النص المفهرس

صفحات 601-620

(باب الديات)
(الفصل الأول)
٣٤٨٦ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّْ قَالَ: ((هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءُ)) يَعْنِي: الْخِنْصَرَ
وَالإِبْهَامَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
٣٤٨٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ وَ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي ◌َخْيَانَ
سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أو أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرَّةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُؤُفِّيَتْ فَقَضَى
رَسُولُ اللهِِّ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
قَالَ الْعُلَمَاءِ: هَذَا الْكَلَامِ قَدْ يُوهِمِ خِلَاف مُرَاده، وَالصَّوَابِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي مَاتَتْ
هِيَ الْمَجْنِيّ عَلَيْهَا أُمّ الْجَنِين لَا الْجَانِيَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ بَعْده بِقَوْلِهِ: (فَقَتَلَهَا
وَمَا فِي بَطْنَهَا) فَيَكُونِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: (الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ) أي: الَّتِي قَضَى لَهَا
بِالْغُزَّةِ، فَعَبَّرَ بِعَلَيْهَا عَنْ لَهَا.
وَأَمَّا قَوْله: (وَالْعَقْل عَلَى عَصَبَتْهَا) فَالْمُرَادِ عَصَبَةِ الْقَاتِلَة.
٣٤٨٨ - [وَعَنْهُ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجّرٍ
فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى رَسُولُ الله ◌ِِّ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةُ عَبْدُ أو وَلِيدَةُ، وَقَضَى
بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ](٣).
٣٤٨٩ - [وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا ضَرَّتَيْنِ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا
(١) أخرجه البخاري (٦٨٩٥)، وأحمد (٣٢٠٥)، وأبو داود (٤٥٦٠)، والترمذي (١٤٥٢)، والنسائي
(٤٨٦٤)، وابن ماجه (٢٧٥٤).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٤٠)، ومسلم (٤٤٨٤)، وأحمد (١١٢٤٤)، والترمذي (٢٢٥٧)، والنسائي
(٤٨٣٤).
(٣) أخرجه البخاري (٦٩١٠)، ومسلم (٤٤٨٥)، وأحمد (١١٢٠٥)، وأبو داود (٤٥٧٨)، والنسائي
(٤٨٣٥).
- ٥٩٩ -

٦٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الأُخْرَى بِحَجَرٍ أُو عَمُودِ فُسْطَاطٍ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ وَهُ فِي الْجَنِينِ غُرَّةُ
عَبْدُ أو أَمَةً وَجَعَلَهُ عَلَى عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ. هَذِهِ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وِفِي رِوايَةٍ مُسلِمٍ قَالَ:
ضَرَبَتِ امْرَأَةُ ضَرَّتَهَا بِعَمُودٍ فُسْطَاطٍ وَهِيَ حُبْلَى فَقَتَلَتْهَا، قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا ◌ِخْيَانِيَّةٌ. قَالَ:
فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ دِيَّةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا](١).
(ضَرَبَتْ إِمْرَأَةٌ ضَرَّتِهَا) قَالَ أَهْلِ اللُّغَةُ: كُلّ وَاحِدَة مِنْ زَوْجَتَيِّ الرَّجُلِ ضَرَّة
لِلْأُخْرَى، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِحُصُولِ الْمُضَارَّة بَيْنِهِمَا فِي الْعَادَةِ، وَتَضَرُّر كُلّ وَاحِدَة بِالْأُخْرَى.
(فَجَعَلَ رَسُول الله ﴿ ﴿ دِيَة الْمَقْتُولَة عَلَى عَصَبَة الْقَاتِلَة) هَذَا دَلِيل لِمَا قَالَهُ
الْفُقَهَاءِ أَنَّ دِيَة الْخُطَأُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إِنَّمَا تَخْتَصْ بِعَصَبَاتِ الْقَاتِلِ سِوَى أَبْنَائِهِ وَآبَائِهِ.
[النووي ٩٧/٦].
(الفصل الثاني)
٣٤٩٠ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍ و أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطٍَ شِبْهِ
الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا)). رَوَاهُ
النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ وَالدَّارِمِيُّ](٢).
قال القاري: في ((شرح السنة)) اتفقوا على أن دية الحر المسلم مائة من الإبل، ثم
هي في العمد المحض مغلظة في مال القاتل حالة، وفي شبه العمد مغلظة على العاقلة
مؤجلة، وفي الخطأ مخففة على العاقلة مؤجلة، والتغليظ والتخفيف يكونان في أسنان
الإبل إلى آخر ما قال. كذا ذكره الطيبي.
وفي كتاب ((الرحمة)): اتفق الأئمة على أن الدية للمسلم الحر الذكر مائة من الإبل
في مال القاتل العامد إذا عدل إلى الدية، ثم اختلفوا هل هي حالة أو مؤجلة؛ فقال
مالك والشافعي وأحمد: حالة، وقال أبو حنيفة: هي مؤجلة في ثلاث سنين.
واختلفوا في دية العمد فقال أبو حنيفة وأحمد في إحدى روايتيه: هي أرباع لكل
(١) أخرجه مسلم (٤٤٨٧)، والترمذي (١٤٧٢)، والنسائي (٤٨٣٩).
(٢) أخرجه النسائي (٤٨٠٧)، وابن ماجه (٢٧٣٠)، والدارمي (٢٤٣٨).

٦٠١
كتاب القصاص/ باب الديات
سن من أسنان الإبل منها خمس وعشرون بنت مخاض، ومثلها بنت لبون، ومثلها
حقاق، ومثلها جذاع، وقال الشافعي تؤخذ مثلثة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة
وأربعون خلفة وهي حوامل، وبه قال أحمد في روايته الأخرى.
وأما دية شيه العمد فهي مثل دية العمد المحض عند أبي حنيفة والشافعي،
واختلفت الرواية عن مالك في ذلك، وأما دية الخطأ فقال أبو حنيفة وأحمد: هي مخمسة
عشرون جذعة وعشرون حقة، وعشرون ابن لبون، وعشرون ابن مخاض، وعشرون
بنت مخاض. انتهى.
والحكمة فيه أن هذا أحق وكان أليق بالخطأ، فإن الخاطئ معذور في الجملة،
وقال الشمني: وبذلك قال مالك والشافعي إلا أنهما جعلا مكان ابن مخاض ابن لبون
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه ◌َالدّارِمُّ) أي: عن ابن عمرو وحده.
٣٤٩١ - [وَرَوَاهُ أبو داود عنه وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)) لَفْظُ ((المصَابِيحِ))
عَن ابْنِ عُمَرَ](١).
(وَرَوَاهُ أبو داود عنه) أي: عن ابن عمرو وعن ابن عمر؛ أي: عن كليهما (وَفِي
(شَرْجِ السُّنَّةِ)) لَفْظُ ((المصَابِيح))) أي: ((إلا أن في قتل العمد الخطأ بالسوط والعصا
مائة من الإبل مغلظة منها .. إلخ)) (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) أي: لفظ ((المصابيح)) مروي في
(شرح السنة)) عن ابن عمر وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن
جده.
٣٤٩٢ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَكَانَ فِي كِتَابِهِ: ((أَنَّ مَن اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلاً فَإِنَّهُ
قَوَّدُ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أولياء الْمَقْتُولِ)). وَفِيهِ: (أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَة) وَفِيهِ: ((فِي النَّفْسِ
الدِّيَةُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوْعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَّةُ
مِائَةً مِن الْإِبِلِ، وَفِي الأَسْنَانِ الدِّيَّةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَّةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٩٤)، والبغوي (٢١٨/٥).

٦٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الدّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَّةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَّةِ، وَفِي
الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي
كُلِّ أَصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ وَفِي
الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرََّةِ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمُّ، وِي رِوايَةِ
مَالِكٍ: ((وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي الْمُوضِحَةِ
خَمْسٌ))](١).
٣٤٩٣ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: ((قَضَى رَسُولُ اللهَِل
فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَسْنَانِ خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ)». رَوَاهُ أبو داود
وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِيُّ وَرَوَى التِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ مَاجَة الفَصْلَ الأُولَ](٢).
٣٤٩٤ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: ((جَعَلَ رَسُولُ الله ◌َّهِ أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ وَالرَّجْلَيْنِ
سَوَاءً)). رَوَاهُ أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ] (٣).
٣٤٩٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّة: ((الأَصَابِعُ سَوَاءُ، وَالأَسْنَانُ سَوَاءً، الثَّنِيَّةُ
وَالضَّرْسُ سَوَاءُ، هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءً)). رَوَاهُ أَبو داود] (٤).
(وَالْأَسْنَانِ سَوَاءُ) فَفِي كُلّ سِنّ خَمْس مِن الْإِبِلِ (القَّنِيَّة وَالضَّرْسِ سَوَاء) الَّنِيَّة
وَاحِدَة الثَّنَايَا، وَهِيَ الْأَسْنَانِ الْمُتَقَدِّمَة إِثْنَتَانِ فَوْق وَاثْنَتَانِ أَسْفَل، وَالضِّرْس وَاحِد
الْأَضْرَاسِ، وَهِيَ مَا سِوَى الشََّايَا مِن الْأَسْنَان؛ يَعْنِي: إِنَّ الْأَسْنَانِ كُلَّهَا سَوَاء لَا تَفَاؤُت
فِيمَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَمَا يُفْتَقَرِ إِلَيْهَا كُلّ الإِفْتِقَارِ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ (هَذِهِ وَهَذِهِ
سَوَاءٌ) يَعْنِي: الْإِبْهَامِ وَالْخِنْصَرِ. [عون المعبود (٧٩/١٠)].
(١) أخرجه مالك (١٥٥٥)، والنسائي (٤٨٦٨)، والدرامي (٢٤٢٠).
(٢) أخرجه أحمد (٧٠١٣)، والدارمي (٢٣٧٢)، وأبو داود (٤٥٦٦)، والترمذي (١٣٩٠) وقال: حسن.
والنسائي (٤٨٥٢)، وابن ماجه (٢٦٥٥)، والدار قطني (٢٠٧/٣)، والبيهقي (١٦٠٥٨).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٥٦٣)، والترمذي (١٣٩١).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٥٥٩)، والبيهقي (١٦٠٤٣).

٦٠٣
کتاب القصاص/ باب الديات
٣٤٩٦ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ الله ◌َّ
عَامَ الْفَتْجِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حَلْفٍ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الإِسْلامَ لا يَزِيدُهُ إِلا شدَّةً، الْمُؤْمِنُونَ يَدُّ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ
أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، يَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعِيدَتِهِمْ، لا يُقْتَلُ مُؤْمِنُ بِكَافِرٍ، دِيَةُ
الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، لا جَلَبَ وَلا جَنَبَ، وَلا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلا فِي دُورِهِمْ)). وِفِي
رِوايَةٍ قَالَ: ((دِيَةُ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ). رَوَاهُ أبو داود](١).
(دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَقَالَ
الشَّافِعِيّ: دِيَة الْكِتَابِيّ عَلَى الُّلُثِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ فِي الْخَطَأ وَالْعَمْد، وَقَالَ أبو حنيفة:
دِيَتِه مِثْل دِيَة الْمُسْلِمِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأْ، وَقَالَ مَالِك: دِيَتِه نِصْفِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ فِي الْعَمْد
وَالْخَطَأ، وَقَالَ أَحْمَدِ: إِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا فَدِيَتِه مِثْل ◌ِيَة الْمُسْلِمِ، وَإِنْ قَتَلَهُ خَطَأُ فَعَنْهُ فِيهِ
ڕِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: إِنَّهَا النَّصْف، وَهِيَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة فِي مَذْهَبه.
وَالثَّانِيَةِ: إِنَّهَا الُّلُث، وَإِنْ قَتَلَهُ مَنْ هُو عَلَى دِينه عَمْدًا، فَعَنْهُ فِيهِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ؛
إِحْدَاهُمَا: إِنَّهَا نِصْف دِيَة الْمُسْلِمِ. وَالثَّانِيَة: ثُلُثَهَا. [عون المعبود ٩٩/١٠].
٣٤٩٧ - [وَعَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ عَن ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي
دِيَةِ الْخَطٍَ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرِينَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُورًا، وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ
وَعِشْرِينَ جَذَّعَةً وَعِشْرِينَ حِقَّةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود وَالنَّسَائِيُّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ
مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَخِشْفُ مَجْهُولَّ لَا يَعْرِفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَرَوَي فِي (شَّرْحِ
السُّنَّةِ): أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ وَدَى قَتِيلَ خَيْبَرِ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَلَيْسَ فِي أُسْنَانِ إِلِ
الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخاضٍ إِنَّمَا فِيهَا ابْنُ لَبُونٍ))](٢).
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٢٧، ٤٥٨٣)، وأحمد (١٧٢١٧)، والبغوي (٢٢٢/٥).
(٢) أخرجه أحمد (٤٣٩١)، والترمذي (١٤٤٥)، والنسائي (٤٨١٩)، وابن ماجه (٢٦٣١)، وأبو داود
(٤٥٤٥).

٦٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
قَوْله: (وَعِشْرِينَ إِبْن ◌َخَاض) في ((شَرْحِ السُّنَّة)) عَدَلَ الشَّافِعِيّ عَنْ هَذَا إِلَى إِيجَاب
عِشْرِينَ بَنِي لَبُون ذُكُور؛ لِأَنَّ خَشَفِ بْنِ مَالِك ◌َجْهُول لَا يُعْرَف إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيث.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ ◌َ﴿ وَدَى قَتِيل خَيْبَر مِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَلَيْسَ فِي أَسْنَان إِل
الصَّدَقَة اِبْنِ مَخَاضِ إِنَّمَا فِيهَا إِبْنِ لَبُون عِنْد عَدَم بِنْتِ الْمَخَاض.
وَقَالَ أبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي ((الْكُبْرَى): الْحَجَّاجِ بْن أَرَظْأَةٌ ضَعِيف لَا يُحْتَجّ بِهِ
(وَعِشْرِينَ جَذَّعَة) بِفَتْحَتَيْنِ. [حاشية السندي على النسائي (٢٤١/٦)].
٣٤٩٨ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ ثَمَانَمِائَةِ دِينَارٍ أو ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ
النّصْفُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ عَلُ فَقَامَ
خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ. قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى
أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًّا، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى
أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ. قَالَ: وَتَرَكَ دِيَةً أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ. رَوَاهُ
أبو داود](١).
٣٤٩٩ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ الثَّبِيِّ وَلَ: أَنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًّا. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] (٤).
٣٥٠٠ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ
يُقَوِّمُ دِيَةَ الْخَطٍَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عَدْلَهَا مِنَ الْوَرِقِ، ويُقَوِّمُهَا عَلَى
أَثْمَانِ الإِبِلِ، فَإِذَا غَلَتْ رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا، وَإِذَا هَاجَتْ رُخْصًا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَبَلَغَتْ
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ مَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ، وَعَدْلَهَا مِنَ الْوَرِقِ
ثَمَانِيَةَ آلَافٍ دِرْهَمٍ. قَالَ: وَقَضَى رَسُولُ اللهِ وَهِ عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٤٤)، والبيهقي (١٦٥٩٣).
(٢) أخرجه الترمذي (١٤٤٨)، وأبو داود (٤٥٤٨)، والنسائي (٤٨٢٠)، وابن ماجه (٢٧٣١)، والدارمي
(٢٤١٨).

٦٠٥
كتاب القصاص / باب الديات
الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثُ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ)) وَفَضَى
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَنَّ عَقْلِ المَرَأَةِ بَيْنَ عُصْبَتِها وَلَا يَرِثُ القَاتِلُ شَيْئًا. رَوَاهُ أبو داود
وَالنَّسَائِيُّ](١).
(يُقَوِّم دِيَة الْخَطَأُ إِلَغْ) مِن التَّقْوِيم؛ أي: يَجْعَلَ قِيمَة دِيَةِ الْخَطَأُ (عَلَى أَهْلِ الْقُرَى)
جَمْع: قَرْبَة (أو عَدْلهَا) بِفَتْحِ أوله وَيُكْسَرِ، قِيلَ: الْعَدْلِ بِالْفَتْحِ مِثْلِ الشَّيْءِ فِي الْقِيمَة،
وَبِالْكَسْرِ مِثْلِه فِي الْمَنْظُر.
وَقَالَ الْفَرَّاءِ: بِالْفَتْحِ مَا عَدَلَ الشَّيْءٍ مِنْ غَيْرِ جِئْسِه، وَبِالْكُسْرِ مِنْ جِئْسه.
قَالَ الْحَافِظِ إِبْنِ حَجَر: فِي هَذِهِ الرِّوَايَة لِلْأَكْثَرِ بِالْفَتْحِ، فَالْمَعْنَى أو مِثْلُهَا فِي
الْقِيمَة.
(مِن الْوَرِقِ) بِكَسْرِ الرَّاء وَيُسْكَن؛ أي: الْفِضَّة (وَيُقَوِّمُهَا) أي: وَكَانَ يُقَوِّم دِيَة
الْخَطَأ (عَلَى أَثْمَان الْإِبِل) جَمْعٍ: ثَمَن بِفَتْحَتَيْنِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةِ بَيَان لِقَوْلِهِ: ((يُقَوِّم دِيَة
الْخَطَأ)) يَعْنِي: إِنَّ الْمُرَادِ مِنْ تَقْوِيمِ دِيَة الْخَطَأْ تَقْوِيمِ إِبِلِهَا (فَإِذَا غَلَتْ) أي: الْإِبِل؛ يَعْنِي:
زَادَ ثَمَنهَا (رَفَعَ فِي قِيمَتهَا) أي: زَادَ فِي قِيمَة الدِّيَة (وَإِذَا هَاجَتْ) مِنْ هَاجَ إِذَا ثَارَ؛ أي:
ظَهَرَتْ قِیمَتهَا.
(رُخْصًا) بِضَمِّ فَسُكُون ضِدّ الْغَلَاءِ حَالِ، وَالْمَعْنَى: إِذَا رَخُصَتْ وَنَقَصَتْ قِيْمَتِهَا
(نَقَصَ) أي: النَّبِيّ ◌َِّ (مِنْ قِيْمَتِهَا) أي: قِيمَة الدِّيَة (وَبَلَغَتْ) أي: قِيمَة الدِّيّة لِلْخَطَأِ
(وَمَنْ كَانَ دِيَةٍ عَقْله) وَفِي بَعْض الرِّوَايَاتِ كَمَا فِي ((الْمِشْكَاة): وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةَ أَلْفَيْ شَاة
(في الشَّاء) جَمْع: شَاة (إِنَّ الْعَقْلِ) أي: الدِّيَة (مِيرَاث بَيْن وَرَثَة الْقَتِيلِ عَلَى قَرَابَتِهِمْ)
مَعْنَاهُ: إنَّ دِيَةِ الْقَتِيلِ تَرِكَة يُقْسَم بَيْنِ وَرَثَته كَسَائِرٍ تَرِكَته (فَمَا فَضَلَ) أي: مِنْ سِهَام
أَصْحَابِ الْفَرَائِض، وَهُم الَّذِينَ لَهُمْ سِهَام وَمَقْدِرَة فِي كِتَاب الله تَعَالَى (فَلِلْعَصَبَةِ)
الْعَصَبَةِ كُلّ مَنْ يَأْخُذ مِنِ التَّرِكَةِ مَا أَبْقَتْهُ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ، وَعِنْدِ الاِنْفِرَادِ يُحْرَز جَمِيعِ
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٦٦)، والنسائي (٤٨١٥).

٦٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الْمَالِ (إِذَا جُدِعَ) أي: قُطِعَ؛ وَالْمُرَادِ إِذَا اِسْتَوْعَبَ فِي الْقَطْعِ (الدِّيَة) بِالنَّصْبِ عَلَى
الْمَفْعُولِيَّةِ (كَامِلَة) حَال مِن الدِّيَة.
(وَإِنْ جُدِعَتْ تُنْدُوَتُهُ) بِضَمِّ مُثَلَّئَةٍ مَهْمُوزًا وَفَتْحِهَا بِلَا هَمْزِ، وَبَعْد الْمُثَلَّئَةِ نُون،
وَالْمُرَادِ بِهَا هَا هُنَا أَرْنَبَةِ الْأَنْف؛ أي: طَرَفه وَمُقَدَّمه. كَذَا فِي ((فَتْحِ الْوَدُود)» (خَمْسُونَ مِن
الْإِبِل) بَيَانِ النَّصْف (أو عَدْلهَا) بِالرَّفْعِ عَظْف عَلَى ((خَمْسُونَ)).
(وَفِي الْمَأْمُومَةِ) أي: الشَّجَّة الَّتِي تَصِل إِلَى جِلْدَة تُسَمَّى: أُمّ الدِّمَاعِ، وَاشْتِقَاق
الْمَأْمُومَة مِنْهُ (ثَلَاثٍ وَثَلاثُونَ مِن الْإِبِل) بَيَانِ ثُلُثِ الْعَقْلِ (وَقُلُث) أي: ثُلُث قِيمَة إِل
(وَالْجَائِفَةِ) أي: وَفِي الْجَائِفَةِ، وَهِيَ الطَّعْنَة الَّتِي تَصِل إِلَى جَوْفِ الرَّأْس أَو الْبَظْن أو
الظهر.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَإِنْ نَفَذَتِ الْجَائِفَة حَتَّى خَرَجَتْ مِنِ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَإِنَّ فِيهَا ثُلُئي
الدِّيَة؛ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ جَائِفَتَانِ (أَنَّ عَقْلِ الْمَرْأَةُ) أي: الدِّيَة الَّتِي وَجَبَتْ بِسَبَبِ جِنَايَتِهَا
(بَيْن عَصَبَتْهَا) أي: هُمْ يَتَحَمَّلُونَهَا (مَنْ كَانُوا لَا يَرِثُونَ مِنْهَا) أي: مِن الْمَرْأَةَ، وَهَذِهِ
صِفَة كَاشِفَة لِلْعَصَبَةِ؛ أي: دِيَة الْمَرْأَةَ الْقَاتِلَة يَتَحَمَّلَهَا عَصَبَتْهَا الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ مِنْهَا
(إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَرَقَتَهَا) أي: ذَوِي الْفَرَائِض.
قَالَ الْخُطَّابِيُّ: يَقُولُ: إِنَّ الْعَصَبَة يَتَحَمَّلُونَ عَقْلَهَا كَمَا يَتَحَمَّلُونَ عَنِ الرَّجُل،
وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْعَبْدِ الَّذِي لَا يَحْمِل الْعَاقِلَةِ جِنَايَتِه، وَإِنَّمَا هِيَ فِي رَقَبَته.
وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَب وَالْجُدّ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ يُسْهِم لَهُمَا السُّدُس،
وَإِنَّمَا الْعَاقِلَةِ الْأَعْمَامِ وَأَبْنَاءِ الْعُمُومَةِ، وَمَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ مِن الْعَصَبَةِ. إِنْتَهَى.
(فَإِنْ قُتِلَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُول؛ أي: الْمَرْأَةُ (فَعَقْلهَا) أي: دِيَتَهَا (بَيْن وَرَثَتَهَا)
أي: سَوَاء كَانُوا أَصْحَابِ الْفَرَائِض أو عَصَبَةٍ، فَإِنَّ دِيَة الْمَرْأَةَ الْمَقْتُولَة كَسَائِرٍ تَرِكَتَهَا،
فَلَا تَخْتَصْ بِالْعَصَبَةِ بَلْ تُقَسَّم أولاً بَيْن أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا شَيْءٍ يُقْسَم
بَيْنِ الْعَصَبَةِ، بِخِلَافِ دِيَة الْمَرْأَةِ الْقَاتِلَة الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهَا بِسَبَبٍ قَتْلهَا، فَإِنَّ الْعَصَبَة
يَتَحَمَّلُونَهَا خَاصَّةِ دُون أَصْحَابِ الْفَرَائِض.

٦٠٧
كتاب القصاص / باب الديات
قَالَ الْخُطَائِيُّ: يُرِيدِ أَنَّ الدِّيَة مَوْرُوثَة كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تَمْلِكَهَا أَيَّامِ حَيَاتِهَا
يَرِثُهَا زَوْجِهَا، وَقَدْ وَرِثَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ اِمْرَأَة أَشْيَمِ الضِّبَابِيّ مِنْ دِيَة زَوْجها.
(وَهُمْ) أي: وَرَثَتْهَا (يَقْتُلُونَ قَاتِلهِمْ) الظَّاهِرِ أَنْ يَكُون قَاتِلِهَا؛ أي: قَاتِلِ الْمَرْأَةَ،
وَلَكِنْ أُضِيفَ الْقَاتِلِ إِلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ هُم الْمُسْتَحِقُونَ بِقَتْلِهِ، فَالْإِضَافَة لِأَدْنَى
مُنَاسَبَةٍ؛ وَالْمَعْنَى: إِنَّ الْوَرَثَة يَرِثُونَ دِيَة الْمَرْأَةُ الْمَقْتُولَةِ، وَبَأْخُذُونَهَا وَهُمْ يَقْتُلُونَ قَاتِلهَا،
فَهُمْ مُخْتَارُونَ إِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَة وَلَمْ يَقْتُلُوا قَاتِلِهَا، وَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا قَاتِلهَا، وَلَيْسَ
لِغَيْرِهِمْ حَقٌّ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ (لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٍ) أي: مِنْ دِيَة الْمَقْتُول وَلَا
مِنْ تَرِكَته (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أي: لِلْمَقْتُولِ (وَارِث) أي: سِوَى الْقَاتِل (فَوَارِثِه أَقْرَب
الَّاسِ إِلَيْهِ) أي: إِلَى الْمَقْتُول.
قَالَ الْخَطَّائِيُّ: مَعْنَى قَوْله: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثِ فَوَارِثِه أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ)) أَنَّ
بَعْض الْوَرَثَةِ إِذَا قُتِلَ الْمُؤَرِّث حَرُمَ مِيرَائِه وَوَرِثَهُ مَنْ لَمْ يُقْتَلِ مِنْ سَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ
يَكُنْ لَهُ وَارِثِ إِلَّ الْقَاتِلِ، فَإِنَّهُ يُحْرَمِ الْمِيرَاث وَتُدْفَع تَرِكَته إِلَى أَقْرَبِ النَّاس مِنْ بَعْد
الْقَاتِلِ، وَهَذَا كَالرَّجُلِ يَقْتُلُهُ إِبْنه وَلَيْسَ لَهُ وَارِث غَيْرِ إِبْنِه الْقَاتِلِ وَلِلْقَاتِلِ اِبْنِ، فَإِنَّ
مِيرَاث الْمَقْتُولِ يَدْفَع إِلَى إِبْنِ الْقَاتِل وَيُحْرَمِ الْقَاتِلِ. إِنْتَهَى.
وَقِيلَ: الْمُرَادِ مِنْ قَوْله: ((وَارِث)) ذُو فَرْض؛ وَالْمَعْنَى: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ ذُو
فَرْض فَوَارِثِه أَقْرَبِ النَّاس ◌ِلَيْهِ مِن الْعَصَبَات. كَذَا قِيلَ.
قُلْت: هَذَا غَيْرِ ظَاهِرِ بَلْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالظَّاهِرِ هُو مَا قَالَ الْإِمَامِ الْخَطَائِيُّ،
فَتَدَبَّرْ. [عون المعبود (٨٤/١٠)].
٣٥٠١ - [وَعَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ
مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ رَوَاهُ أبو داود](١).
(وَلَا يُقْتَلِ صَاحِبه) أي: صَاحِب شِبْهِ الْعَمْد وهو الْقَاتِلِ، سَمَّاهُ صَاحِبه؛ لِصُدُورِ
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٦٥)، والبيهقي (١٥٩٠٨)، وأحمد (٦٧١٨)، والدارقطني (٩٥/٣)، والديلمي
(٤١١٩).

٦٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الْقَتْل عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَالَ وَلَ هَذَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ جَوَازِ الاِقْتِصَاصِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ حَيْثُ جَعَلَهُ
كَالْعَمْدِ الْمَحْضِ فِي الْعَقْل.
٣٥٠٢ - [وَعَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ وَهُ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ
السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلُثِ الدِّيَةِ رَوَاهُ أَبو داود وَالنَّسَائِيُّ] (١).
٣٥٠٣ - [وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَضَى
رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أوْ أَمَةٍ أو فَرَسِ أو بَغْلٍ. رَوَاهُ أُبو داود وَقَالَ: رَوَى
هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَخَالِدُ الوَاسِطَيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَذْكُرًا: أو فَرَسِ
أو بَغْلِ](٢).
٣٥٠٤ . [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ قَالَ: «مَنْ
تَطَبَّبَ وَلَّا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبُّ فهو ضَامِنٌ)). رَوَاهُ أَبو داود وَالنَّسَائِيُّ](٣).
٣٥٠٥ [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ غُلَامًا لأُنَاسِ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسِ
أَغْنِيَاءَ، فَأَى أَهْلُهُ النَّبِيَّ ◌َّهِ فَقَالُوا: إِنَّا أَنَاسُ فُقَرَاءُ. فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا. رَوَاهُ أبو
داود وَالنَّسَائِيُّ](٤).
(أَنَّ غُلَامًا لأُنَاسِ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسِ أَغْنِيَاءَ) قَالَ الْخْطَابِيّ: هَذَا
الْغُلَامِ الْجَانِي كَانَ حُرًّا.
قُلْت: أَرَادَ أَنَّ الْغُلَامِ بِمَعْنَى الصَّغِيرِ لَا الْمَمْلُوكِ كَمَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّف، ثُمَّ قَالَ:
وَكَانَتْ جِنَايَتِه خَطَأْ، وَكَانَتْ عَاقِلَتِهِ فُقَرَاءِ، وَإِنَّمَا تُوَاسِي الْعَاقِلَة مَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ سَعَة وَلَّا
شَيْءٍ عَلَى الْفَقِيرِ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الْعَبْدِ إِذَا جَنَى فَجِنَايَته فِي رَقَبَته.
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٦٧)، والنسائي في الكبرى (٧٠٤٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٥٨١)، والطبراني (٥٨٨).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٥٨٦)، والنسائي (٤٨٣٠)، وابن ماجه (٣٤٦٦)، والحاكم (٧٤٨٤) وقال:
صحيح الإسناد. والدارقطني (٢١٥/٤)، والرافعي (٢٥/٣).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٥٩٢)، والنسائي (٤٧٦٨)، وأحمد (٢٠٤٦٦)، والبيهقي (١٦٨٠٥).

٦٠٩
كتاب القصاص / باب الديات
(الفصل الثالث)
٣٥٠٦ - [عَنْ عَلىّ ﴾ أَنَّهُ قَالَ: ((دِيَّةُ شِبْهِ الْعَمْدِ أَثَلَاثُ: ثَلَاثُ وَثَلاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُ
وَثَلاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُ وَثَلاثُونَ ثَنِيَّةً إِلَى بَازِلِ عَامِهَا كُلُّهَا خَلِفَات)). وفِي رِوايَةٍ: قَالَ: (فِي الْخَطَأ
أَرْبَاعًا: خَمْسَ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسُ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسُ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسُ
وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ)). رَوَاهُ أَبو داود](١).
٣٥٠٧ - [وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَضَى عُمَرُ ﴾ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلَائِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثِینَ جَذَعَةً،
وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا. رَوَاهُ أَبو داود](9).
٣٥٠٨ - [وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ رَسُولُ اللهِِّ قَضَى فِي الْجَنِينَ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ
أُمِّهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أوْ وَلِيدَةٍ، فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ: كَيْفَ أَغْرَمُ مَن لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلْ وَلَا نَطَقَ
وَلَا اسْتَهَلّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَلْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ:(إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ)). رَوَاهُ مَالِكٌ
وَالنَّسَائِيُّ مرسلًا](٣).
(كَيْفِ أَغْرَم مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ) فِي رِوَايَة مَالِك «مَا لَا)» بَدَل ((مَنْ لَا» وَهَذَا هو الَّذِي
فِي ((الْمُوَظَّأ)).
وَقَالَ أبو عُثْمَانِ بْنِ جِنِّيٍّ: مَعْنَى قَوْله: (لَا أَكَلَ)) أي: لَمْ يَأْكُلِ، أَقَامَ الْفِعْلِ الْمَاضِي مَقَام
الْمُضَارِعِ.
(فَمِثْلِ ذَلِكَ يُطَلّ) لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيدِ اللَّام؛
أي: يُهْدَر، يُقَال: دَمِ قُلَانْ هَدَر إِذَا تَرَكَ الطََّب بِثَأْرِهِ، وَظُلَّ الدَّم بِضَمِّ الظَّاءِ وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا،
وَحُكِيَ (أَطَلَّ)» وَلَمْ يَعْرِفهُ الأَضْمَعِيّ.
وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيّ فِي رِوَايَة ◌ِبْنِ مُسَافِرِ: (بَطَل)) بِفَتْحِ الْمُؤَخَّدَةِ وَالتَّخْفِيف مِن الْبُطْلَانِ،
كَذَا رَأَيْتِهِ فِي نُسْخَة مُعْتَمَدَة مِنْ رِوَايَةٍ أَبِي ذَرّ، وَزَعَمَ عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا لِلْجَمِيعِ بِالْمُوَخَّدَةِ.
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٥٣، ٤٥٥٥)، والبيهقي (١٦٥٥١).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٥٥٢).
(٣) أخرجه البخاري (٥٧٦٠)، ومالك (١٥٦٥)، والنسائي (٤٨٣٧).

٦١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
قَالَ: وَبِالْوَجْهَيْنِ فِي (الْمُوَظَا)) وَقَدْ رَجَّحَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ مِن الْبُظْلَان، وَأَنْكَرَهُ اِبْنِ بَظَال،
فَقَالَ: كَذَا يَقُولُهُ أَهْلِ الْحَدِيث، وَإِنَّمَا هُو طَلّ الدَّم إِذَا هُدِرَ.
قُلْت: وَلَيْسَ لِإِنْكَارِهِ مَعْنَّى بَعْدِ ثُبُوت الرِّوَايَة، وهو مُوَجَّه، رَاجِعٍ إِلَى مَعْنَى الرِّوَايَة
الْأُخْرَى
(إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ) أي: لِمُشَابَهَةٍ كَلَامِه كَلَامِهمْ، زَادَ مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيّ مِنْ
رِوَايَة يُونُس: ((مِنْ أَجْلِ سَجْعه الَّذِي سَجَعَ)».
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: هُو مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاوِي، وَقَدْ وَرَدَ مُسْتَنَد ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ فِي
حَدِيث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةِ: ((فَقَالَ رَجُلٍ مِنْ عُصْبَة الْقَاتِلَةِ: يَغْرَم)) فَذَكَرَ نَحْوِهِ، وَفِيهِ:((فَقَالَ
رَسُولِ الله وَلُّ: أَسْجَع كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ؟)) وَالسَّجْعِ هُو تَنَاسُب آخِرِ الْكَلِمَاتِ لَفْظَا، وَأَصْله
الإِسْتِوَاءِ، وَفِي الإِصْطِلَاحِ: الْكَلَامِ الْمُقَفَّى، وَالْجُمْعِ: أَسْجَاعِ وَأَسَاجِيع.
قَالَ إِبْنِ بَطَال: فِيهِ ذَمّ الْكُفَّارِ وَدَمّ مَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ فِي أَلْفَاظِهِمْ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَاقِيهُ؛ لِأَنَّهُ وَه
كَانَ مَأْمُورًا بِالصَّفْحِ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ كَرِهِ السَّجْعِ فِي الْكَلَامِ، وَلَيْسَ عَلَى
إِظْلَاقه، بَل الْمَكْرُوهِ مِنْهُ مَا يَقَعِ مَعَ التَّكُلُّفِ فِي مَعْرِض مُدَافَعَة الْحَقِّ، وَأَمَّا مَا يَقَع عَقْوًا بِلَا
تَكَلُّف فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ فَجَائِزِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلِ مَا وَرَدَ عَنْهُ مَِّهِ وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي
كِتَاب الدَّعَوَات.
وَالْحَاصِلِ: إِنَّهُ إِنْ جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ مِنِ التَّكُلّفِ وَإِبْطَالِ الْحَقْ كَانَ مَذْمُومًا، وَإِن ◌ِقْتَصَرَ عَلَى
أَحَدِهمَا كَانَ أَخَفّ فِي الدَّمّ، وَيَخْرُج مِنْ ذَلِكَ تَقْسِيمِه إِلَى أَرْبَعَة أَنْوَاعِ: فَالْمَحْمُودِ مَا جَاءَ عَفْوًا
فِي حَقّ، وَدُونِه مَا يَقَع مُتَكَلّفَا فِي حَقّ أَيْضًا، وَالْمَذْمُومِ عَكْسهمًا.
وَفِي الْحَدِيثِ مِن الْفَوَائِدِ أَيْضًا: رَفْع الْجِنَايَةِ لِلْحَاكِمِ، وَوُجُوب الدِّيَة فِي الْجَنِين وَلَو
خَرَجَ مَيًِّا .. [الفتح (٢٩٢/١٦)].
٣٥٠٩ - [وَرَوَاهُ أبو داود عنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ متصلاً](١).
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٧٨).

(باب ما يضمن من الجنايات)
(الفصل الأول)
٣٥١٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: ((الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارَ،
وَالْمَعْدِنُ جُبَارً، وَالْبِتْرُ جُبَارٌ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(الْعَجْمَاء)) بِالْمَدِّ هِيَ: كُلّ الْحَيَوَانِ سِوَى الْآدَمِيّ، وَسُمِّيَت الْبَهِيمَة عَجْمَاءِ؛ لِأَنَّهَا لَا
تَتَكَلَّم، وَ(الْجُبَارِ)) بِضَمِّ الْحِيم وَتَخْفِيف الْبَاءِ: الْهَدَرِ، فَأَمَّا قَوْلْهِ وَّهِ: (الْعَجْمَاءِ جُرْحِهَا
جُبَار) فَمَحْمُول عَلَى مَا إِذَا أَثْلَفَتْ شَيْئًا بِالنَّهَارِ أو بِاللَّيْلِ بِغَيْرِ تَفْرِيط مِنْ مَالِكِهَا، أو
أَثْلَفَتْ شَيْئًا وَلَيْسَ مَعَهَا أَحَد، فَهَذَا مَضْمُون وهو مُرَاد الحديث.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ مَعَهَا سَائِق أو قَائِد أو رَاكِب فَأَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أو بِرِجْلِهَا أُو فَمَهَا
وَنَحْوِهِ، وَجَبَ ضَمَانِهِ فِي مَالِ الَّذِي هُو مَعَهَا، سَوَاء كَانَ مَالِكًا أو مُسْتَأْجَرًا أو مُسْتَعِيرًا أو
غَاصِبًا أو مُودَعًا أو وَكِيلاً أو غَيْره، إِلَّا أَنْ تُتْلِفِ آدَمِيًّا فَتَجِب دِيَتِه عَلَى عَاقِلَة الَّذِي
مَعَهَا، وَالْكَفَّارَةِ فِي مَالِه، وَالْمُرَاد بِجُرْجِ الْعَجْمَاءِ: إِثْلَافِهَا، سَوَاء كَانَ بِجُرْجِ أو غَيْره.
قَالَ الْقَاضِي: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ جِنَايَةِ الْبَهَائِمِ بِالنَّهَارِ لَا ضَمَان فِيهَا إِذَا لَمْ
يَكُنْ مَعَهَا أَحَدِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا رَاكِب أو سَائِقٍ أو قَائِد فَجُمْهُورِ الْعُلَمَاء عَلَى ضَمَان مَا
أَتْلَفَتْهُ.
وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ: لَا ضَمَانِ بِكُلِّ حَال إِلَّ أَنْ يَحْمِلهَا الَّذِي هُو مَعَهَا عَلَى
ذَلِكَ أُو يَقْصِدُهُ، وَجُمْهُورِهِمْ عَلَى أَنَّ الضَّارِيَةِ مِن الدَّوَابٌ كَغَيْرِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابِهِ: يَضْمَن مَالِكِهَا مَا أَتْلَفَتْ، وَكَذَا قَالَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيّ:
(١) أخرجه البخاري (١٤٢٨)، ومسلم {١٧١٠]، ومالك (١٥٦٠)، وأحمد (٧٢٥٣)، وعبد الرزاق
(١٨٣٧٣)، وأبو داود (٤٥٩٣)، والترمذي (٦٤٢) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٢٤٩٥)، وابن
ماجه (٢٦٧٣)، وابن أبي شيبة (٢٧٣٧٤)، والدارمي (١٦٦٨)، وابن خزيمة (٢٣٢٦)، وأبو عوانة
(٦٣٥٤)، وابن حبان (٦٠٠٥)، والدارقطني (١٥١/٣)، والبيهقي (١٦١٧٢).
٦١١

٦١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
يَضْمَن إِذَا كَانَتْ مَعْرُوفَة بِالْإِفْسَادِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ رَبْطِهَا وَالْحَالَةِ هَذِهِ.
وَأَمَّا إِذَا أَتْلَفَتْ لَيْلاَ؛ فَقَالَ مَالِك: يَضْمَنِ صَاحِبهَا مَا أَتْلَفَتْهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ
وَأَصْحَابِهِ: يَضْمَنِ إِنْ فَرَّطَ فِي حِفْظَهَا وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ أبو حنيفة: لَا ضَمَان فِيمَا أَثْلَفَتْهُ
الْبَهَائِمِ لَا فِي لَيْل وَلَا فِي نَهَارِ، وَجُمْهُورِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا ضَمَان فِيمَا رَعَتْهُ نَهَارًا، وَقَالَ
اللَّيْثِ وَسَحْنُون: يَضْمَن.
وَأَمَّا قَوْله ◌َِّ: (وَالْمَعْدِنِ جُبَارِ) فَمَعْنَاهُ: إنَّ الرَّجُل يَخْفِر مَعْدِنًا فِي مِلْكه أو في
مَوَات، فَيَمُرّ بِهَا مَارٌ فَيَسْقُطِ فِيهَا فَيَمُوت، أو يَسْتَأْجِرِ أُجَرَاء يَعْمَلُونَ فِيهَا فَيَقَعِ عَلَيْهِمْ
فَيَمُوتُونَ، فَلَا ضَمَانٍ فِي ذَلِكَ، كَذَا (وَالْبِثْرِ جُبَارِ) مَعْنَاهُ: إِنَّهُ تَحْفِرِهَا فِي مِلْكه أو فِي
مَوَات فَيَقَعِ فِيهَا إِنْسَان أو غَيْرِهِ وَيَتْلَف فَلَا ضَمَان، وَكَذَا لَو اِسْتَأْجَرَهُ لِّفْرِهَا فَوَقَعَتْ
عَلَيْهِ فَمَاتَ فَلَا ضَمَان، فَأَمَّا إِذَا حَفَرَ الْبِقْرِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أو فِي مِلْك غَيْرِهِ بِغَيْرِ
إِذْنِه فَتَلِفَ فِيهَا إِنْسَان، فَيَجِب ضَمَانِه عَلَى عَاقِلَة حَافِرِهَا، وَالْكَفَّارَةِ فِي مَالِ الْحَافِر،
وَإِنْ تَلِفَ بِهَا غَيْرِ الْآدَمِّ وَجَبَ ضَمَانِهِ فِي مَالِ الْحَافِرِ [النووي (١٣٤/٦)].
٣٥١١ - [وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أَمَيَّةً قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، وَكَانَ
لِي أَجِيرٌّ فَقَاتَلَ إِنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَانْتَزَعَ المَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي العَاضِّ،
فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِّ وَِّ فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، وَقَالَ: «أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ
تَقْضَمُهَا كَالْفَحْلِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ ](١).
٣٥١٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((مَنْ قُتِلَ
دُونَ مَالِهِ فهو شَهِيدٌ)). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ](٤).
٣٥١٣ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلُّ إِلَى رَسُولِ الله ◌َّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله،
(١) أخرجه البخاري (٢٢٦٥)، ومسلم (٤٤٦٢)، وأحمد (١٨٤٣٤)، وأبو داود (٤٥٨٦)، والنسائي
(٤٧٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٤٨)، ومسلم (١٤١)، وعبد الرزاق (١٨٥٦٢)، وأحمد (٧٠٨٤)، والترمذي
(١٤١٩)، والنسائي (٤٠٨٧).

٦١٣
كتاب القصاص/ باب ما يضمن من الجنايات
أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلُ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: ((فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ)) قَالَ: أَرَّأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟
قَالَ: (قَاتِلْهُ)) قَالَ: أَرَّأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: ((فَأَنْتَ شَهِيدٌ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: ((هُو
فِي النَّارِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(١).
٣٥١٤ - [وَعَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَلَهِ يَقُولُ: ((لَوَ اَطَّلَعَ فِي بَيْتِكَ أَحَدُّ وَلَمْ تَأْذَنْ
لَهُ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاجٍ)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٢).
(فَخَذَفْتَهُ بِحِصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاجٍ) اختلف العلماء في
هذه المسألة، فروي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة أنه لا دية فيه ولا قود، وبه قال
الشافعي، وذكر ابن أبي زيد في ((النوادر)» عن مالك مثله.
قال الطحاوي: لم أجد لأبي حنيفة وأصحابه نصًّا في هذه المسألة، غير أن
أصلهم أن من فعل شيئًا دفع به عن نفسه مما له فعله أنه لا يضمن ما تلف له، مثال
ذلك المعضوض إذا انتزع يده من في العاض فسقطت ثنيتاه أنه لا شيء عليه؛ لأنه دفع
به عن نفسه عضه، فلما كان من حق صاحب البيت ألا يطلع أحد في بيته قاصدًا
لذلك؛ لأن له منعه ودفعه عنه كان ذهاب عينه هدرًا، على هذا يدل مذهبهم.
وقال أبو بكر الرازي: ليس هذا بشيء ومذهبهم أنه يضمن؛ لأنه يمكنه أن
يمنعه من الاطلاع في بيته من غير فقء عينه بأن يزجره بالقول أو ينحيه عن الموضع،
ولو أمكن المعضوض أن ينتزع يده من غیر کسر سن العاض، وكسرها ضمن.
وروى ابن عبد الحكم عن مالك أن عليه القود، واحتج الشافعي بأن النبي
قام إلى الذي اطلع عليه بالمدري وقال: (لو أعلم أنك تنتظرني لفقأت عينك)) ومثله
﴿ل* لا يقول ما لا يجوز له أن يفعله، ومن فعل ما يجوز له لم يجب عليه قود. [ابن بطال
(٩٢/١٦)].
٣٥١٥ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد: أَنَّ رَجُلاً اطَلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ الله ◌َِ
(١) أخرجه مسلم (٣٧٧)، والبيهقي (٦٢٧٥).
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٩٣)، ومسلم (٢١٥٨)، وأحمد (٩٥٢١).

٦١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَمَعَ رَسُولِ اللهِ وَه مِدْرَى يَحُقُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((لَوَ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي
عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الإِسْتِئِذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](١).
٣٥١٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً يَخْذِفُ فَقَالَ: لَا تَخْذِفْ، فَإِنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ فَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: ((إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدُ، وَلَا يُنْكَى بِهِ عَدُوَّ،
وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٢).
(إِنَّهُ رَأَى رَجُلاً) لَمْ أَقِفِ عَلَى إِسْمِه، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة مُعَاذِ بْن
مُعَاذ عَنْ كَهْمَس: ((رَأَى رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِه)) وَلَهُ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْنِ جُبَيْر عَنْ
عَبْد الله بْن مُغَفَّل أَنَّهُ قَرِيب لِعَبْدِ الله بْن مُغَفَّل.
قَوْله: (يَخْذِف) بِجَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَآخِرِهِ فَاء؛ أي: يَرْبِي بِحَصَاةٍ أُو نَوَاة بَيْن سَبَّابَتَيْهِ أو
بَيْنِ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَة أو عَلَى ظَاهِرِ الْوُسْطَى وَبَاطِنِ الْإِبْهَامِ.
وَقَالَ إِبْنِ فَارِسِ: خَذَفْتِ الْحَصَاة: رَمَيْتَهَا بَيْن ◌ُصْبُعَيْك.
وَقِيلَ فِي حَصَى الْخُذْفِ: أَنْ يَجْعَلِ الْحَصَاة بَيْنِ السَّبَّبَة مِن الْيُمْنَى وَالْإِبْهَامِ مِن
الْيُسْرَى ثُمَّ يَقْذِفِهَا بِالسََّّابَةِ مِن الْيَمِين.
وَقَالَ إِبْنِ سِيدَهْ: خَذَفَ بِالشَّيْءِ يَخْذِفٍ فَارِسِيّ، وَخَصَّ بَعْضهمْ بِهِ الْخَصَى، قَالَ:
وَالْمِخْذَفَة الَّتِي يُوضَعِ فِيهَا الْحَجْرِ وَيُرْقَى بِهَا الطَّيْرِ وَيُظْلَقِ عَلَى الْمِقْلَاعِ أَيْضًا. قَالَهُ فِي
((الصِّحَاح)).
قَوْله: (إِنَّهُ لَا يُصَاد بِهِ صَيْد) قَالَ الْمُهَلَّبِ: أَبَاحَ الله الصَّيْد عَلَى صِفَةٍ فَقَالَ:
(تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحِكُمْ) وَلَيْسَ الرَّبِي بِالْبُنْدُقَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُو وَقِيذ،
وَأَظْلَقَ الشَّارِعِ أَنَّ الْخُذْفِ لَا يُصَاد بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِن الْمُجْهِزَاتِ، وَقَد ◌ِتَّفَقَ الْعُلَمَاءِ
- إِلَّا مَنْ شَدَّ مِنْهُمْ - عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ مَا قَتَلَتْهُ الْبُنْدُقَةِ وَالْحَجَرِ. إِنْتَهَى، وَإِنَّمَا كَانَ
-
(١) أخرجه البخاري (٥٨٨٧)، ومسلم (٢١٥٦)، وأحمد (٢٢٨٥٤)، والترمذي (٢٧٠٩) وقال: حسن
صحیح.
(٢) أخرجه البخاري (٥٤٧٩)، ومسلم (٥١٦٥)، وأحمد (٢١٠٩٢)، وابن ماجه (١٧).

٦١٥
كتاب القصاص/ باب ما يضمن من الجنايات
كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلِ الصَّيْدِ بِقُوَّةٍ رَامِيهِ لَا بِحَدِّهِ.
(وَلَا يَنْكَأْ بِهِ عَدُوّ) قَالَ عِيَاض: الرِّوَايَة بِفَتْحِ الْكَاف وَبِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ وَهِيَ لُغَةٌ،
وَالْأَشْهَرِ بِكَسْرِ الْكَاف بِغَيْرِ هَمْز.
وَقَالَ فِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ): (لَا يَنْكَأ)) بِفَتْحِ الْكَافِ مَهْمُوز، وَرَوَى (لَا يَنْكِي)) بِكَسْرِ
الْكَاف وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة، وهو أوجَه؛ لِأَنَّ الْمَهْمُوزِ إِنَّمَا هُو مِنْ نَكَأْتِ الْقُرْحَةِ، وَلَيْسَ
هَذَا مَوْضِعه فَإِنَّهُ مِن النّكَايَةِ، لَكِنْ قَالَ فِي ((الْعَيْنِ)): نَكَأَت لُغَةٍ فِي نَكِيَتْ، فَعَلَى هَذَا
تَتَوَجَّه هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْأَذَى.
وَقَالَ إِبْنِ سِيدَهُ: نَكَأَ الْعَدُو نِكَايَةِ أَصَابَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: نَكَأْتِ الْعَدُو
أَنْكَؤُهُمْ لُغَةٍ فِي نَكَيْتِهِمْ، فَظَهَرَ أَنَّ الرِّوَايَةِ صَحِيحَة الْمَعْنَى وَلَا مَعْنَى لِتَخْطِئَتِهَا.
وَأَغْرَبَ إِبْنِ التِّينِ فَلَمْ يُعَرِّجَ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْهَمْزِ أَصْلاً بَلْ شَرْحِه عَلَى الَّتِي
بِكَسْرِ الْكَاف بِغَيْرِ هَمْزِ، ثُمَّ قَالَ: وَنَكَأَتِ الْقُرْحَةِ بِالْهَمْزِ.
(وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرِ السِّنّ) أي: الرَّمْيَة، وَأَظْلَقَ السِّنّ فَيَشْمَل سِنّ الْمُرْقَى وَغَيْرِهِ
مِنْ آدَمِيٌّ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْحَدِيث: جَوَازِ تَغْبِير الْمُنْكَرِ وَمَنْعِ الرَّئْي بِالْبُنْدُقَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَفَى الشَّارِعِ أَنَّهُ
لَا يَصِيد، فَلَا مَعْنَى لِلرَّبِي بِهِ بَلْ فِيهِ تَعْرِيض لِلْحَيَوَانِ بِالتَّلَفِ لِغَيْرِ مَالِكِه، وَقَدْ وَرَدَ
النَّهْي عَنْ ذَلِكَ، نَعَمْ قَدْ يُدْرِكَ ذَكَاةٌ مَا رُبِيَ بِالْبُنْدُقَةِ فَيَحِلّ أَكْلِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أُخْتُلِفَ فِي
جَوَازه فَصَرَّحَ مُجَلٍِّ فِي (الذَّخَائِرِ)) بِمَنْعِهِ، وَبِهِ أَفْتَى إِبْن عَبْد السَّلَامِ، وَجَزَمَ النَّوَوِيّ لَهُ؟
لِأَنَّهُ طَرِيق إِلَى الإِصْطِیَاد.
وَالتَّحْقِيقِ التَّفْصِيلِ: فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبِ مِنْ حَالِ الرَّمْي مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث اِمْتَنَعَ،
وَإِنْ كَانَ عَكْسِه جَازَ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْمُرْقَى مِمَّا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الرَّمْي إِلَّا بِذَلِكَ ثُمَّ لَا
يَقْتُلُهُ غَالِبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل الْحَسَنِ فِي كَرَاهِيَةٍ رَفِي الْبُنْدُقَةِ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ،
وَمَفهومه أَنَّهُ لَا يُكْرَهِ فِي الْفَلَاةِ، فَجَعَلَ مَدَارِ النَّهْي عَلَى خَشْيَةِ إِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى أَحَد
مِن النَّاس، وَالله أَعْلَم. [الفتح (٤١٢/١٥)].

٦١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
٣٥١٧ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنًا
وَفِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلُ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا أَنْ يُصِيبَ أَحَدًّا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٣٥١٨ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ: ((لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ
بِالسِّلَاَجِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَفَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ)). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](٢).
٣٥١٩ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: ((مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ
الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَضَعَهَا، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٣).
(مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَضَعَهَا) فِيهِ تَأْكِيد حُرْمَة
الْمُسْلِمِ، وَالنَّهْي الشَّدِيد عَنْ تَرْوِيعِه وَتَّخْوِيفِه، وَالتَّعَرُّض لَهُ بِمَا قَدْ يُؤْذِيه (فَإِنَّ
الْمَلَائِكَة تَلْعَنْهُ حَتَّى وَإِنْ كَانَ) هَكَذَا فِي عَامَّة النُّسَخِ، وَفِيهِ مَحْذُوفٍ، وَتَقْدِيره: (حَتَّى
يَدَعهُ)) وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخِ.
(وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيِهِ وَأَمّه) مُبَالَغَةٍ فِي إِيضَاحِ عُمُومِ النَّهْي فِي كُلّ أَحَد، سَوَاء مَنْ
يُتَّهَم فِيهِ، وَمَنْ لَا يُتَّهَم، وَسَوَاء كَانَ هَذَا هَزْلاً وَلَعِبًا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ تَرْوِيعِ الْمُسْلِمِ حَرَام
بِكُلِّ حَالٍ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقْهُ السِّلَاَحِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَلَعْن
الْمَلَائِكَة لَهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ حَرَامِ.
٣٥٢٠ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا
السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ مُسْلِمُ: ((وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))] (٤).
(١) أخرجه البخاري (٧٠٧٥)، ومسلم (٦٨٣١)، وابن ماجه (٣٩١٠).
(٢) أخرجه البخاري (٧٠٧٢)، ومسلم (٦٨٣٤)، والبيهقي (١٦٢٩٥).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦١٦)، والترمذي (٢١٦٢) وقال: حسن صحيح غريب. ولم أقف عليه عند
البخاري.
(٤) أخرجه البخاري (٦٤٨٠)، ومسلم (٢٩٤)، والطيالسي (١٨٢٨)، وعبد الرزاق (١٧١٩٩)،
والنسائي (٤١٠٠)، وابن ماجه (٢٥٧٦)، وأحمد (٤٦٤٩)، وابن حبان (٤٥٩٠).

٦١٧
كتاب القصاص/ باب ما يضمن من الجنايات
٣٥٢١ - [وَعَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا
السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنَّ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ] (١).
٣٥٢٢ - [وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى
أُنَاسِ مِنَ الأَنْبَاطِ وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ وَصُبَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟
قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ. فَقَالَ هِشَامُ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللّهَ
يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢).
٣٥٢٣ [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((يُوشِكُ إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةُ أَنْ
تَرَى قَوْمًا فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ يَغْدُونَ فِي غَضَبِ الله وَيَرُوحُونَ فِي سَخَطِ الله)).
وِفِي رِوايَةٍ: ((وَيَرُوحُونَ فِي ◌َعْنَةِ الله)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٣).
٣٥٢٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمُ
مَعَهُمْ سِيَاطُ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءُ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ
مَائِلَاتُ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ
رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةٍ كَذَا وَكَذَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٤).
(وَنِسَاءُ كَاسِيَاتُ عَارِيَاتٌ) هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ مُعْجِزَات التُّبُوَّة، فَقَدْ وَقَعَ هَذَانِ
الصِّنْفَانِ، وَهُمَا مَوْجُودَانٍ، وَفِيهِ ذَمّ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ.
قِيلَ: مَعْنَاهُ كَاسِيَاتِ مِنْ نِعْمَة الله عَارِيَاتِ مِنْ شُكْرهَا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَسْتُر بَعْض بَدَنهَا، وَتَكْشِف بَعْضِهِ إِظْهَارًا بِحَالِهَا وَنَحْوه.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَلْبَس ثَوْبًا رَقِيقًا يَصِف لَوْن بَدَنهَا.
(١) أخرجه مسلم (٩٩)، وأحمد (١٦٥٤٧)، والدارمي (٢٥٢٠)، وابن حبان (٤٥٨٨)، وأبو عوانة
(١٥٩).
(٢) أخرجه مسلم (٦٨٢٣).
(٣) أخرجه مسلم (٧٣٧٤)، وأحمد (٨٥١٦).
(٤) أخرجه مسلم (٢١٢٨)، وأحمد (٨٦٥٠)، وأبو يعلى (٦٦٩٠)، وابن حبان (٧٤٦١).

٦١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَأَمَّا (مَائِلَات) فَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَمَا يَلْزَمُهُنَّ حِفْظُه (مُمِيلَات) أي:
يُعَلِّمْنَ غَيْرِهِنَّ فِعْلِهِنَّ الْمَذْمُومِ، وَقِيلَ: مَائِلَات يَمْشِينَ مُتَبَخْتِرَاتِ مُمِيلَاتٍ لِأَكْتَافِهِنَّ،
وَقِيلَ: مَائِلَاتِ يَمْشُظْنَ الْمِشْطَةِ الْمَائِلَةِ، وَهِيَ مِشْطَة الْبَغَايَا، مميلات يَمْشُطْنَ غَيْرِهِنَّ
تِلْكَ الْمِشْطَةِ؛ وَمَعْتَى (رُؤُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ): أَنْ يُكَبِّرْنَهَا وَيُعَظِّمْنَهَا بِلَفِّ
عِمَامَة أو عِصَابَة أو نَحْوهما. [النووي (٢٤٤/٧)].
٣٥٢٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ
الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
إن العلماء اختلفوا في رجوع الهاء من (صُورَتِهِ) إلى من ترجع الكناية بها.
قال ابن فورك: فذهب طائفة إلى أن الهاء من ((صُورَتِهِ)) راجعة إلى آدم العَّه؟،
وأفادنا بذلك كله إبطال قول الدهرية أنه لم يكن قط إنسان إلا من نطفة، ولا نطفة
إلا من إنسان فيما مضى ويأتي، وليس لذلك أول ولا آخر، فعرفنا وَل﴾ تكذيبهم، وأن
أول البشر هو آدم خلق على صورته التي كان عليها من غير أن كان نطفه قبله أو عن
تناسل، ولم يكن قط في صلب ولا رحم، ولا خلق علقه ولا مضغة، ولا طفلاً ولا
مراهقًّا، بل خلق ابتداء بشرًا سويًّا كما شوهد.
وقد قال آخرون: المعنى في رجوع الهاء إلى آدم تكذيب القدرية، لما زعمت أن
من صور آدم وصفاته ما لم يخلقه الله، وذلك أن القدرية تقول: إن صفات آدم على
نوعين منها ما خلقها الله، ومنها ما خلقها صورته وصفاته وأعراضه.
وقال آخرون: يحتمل أن يكون رجوع الهاء إلى آدم وجهًا آخر على أصول أهل
السنة أن الله خلق السعيد سعيدًا والشقي شقيًّا، فخلق آدم وقد علم يعصيه ويخالف
أمره، وسبق العلم بذلك وأنه يعصى ثم يتوب، فيتوب الله عليه تنبيهًا على وجوب
جريان قضاء الله على خلقه، وأنه إنما تحدث الأمور وتتغير الأحوال على حسب ما
(١) أخرجه البخاري (٢٤٢٠)، ومسلم (٢٦١٢)، وأحمد (١٠٢٢٢).