا هُو الْأَخِيرِ فَيَنْبَغِي تَرْجِیحه.
وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الزِّيَادَة بِمَا صُنِعَ فِي عَهْد عُمَر مِن الزِّيَادَة، وَمِنْهُمْ مَنْ
أَجَابَ عَنِ الْأَرْبَعِينَ بِأَنَّ الْمَضْرُوبِ كَانَ عَبْدًا وهو بَعِيدٌ، فَاحْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ: أَنْ يَكُون
حَدًّا أو تَعْزِیرًا.
وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الزِّيَادَة عَلَى الثَّمَانِينَ تَعْزِيرًا بِمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ أَنَّ عُمَر
حَدَّ الشَّارِب فِي رَمَضَان ثُمَّ نَفَاهُ إِلَى الشَّامِ، وَبِمَا أَخْرَجَهُ إِبْنِ أَبِي شَيْبَة أَنَّ عَلِيًّا جَلَّدَ
النَّجَاشِيّ الشَّاعِرِ ثَمَانِينَ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَجَلَدَهُ عِشْرِينَ بِجَرَاءَتِهِ بِالشُّرْبِ فِي رَمَضَانَ.
وَقَد اِسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعِ عَلَى ثُبُوت حَدِّ الْخَمْرِ وَأَلَا قَتْلَ فِيهِ، وَاسْتَمَرَّ الإِخْتِلَافُ فِي
الْأَرْبَعِينَ وَالثَّمَانِينَ، وَذَلِكَ خَاصُّ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الذِّيُّ فَلَا يُحَدُّ فِيهِ، وَعَنْ أَحْمَد
رِوَايَة: ((إِنَّهُ يُحَدُّ) وَعَنْهُ: ((إِنْ سَكِرَ)) وَالصَّحِيحِ عِنْدهمْ گالجمهور.
وَأَمَّا مَنْ هو فِي الرِّقّ فهو عَلَى النَّصْفِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّ عِنْد أَبِي ثَوْرِ وَأَكْثَرٍ أَهْلِ
الظَّاهِرِ، فَقَالُوا: الْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ لَا يُنْقَصُ عَنِ الْأَرْبَعِينَ نَقَلَهُ إِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ
وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ، وَخَالَفَهُمْ إِبْنِ حَزْمٍ فَوَافَقَ الْجُمْهور. [الفتح (١٨٩/١٩)].
(الفصل الثاني)
٣٦١٧ - [عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَِّّ ◌َ﴿ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي
الرَّابِعَةِ فَاقْتُلوُ)) قَالَ ثُمَّ أَقِيَ النبي ◌َّهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ
وَلَمْ يَقْتُلْهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](١).
٣٦١٨ - [وَرَوَاهُ أبو داود عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ] (٤).
(١) أخرجه الترمذي (١٥١٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٤٨٧).
٦٩٣
کتاب الحدود/ باب حد الخمر
٣٦١٩ - [وَفِي أَخْرَى لَهُما وَلِلْنِسَائِي وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيّ عَنْ نَفَرٍ مِنْ
أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَمُعَاوِيَة وَأَبو هُرَيْرَةَ وَالشَّرِيد إِلَى قَوْلِهِ:
(فَاقْتُلوُ)](١).
٣٦٢٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ قَالَ: كَأَنِيّ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ الله ◌َّهِ إِذْ أُنِيَ
بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: ((اضْرِبُوه) فَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالنَّعَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ
ضَرَبَهُ بِالْعَصَا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْمِيتَخَةِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي الْجَرِيدَةِ الرَّطْبَةِ، ثُمَّ
أَخَذَ رَسُولُ اللهِوَلِ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ فَرَفَى بِهِ فِي وَجْهِهِ رَوَاهُ أبو داود](٤).
٣٦٢١ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أُفِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَقَالَ:
((اضْرِبُوه) فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((َبَكّتُوُ»
فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ: مَا اتَّقَيْتَ اللهَ؟ مَا خَشَيْتَ اللهَ؟ وَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ رَسُولِ الله
وَ؟ فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أَخْزَاكَ اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَا تَقُولوا هَكَذَا، لَّا تُعِينُوا
عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ، وَلَكِنْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ)). رَوَاهُ أبو داود](٣).
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ أَنِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَقَالَ:) أي: النَّبِيّ ◌ََّ (اضْرِبُوهُ)
أي: الشَّارِب، وَلَمْ يُعَيِّن فِيهِ الْعَدَد؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُوَقَّتًا حِينَئِذٍ (فَمِنَّا الضَّارِبِ بِيَدِهِ)
أي: بِكَفِّهِ (وَالضَّارِبِ بِثَوْبِهِ) أي: بَعْد فَتْله لِلْإِيَامِ.
(فقَالَ بَعْض الْقَوْمِ) قِيلَ: إِنَّهُ عُمَر ﴾ (أَخْزَاك الله) أي: أَذَلَّك الله (فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿: ((لَا تَقُولُوا هَكَذَا) أي: لَا تَدْعُوا عَلَيْهِ بِالْخِزْي، وهو الذُّلّ وَالهوان (لَا
تُعِينُوا عَلَيْهِ) أي: عَلَى الشَّارِبِ (الشَّيْطَانِ) لِأَنَّ الشَّيْطَانِ يُرِيد بِتَزْبِينِهِ لَهُ الْمَعْصِيَةِ أَنْ
يَحْصُل لَهُ الْخِزْي، فَإِذَا دَعَوْا عَلَيْهِ بِالْخِزْيٍ، فَكَأَنَّهُمْ قَدْ حَصَّلوا مَقْصُود الشَّيْطَان.
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٨٥)، والبيهقي (١٧٢٨٢)، والطيالسي (٢٣٣٧)، وأحمد (٧٧٤٨)،
وعبد الرزاق (١٧٠٨١)، وأبو داود (٤٤٨٤)، والنسائي (٥٦٦٢)، والحاكم (٨١١٢) وقال: صحيح
الإسناد على شرط مسلم. والدارمي (٢٣١٣).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٨٥٥)، وأبو داود (٤٤٨٨)، والطحاوي (١٥٥/٣).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٤٧٩ - ٤٤٨٠).
٦٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: لَا تَدْعُوا عَلَيْهِ بِهَذَا الدُّعَاءِ، فَإِنَّ الله إِذَا أَخْزَاهُ اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ
الشَّيْطَان، أو لِأَنَّهُ إِذَا سَمِعَ مِنْكُمْ إِنْهَمَكَ فِي الْمَعَاصِي وَحَمَلَهُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَب عَلَى
الْإِصْرَارِ، فَيَصِيرِ الدُّعَاءِ وُصْلَة وَمَعُونَة فِي إِغْوَائِهِ وَتَسْوِيله. قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيّ.
وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْعِ الدُّعَاء عَلَى الْعَاصِي بِالْإِبْعَادِ عَنْ رَحْمَة الله
كَاللَّعْنِ. [عون المعبود (٤٥٩/٩)].
٣٦٢٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: شَرِبَ رَجُلُ فَسَكِرَ، فَلُقِي يَمِيلُ فِي الْفَجِّ، فَانْطُلِقَ
بِهِ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ فَلَمَّا حَاذَى دَارَ الْعَبَّاسِ انْفَلَتَ، فَدَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ فَالْتَزَمَهُ، فَذُكِرَ
ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ◌َهِ فَضَحِكَ وَقَالَ: ((أَفَعَلَهَا)) وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ رَوَاهُ أبو داود].
(الفصل الثالث)
٣٦٢٣ - [عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدِ النَّخَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﴾، يَقُولُ:
مَا كُنْتُ لأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لو مَاتَ
وَدَيْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَمْ يَسُنَّهُ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بِالنَّصْغِيرِ، وَأبوهُ بِفَتْحِ أوله وَكَسْرِ ثَانِيه: تَابِعِيُّ كَبِیرُ ثِقَةٌ.
قَالَ النَّوَوِيّ: هو فِي جَمِيع النُّسَخِ مِن الصَّحِيحَيْنِ هَكَذَا، وَوَقَعَ فِي الْجُمْعِ
لِلْحُمَيْدِيّ (سَعْد)) بِسُكُونِ الْعَيْنِ وهو غَلَطٌ، وَوَقَعَ فِي (الْمُهَذَّبِ)) وَغَيْرِهِ: ((عُمَر بْنِ سَعْد))
يَحِذْفِ الْيَاءَ فِيهِمَا، وهو غَلَطُ فَاحِش.
قُلْت: وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخِ مِن الْبُخَارِيِّ كَمَا ذَكَرَ الْحُمَيْدِيّ، ثُمَّ رَأَيْته فِي تَقْسِید
أَبِي عَلِيّ الْجَيَّانِيّ مَنْسُوبًا لِأَبِي زَيْدِ الْمَرْوَزِيِّ، قَالَ: وَالصَّوَابُ سَعِيدٌ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ إِبْن
حَزْمٍ، وَأَنَّهُ فِي الْبُخَارِيِّ: (سَعْدُ)) بِسُكُونِ الْعَيْنِ، فَلَعَلَّهُ سَلَف الْحُمَيْدِيّ.
وَوَقَعَ لِلنَّسَائِيِّ وَالطَّحَاوِيّ: ((عُمَر)) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ كَمَا فِي ((الْمُهَذَّبٍ))
لَكِنَّ الَّذِي عِنْدَهُمَا فِي أَبِيهِ: (سَعِيد)).
(١) أخرجه البخاري (٦٧٧٨)، ومسلم (٤٥٥٥)، وأحمد (١٠٩٦).
٦٩٥
كتاب الحدود/ باب حد الخمر
وَوَقَعَ عِنْدِ إِبْنِ حَزْمٍ فِي النَّسَائِيّ: ((عَمْرو)) بِفَتْحِ أوله وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَالْمَحْفُوظُ:
((عُمَيْرُ)) كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ، وَقَدْ أَعَلَّ إِبْنُ حَزْمِ الْخَبَرَ بِالإِخْتِلَافِ فِي إِسْمِ عُمَيْرِ وَاسْم أَبِيهِ،
وَلَيْسَتْ بِعِلَّةٍ تَقْدَحُ فِي رِوَايَتِهِ، وَقَدْ عَرَفَهُ وَوَثَّقَهُ مَنْ صَحَّحَ حَدِيثَهُ، وَقَدْ عَمَّرَ عُمَيْرُ
الْمَذْكُورُ وَعَاشَ إِلَى سَنَة خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَة.
(مَا كُنْت لِأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا) اللَّامِ لِتَأْكِيدِ التَّنْيِ (فَيَمُوتَ فَأَجِدَ) بِالنَّصْبِ
فِيهِمَا، وَمَعْنَى أَجِدَ مِن الوَجْدِ، وَلَهُ مَعَانٍ اللَّائِقُ مِنْهَا هُنَا الْحُزْنُ، وَقَوْله: ((فَيَمُوت))
مُسَبَّبُ عَنْ (أُقِيمِ) وَقَوْله: ((فَأَجِد)» مُسَبَّب عَنِ السَّبَب وَالْمُسَبَّبِ مَعًا (إِلَّ صَاحِب
الْخَمْر) أي: شَارِبِهَا وهو بِالنَّصْبِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَالإِسْتِثْنَاءِ مُنْقَطِعُ؛ أي: لَكِنْ أَجِد مِنْ
حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ إِذَا مَاتَ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّقْدِيرِ مَا أَجِد مِنْ مَوْت أَحَدِ يُقَام
عَلَيْهِ الْحُدُّ شَيْئًا إِلَّا مِنْ مَوْتِ شَارِبِ الْخَمْرِ، فَيَكُون الإِسْتِثْنَاء عَلَى هَذَا مُتَّصِلاً. قَالَهُ
الطّيپيُّ.
(فَإِنَّهُ لو مَاتَ وَدَيْته) أي: أَعْطَيْتِ دِيَتَهُ لِمَنْ يَسْتَحِقْ قَبْضَهَا، وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا
مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهُ مِنْ رِوَايَة الشَّعْبِيّ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيد،
قَالَ: ((سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول: مَنْ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدًّا فَمَاتَ، فَلَا دِيَةَ لَهُ إِلَّا مَنْ ضَرَبْنَاهُ فِي
الخُمْرِ)).
(لَمْ يَسُنَّهُ) أي: لَمْ يَسُنَّ فِيهِ عَدَدًا مُعَيَّنَا، فِي رِوَايَة شَرِيك: ((فَإِنَّ رَسُول الله وَ لَمْ
يَسْتَنَّ فِيهِ شَيْئًا)) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الشَّعْبِيِّ: ((فَإِنَّمَا هو شَيْءُ صَنَعْنَاهُ)).
إِنَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِن الضَّرْبِ فِي الْحَدِّ لَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِهِ إِلَّ فِي حَدِّ الْخَمْرِ،
فَعَنْ عَلِيِّ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ: إِنْ ضُرِبَ بِغَيْرِ السَّوْطِ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ جُلِدَ بِالسَّوْطِ ضُمِنَ، قِيلَ:
الدِّيَّةُ، وَقِيلَ: قَدْرُ تَفَاؤُتِ مَا بَيْن الْجَلْدِ بِالسَّوْطِ وَبِغَيْرِهِ، وَالدِّيَّةُ فِي ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ،
وَكَذَلِكَ لُومَاتَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ. [الفتح (١٨٨/١٩)].
٦٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
٣٦٢٤ . [وَعَنْ تَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيِلِيِّ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَشَارَ فِي حَدٍّ
الْخَمْرِ، فَقَالَ لَهُ عَلَى: أَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى،
وَإِذَا هَذَى افْتَرَى. فَجَلَّدَ عُمَرُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ](١).
(١) أخرجه مالك (١٥٤١).
(باب ما لا يدعى على المحدود)
(الفصل الأول)
٣٦٢٥ - [عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً اسْمُهُ عَبْدَ الله يُلَقَّبُ حِمَارًا كَانَ
يُضْحِكُ النَّبِيّ ◌َّهِ وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َ قَدْ جَلَّدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأَتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ
رَجُلُ مِنَ الْقَوْمِ: اللُّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْنَى بِهِ. فَقَالَ النَِّيُّ ◌َ:((لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَالله مَا
عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(لَا تَلْعَنُوهُ) فِي رِوَايَة الواقِدِيّ: «لَا تَفْعَل یَا عُمَر» وَهَذَا قَدْ یَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ یَدَّعي
إِتِّحَادَ الْقِصَّتَيْنِ، وهو بَعِيدُ لِمَا بَيَّنْتَه مِن اِخْتِلَاف الوقْتَيْنِ، وَيُمْكِنُ الْجُمْعُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ
لِلِتُّعَيْمَانِ وَلاِبْنِ النُّعَيْمَانِ، وَأَنَّهُ اِسْمِهِ عَبْدِ الله وَلَقَبه حِمَارِ، وَالله أَعْلَمُ.
(فَوَ الله مَا عَلِمْت أَنَّهُ يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَيَجُوز
عَلَى رِوَايَة ◌ِبْنِ السَّكَن الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، وَقَالَ بَعْضهم الرِّوَايَة بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، عَلَى أَنَّ ((مَا))
نَافِيَّةٌ يُحِيلِ الْمَعْنَى إِلَى ضِدِّهِ، وَأَغْرَبَ بَعْضُ شُرَّحِ ((الْمَصَابِيح) فَقَالَ: (مَا)) مَوْصُولَةٌ، وَإِنَّ
مَعَ اِسْمِهَا، وَخَيَرِهَا سَدَّتْ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْت؛ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلاً عَلَى الْمَنْسُوبِ
وَالْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ، وَالضَّمِيرِ فِي ((أَنَّهُ» يَعُود إِلَى الْمَوْصُول، وَالْمَوْصُولِ مَعَ صِلَتِهِ خَبَرُ مُبْتَدَلِ
تَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هو الَّذِي عَلِمْت، وَالْجُمْلَةِ فِي جَوَابِ الْقَسَمِ.
قَالَ الطَّيِيُّ: وَفِيهِ تَعَسُّفُ.
وَقَالَ صَاحِب ((الْمَطَالِعِ)): ((مَا)) مَوْصُولَةٌ، وَإِنَّهُ)) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مُبْتَدَأُ، وَقِيلَ:
بِفَتْحِهَا وهو مَفْعُولُ عَلِمْت.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا عَلِمْت بِمَعْنَى عَرَفْت، وَإِنَّهُ)) خَبَرِ الْمَوْصُول.
وَقَالَ أبو الْبَقَاءِ فِي إِعْرَابِ الْجُمْع): ((مَا)) زَائِدَةً؛ أي: فَوَالله عَلِمْت أَنَّهُ، وَالْهَمْزَةُ
(١) أخرجه البخاري (٦٧٨٠)، والضياء (٩٢)، والبزار (٢٦٩)، وأبو يعلى (١٧٦)، والبيهقي (١٧٢٧٣).
- ٦٩٧ -
٦٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
عَلَى هَذَا مَفْتُوحَةٌ.
قَالَ: وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الْمَفْعُولِ مَحْذُوفًا؛ أي: مَا عَلِمْت عَلَيْهِ أو فِيهِ سُوءَا، ثُمَّ
إِسْتَأْنَفَ، فَقَالَ: إِنَّهُ يُحِبُّ الله وَرَسُولِه، وَنُقِلَ عَنْ رِوَايَة إِبْنِ السَّكَن أَنَّ النَّاء بِالْفَتْحِ
لِلْخِطَابِ تَقْرِيرًا، وَيَصِحُّ عَلَى هَذَا كَسْرُ الْهَمْزَةِ وَفَتْحُهَا، وَالْكَسْرُ عَلَى جَوَابِ الْقَسَمِ
وَالْفَتْحُ مَعْمُولُ عَلِمْت، وَقِيلَ: (مَا)) زَائِدَةٌ لِلْتَّأْكِيدِ، وَالتَّقْدِيرِ: لَقَدْ عَلِمْت.
قُلْت: وَقَدْ حَكَّى فِي (الْمَطَالِع)) أَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات ((فَوَالله لَقَدْ عَلِمْت)) وَعَلَى
هَذَا فَالْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةٌ، وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون ((مَا)) مَصْدَرِيَّةً، وَكُسِرَتْ ((إِنَّ)) لِأَنَّهَا جَوَابُ
الْقَسَمِ.
قَالَ الطَّيبِيُّ: وَجَعْلُ ((مَا)) نَافِيَةً أَظْهَرُ لِاِقْتِضَاءِ الْقَسَمِ أَنْ يَلْتَقِي بِحَرْفِ النَّفْيِ، وَبِإِنَّ
وَبِاللَّامِ خِلَافِ الْمَوْصُولَةِ، وَلِأَنَّ الْجُمْلَةِ الْقَسَمِيَّةِ جِيءَ بِهَا مُؤَكِّدَةً لِمَعْنَى النَّفْي مُقَرِّرَة
◌ِلإِنْكَارِ.
وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي (شَرْحِ السُّنَّة): (فَوَالله مَا عَلِمْت)) إِلَّ أَنَّهُ قَالَ: فَمَعْنَى الْحَصْرِ
فِي هَذِهِ الرِّوَايَة بِمَنْزِلَةٍ تَاءِ الْخِطَابِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِإِرَادَةٍ مَزِيدِ الْإِنْكَارِ عَلَى
الْمُخاطَب.
قُلْت: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أَبِيِ ذَرّ: عَنِ الْكُشْمِيهَنِيّ مِثْلِمَا عَزَاهُ لِـاشَرْحِ السُّنَّة)).
وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيِيّ مِنْ طَرِيقٍ أَبِي زُرْعَة الرَّازِيِّ عَنْ يَحَْى بْنِ بُكَيْر شَيْخ
الْبُخَارِيّ فِيهِ ((فَوَالله مَا عَلِمْت إِنَّهُ لَيُحِبّ الله وَرَسُولَهُ)) وَيَصِحْ مَعَهُ أَنْ تَكُون ((مَا))
زَائِدَة، وَأَنْ تَكُون ◌َظَرْفِيَّة؛ أي: مُدَّة عِلْمِي.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَعْمَرِ وَالواقِدِيّ ((فَإِنَّهُ يُحِبّ الله وَرَسُولُه)) وَكَذَا فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن
عَمْرِو بْن حَزْمِ، وَلَا إِشْكَال فِيهَا؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ تَعْلِيلاً لِقَوْلِهِ: (لَا تَفْعَل يَا عُمَر)) وَالله
أَعْلَمُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِن الْفَوَائِدِ جَوَازِ التَّلْقِيبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلِ فِيهِ فِي كِتَاب
الْأَدَب، وهو مَحْمُولُ هُنَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَكْرَهُهُ، أو أَنَّهُ ذُكِرَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْرِيف
لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يُسَمَّى بِعَبْدِ الله، أو أَنَّهُ لَمَّا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ نُسِبَ