النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٣٩
كتاب الحدود
جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
٣٥٥٧ - [وَعَنْ عُمَرَ ﴿ قَالَ: إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ،
فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ اللهُ تَعَالَى آيَةُ الرَّجْمِ، رَجَمَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، وَالرَّجْمُ فِي
كِتَابِ اللهِ حَقُّ عَلَى مَنْ زَلَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَو كَانَ
الْحَبَلُ أو الإِعْتِرَافُ. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٢).
٣٥٥٨ - [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ قَالَ: ((خُذُوا عَنِّ خُذُوا عَنِّي، قَدْ
جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، الْبِكْرُ بِالْبِّكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالقَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ
وَالرَّجْمُ))] (٣).
٣٥٥٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ: أَنَّ الْتَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ لَّهِ فَذَكَرُوا لَهُ
أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَاهْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وََّ: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ
الرَّجْمِ؟» فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ.
فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَّأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا.
فَقَالَ عَبْدُ اللّه بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَقَالُوا: صَدَقَ يَا
مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ الله ◌َّهِ فَرُجِمَا. وِفِي رِوايَةٍ: قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ
فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَتَكَاتَمُهُ بَيْنَنَا.
فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا] (٤).
(١) أخرجه البخاري (٦٨٣١)، والطبراني (٥٠٤٨).
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٤١)، ومسلم (١٦٩١)، وأحمد (٣٠٢)، والدارمي (٢٣٢٢)، وأبو داود (٤٤١٨)،
والترمذي (١٤٣٢)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٧١٥٨)، وأبو عوانة (٦٢٥٥)، وابن حبان
(٤١٣).
(٣) أخرجه الشافعي (١٦٤/١)، وأحمد (٢٢٧١٨)، ومسلم (١٦٩٠)، وأبو داود (٤٤١٥)، والترمذي
(١٤٣٤) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (٢٥٥٠)، وابن حبان (٤٤٢٥)، وابن الجارود (٨١٠)،
والنسائي في («الكبرى)) (١١٠٩٣).
(٤) أخرجه البخاري (٣٦٣٥)، ومالك (١٥٠٣)، وأحمد (٤٥٩٢)، وابن حبان (٤٥١١).

٦٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
(أَنَّ الْيَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَةِ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا)
ذَكَرَ السُّهَيْلِيّ عَنِ إِبْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ إِسْمِ الْمَرْأَةُ: ((بُسْرَة)) بِضَمِّ الْمُوَخَّدَة وَسُكُون الْمُهْمَلَةِ،
وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُل.
وَذَكَرَ أبو دَاوُدَ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ ((سَمِعْتِ رَجُلاً مِنْ مُزَيْنَةٍ مِمَّنْ
تَبِعَ الْعِلْمِ، وَكَانَ عِنْد سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب يُحَدِّث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: زَلَى رَجُل مِن الْتَّهُود
بِامْرَأَةٍ، فَقَالَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ: إِذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيّ، فَإِنَّهُ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ فَإِنْ أَفْتَانَا
بِقُتْيَا دُون الرَّجْمَ قَبِلْنَاهَا، وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدِ اللهِ، وَقُلْنَا: فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِك.
قَالَ: فَأَتَوْا النَّبِيّ ◌َه وهو جَالِس فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِم مَا
تَرَى فِي رَجُل وَامْرَأَةٌ زَنَيَا مِنْهُمْ.
وَنَقَلَ إِبْنِ الْعَرَبِّ عَنِ الظَّبَرِيّ وَالثَّعْلَبِيّ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: ((إِنْطَلَقَ قَوْمٍ مِنْ
قُرَيْظَة وَالنَّضِير مِنْهُمْ: كَعْب بْنِ الْأَشْرَف وَكَعْب بْن أَسَد وَسَعِيد بْن عَمْرو وَمَالِك بْن
الصَّيْف وَكِنَانَة بْن أَبِ الْحُقَيْقِ وَشَاس بْن قَيْس وَيُوسُف اِبْن عَازُورَاء، فَسَأَلُوا النَّبِيّ
وَكَانَ رَجُل وَامْرَأَةٌ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ خَيْبَرِ زَنَيَا وَاسْمِ الْمَرْأَة: بُسْرَة، وَكَانَتْ خَيْبَرِ حِينَئِذٍ
حَرْبًا فَقَالَ لَهُمْ: إِسْأَلُوهُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلِ عَلَى النَّبِيّ ◌َّهَ فَقَالَ: إِجْعَلْ بَيْنك وَبَيْنهم إِبْن
صُورِيًّا)) فَذَكَرَ الْقِصَّة مُطَوَّلَة.
وَلَفْظ الطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيّ الْمَذْكُورَةِ: ((إِنَّ أَحْبَارِ الْيَّهُودِ اِجْتَمَعُوا فِي بَيْت
الْمِدْرَاسِ، وَقَدْ زَلَى رَجُل مِنْهُمْ بَعْد إِحْصَانِه بِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ قَدْ أُحْصِنَتْ)) فَذَكَرَ الْقِصَّةِ،
وَفِيهَا: ((فَقَالَ: اخْرُجُوا إِلَى عَبْد الله بْنِ صُورِيًّا الْأَعْوَر)).
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقٍ: ((وَيُقَال: إِنَّهُمْ أَخْرَجُوا مَعَهُ أَبَا يَاسِرِ بْنِ أَحْطَبَ وَوَهْب بْن
يَهُودَا، فَخَلًا النَّبيّ ◌َێ، بِابْنِ صُورِبًّا)) فَذَكَرَ الْحَدِيث.
وَوَقَعَ عِنْدِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ: «مُرَّ عَلَى النَّبِيّ ◌َ بِيَهُودِيٌّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا،
فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: هَكَذَا تَّجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ)) وَهَذَا يُخَالِفِ الْأول
مِنْ حَيْثُ إِنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ إِبْتَدَؤُوا السُّؤَالِ قَبْلِ إِقَامَة الْحَدّ، وَفِي هَذَا أَنَّهُمْ أَقَامُوا الْحَدّ قَبْل

٦٤١
كتاب الحدود
السُّؤَال.
وَيُمْكِنِ الْجُمْعِ بِالتَّعَدُّدِ بِأَنْ يَكُونِ الَّذِينَ سَأَلُوا عَنْهُمَا غَيْرَ الَّذِي جَلَدُوهُ،
وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ بَادَرُوا فَجَلَدُوهُ، ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فَسَأَلُوا فَاتَّفَقَ الْمُرُورِ بِالْمَجْلُودِ فِي حَال
سُؤَالهِمْ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهُمْ بِإِحْضَارِهِمَا فَوَقَعَ مَا وَقَعَ وَالْعِلْمِ عِنْد الله.
وَيُؤَيِّد الْجُمْعَ مَا وَقَعَ عِنْدِ الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس «أَنَّ رَهْطًا مِن الْتَّهُود
أَتَوْا النَّبِيّ ◌َّهِ وَمَعَهُم ◌ِمْرَأَةٌ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّد مَا أُنْزِلَ عَلَيْكِ فِي الزِّنَا؟)) فَيُتَّجَهِ أَنَّهُمْ جَلَدُوا
الرَّجُلِ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنِ الْحُكْم، فَأَحْضَرُوا الْمَرْأَةَ وَذَكَرُوا الْقِصَّةِ وَالسُّؤَال.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ عُبَيْدِ اللهِ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ إِبْنِ عُمَر ((أَنَّ النَِّيّ ◌َُّ أَنِيَ
بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّة زَنَيَا)) وَتَحْوِهِ فِي رِوَايَة عَبْد الله بْن دِينَار عَن إِبْن عُمَر الْمَاضِيَة قَرِيبًا،
وَلَفْظه: ((أَحْدَثَا)).
وَفِي حَدِيث عَبْد الله بْن الْحَارِثِ عِنْد الْبَزَّار: ((أَنَّ الْيَهُودِ أَتَوْا بِيَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا وَقَدْ
أُحْصِنَا.
(فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ◌َُّ: ((مَا تَّجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟») قَالَ الْتَاجِيّ:
يَجْتَمِلِ أَنْ يَكُون عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّ حُكْم الرَّجْم فِيهَا ثَابِت عَلَى مَا شُرِعَ لَمْ يَلْحَقَهُ
تَبَدُّل، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون عَلِمَ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ عَبْد الله بْنِ سَلَام وَغَيْرهِ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ
عَلَى وَجْهُ حَصَلَ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ بِصِحَّةٍ نَقْلهِمْ، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون إِنَّمَا سَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ
لِيَعْلَمِ مَا عِنْدهمْ فِيهِ ثُمَّ يَتَعَلَّمَ صِحَّة ذَلِكَ مِنْ قِبَل الله تَعَالَى.
(فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ) بِفَتْحِ أوله وَثَالِثِه، مِن الْفَضِيحَةِ (وَيُجْلَدُونَ) وَقَعَ بَيَان
الْفَضِيحَة فِي رِوَايَةٍ أَيُّوب عَنْ نَافِعِ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ بِلَفْظِ: ((قَالُوا: نُسَخِّم وُجُوههمَا،
وَنُخْزِبِهِمَا)».
وَفِي رِوَايَة عَبْد الله بْن عُمَر: ((قَالُوا: نُسَوِّدٍ وُجُوههمَا وَنُحَمِّمُهُمَا، وَتُخَالِف بَيْن
وُجُوهِهِمَا، وَيُطَاف بِهِمَا».
وَفِي رِوَايَة عَبْد الله بْنِ دِينَار: ((إنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيمِ الْوَجْهِ وَالتَّجْبِيهَ)).

٦٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة: ((يُحَمَّم وَيُجَبَّه وَيُجْلَد)) وَالتَّجْبِيهُ: أَنْ يُحْمَلِ الزَّانِيَانِ عَلَى
حِمَارِ وَتُقَابَلِ أَقْفِيَتُهُمَا وَيُطَاف ◌ِهِمَا.
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: يُشْبِهِ أَنْ يَكُونِ أَصْلِه الْهَمْزَةِ، وَأَنَّهُ النَّجْبِئَةِ، وَهِيَ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ
يُقَال: جَبَّأْتِهِ تَجْبِينًا؛ أي: رَدَعْتِهِ، وَالتَّجْبِيَةِ: أَنْ يُنَِّسِ رَأْسِه، فَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون مَنْ
فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ يُنَكِّس رَأْسِه ◌ِسْتِحْيَاء، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْفِعْل: تَجْبِيَةِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِن
الْجَبْهُ، وهو الإِسْتِقْبَالِ بِالْمَكْرُوهِ، وَأَصْله مِنْ إِصَابَة الْجُبْهَةِ، تَقُول: ((جَبْهَته)) إِذَا أَصَبْت
جَبْهَته، كَـ«رَأَسْتُهُ)) إِذَا أَصَبْتِ رَأْسِه.
وَقَالَ الْبَاجِيّ: ظَاهِرِ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ قَصَدُوا فِي جَوَابِهِمْ تَخْرِيف حُكْم التَّوْرَاة
وَالْكَذِبِ عَلَى النَّبِيّ إِمَّ رَجَاء أَنْ يَحْكُم بَيْنِهِمْ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا
بِتَحْكِيمِهِ التَّخْفِيفَ عَنِ الزَّانِيَيْنِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُمْ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ، أو
قَصَدُوا إِخْتِبَار أَمْره؛ لِأَنَّهُ مِن الْمُقَرَّرِ أَنَّ مَنْ كَانَ نَبِيًّا لَا يُقِرّ عَلَى بَاطِلِ، فَظَهَرَ
بِتَوْفِيقِ اللّه نَبِيَّهُ كَذِبُهُمْ وَصِدْقُهُ ولله الحمد.
(فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ) رِوَايَة أَيُّوب وَعُبَيْد الله بْنِ
عُمَر: قَالَ: ﴿فَأَتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣].
(فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا) بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَةٍ أَيُّوب: ((فَجَاؤُوا)).
وَزَادَ عُبَيْد الله بْن عُمَر: ((بِهَا فَقَرَءُوهَا)).
وَفِي رِوَايَةٍ زَيْد بْن أَسْلَمَ: ((فَأَتَى بِهَا فَنَزَعَ الْوِسَادَةِ مِنْ تَّحْته فَوَضَعَ الثَّوْرَاةِ عَلَيْهَا،
ثُمَّ قَالَ: آمَنْت بِك وَبِمَنْ أَنْزَلَك)).
وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْد مُسْلِمٍ: «فَدَعَا رَجُلاً مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: أَنْشُدُك بِالله
وَبِمَنْ أَنْزَلَهُ».
وَفِي حَدِيث جَابِرِ عِنْد أَبِي دَاوُدَ: «فَقَالَ: إِثْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ، فَأْتِيَ بِابْنِ
صُورِیًا)).
زَادَ الطَّبَرِيُّ فِي حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس: ((إِثْتُونِي بِرَجُلَيْنِ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيل،

٦٤٣
كتاب الحدود
فَأَتَوْهُ بِرَجُلَيْنِ أَحَدِهمَا شَابٌ، وَالْآخَرِ شَيْخِ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِن الْكِبَر)).
وَلاِبْنِ أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق مُجَاهِد: ((إنَّ الْيَّهُودِ اِسْتَقْتَوْا رَسُولِ اللهِوَه فِي الَّانِيَْنِ
فَأَقْتَاهُمْ بِالرَّجْمِ فَأَنْكَرُوهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِأَحْبَارِهِمْ فَنَاشَدَهُمْ، فَكَتَمُوهُ إِلَّا رَجُلاً مِنْ
أَصَاغِرِهِمْ أَعْوَرَ، فَقَالَ: كَذَّبُوكِ يَا رَسُول الله فِي الثَّوْرَاة)».
قَوْله: (فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا) وَنَحْرِهِ فِي
رِوَايَة عَبْد الله بْنِ دِينَارِ، وَفِي رِوَايَة عُبَيْد الله بْن عُمَر: «فَوَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأْ يَده
عَلَى آيَة الرَّجْم فَقَرَأَ مَا بَيْن يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا)).
وَفِي رِوَايَة أَيُّوب: ((فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ: يَا أَعْوَرُ إِقْرَأْ، فَقَرَأَ حَتَّى إِنْتَهَى إِلَى
مَوْضِع مِنْهَا فَوَضَعَ يَده عَلَيْهِ)).
وَاسْمِ هَذَا الرَّجُلِ عَبْد الله بْنِ صُورِيًّا كَمَا تَقَدَّمَ، وَوَقَعَ أَنَّهُ أَسْلَمَ، لَكِنْ ذَكَرَ
مَكِّيٍ فِي (تَفْسِيره) أَنَّهُ إِرْتَدَّ بَعْد أَنْ أَسْلَمَ، كَذَا ذَكَرَ الْقُرْطُبِيّ، ثُمَّ وَجَدْته عِنْدِ الطَّبَرِيّ
بِالسَّنَدِ الْمُتَقَدِّم فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي أَنَّ النَّبِيّ ◌ََّ لَمَّا نَاشَدَهُ قَالَ: (يَا رَسُول اللّهِ إِنَّهُمْ
لَيَعْلَمُونَ أَنَّك نَبِّ مُرْسَل وَلَكِنَّهُمْ يَجْسُدُونَك)) وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيث: ((ثُمَّ كَفَرَ
بَعْد ذَلِكَ إِبْنِ صُورِيًّا وَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يَا أَيّهَا الرَّسُولِ لَا يَحْزُنك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي
الْكُفْرِ ... ﴾ [المائدة: ٤١].
(فَقَالَ عَبْدُ اللّه بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ) فِي رِوَايَة
عَبْد الله بْن دِينَار: ((فَإِذَا آيَةِ الرَّجْم ◌َحْت يَده) وَوَقَعَ فِي حَدِيث الْبَرَاءِ: «فَحَدُّهُ الرَّجْم،
وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيف تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الْوَضِيعِ أَقَمْنَا عَلَيْهِ
الْحَدّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْء نُقِيمِهُ عَلَى الشَّرِيف وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمِ
وَالْجُلْد مَكَان الرَّجْم)».
وَوَقَعَ بَيَانِ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ آيَةِ الرَّجْم فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة: «الْمُحْصَنِ وَالْمُحْصَنَة
إِذَا زَنَيَا فَقَامَتْ عَلَيْهِمَا الْبَيِّنَةِ رُجِمَا، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةِ حُبْلَى تُرُبِّصَ بِهَا حَتَّى تَضَع مَا فِي
بَطْنَهَا)).

٦٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ عِنْد أَبِي دَاوُدَ: (قَالَا: نَجِدٍ فِي التَّوْرَاةِ إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَة أَنَّهُمْ رَأْوا
ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلِ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا)).
زَادَ الْبَزَّارِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: ((فَإِنْ وَجَدُوا الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةُ فِي بَيْت أو فِي ثَوْبِهَا أو
عَلَى بَطْنِهَا فَهِيَ رِيبَةٍ وَفِيهَا عُقُوبَةٍ، قَالَ: فَمَا مَنَعَكُمَا أَنْ تَرْجُمُوهُمَا؟ قَالَا: ذَهَبَ سُلْطَاننَا
فَكَرِهْنَا الْقَتْل)».
وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة: ((فَمَا أول مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ الله؟ قَالَ: زَلَى ذُو قَرَابَة مِن
الْمَلِكِ فَأَخَّرَ عَنْهُ الرَّجْمَ، ثُمَّ زَلَى رَجُل شَرِيف فَأَرَادُوا رَجْمه، فَحَالَ قَوْمه دُونِه وَقَالُوا:
إِبْدَأُ بِصَاحِبِك، فَاصْطَلَحُوا عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَةِ)).
وَفِي حَدِيث ◌ِبْن عَبَّاس عِنْدِ الطَّبَرَانِيّ: ((إِنَّا كُنَّا شَبَبَةٍ وَكَانَ فِي نِسَائِنَا حُسْنُ وَجْه،
فَكْثُرَ فِينَا فَلَمْ يُقَمْ لَهُ فَصِرْنَا نَجْلِدٍ)) وَالله أَعْلَمُ.
(فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ وَِّ فَرْجِمَا) زَادَ فِي
حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة: ((فَقَالَ النَّبِيّ ◌َّهِ فَإِّ أَحْكُم بِمَا فِي الثَّوْرَاة).
وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: «اللَّهُمَّ إِّ أول مَنْ أُحْبِي أَمْرَكِ إِذْ أَمَاتُوُ)).
وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِرٍ مِن الزِّيَادَةِ أَيْضًا: ((فَدَعَا رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِالشُّهُودِ، فَجَاءَ
أَرْبَعَة فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأْوَا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلِ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا)).
وَفِي هَذَا الْحَدَثِ مِن الْفَوَائِد: وُجُوبِ الْحَدّ عَلَى الْكَافِرِ الذِّيّ إِذَا زَلَى وهو قَوْل
الْجُمْهُورِ، وَفِيهِ خِلَاف عِنْدِ الشَّافِعِيَّة، وَقَدْ ذَهِلَ إِبْن عَبْد الْبَرّ فَنَقَلَ الإِتّفَاق عَلَى أَنَّ
شَرْط الْإِحْصَانِ الْمُوجِب لِلرَّجْمِ الْإِسْلَامِ.
وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدَ لَا يَشْتَرِطَانِ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّد مَذْهَبَهُمَا وُقُوعُ
التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ رُجِمَا كَانَا قَدْ أُحْصِنَا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّة وَمُعْظَم الْحَنَفِيَّة وَرَبِيعَة شَيْخ مَالِك: شَرْطِ الْإِحْصَانِ الْإِسْلَامِ،
وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث الْبَابِ بِأَنَّهُ وَّهِ إِنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ الثَّوْرَاةِ، وَلَيْسَ هُو مِنْ حُكْم
الْإِسْلَامِ فِي شَيْء، وَإِنَّمَا هُو مِنْ بَابِ تَنْفِيذ الْحُكْم عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ، فَإِنَّ فِي التَّوْرَاة

٦٤٥
كتاب الحدود
الرَّجْمَ عَلَى الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ، قَالُوا: وَكَانَ ذَلِكَ أول دُخُولِ النَّبِيّ ◌َِّ الْمَدِينَة،
وَكَانَ مَأْمُورًا بِاتَّبَاعِ حُكْم الثَّوْرَاةِ وَالْعَمَلِ بِهَا حَتَّى يُنْسَخِ ذَلِكَ فِي شَرْعه، فَرَجَمَ
الْيَهُودِيَّيْنِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْم، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللََّّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ
نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أُو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾
[النساء: ١٥] ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنِ مَنْ أَحْصِنَ وَمَنْ لَمْ يُحْصَن كَمَا تَقَدَّمَ إِنْتَفَى.
وَفِي دَعْوَى الرَّجْمَ عَلَى مَنْ لَمْ يُحْصَن نَظَرَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الطَّبَرِيّ وَغَيْره،
وَقَالَ مَالِك: إِنَّمَا رَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذِمَّة فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ،
وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيّ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا مَا فَعَلَهُ، قَالَ: وَإِذَا أَقَامَ الْحَدّ عَلَى مَنْ لَا ذِمَّة
لَهُ، فَلَأَنْ يُقِيمِهُ عَلَى مَنْ لَهُ ذِمَّة أولَى.
وَقَالَ الْمَازِرِيّ: يُعْتَرَضِ عَلَى جَوَابِ مَالِك بِكَوْنِهِ رَجَمَ الْمَرْأَة، وهو يَقُول: لَا
تُقْتَلِ الْمَرْأَةَ إِلَّ إِنْ أَجَابَ ذَلِكَ كَانَ قَبْلِ النَّهْي عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَأَيَّدَ الْقُرْطُبِيّ أَنَّهُمَا
كَانَا حَرْبِيَّيْنِ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا حُجَّةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيُعَكِّر عَلَيْهِ أَنْ مَجِيتَهُمْ سَائِلِينَ يُوجِب لَهُمْ عَهْدًا كَمَا لَو دَخَلُوا
لِغَرَضِ كَتِجَارَةٍ أو رِسَالَة أَو نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ فِي أَمَان إِلَى أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَأْمَنهمْ.
قُلْت: وَلَمْ يَنْفَصِل عَنْ هَذَا إِلَّا أَنْ يَقُولِ: إِنَّ السَّائِلِ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ هُو صَاحِب
الْوَاقِعَة.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: دَعْوَى أَنَّهُمَا كَانَ حَرْبِيَّيْنِ بَاطِلَةُ بَلْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ، كَذَا قَالَ:
وَسَلَّمَ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْحَاكِم ◌ُخَيَّرِ إِذَا تَحَاكَمَ
إِلَيْهِ أَهْلِ الذَّمَّةِ بَيْنِ أَنْ يَحْكُمْ فِيهِمْ بِحُكْمِ الله وَبَيْن أَنْ يُعْرِضِ عَنْهُمْ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ،
فَاخْتَارَ وَّهِ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنْ يَحْكُم بَيْنِهِمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمِ عَلَى مَذْهَب
مَالِك؛ لِأَنَّ شَرْط الْإِحْصَانِ عِنْده الْإِسْلَامِ وَهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ، وَانْفَصَلَ اِبْنِ الْعَرَبِيّ عَنْ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمَا كَانَا مُحَكِّمَيْنِ لَهُ فِي الظَاهِرِ وَمُخْتَبِرَيْنِ مَا عِنْدِهِ فِي الْبَاطِن هَلْ هُونَبِيّ حَقّ أو
مُسَامِحٍ فِي الْحَقّ، وَهَذَا لَا يَرْفَع الْإِشْكَالَ وَلَا يَخْلُص عَن الْإِيرَاد.

٦٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
ثُمَّ قَالَ إِبْنِ الْعَرَبِيّ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِسْلَامِ لَيْسَ شَرْطَا فِي الْإِحْصَانِ، وَالْجَوَاب
بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَجَمَهُمَا لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْيَهُودِ فِيمَا حَكَّمُوهُ فِيهِ مِنْ حُكْمَ الثَّوْرَاةِ فِيهِ نَظَر؛
لِأَنَّهُ كَيْف يُقِيمِ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يَرَاهُ فِي شَرْعه مَعَ قَوْله: ﴿وَأَن احْكُمْ بَيْنِهِمْ بِمَا
أَنْزَلَ اللهِ﴾ [المائدة: ٤٩].
قَالَ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ سِيَاقِ الْقِصَّة يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ، وَمِنْ ثَمَّ إِسْتَدْعَى شُهُودَهُمْ لِيُقِيمَ
الْحُجَّة عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَقِ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعِ وَلَوَجَاءُوِي لَحَكَمْت عَلَيْهِمْ بِالرَّجْمِ
وَلَمْ أَعْتَبِرِ الْإِسْلَامِ فِي الْإِحْصَانِ.
وَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ: حَدّ الزَّانِي حَقٌ مِنْ حُقُوق الله، وَعَلَى الْحَاكِم إِقَامَته، وَقَدْ
كَانَ لِلْيَهُودِ حَاكِم، وهو الَّذِي حَكَمَ رَسُول الله وَّهُ فِيهِمَا.
وَقَوْل بَعْضِهِمْ: إِنَّ الزَّانِبَيْنِ حَكَّمَاهُ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّحْكِيمَ لَا
يَكُون إِلَّا لِغَيْرِ الْحَاكِم، وَأَمَّا النَّبِيّ ◌َّهِ فَحُكْمِه بِطَرِيقِ الْوِلَايَة لَا بِطَرِيقِ التَّحْكِيم،
وَأَجَابَ الْحْنَفِيَّة عَنْ رَجْمَ الْتَهُودِيَّيْنِ بِأَنَّهُ وَقَعَ بُحُكْمِ الثَّوْرَاةِ، وَرَدَّهُ الْخُطَّابِيُّ لِأَنَّ الله
قَالَ: ﴿وَأَن أُحْكُمْ بَيْنِهِمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهِ﴾ وَإِنَّمَا جَاءَهُ الْقَوْمِ سَائِلِينَ عَنِ الْحُكْمُ عِنْده
كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِمَا كَتَمُوهُ مِنْ حُكْم الثَّوْرَاةِ، وَلَا جَائِز
أَنْ يَكُون حُكْم الْإِسْلَامِ عِنْدِهِ مُخَالِفًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزِ الْحُكْم بِالْمَنْسُوخِ، فَدَلَّ
عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا حَكَمَ بِالنَّاسِخِ.
وَأَمَّا قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة: ((فَإِّي أَحْكُم بِمَا فِي الثَّوْرَاة) فَفِي سَنَّده رَجُل
مُبْهَم، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ مَعْنَاهُ لِإِقَامَةِ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ، وهو مُوَافِقٍ لِشَرِيعَتِهِ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ الرَّجْمَ جَاءَ نَاسِخًا لِلْجَلْدِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَد: إِنَّ
الرَّجْم شُرِعَ ثُمَّ نُسِخَ بِالْجُلْدِ ثُمَّ نُسِخَ الْجُلْد بِالرَّجْمِ، وَإِذَا كَانَ حُكْم الرَّجْمِ بَاقِيًا مُنْذُ
شُرِعَ، فَمَا حَكَمَ عَلَيْهِمَا بِالرَّجْمِ بِمُجَرَّدِ حُكْمَ التَّوْرَاةِ بَلْ بِشَرْعِهِ الَّذِي إِسْتَمَرَّ حُكْم
الثَّوْرَاةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُقَدَّر أَنَّهُمْ بَدَّلُوهُ فِيمَا بَدَّلُوا.
وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ رَجَمَهُمَا أول مَا قَدِمَ الْمَدِينَة لِقَوْلِهِ فِي بَعْض ◌ُرُق

٦٤٧
كتاب الحدود
الْقِصَّة: ((لَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ ◌َِّ الْمَدِينَة أَتَاهُ الْتَّهُودِ)) فَالْجَوَابِ: إِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ الْفَوْرُ،
فَفِي بَعْض ◌ُرُقه الصَّحِيحَة: إنَّهُمْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وهو فِي الْمَسْجِد بَيْنِ أَصْحَابِهِ،
وَالْمَسْجِد لَمْ يَكْمُل بِنَاؤُهُ إِلَّ بَعْدِ مُدَّةٍ مِنْ دُخُولُهُ وَّهِ الْمَدِينَةِ فَبَطَلَ الْفَوْرِ، وَأَيْضًا فَفِي
حَدِيث عَبْد الله بْن الْخَارِثِ بْن جُزْءٍ: إنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ، وَعَبْدِ الله إِنَّمَا قَدِمَ مَعَ أَبِيهِ
مُسْلِمًا بَعْد فَتْح مَگّة.
وَفِيهِ: مَا يُشْعِرِ بِأَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ.
وَفِيهِ: إِنَّ الْمَرْأَةِ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدّ تَكُون قَاعِدَةً هَكَذَا اِسْتَدَلَّ بِهِ الطَّحَارِيُّ،
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي الْحَفْرِ لِلْمَرْجُومَةِ، فَمَنْ يَرَى أَنَّهُ يُحْفَرِ لَهَا تَكُونِ فِي الْغَالِب
قَاعِدَةً فِي الْحُفْرَةِ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِي إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهَا قَاعِدَةً أَو قَائِمَةً إِنَّمَا هُو في الجلد، فَفِي
الإِسْتِدْلَالِ بِصُورَةِ الْجَلْد عَلَى صُورَة الرَّجْمِ نَظَرَلَا يَخْفَى.
وَفِيهِ: قَبُّول شَهَادَة أَهْلِ الذَّمَّة بَعْضهمْ عَلَى بَعْضٍ، وَزَعَمَ إِبْنِ الْعَرَبِيّ أَنَّ مَعْنَى قَوْله
فِي حَدِيث جَابِر: ((فَدَعَا بِالشُّهُودِ)) أي: شُهُود الْإِسْلَامِ عَلَى إِعْتِرَافهمَا، وَقَوْله: ((فَرَجَمَهُمَا
بِشَهَادَةِ الشُّهُود) أي: الْبَيِّنَة عَلَى اِعْتِرَافهمَا، وَرُدَّ هَذَا التَأويل بِقَوْلِهِ فِي نَفْس الْحَدِيث:
((إِنَّهُمْ رَأُوا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِيلٍ فِي الْمُكْحُلَةِ)) وهو صَرِيحٍ فِي أَنَّ الشَّهَادَةِ بِالْمُشَاهَدَةِ لَا
بِالإِعْتِرَافِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرِ لَا تُقْبَل شَهَادَته عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى كَافِرِ
لَا فِي حَدّ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَا فَرْق بَيْنِ السَّفَر وَالْحَضَرِ فِي ذَلِكَ، وَقَبِلَ شَهَادَتَهُمْ جَمَاعَةٌ مِن
التَّابِعِينَ وَبَعْضِ الْفُقَهَاء إِذَا لَمْ يُوجَد مُسْلِمٍ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ حَالَة السَّفَرِ إِذَا لَمْ يُوجَد
مُسْلِمٍ، وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيّ عَنِ الْجُمْهُورِ عَنْ وَاقِعَة الْيَهُودِ بِأَنَّهُ وَلَ نَفَّذَ عَلَيْهِمْ مَا عَلِمَ أَنَّهُ
حُكْم التَّوْرَاة، وَأَلْزَمَهُم الْعَمَلَ بِهِ إِظْهَارًا لِتَحْرِيفِهِمْ كِتَابَهُمْ وَتَغْبِيرِهِمْ حُكْمَهُ، أو كَانَ
ذَلِكَ خَاصَّا بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ كَذَا قَالَ، وَالثَّانِي مَرْدُود.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: الظَّاهِرِ أَنَّهُ رَجَمَهُمَا بِالإِعْتِرَافِ، فَإِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ جَابِرِ فَلَعَلَّ
الشُّهُودِ كَانُوا مُسْلِمِينَ وَإِلَّا فَلَا عِبْرَة بِشَهَادَتِهِمْ، وَيَتَعَيَّن أَنَّهُمَا أَقَرَّا بِالزِّنَا.

٦٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
قُلْت: لَمْ يَثْبُت أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الشُّهُودِ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ لِسُؤَالٍ
بَقِيَّةِ الْيَهُودِ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيّ ◌َِّ كَلَّامِهِمْ وَلَمْ يَحْكُمْ فِيهِمْ إِلَّا مُسْتَنِدًا لِمَا أَطْلَعَهُ الله
تَعَالَى، فَحَكَمَ فِي ذَلِكَ بِالْوَحْيٍ وَأَلْزَمَهُمُ الْحُجَّة بَيْنِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِد مِنْ
أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٥] وَأَنَّ شُهُودهمْ شَهِدُوا عَلَيْهِمْ عِنْد أَحْبَارِهِمْ بِمَا ذُكِرَ، فَلَمَّا رَفَعُوا الْأَمْر
إِلَى النَّبِيّ ◌َّهُ إِسْتَعْلَمَ الْقِصَّةِ عَلَى وَجْهِهَا، فَذَكَرَ كُلُّ مَنْ حَضَرَهُ مِنِ الرُّوَاةِ مَا حَفِظُهُ فِي ذَلِكَ،
وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنَد حُكْمَ النَّبِيّ ◌َِّ إِلَّ مَا أَظْلَعَهُ الله عَلَيْهِ.
وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَجْلُودِ يُجْلَد قَائِمًا إِنْ كَانَ رَجُلاً وَالْمَرْأَةَ
قَاعِدَةً لِقَوْلِ إِبْنِ عُمَر: ((رَأَيْتِ الرَّجُلِ يَقِيهَا الْحِجَارَة)) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا وَهِيَ
قَاعِدَة، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَاقِعَة عَيْنِ فَلَا دَلَالَةٍ فِيهِ عَلَى أَنَّ قِيَامِ الرَّجُل كَانَ بِطَرِيقِ الْحُكْم
عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى رَجْمَ الْمُحْصَنِ، وَعَلَى الإِقْتِصَارِ عَلَى الرَّجْم وَلَا يُضَمّ إِلَيْهِ الْجُلْد،
وَكَذَا اِحْتَجَّ بِهِ بَعْضِهِمْ، وَلَو أُخْتُجَّ بِهِ لِعَكْسِهِ لَكَانَ أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْد
مُسْلِمٍ أَنَّ الزَّانِي جُلِدَ أولاً ثُمَّ رُجِمَ، لَكِنْ يُمْكِنِ الاِنْفِصَالِ بِأَنَّ الْجُلْدِ الَّذِي وَقَعَ لَهُ لَمْ
يَكُنْ بِحُكْمٍ حَاكِم.
وَفِيهِ: إِنَّ أَنْكِحَة الْكُفَّارِ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّ ثُبُوت الْإِحْصَانِ فَرْعَ ثُبُوت صِحَّة
النّكاح.
وَفِيهِ: إِنَّ الْكُفَّارِ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَفِي أَخْذه مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ بُعْدُ.
وَفِيهِ: إِنَّ الْيَهُودِ كَانُوا يَنْسُبُونَ إِلَى التَّوْرَاةِ مَا لَيْسَ فِيهَا وَلَو لَمْ يَكُنْ مِمَّا أَقْدَمُوا
عَلَى تَبْدِيله، وَإِلَّا لَكَانَ فِي الْجُوَابِ حَيْدَة عَنِ السُّؤَالِ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَمَّا يَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة
فَعَدَلُوا عَنْ ذَلِكَ لِمَا يَفْعَلُونَهُ، وَأَوْهَمُوا أَنَّ فِعْلهمْ مُوَافِقٍ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ فَأَكْذَبَهُمْ
عَبْد الله بْن سَلام.
وَقَدٍ إِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُسْقِطُوا شَيْئًا مِنْ أَلْفَاظِهَا كَمَا يَأْتِي تَقْرِیره فِي
كِتَاب التَّوْحِيد، وَالإِسْتِدْلَالُ بِهِ لِذَلِكَ غَيْرُ وَاضِجٍ؛ لِإِحْتِمَالِ خُصُوص ذَلِكَ بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ،

٦٤٩
كتاب الحدود
فَلَا يَدُلّ عَلَى التَّعْمِيمِ، وَكَذَا مَن اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الثَّوْرَاةِ الَّتِي أُحْضِرَتْ حِينَئِذٍ كَانَتْ
كُلّهَا صَحِيحَة سَالِمَةٍ مِن التَّبْدِيل؛ لِأَنَّهُ يَظْرُقُهُ هَذَا الإِحْتِمَالِ بِعَيْنِهِ، وَلَا يَرُدّهُ قَوْلُهُ:
((آمَنْت بِك وَبِمَنْ أَنْزَلَك)) لِأَنَّ الْمُرَادِ أَصْلِ التَّوْرَاةِ.
وَفِيهِ: إِكْتِفَاء الْحَاكِم بِتُرْجُمَانٍ وَاحِد مَوْتُوق بِهِ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ شَرْعِ مَنْ قَبْلَا شَرْعَ لَنَا إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَنَا بِدَلِيلٍ قُرْآن أو
حَدِيثٌ صَحِيحِ مَا لَمْ يَثْبُت نَسْخه بِشَرِيعَةٍ نَبِيِّنَا أو نَبِيّهِمْ أو شَرِيعَتهمْ، وَعَلَى هَذَا
فَيُحْمَلِ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْم لَمْ يُنْسَح مِن
التَّوْرَاة ◌َصْلاً. [الفتح (٢٧٢/١٩)].
٣٥٦٠ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ وَهِ رَجُلُّ وهو فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِي زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َِّ فَتَنَخَّى لِشِقٌّ وَجْهِهِ الذي أَعْرَضَ قِبَلَهُ،
فَقَالَ: إِنَّ زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َِّ فَلَمَّا شَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ:
((أَبِكَ جُنُونَ؟)) قَالَ: لَا. فَقَالَ: ((أَحْصَنْتَ؟)) قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((اذْهَبُوا بِهِ
فَارْجُمُوه) فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: فَرَجَمْنَاهُ بِالمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ
الْحِجَارَةُ هَرَبَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالْخَزَّةِ فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وِفِي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ
عَنْ جَابِرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: (قَالَ: نَعَمْ)): فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ،
فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ﴾:((خَيْرًا)) وَصَلَّى عَلَيْهِ](١).
٣٥٦١ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا أَنَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكِ النَّبِيَّ ◌َ فَقَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ
قَبَّلْتَ أو غَمَزْتَ أُو نَظَرْتَ؟)) قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((أَنِكْتَهَا؟)) لَا يَكْنِي، قَالَ:
نَعَمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٢).
(قَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ قَبَّلْت) حَذَفَ الْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِهِ؛ أي: الْمَرْأَةُ الْمَذْكُورَةِ، وَلَمْ يُعَيِّن
مَحَلّ الثَّقْبِيل (أو غَمَزْت) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي؛ أي: بِعَيْنِك أو يَدك؛ أي: أَشَرْت، أو
(١) أخرجه البخاري (٦٨١٥)، ومسلم (٤٥١٥)، وأحمد (١٠١٠٠).
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٢٤)، وأحمد (٢٤٧٧).

٦٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الْمُرَاد بِغَمَزْتَ بِيَدِك: الْجُسّ أو وَضْعَهَا عَلَى عُضْوِ الْغَيْرِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ:
((لَمَسْت)) بَدَل (غَمَزْت)).
وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ يَزِيد بْنِ هَارُون عَنْ جَرِير بْنِ حَازِمِ عِنْدِ الْإِسْمَاعِيِيّ بِلَفْظِ:
((لَعَلَّكَ قَبَّلْت أو لَمَسْت)).
(أو نَظَرْت) أي: فَأَظْلَقْت عَلَى أي وَاحِدَة فَعَلْت مِن الثَّلاث زِنَّ، فَفِيهِ إِشَارَةٍ إِلَى
الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْمُخَرَّج فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةِ: ((الْعَيْنِ تَزْنِي وَزِنَاهَا
النَّظَرِ)) وَفِي بَعْض طُرُقه عِنْدهمَا أو عِنْد أَحَدِهمَا ذَكَرَ اللِّسَانِ وَالْيَدْ وَالرِّجْلِ وَالْأُذُن،
زَادَ أبو دَاوُدَ: وَالْفَمِ، وَعِنْدِهِمْ: ((وَالْفَرْجِ يَصْدُق ذَلِكَ أُو يُكَذِّبُهُ)) وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيْرِهِ
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَفَعَه: ((كُلّ عَيْنِ زَانِيَة)).
(أَنِكْتَهَا) بِالنُّونِ وَالْكَاف (لَا يَكْنِي) أي: تَلَفَّظَ بِالْكَلِمَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَمْ يَكْنٍ
عَنْهَا بِلَفْظِ آخَرِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ خَالِدٍ بِلَفْظِ: (أَفَعَلْت بِهَا)) وَكَأَنَّ هَذِهِ الْكِنَايَةِ
صَدَرْت مِنْهُ أَوْ مِنْ شَيْخِه لِلتَّصْرِيحِ فِي رِوَايَة الْبَابِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكْنٍ.
(قَالَ: نَعَمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ) زَادَ خَالِدِ الْحُذَّاءِ فِي رِوَايَتِه: ((فَانْظُلِقَ بِهِ فَرُجِمَ
وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ)). [الفتح (٢٥٠/١٩)].
٣٥٦٢ - [وَعَنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي. فَقَالَ: (وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ)) قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ
بَعِيدٍ. ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي. فَقَالَ النَِّيُّ ◌َ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ
الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: ((فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟)) قَالَ: مِنَ الزَّنَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَمَ: ((أَبِهِ
جُنُونَ؟)) فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. فَقَالَ: (أَشَرِبَ خَمْرًا)) فَقَامَ رَجُلُّ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ تَجِدْ
مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ. فَقَالَ: ((أَزَنَيْتَ؟)) قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَلَبِتُوا يَوْمَيْنِ أو ثَلَاثَةً، ثُمَّ
جَاءَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ فَقَالَ: ((اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَو قُسِمَتْ بَيْنَ
أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ)) ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةُ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي. فَقَالَ:
((وَيْحَكِ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللّهَ وَتُوبِ إِلَيْهِ)) فَقَالَتْ: تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ

٦٥١
كتاب الحدود
مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الَّنَا، فَقَالَ: «آنْتِ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ لَهَا: «حَتَّى تَضَعِي مَا
فِي بَطْنِكِ)». قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلُ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، فَأَتَى النَّبِيَّ وَهِ فَقَالَ: قَدْ
وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ. فَقَالَ: ((إِذَّا لَا تَرْجُمَهَا وَنَدَعَ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ)) فَقَامَ
رَجُلُّ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: إِلَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ الله. قَالَ: فَرَجَمَهَا. وِفِي رِوايَةٍ: إِنَّهُ قَالَ لَهَا:
(اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي)) فَلَمَّا وَلَّدَتْ قَالَ: ((اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ)) فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ
بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللهَ قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ. فَدَفَعَ
الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا،
فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَفَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌ََّ: ((مَهْلاً يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَو تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسِ
لَغُفِرَ لَهُ)) ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
٣٥٦٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقُولُ: إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ،
فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرَّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ،
ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِئَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَو بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
٣٥٦٤ - [وَعَنْ عَلىِّ ﴾ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْخَدَّ مَنْ أَحْصَنَ
مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللهِ وَِّ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ
عَهْدٍ بِنِفَاسِ فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَهِ فَقَالَ:
(أَحْسَنْتَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ، وِفِي رِوايَةٍ أَبِي دَاوُدٍ قَالَ: ((دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا
الْخَدَّ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)](٣).
(١) أخرجه مسلم (٤٥٢٧ - ٢٤٢٨)، والدارقطني (٣١٧٥).
(٢) أخرجه الطيالسي (١٣٣٤)، وعبد الرزاق (١٣٥٩٨)، وأحمد (١٧٠٨٤)، والبخاري (٢٠٤٦)،
ومسلم (١٧٠٤)، وأبو داود (٤٤٦٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٥٧)، وابن ماجه (٢٥٦٥).
(٣) أخرجه مسلم (٤٥٤٧)، وأحمد (١٣٥٤)، وأبو داود (٤٤٧٥)، والترمذي (١٥١٢)، وأبو
يعلى (٣٢٦)، وابن الجارود (٢٠٧/١)، والدارقطني (٢٢٨)، والحاكم (٨١٠٦)، والبيهقي
(١٥٥٨١).

٦٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
(دَعْهَا) أي: أُتْرُكْهَا (حَتَّى يَنْقَطِعِ دَمَهَا) أي: دَم نِفَاسهَا (ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدّ)
فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَرِيضِ يُمْهَلِ حَتَّى يَبْرَأْ، وَظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْأول أَنَّهُ لَا يُمْهَل، وَالْجُمْعِ
أَنَّ مَنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ يُمْهَل وَمَنْ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَا يُؤَخَّر، وَالله تَعَالَى أَعْلَم.
(وَأَقِيمُوا الْحُدُودِ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ) فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ السَّيِّد يُقِيمِ الْحَدّ
عَلَى مَمْلُوکه.
(الفصل الثاني)
٣٥٦٥ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مَاعِزَّ الأَسْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِّهِ فَقَالَ: إِنَّهُ
قَدْ زَنَى. فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الآخَرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ زَنَ. فَأَعْرَضَ
عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الآخَرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ زَنَى. فَأَمَرَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ
فَأُخْرِجَ إِلَى الْخَرَّةِ فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ
مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ بِهِ وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَ أَنَّهُ فَرَّ
حِينَ وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ وَمَسَّ الْمَوْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وِفِي رِوايَةٍ: ((هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ))](١).
(هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ) جَمَعَ الْخِطَابِ؛ لِيَشْمَلُهُ وَغَيْرِهِ (لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوب) أي: يَرْجِع عَنْ
إِقْرَاره
(فَيَتُوبِ الله عَلَيْهِ) أي: فَيَقْبَل الله تَوْبَته، وَيُكَفِّر عَنْهُ سَيِّئَتْهُ مِنْ غَيْرِ رَجْمه.
قَالَ الْقَارِي: قَالَ الطِّيبِيّ: الْفَاءَاتِ الْمَذْكُورَةِ بَعْد (لَمَّ)) فِي قَوْله: ((فَلَمَّا رُجِمَ)) إِلَى
قَوْله: ((فَقَتَلَهُ)) كُلّ وَاحِدَة تَصْلُح لِلْعَظْفِ إِمَّا عَلَى الشَّرْط أو عَلَى الْجَزَاءِ، إِلَّ قَوْله: ((فَوَجَدَ))
فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحِ لِأَنْ يَكُون عَظْفًا عَلَى الْجَزَاءِ، وَقَوْله: ((فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ)) يَصْلُحِ لِلْجَزَاءِ،
وَفِيهِ إِشْكَال؛ لِأَنَّ جَوَاب ◌َمَّا لَا يَدْخُلُهُ الْفَاءِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ، وَقَدْ يَجُوزِ أَنْ يُقَدَّر
(١) أخرجه الترمذي (١٤٩٥)، وأبو داود (٤٤١٩)، والحاكم (٨٠٨٢) وقال: صحيح الإسناد. وابن أبي
شيبة (٢٨٧٦٧)، وأحمد (٢١٩٤٠)، والنسائي (٧٢٠٥)، والبيهقي (١٦٧٧٨)، ولم أقف عليه عند
ابن ماجه.

٦٥٣
کتاب الحدود
الْجَزَاءِ، وَيُقَال: تَقْدِيره لَمَّا رُجِمَ فَكَانَ كَيْت، فَكَيْت عَلِمْنَا حُكْم الرَّجْم وَمَا يَتَرَتَّب
عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا الْفَاءَاتِ كُلّهَا لَا تَحْتَمِلِ إِلَّ الْعَظْفِ عَلَى الشَّرْط. إِنْتَهَى.
قُلْت: فِي بَعْض النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ: ((جَزِعَ)) بِغَيْرِ الْفَاء، فَعَلَى هَذَا الظَّاهِرِ أَنَّهُ هُو
جَوَابِ ((لَمَّ)) وَبَقِيَّةِ الْفَاءَاتِ لِلْعَظْفِ عَلَى الْجَزَاءِ.
(هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ .. إِلَخْ) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُقِرّ إِذَا فَرَّ يُتْرَكِ، فَإِنْ صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ فَذَاكَ
وَإِلَّا أُتُبِعَ وَرُجِمَ، وهو قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد، وَعِنْد الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ لَا يُتْرَكَ إِذَا
هَرَبَ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطِ أَنْ يُؤْخَذْ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ تُرِكَ.
وَعَنِ إِبْنِ عُيَيْنَةَ إِنْ أُخِذَ فِي الْحَالِ كُمِّلَ عَلَيْهِ الْحَدّ، وَإِنْ أُخِذَ بَعْد أَيَّامِ تُرِكَ.
وَعَنْ أَشْهَبٍ إِنْ ذَكَرَ عُذْرًا يُقْبَلِ تُرِكَ وَإِلَّا فَلَا، وَنَقَلَهُ الْقَعْنَبِيّ عَنْ مَالِك.
٣٥٦٦ . [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: ((أَحَقُّ مَا بَلَغَنِي
عَنْكَ؟)) قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّ؟ قَالَ: ((بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعْتَ بِجَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ)) قَالَ: نَعَمْ.
فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ رَوَاهُ مُسْلِمْ] (١).
٣٥٦٧ - [وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مَاعِزًا أَنَى النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ
مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ، وَقَالَ لِهَزَّالٍ: (لوسَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ)). قَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرٍ: أَنَّ
هَزَّالاً أَمَرَ مَاعِزَّا أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ ◌َ فَيُخْبِرَهُ رَوَاهُ أُبو داود](٢).
٣٥٦٨ - [وَعَنْ عَمْرُو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ
الْعَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللّهِمَّهِ قَالَ: ((تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا
بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ)). رَوَاهُ أَبو داود وَالنَّسَائِيُّ](٣)
(١) أخرجه مسلم (٤٥٢٣)، وأبو داود (٤٤٢٧)، والترمذي (١٤٩٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٩٤٢)، وأبو داود (٤٣٧٧)، والحاكم (٨٠٨٠) وقال: صحيح الإسناد. والطبراني
(٥٣٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٧٨).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٨٩٣٧)، وأبو داود (٤٣٧٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٣٧٣)، والحاكم
=

٦٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
٣٥٦٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا
الْحُدُودَ)). رَوَاهُ أبو داود](١).
٣٥٧٠ - [وَعَنْهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: (ادْرَؤُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ
مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَخْرَجُ فَخَلوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَّ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ
مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: قَدْ رُوِيَ عَنْهَا وَلَمْ يُرْفَعْ وهو
أَصَحُّ](٢).
٣٥٧١ - [وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: اسْتُكْرِهَتِ امْرََّهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َه
فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ وَأَقَامَهُ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَهْرًا. رَوَاهُ
القِّرْمِنِيُّ](٣).
(اسْتُكْرِهَتِ امْرَأَةً) بصيغة المجهول؛ أي: جامعها رجل بالإكراه (فَدَرَأَ عَنْهَا)
أي: دفع (وَأَقَامَهُ) أي: الحد (عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا) أي: جامعها (وَلَمْ يُذْكَرْ) أي: الراوي.
٣٥٧٢ - [وَعَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َّهِ تُرِيدُ الصَّلاَةَ، فَتَلَقَّاهَا رَجُلُ
فَتَجَلَّلَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، فَصَاحَتْ وَانْطَلَقَ، وَمَرَّتْ عِصَابَةٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ،
فَقَالَتْ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذُوا الرَّجُلَ فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﴿ فَقَالَ
لَهَا: «اذْهَبِي فَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكِ)) وَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا: ((ارْجُمُوهُ) وَقَالَ: ((لَقَدْ تَابَ
تَوْبَةً لو تَابَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود] (٤).
-
(٨١٥٦) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (١٧٣٨٩)، والدارقطني (١١٣/٣).
(١) أخرجه أحمد (٢٥٥١٣)، والبخاري في ((الأدب المفرد)» (٤٦٥)، وأبو داود (٤٣٧٥)، وأبو نعيم في
(الحلية)) (٤٣/٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٣٣٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٩٤).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٥٠٢) موقوفًا بنحوه، والترمذي (١٤٢٤) مرفوعًا، والحاكم (٨١٦٣)
مرفوعًا، وقال: صحيح. والبيهقي (١٦٨٣٤) مرفوعًا. والدارقطني (٨٤/٣)، والديلمي (٢٥٦)،
والخطيب (٣٣١/٥).
(٣) أخرجه الترمذي (١٥٢٤)، وأحمد (١٩٣٨٥)، والدار قطني (٣١٧٦)، وابن ماجه (٢٦٩٦).
(٤) أخرجه الترمذي (١٥٢٥)، وأبو داود (٤٣٨١).

٦٥٥
كتاب الحدود
٣٥٧٣ - [وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلاً زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َِّ فَجُلِدَ الْحَدَّ، ثُمَّ
أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصَنْ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ رَوَاهُ أبو داود](١).
٣٥٧٤ - [وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَنَى النَّبِيِّ ◌َ بِرَجُلٍ
كَانَ فِي الْحَيِّ مُخْدَجِ سَقِيمٍ وُجِدَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إِمَائِهِمْ تَخْبُتُ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((خُذُوا لَهُ
عِشْكَالاً فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخِ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً. رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)، وِفِي رِوايَةِ ابْنِ مَاجَهُ
نَحْوَهُ](٢).
٣٥٧٥ - [وعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ
يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمٍ لوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهِ] (٣).
(فَاقْتُلُوا الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ) في (شَرْحِ السُّنَّة): اِخْتَلَفُوا فِي حَدّ اللوطِيّ،
فَذَهَبَ الشَّافِعِيّ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ وَأبو يُوسُف وَمُحَمَّد إِلَى أَنَّ حَدّ الْفَاعِلِ حَدّ الزِّنَا؛ أي: إِنْ
كَانَ مُخْصَنَا يُرْجَمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنَا يُجْلَد مِائَة، وَعَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ عِنْدِ الشَّافِعِيّ عَلَى
هَذَا الْقَوْلِ جَلْد مِائَة وَتَغْرِيِب عَامِ رَجُلاً كَانَ أو إِمْرَأَةٌ مُحْصَنَا كَانَ أَو غَيْرِ مُحْصَن.
وَذَهَبَ قَوْمٍ إِلَى أَنَّ اللوطِيّ يُرْجَم مُحْصَنَا كَانَ أو غَيْرِ مُحْصَّن، وَبِهِ قَالَ مَالِك
وَأَحْمَد، وَالْقَوْلِ الْآخَرِ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُقْتَلِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُول بِهِ كَمَا هو ظَاهِرِ الْحَدِيث،
وَقَدْ قِيلَ فِي كَيْفِيَّة قَتْلهمَا: هَدْم بِنَاء عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: رَمْيهِمَا مِنْ شَاهِقِ كَمَا فُعِلَ بِقَوْمٍ
لوط، وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة يُعَزَّرِ وَلَا يُحَدّ. إِنْتَهَى. [عون (٤٧٩/٩)].
٣٥٧٦ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: «مَنْ أَنَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ
وَاقْتُلوهَا مَعَهُ)) قِيلَ لِاِبْنِ عَبَّاسِ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ الله وَ
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٤٠)، والدار قطني (٣٣٩٦).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٩٨٥)، والطبراني (٥٥٢٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٣٠٩)، وابن ماجه (٢٥٧٤)،
وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢٠٢٤)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٦٣٦/١).
(٣) أخرجه الترمذي (١٥٢٨)، وابن ماجه (٢٦٥٨)، وأبو داود (٤٤٦٢)، والحاكم (٨٠٤٧) وقال:
صحيح الإسناد. والبيهقي (١٦٧٩٦)، وأحمد (٢٧٣٢)، وأبو يعلى (٢٤٦٣)، وعبد بن حميد (٥٧٥)،
والدار قطني (١٢٤/٣).

٦٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَاهُ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ لَخْمَهَا أو يُنْتَفَعَ بِهَا وَقَدْ فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود وَابْنُ مَاجَه](١).
٣٥٧٧ - [ وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَُّ: ((إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِى
عَمَلُ قَوْمٍ لوطٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه](٢).
٣٥٧٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَكْرِ بْنِ لَيْثٍ أَتَى النَّبِيَّ ◌ِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ
زَلَى بِامْرَأَةٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَجَلَدَهُ مِائَةً وَكَانَ بِكْرًا، ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ، فَقَالَتْ: كَذَبَ
وَالله يَا رَسُولَ اللهِ، فَجَلَدَهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ. رَوَاهُ أبو داود](٣).
(فَجَلَدَهُ مِائَةٍ) أي: حَدّ الزِّنَا، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمُقِرّ (ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَيِّنَة عَلَى الْمَرََّةَ)
أي: عَلَى أَنَّهَا زَنَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَلَى بِهَا، فَقَذَفَهَا بِأَنَّهَا زَنَتْ بِهِ وَاتَّهَمَهَا بِهِ
(فَقَالَتْ) الْمَرْأَةُ بَعْد عَجْزِ الرَّجُلِ عَنِ الْبَيِّنَةِ: (كَذَبَ) أي: الرَّجُلِ (فَجَلَدَهُ) أي: ثَمَانِينَ
جَلْدَة (حَدّ الْفِرْيَةِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاء؛ أي: الْكَذِبِ وَالْبُهْتَان.
وَقَد اِسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْد الْمَذْكُورِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيّ، فَقَالَا: يُحَدّ مَنْ أَقَرّ
بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَة لِلزِّنَا لَا لِلْقَذْفِ.
وَقَالَ الأوزاعي وَأبو حنيفة: يُحَدّ لِلْقَذْفِ فَقَطْ، قَالَا: لِأَنَّ إِنْكَارِهَا شُبْهَة،
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَبْطُل بِهِ إِقْرَارهِ، وَذَهَبَ مُحَمَّدٍ وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيّ وَغَيْرِهِ إِلَى أَنَّهُ يُحَدّ
لِلِزَّنَا وَالْقَذْفِ، وَاسْتَدَلوا بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس هَذَا.
قَالَ الشَّوْكَائِيُّ: هَذَا هو الظَّاهِرِ لُوجْهَيْنِ:
الْأُول: إِنَّ غَايَة مَا فِي حَدِيث سَهْل أَنَّ النَّبِيّ ◌َ لَمْ يَحُدّ ذَلِكَ الرَّجُل لِلْقَذْفِ،
وَذَلِكَ لَا يَنْتَهِض لِلإِسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى السُّقُوط؛ لِإِحْتِمَالِ أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِعَدَمِ الطَّلَب
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٦٦)، والترمذي (١٥٢٨)، وابن ماجه (٢٦٦١)، والبغوي (٦٣٧/١).
(٢) أخرجه أحمد (١٥١٣٣)، والترمذي (١٤٥٧) وقال: حسن غريب. وابن ماجه (٢٥٦٣)، وأبو يعلى
(٢١٢٨)، والحاكم (٨٠٥٧) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٣٧٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٤٦٩).

٦٥٧
كتاب الحدود
مِن الْمَرْأَة أو لوجُودٍ مُسْقِط ◌ِخِلَافِ حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ أَقَامَ الْحَدّ عَلَيْهِ.
الوجْهُ الثَّانِي: إنَّ ظَاهِرِ أَدِلَّةِ الْقَذْفِ الْعُمُومِ فَلَا يُخْرَج مِنْ ذَلِكَ إِلَّ مَا خَرَجَ
بِدَلِيلٍ، وَقَدْ صَدَقَ عَلَى مَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَنَّهُ قَاذِفِ. إِنْتَهَى. [عون (٤٨٥/٩)].
٣٥٧٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيُّ ◌َ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ
ذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ. رَوَاهُ أَبو داود](١).
(الفصل الثالث)
٣٥٨٠ - [عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الإِمَارَةِ
وَقَّعَ عَلَى وَلِيدَةٍ مِنَ الْخُمُسِ فَاسْتَكْرَهَهَا حَتَّى افْتَضَّهَا، فَجَلَدَهُ عُمَرُ، وَلَمْ يَجْلِدْهَا مِنْ أَجْلِ
أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٢).
٣٥٨١ - [وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ يَتِيمًا
فِي حِجْرٍ أَبِي، فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنَ الْحَيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: انْتِ رَسُولَ اللهِلَ فَأَخْبِرُهُ بِمَا
صَنَعْتَ لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجًا، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِّ زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَّ كِتَابَ الله. حَتَّى قَالَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ:
(إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَبِمَنْ؟)) قَالَ: بِقُلَانَةَ. قَالَ: ((هَلْ ضَاجَعْتَهَا؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
(هَلْ بَاشَرْتَهَا؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((هَلْ جَامَعْتَهَا؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ،
فَأُخْرِجَ بِهِ إِلَى الْحَرَّةِ، فَلَمَّا رُجِمَ فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَجَزِعَ، فَخَرَجَ يَشْتَدُّ فَلَقِيَهُ
عَبْدُ الله بْنُ أُنَيْسِ وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ، فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ فَرَمَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَنَّى
النَّبِيَّ ◌َ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ((هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ)). رَوَاهُ أبو
داود](٣).
٣٥٨٢ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ قَوْمِ
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٧٦)، وأحمد (٢٤٧٩٤)، والترمذي (٣٤٨١)، وابن ماجه (٢٦٦٤).
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٤٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٤٢١)، وأحمد (٢٢٥٣٠).

٦٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّبَا إِلَّا أَخِذُوا بِالسَّنَةِ، وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرُّشَا إِلَّا أَخِذُوا بِالرُّعْبِ)).
رواه أحمد](١).
٣٥٨٣ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ قَالَ: «مَلْعُونُّ مَنْ عَمِلَ
عَمَلَ قَوْمِ لوطٍ)). رَوَاهُ رَزِینٍ](٤).
٣٥٨٤ - [وِفِي رِوايَةٍ له عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ عَلِيًّا ﴾ أَحْرَقْهُمَا وَأَبَا بَكْرٍ هَدَمَ
عَلَيهِما حَائِطَا](٣).
٣٥٨٥ - [وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ٍَّ قَالَ: ((لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى رَجُلٍ أَنَى رَجُلاً أو امْرَأَةً
فِي دُبُرِهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبٌ] (٤).
٣٥٨٦ - [وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود
وَقَالَ التِّرمِذِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الأول وهو: ((مَنْ
أَنَى بَهِيمَةً فَاقْتُلوُ) وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ] (٥).
٣٥٨٧ - [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (أَقِيمُوا حُدُودَ الله
فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي الله لومَةُ لَائِم)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه](٦).
(وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي الله لومَةُ لَائِمِ) عطف على (أَقِيمُوا) تأكيدًا للأمر، ويجوز
کونه خبرًا بمعنى النهي سواء كان في الغزو أم غيره ویکفي العموم حجة، ومن خص
الغزو طولب بحجة، فالواجب علينا أن نتصلب في دين الله، ونستعمل الجد والمتانة
فيه، ولا يأخذنا اللين والهوان في دين الله في استيفاء حدوده، بل نسوي بين البعيد
والقريب والبغيض والحبيب، وكفى برسول الله و الله أسوة حيث قال: ((لو سرقت فاطمة
(١) أخرجه أحمد (١٨٢٩٩).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٧٥)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٣٢/٩).
(٣) ذكره ابن الأثير في ((جامع الأصول من أحاديث الرسول)) (١٨٥٨).
(٤) أخرجه الترمذي (١١٦٥)، وابن الجارود (٧٢٩).
(٥) أخرجه الترمذي (١٥٢٧)، وأبو داود (٤٤٦٧).
(٦) أخرجه ابن ماجه (٢٥٤٠)، وأخرجه البيهقي (١٧٥٧٧).