النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٥٩
كتاب العتق / باب إعتاق العبد المشترك وشراء القريب والعتق في المرض
بِزِيَادَةِ الْيَاءِ، وَيُقَال لَهُ أَيْضًا: الشّرْكِ بِكَسْرِ الشِّين.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبِهِ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكِ قُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إِذَا كَانَ
مُوسِرًا بِقِيمَةِ عَدْلِ سَوَاء كَانَ الْعَبْدِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَسَوَاء كَانَ الشَّرِيك مُسْلِمًا أَوْ
كَافِرًا، وَسَوَاء كَانَ الْعَتِيقِ عَبْدًا أَوْ أَمَةِ، وَلَا خِيَارِ لِلشَّرِيكِ فِي هَذَا وَلَا لِلْعَبْدِ وَلَا
لِلْمُعْتَقِ، بَلْ يَنْفُذْ هَذَا الْحُكْم وَإِنْ كَرِهَهُ كُلّهِمْ مُرَاعَاة ◌ِحَقِّ الله تَعَالَى فِي الْخُرِّيَّة.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ نَصِيبِ الْمُعْتَقِ يُعْتَقِ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي
عَنْ رَبِيعَة أَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْتَقِ نَصِيب الْمُعْتَقِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَهَذَا مَذْهَب بَاطِل
◌ُخَالِفِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كُلّهَا وَالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا نَصِيب الشَّرِيك فَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِه إِذَا كَانَ الْمُعْتَقِ مُوسِرًا عَلَى سِتَّة
مَذَاهِب:
أَحَدهَا: وهو الصَّحِيحِ فِي مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَبِهِ قَالَ إِبْنِ شُبْرُمَةَ وَالْأَوْزَاعِيّ
وَالثَّوْرِيّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأبو يُوسُف وَمُحَمَّد بْنِ الْحَسَن وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَل وَإِسْحَاقِ وَبَعْض
الْمَالِكِيَّة: إنَّهُ عَتَقَ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، وَيَقُوم عَلَيْهِ نَصِيب شَرِيكه بِقِيمَتِهِ يَوْم الْإِعْتَاق،
وَيَكُون وَلَاءِ جَمِيعِه لِلْمُعْتَقِ، وَحُكْمِه مِنْ حِينِ الْإِعْتَاقِ حُكْم الْأَحْرَارِ فِي الْمِيرَاث
وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ إِلَّ الْمُطَالَبَة بِقِيمَةِ نَصِيبِه كَمَا لَوْ قَتَلَهُ.
قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَوْ أُعْسِرَ الْمُعْتَقِ بَعْد ذَلِكَ اِسْتَمَرَّ نُفُوذِ الْعِثْقِ، وَكَانَتِ الْقِيمَة دَيْنًا
فِي ذِمَّته، وَلَوْ مَاتَ أَخَذَتْ مِنْ تَرِكَته، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَرِكَةٍ ضَاعَتِ الْقِيمَة وَاسْتَمَرَّ عِثْق
جَمِيعِهِ، قَالُوا: وَلَوْ أَعْتَقَ الشَّرِيك نَصِيبِه بَعْد إِعْتَاقِ الْأَوَّلِ نَصِيبِه كَانَ إِعْتَاقِه لَغْوًا؛ لِأَنَّهُ
قَدْ صَارَ كُلّه حُرًّا.
وَالْمَذْهَبِ الثَّانِي: إِنَّهُ لَا يُعْتِقِ إِلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَة، وهو الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَب مَالِك،
وَبِهِ قَالَ أَهْلِ الظَّاهِر، وهو قَوْل الشَّافِعِيّ.
الثَّالِثِ: مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة لِلشَّرِيكِ الْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اِسْتَسْعَى الْعَبْدِ فِي نِصْف
قِيمَته، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ نَصِيبِه وَالْوَلَاءِ بَيْنهمَا، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَ نَصِيبه عَلَى شَرِيكِه الْمُعْتَق،

٥٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
ثُمَّ رَجَعَ الْمُعْتَقِ بِمَا دَفَعَ إِلَى شَرِيكه عَلَى الْعَبْدِ يَسْتَسْعِيهِ فِي ذَلِكَ، وَالْوَلَاءَ كُلّه لِلْمُعْتَقِ،
قَالَ: وَالْعَبْدِ فِي مُدَّةِ الْكِتَابَة بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ فِي كُلّ أَحْكَامه.
الرَّابِعِ: مَذْهَب عُثْمَانِ أَلْبَقِّيَّ لَا شَيْءٍ عَلَى الْمُعْتَقِ إِلَّا أَنْ تَكُون جَارِيَة رَائِعَة تُرَاد
لِلْوَظْءِ، فَيَضْمَن مَا أَدْخَلَ عَلَى شَرِيكه فِيهَا مِن الضَّرَر.
الْخَامِس: حَكَاهُ إِبْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْقِيمَةِ فِي بَيْتِ الْمَال.
السَّادِسِ: مَحْكِيٌّ عَنْ إِسْحَاقِ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحُكْم لِلْعَبِيدِ دُون الْإِمَاءِ،
وَهَذَا الْقَوْلِ شَاذٌ مُخَالِفِ لِلْعُلَمَاءِ كَافَّة، وَالْأَقْوَالِ الثَّلَاثَة قَبْله فَاسِدَة مُخَالِفَة لِصَرِيح
الْأَحَادِيث، فَهِيَ مَرْدُودَة عَلَى قَائِلِیهَا.
هَذَا كُلّه فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُعْتَقِ لِنَصِيبِهِ مُوسِرًّا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُعْسِرًا حَالِ الْإِعْتَاقِ،
فَفِيهِ أَرْبَعَة مَذَاهِب:
أَحَدهَا: مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَأَبِي عُبَيْد وَمُوَافِقِيهِمْ، يَنْفُذِ الْعِثْقِ
فِي نَصِيب الْمُعْتَقِ فَقَظْ، وَلَا يُطَالِب الْمُعْتَقِ بِشَيْءٍ، وَلَا يُسْتَسْعَى الْعَبْدِ بَلْ
يَبْقَى نَصِيب الشَّرِيك رَقِيقًا كَمَا كَانَ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُور عُلَمَاءِ الْحِجَازِ لِحَدِيثٍ إِبْنِ
عُمَر.
الْمَذْهَبِ الثَّانِي: مَذْهَب اِبْنِ شُبْرُمَةَ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسَائِر
الْكُوفِيِّينَ وَإِسْحَاق، يُسْتَسْعَى الْعَبْد في حِصَّة الشَّرِيك.
وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي رُجُوعِ الْعَبْدِ بِمَا أَدَّى فِي سِعَايَتِه عَلَى مُعْتَقه، فَقَالَ إِبْنِ أَبِي
لَيْلَى: يَرْجِعِ بِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ أبو حَنِيفَة وَصَاحِبَاهُ: لَا يَرْجِعِ، ثُمَّ هُوَ عِنْد أَبِي حَنِيفَةٍ فِي مُدَّة
السِّعَايَة بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَب وَعِنْدِ الْآخَرِينَ هُوَ حُرّ بِالسِّرَايَةِ.
الْمَذْهَبِ الثَّالِث: مَذْهَب زُفَر وَبَعْض الْبَصْرِيِّينَ، أَنَّهُ يُقَوَّم عَلَى الْمُعْتَقِ وَيُؤَدِّي
الْقِيمَةِ إِذَا أَيْسَرِ.
الرّابع: حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْض الْعُلَمَاءِ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُعْتَقِ مُعْسِرًا بَطَلَ عِتْقه
فِي نَصِيبِه أَيْضًا، فَيَبْقَى الْعَبْدِ كُلّهِ رَقِيقًا كَمَا كَانَ، وَهَذَا مَذْهَب بَاطِل.

٥٦١
كتاب العتق/ باب إعتاق العبد المشترك وشراء القريب والعتق في المرض
أَمَّا إِذَا مَلَكَ الْإِنْسَانِ عَبْدًا بِكَمَالِهِ فَأَعْتَقَ بَعْضِه فَيُعْتِقِ كُلّه فِي الْحَالِ بِغَيْرٍ
إِسْتِسْعَاء، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَالْعُلَمَاءِ كَافَّة، وَانْفَرَدَ أبو حَنِيفَةٍ فَقَالَ:
يُسْتَسْعَى فِي بَقِيَّتِه ◌ِمَوْلَاهُ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا بِقَوْلِ الْجُمْهُور.
وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّهُ رَوَى عَنْ طَاوُسٍ وَرَبِيعَة وَحَمَّاد وَرِوَايَة عَنِ الْحَسَن كَقَوْلِ أَبِي
حَنِيفَةٍ، وَقَالَ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَعَنِ الشَّعْبِيّ وَعُبَيْد الله بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيّ: إنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ
يُعْتِقِ مِنْ عَبْده مَا شَاءَ، وَالله أَعْلَم. [النووي (٢٧٣/٥)].
٣٣٩٠ - [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ
يَكُنْ لَهُ مَالَّ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ وَ فَجَزََّهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ
اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلاً شَدِيدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْهُ، وَذَكَرَ: (لَقَدْ
هَمَمْتُ أَلَّا أُصَلِّ عَلَيْه)) بَدَل: ((وَقَالَ لَهُ قَوْلاً شَدِيدًا)). وفِي رِوايَةٍ أَبَي دَاوُدِ قَالَ: (لَوْ
شَهِدْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ))](١).
٣٣٩١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يَجْزِي وَلَدَّ وَالِدَهُ إِلَّ أَنْ
تَجِدَهُ مَمْلُوَّكَا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ](٤).
٣٣٩٢ - [وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ دَبََّ مَمْلُوكَا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالْ غَيْرُهُ،
فَبَلَغَ النَّبِيَّ ◌َهِ فَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِيِهِ مِنِّ؟) فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِمِائَّةِ دِرْهَمٍ.
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وِفِي رِوايَةٍ لِمُسلِمٍ: فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ الله الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمِ،
فَجَاءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ
شَيْءُ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٍ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ
شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا)). يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ ](٣).
(١) أخرجه مسلم (٤٤٢٥)، والنسائي (١٩٧٠)، وأبو داود (٣٩٦٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٥١٠)، وأحمد (٧١٤٣)، وأبو داود (٥١٣٧)، والترمذي (١٩٠٦) وقال: حسن. وابن
ماجه (٣٦٥٩)، وابن حبان (٤٢٤)، وابن أبي شيبة (٢٥٣٩٨).
(٣) أخرجه البخاري (٦٧١٦)، ومسلم (٢٣٦٠)، والنسائي (٢٥٥٨).

٥٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
(الفصل الثاني)
٣٣٩٣ - [عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَيِّ قَالَ: ((مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِيمِ
تَحْرَمْ فَهُوَ حُّ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو دَاوُدِ وَابْنُ مَاجَه](١).
قَالَ إِبْنِ الْأَثِير: وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَإِلَيْهِ
ذَهَبَ أبو حَنِيفَة وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَد أَنَّ (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِم ◌َحْرَم) عَتَقَ عَلَيْهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ
أُنْقَى، وَذَهَبَ الشَّافِعِيّ وَغَيْرهِ مِن الْأَئِمَّةِ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّهُ يَعْتِقِ عَلَيْهِ الْأَوْلَاد
وَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَلَا يَعْتِقٍ عَلَيْهِ غَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي قَرَابَته، وَذَهَبَ مَالِك إِلَى أَنَّهُ يَعْتِقِ
عَلَيْهِ الْوَلَدِ وَالْوَلَدَانِ وَالْإِخْوَةِ وَلَا يَعْتِقِ غَيْرِهِمْ. إِنْتَهَى.
قَالَ النَّوَوِيّ: اِخْتَلَفُوا فِي عِثْقِ الْأَقَارِبِ إِذَا مُلِكُوا، فَقَالَ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَا يَعْتِقِ
أَحَدٍ مِنْهُمْ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ سَوَاءِ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَغَيْرِهِمَا، بَلْ لَا بُدّ مِنْ إِنْشَاء عِثْق،
وَاحْتَجُوا بِحَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِ وَهِ: (لَا يَجْزِي وَلَدَّ عَنْ وَالِدِه إِلَّا أَنْ
يَجِدَهُ مَمْلُوَكَا فَيَشْتَرِبَهُ فَيُعْتِقَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَن.
وَقَالَ الْجُمْهُورِ: يَحْصُلِ الْعِثْقِ فِي الْأُصُولِ وَإِنْ عَلَوْا، وَفِي الْفُرُوعِ وَإِنْ سَفَلُوا
بِمُجَرَّدِ الْمِلْك، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَهُمَا، فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابِه: لَا يَعْتِقِ غَيْرِهِمَا
بِالْمِلْكِ، وَقَالَ مَالِك: يَعْتِقِ الْإِخْوَة أَيْضًا، وَقَالَ أبو حَنِيفَة: يَعْتِقِ جَمِيع ذَوِي الْأَرْحَامِ
الْمُحَرَّمَة. إِنْتَهَى. [عون المعبود (٤٧٣/٨)].
٣٣٩٤ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((إِذَا وَلَّدَتْ أَمَةُ الرَّجُلِ مِنْهُ فَهِيَ
مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ أَوْ بَعْدَهُ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ](٢).
٣٣٩٥ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: بِعْنَا أَمَّهَاتِ الأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ◌َّهِ وَأَبِي
(١) أخرجه الطيالسي (٩١٠)، وأحمد (٢٠١٧٩)، وأبو داود (٣٩٤٩)، والترمذي (١٣٦٥) وقال: لا
نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة. وابن ماجه (٢٥٢٤)، والطبراني (٦٨٥٢)، والحاكم
(٢٨٥٢)، والبيهقي (٢١٢٠٤).
(٢) أخرجه الدارمي (٢٦٢٩)، والدارقطني (٤٢٧٤).

٥٦٣
كتاب العتق/ باب إعتاق العبد المشترك وشراء القريب والعتق في المرض
بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا. رَوَاهُ أَبو دَاوُد] (١).
٣٣٩٦ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالَّ
فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ)). رَوَاهُ أَبو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه](٢).
٣٣٩٧ - [وَعَنِ الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ غُلَامٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ
لِلنَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: ((لَيْسَ لله شَرِيكُ)) فَأَجَازَ عِثْقَهُ رَوَاهُ أَبو دَاوُد] (٣).
٣٣٩٨ - [وَعَنْ سَفِينَةَ قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: أُعْتِقُكَ وَأَشْتَرِطُ
عَلَيْكَ أَنْ تَّخْدُمَ رَسُولَ اللهِ وَِّ مَا عِشْتَ. فَقُلْتُ: إِنْ لَمْ تَشْتَرِطِي عَلَّ مَا فَارَقْتُ
رَسُولَ اللهِوَ مَا عِشْتُ. فَأَعْتَقَتْنِي وَاشْتَرَطَتْ عَلَيَّ رَوَاهُ أَبو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه] (٤).
٣٣٩٩ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ:
(الْمُكَاتَبُ عَبْدُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمُ)). رَوَاهُ أُبو دَاوُد](٥).
٣٤٠٠ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((إِذَا كَانَ عِنْدَ مُكَتَبٍ
إِحْدَاكُنَّ وَفَاءٍ فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو دَاوُدِ وَابْنُ مَاجَه](٦).
٣٤٠١ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَ قَالَ: «مَنْ
كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مِائَةٍ أُوقِيَّةٍ فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشْرَ أَوَاقٍ - أَوْ قَالَ: عَشَرَةَ دَرَاهِمَ - ثُمَّ عَجَزَ
فَهُوَ رَقِيقُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه](٧).
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٥٦)، والبيهقي (٢٢٣١٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٩٦٤)، وابن ماجه (٢٦٢٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٩٣٥)، والبيهقي (٢١٨٥٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٩٣٤)، وابن ماجه (٢٦٢٢)، والبيهقي (٢١٩٥١)، والطبراني (٦٣٣٣).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٩٢٦)، والبيهقي (٢١٤٢٧)، والديلمي (٦٦١٤).
(٦) أخرجه أحمد (٢٦٥١٦)، وأبو داود (٣٩٢٨)، والترمذي (١٢٦١) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه
(٢٦١٦)، والطبراني (٩٥٥)، والحاكم (٢٨٦٧) وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. والبيهقي
(٢١٤٥٠).
(٧) أخرجه الترمذي (١٣٠٧)، وأبو داود (٣٩٢٩)، وابن ماجه (٢٦١٥).

٥٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
٣٤٠٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلِ قَالَ: ((إِذَا أَصَابَ الْمُكَتَبُ حَدًّا أَوْ مِيرَاثًا
وَرِثَ بِحِسَابٍ مَا عَتَقَ مِنْهُ)). رَوَاهُ أَبو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وِفِي رِوايَةٍ لَهُ قَالَ: ((يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ
بِصَّةِ مَا أَدَّى دِيَةَ حُرٍّ، وَمَا بَقِيَ دِيَةَ عَبْدٍ))(١) وَضَعَّفَهُ].
(الفصل الثالث)
٣٤٠٣ - [عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ أُمَّهُ أَرَادَتْ أَنْ تَعْتِقَ ثُمَّ
أَخَّرَتْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ فَماتَتْ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَيَنْفَعُهَا
أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ: أَتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ الله ◌َّهِ فَقَالَ: إِنَّ أُمّي هَلَكَتْ،
فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (نَعَمْ)). رَوَاهُ مَالِكٌ] (٢).
(إِنَّ أَِّّي هَلَكَتْ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا) دلَّ أن العتق ينفع الميت، ويشهد
لذلك فعل عائشة في عتقها عن أخيها في الحديث التالي.
٤٣٠٤ - [وَعَنْ يَحْتَّى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: تُؤُنَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي نَوْمٍ نَامَهُ
فَأَعْتَقَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ أُخْتُهُ رِقَابًا كَثِيرَةً رَوَاهُ مَالِكٌ](٣).
٣٤٠٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ:
((مَنِ اشْتَرَى عَبْدًا وَلَمْ يَشْتَرِظُ مَالَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] (٤).
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٨٤)، والترمذي (١٣٠٦)، والدار قطني (٤٢٥٨).
(٢) أخرجه مالك (١٤٧٨)، والبيهقي (١٣٠١٤).
(٣) أخرجه مالك (١٤٧٩).
(٤) أخرجه الدارمي (٢٦١٦).

(كتاب الأيمان والنذور)
(كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالتُّذُورِ) الْأَيْمَانِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعِ: يَمِين، وَأَصْلِ الْيَمِين فِي
اللُّغَةِ: الْيَد، وَأُظْلِقَتْ عَلَى الْخْلِفِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَحَالَفُوا أَخَذَ كُلُّ بِيَمِينِ صَاحِبه،
وَقِيلَ: لِأَنَّ الْيَدِ الْيُمْنَى مِنْ شَأْنِهَا حِفْظُ الشَّيْءِ، فَسُمَِّ الْحَلِفُ بِذَلِكَ؛ لِحِفْظِ الْمَحْلُوف
عَلَيْهِ، وَسُمِّيَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّبِهِ بِهَا، وَيُجْمَعِ الْيَمِينِ أَيْضًا عَلَى أَيْمُنْ كَرَغِيفٍ
وَأَرْغُف. وَعُرِّفَتْ شَرْعًا بِأَنَّهَا تَوْكِيد الشَّيْء بِذِكْرِ إِسْم أَوْ صِفَة لله، وَهَذَا أَخْصَرُ
التَّعَارِيف وَأَقْرَبُهَا. وَالتُّذُور جَمْع: نَذْر، وَأَصْلِه الْإِنْذَارِ بِمَعْنَى التَّخْوِيف، وَعَرَّفَهُ الرَّاغِب
بِأَنَّهُ إِيَجَابُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِحُدُوثِ أَمْرٍ. [الفتح (٤٧٢/١٨)].
(الفصل الأول)
٣٤٠٦ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ وَِّ يَحْلِفُ: ((لَا
وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ) هذه من أيمان النبي ◌ََّ، فالسنة أن يحلف بهما وبما
شابههما من أسماء الله وصفاته.
٣٤٠٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَخْلِفُوا
بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (٤).
٣٤٠٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: «لَا تَخْلِفُوا
بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٣).
(١) أخرجه البخاري (٧٣٩١)، وأحمد (٥٤٧١)، وأبو داود (٣٢٥٦)، والنسائي (٣٧٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٥٧)، ومسلم (١٦٤٦)، ومالك (١٠٢٠)، وأحمد (٤٥٩٣)، وعبد الرزاق
(١٥٩٢٣)، وأبو داود (٣٢٤٩)، والترمذي (١٥٣٤) وقال: حسن صحيح. والدارمي (٢٣٤١)، وابن
حبان (٤٣٦٠).
(٣) أخرجه مسلم (٤٣٥١)، وابن ماجه (٢١٧٣).
- ٥٦٥ -

٥٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
٣٤٠٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهْ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّتِ
وَالْعُزَى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أَقَامِرْكَ. فَلْيَتَصَدَّقْ)). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](١).
٣٤١٠ - [عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ
غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ
بِشَيْءٍ فِي الدُّنيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهْوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا
بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثََّ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً)). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](٩).
٣٤١ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَ: ((إِنِي وَاللهُ إِنْ
شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْثُ
الَّذِي هُوَ خَيْ). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
(لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرِهَا خَيْرًا مِنْهَا) قال الحافظ: هُوَ تَأْسِيسُ قَاعِدَةٍ
مُبْتَدَأَةٍ، كَأَنَّهُ يَقُول: وَلَوْ كُنْتِ حَلَفْتِ، ثُمَّ رَأَيْتِ تَرْك مَا حَلَفْت عَلَيْهِ خَيْرًا مِنْهُ
لَأَحْنَثْت نَفْسِي وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي.
قَالَ ابن بطال: وَهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوهُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ ظَنَّا أَنَّهُ يَمْلِك ◌ُمْلَانًا، فَحَلَفَ لَا
يَحْمِلُهُمْ عَلَى شَيْءٍ يَمْلِكُهُ لِكَوْنِهِ كَانَ حِينَئِذٍ لَا يَمْلِكِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَلَا خِلَافَ
أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءِ، وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ فِعْلاً مُعَلَّقًا بِذَلِكَ الشَّيْء مِثْل
قَوْله: ((وَالله لَإِنْ رَكِبْت مَثَلاَ هَذَا الْبَعِيرِ لَّأَفْعَلَن كَذَا)) لِبَعِيرٍ لَا يَمْلِكُهُ أَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ
وَرَكِبَهُ حَنِثَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَعْلِيقِ الْيَمِين عَلَى الْمِلْك.
(١) أخرجه البخاري (٤٨٦٠)، ومسلم (١٦٤٧)، وأحمد (٨٣٠٣)، وأبو داود (٣٢٤٧)، والترمذي
(١٥٤٥) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (١٠٨٢٨)، وابن خزيمة (٤٥)، وأبو عوانة
(٥٩٠٨)، والبيهقي (٦٦٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٤٧)، ومسلم (٣١٦)، وأحمد (١٦٨٣٣)، والطبراني (١٣٢٢).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٤٩)، ومسلم (١٦٤٩)، وأحمد (١٩٥٧٦)، وأبو داود (٣٢٧٦)، والنسائي
(٣٧٨٠).

٥٦٧
کتاب الأيمان والنذور
قُلْت: وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَل، وَلَيْسَ مَا قَالَهُ إِبْنِ بَطَّالِ أَيْضًا بِبَعِيد بَلْ هُوَ أَظْهَرِ، وَذَلِكَ
أَنَّ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَأَلُوا الْحُمْلَانِ فَهِمُوا أَنَّهُ حَلَفَ، وَأَنَّهُ فَعَلَ خِلَافَ مَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا
يَفْعَلُهُ، فَلِذَلِكَ لَّمَّا أَمَرَ لَهُمْ بِالْحُمْلَانِ بَعْد قَالُوا: (تَغَقَّلْنَا رَسُول اللّهِوَهِ يَمِينِهِ)) وَظَنُّوا أَنَّهُ
نَسِيَ حَلِفَهُ الْمَاضِيَ، فَأَجَابَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَكِنَّ الَّذِي فَعَلَهُ خَيْرِ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ،
وَأَنَّهُ إِذَا حَلَفَ فَرَأَى خَيْرًا مِنْ يَمِينِهِ فَعَلَ الَّذِي حَلَفَ أَلَا يَفْعَلَهُ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينه ...
[الفتح (٤١/١٩)].
٣٤١٢- [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
سَمْرَةَ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ
مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ
يَمِينِكَ، وَأَتِ الَّذِي هُوَ خَيْرً). وِفِي رِوايَةٍ: (فَأَتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٍ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ)). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](١).
(فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ) قال ابن بطَّال: اختلف العلماء في جواز
الكفارة قبل الحنث، فقال ربيعة ومالك والثوري والليث والأوزاعي: تجزئ قبل الحنث،
وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، وروي مثله عن ابن عباس وعائشة وابن عمر.
وقال الشافعي: يجوز تقديم الرقبة والكسوة والإطعام قبل الحنث، ولا يجوز
تقديم الصوم، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث.
قال ابن القصار: ولا سلف لأبي حنيفة في ذلك.
واحتج له الطحاوي بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:
٨٩] والمراد إذا حلفتم فحنثتم.
قال ابن القصار: وقد رأى جواز تقديم الكفارة قبل الحنث أربعة عشر من
الصحابة، وهم: ابن مسعود، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأبو أيوب،
(١) أخرجه البخاري (٦٢٤٨)، ومسلم (١٦٥٢)، وابن أبي شيبة (٣٢٥٤٣)، وأحمد (٢٠٦٤٧)، وأبو داود
(٢٩٢٩)، والترمذي (١٥٢٩) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٣٧٨٤).

٥٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وأبو موسى، وأبو مسعود، وحذيفة، وسلمان، ومسلمة بن مخلد، وابن الزبير، ومعقل،
ورجل لم يذكر، وبعدهم من التابعين: سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن
جبير، والحسن، وابن سيرين، وعلقمة، والنخعي، والحكم بن عتيبة، ومكحول.
فهؤلاء أعلام أئمة الأمصار، ولا نعلم لهم مخالفًا إلا أبا حنيفة، على أن أبا
حنيفة يقول ما هو أعظم من تقديم الكفارة؛ وذلك لو أن رجلاً أخرج عنزًا من الظباء
من الحرم، فولدت له أولادًا ثم ماتت في يده هي وأولادها، أن عليه الجزاء عنها وعن
أولادها، وإن كان حين أخرجها أدى جزاءها، ثم ولدت أولادًا، ثم ماتت هي وأولادها
لم يكن عليه فيها ولا في أولادها شيء. ولا شك أن الجزاء الذي أخرجه عنها، وعن
أولادها كان قبل أن تموت هي وأولادها، ومن قال هذا لم ينبغ له أن ينكر تقديم
الكفارة قبل الحنث. [ابن بطال (١٨٨/١١)].
٣٤١٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى
خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلْ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
٣٤١٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((وَاللهِ لأَنْ يَلِجَ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي
أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ الله مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٩).
٣٤١٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ
صَاحِبُكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٣).
(يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ) الْمَعْنَى: إنَّهُ وَاقِعٍ عَلَيْهِ لَا يُؤَثِّرِ فِيهِ
الثَّوْرِيَة، فَإِنَّ الْعِبْرَة فِي الْيَمِين بِقَصْدِ الْمُسْتَحْلِفِ إِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهَا، وَإِلَّا فَالْعِبْرَة
بِقَصْدِ الْخَالِفِ فَلَهُ التَّوْرِبَةِ. قَالَهُ الْقَارِيّ.
(١) أخرجه مسلم (٤٣٦١)، والترمذي (١٦١٥).
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٥٠)، ومسلم (١٦٥٥)، وأحمد (٨١٩٣)، وأبو عوانة (٥٩٦٢)، والبيهقي
(١٩٦٣٧).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٥٣)، وأحمد (٧١١٩)، وأبو داود (٣٢٥٥)، وابن ماجه (٢١٢١)، وأبو عوانة
(٥٩٨٥)، والدارقطني (١٥٧/٤).

٥٦٩
کتاب الأيمان والنذور
وَفِي (فَتْحِ الْوَدُود): مَعْنَاهُ: يَمِينك وَاقِعٍ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَلَا تُؤَثِّرِ الثَّوْرِيَةِ فِيهِ،
وَهَذَا إِذَا كَانَ لِلْمُسْتَحْلِفِ حَقُّ اِسْتِحْلَافٍ، وَإِلَّا فَالتَّوْرِيَةِ نَافِعَة قَطْعًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَل
حَدِيث: ((إِنَّهُ أَخِي لِذَلِكَ)). اِنْتَهَى. [عون (٢٤٣/٧)].
٣٤١٦ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ] (١).
(الْيَمِين عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ) قَالَ الْقَارِيّ: أي: إِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلتَّحْلِيفِ،
وَالْمَعْنَى: إِنَّ النَّظَرِ وَالإِعْتِبَارِ فِي الْيَمِين عَلَى نِيَّةٍ طَالِب الْحِنْثِ، فَإِنْ أَضْمَرَ الْحَالِفِ
تَأْوِيلاً عَلَى غَيْرِ نِيَّة الْمُسْتَحْلِفِ لَمْ يَسْتَخْلِص مِن الْحِنْث، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد. إِنْتَهَى.
قَالَ فِي ((النَّيْلِ)): فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الإِعْتِبَارِ بِقَصْدِ الْمُحَلِّف مِنْ غَيْرِ فَرْق بَيْنِ أَنْ
يَكُونِ الْمُحَلِّفِ هُوَ الْحَاكِمْ أَو الْغَرِيمِ، وَبَيْنِ أَنْ يَكُونِ الْمُحَلِّفِ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا
صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا.
وَقِيلَ: هُوَ مُقَيَّد بِصِدْقِ الْمُحَلِّف فِيمَا إِذَّعَاهُ، أَمَّا لَوْ كَانَ كَاذِبًا كَانَ الإِعْتِبَارِ بِنِيَّةِ
الحالِف.
قَالَ النَّوَوِيّ: وَالْحَاصِلِ أَنَّ الْيَمِين عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ فِي كُلّ الْأَحْوَال إِلَّا إِذَا
إِسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ فِي دَعْوَى تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَالتَّوْرِيَة وَإِنْ كَانَ لَا يَحْنَث بِهَا فَلَا يَحُوزِ فِعْلَهَا حَيْثُ يَبْطُل بِهَا حَقّ
الْمُسْتَحْلِفِ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ حَكَّى الْقَاضِي عِيَاضِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْحَالِفِ مِنْ غَيْرِ إِسْتِحْلَاف، وَمِنْ
غَيْرِ تَعَلُّق حَقٌ بِيَمِينِهِ لَهُ نِيَّتِه وَيُقْبَل قَوْله، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِغَيْرِهِ حَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا خِلَاف
أَنَّهُ يَحْكُم عَلَيْهِ يَمِينه بِظَاهِرٍ سَوَاء حَلَفَ مُتَبَرِّعًا أَوْ بِاسْتِحْلَافِ. إِنْتَهَى. [عون
(٢٤٣/٧)].
٣٤١٧ . [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَا
(١) أخرجه مسلم (١٦٥٣)، وابن ماجه (٢١٢٠).

٥٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
يُؤَاخِذُ كُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللّهِ، وَبَلَى وَالله.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) لَفْظُ ((المصَابِيح)) وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ،
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا] (١).
(قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللّه، وَبَلَى وَالله) أي: فيما يظن أنه صادق فيه على الماضي،
وعند الشافعي سواء كانت في الماضي أو المستقبل.
وفيها قول ثانٍ: روي عن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين أن يحلف الرجل على
الشيء يعتقد أنه کما حلف علیه، ثم يوجد على غير ذلك.
وروي هذا القول أيضًا عن عائشة، ذكره ابن وهب عن عمر بن قيس، عن
عطاء، عن عائشة. وروى مثله أيضًا إسماعيل القاضي عن النخعي، والحسن وقتادة،
وهو قول ربيعة، ومكحول، ومالك، والليث، والأوزاعي.
وقال أحمد بن حنبل: اللغو: الوجهان جميعًا.
وجعل مالك: ((لا والله)، و(بلى والله)) موضوعة لليمين، ورأى فيها الكفارة إلا ألا
يراد به اليمين، وجعلها الشافعي ومن لم ير فيها الكفارة موضوعة لغير اليمين إلا أن
يراد بها اليمين، ورأى الشافعي في اللغو الذي عند مالك الكفارة؛ لأن حقيقة اللغو
عند الشافعي ما لم يقصد له الحالف لكن سبق لسانه، كأنه يريد أن يتكلم بشيء
فتبدر منه اليمين.
قال إسماعيل: وأعلى الرواية وأمثلها في تأويل الآية أن ما جاء في قول الرجل: لا
والله، وبلى والله، وهو لا يريد اليمين فلم يكن عليه يمين؛ لأنه لم ينوها، وقال
رسول الله وسلم: ((الأعمال بالنيات)) وما جرى على لسان الرجل من قول لم يقصده، ولا
نواه سقطت عنه الكفارة؛ إذا جعل بمنزلة من لم يحلف.
ألا ترى قول أبي قلابة في قوله: ((لا والله)) و(بلى والله)): إنهما من لغة العرب
(١) أخرجه البخاري (٤٦١٣)، والبيهقي (٢٠٤٢٧).

٥٧١
کتاب الأيمان والنذور
ليست بیمین.
وقال غيره: في اللغو ثلاثة أقوال غير هذين، أحدها: ما رواه طاوس عن ابن
عباس، قال: اللغو أن يحلف الرجل وهو غضبان.
والثاني: قال الشعبي: اللغو في اليمين: كل يمين على معصية فليس لها كفارة، ثم
قال: لمن يُكفر، للشيطان؟!
والثالث: قول سعيد بن جبير: هو تحريم الحلال، كقول الرجل: ((هذا الطعام عليَّ
حرام» فيأكله، فلا كفارة عليه.
قال إسماعيل بن إسحاق: وقول سعيد بن جبير ليس على مجرى ما ذهب إليه
أهل العلم في ذلك. ولا حجة له، وإنما يرجع معنى قوله إلى معنى الحديث الذي فيه:
((فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه)) لأن من حلف ألا يأكل طعامًا أو لا يدخل
على أخيه، فقد حرم على نفسه ما أحل الله له.
قال غيره: وأما قول ابن عباس: ((اللغو يمين الغضبان)) فإنما يشبه الغاضب بمن
لم يقصد إلى اليمين ولا أراده، وكأنه غلبه الغضب، فهو كمن لم ينو اليمين فلا كفارة
عليه، وهذا معنى ضعيف؛ لأن جمهور الفقهاء على أن الغاضب عندهم قاصد إلى
أفعاله، والغضب يزيده تأكيدًا وقوة في قصده. [ابن بطال (١٢٧/١١)].
(الفصل الثاني)
٣٤١٨ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَخْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا
بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالأَنْدَادِ وَلَا تَخْلِفُوا إِلَّا بِالله وَلَا تَخْلِفُوا بِاللهِ إِلَّ وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ)). رَوَاهُ
أبو داود وَالنَّسَائِيُّ](١).
٣٤١٩ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٤٨)، والنسائي (٣٧٦٩)، والبيهقي (١٩٦١٣)، وأبو يعلى (٦٠٤٨)، والطبراني
في «الأوسط)» (٤٥٧٥)، وابن حبان (٤٣٥٧).

٥٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
((مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](١).
٣٤٢٠ [وَعَنِ بُرَيْدَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا)).
رَوَاهُ أبو داود](٩).
(مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا) أي: مِمَّنِ اِقْتَدَى بِطَرِيقَتِنَا.
قَالَ الْقَاضِي: أي: مِنْ ذَوِي أُسْوَتَنَا بَلْ هُو مِن الْمُتَشَبِّهِينَ بِغَيْرِنَا، فَإِنَّهُ مِنْ دَيْدَن أَهْل
الْكِتَابِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ. قَالَهُ الْقَارِي.
وَقَالَ فِي «النَّهَايَة): يُشْبِهِ أَنْ تَكُون الْكَرَاهَة فِيهِ؛ لِأَجْلِ أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يَحْلِفِ بِأَسْمَاءِ الله
وَصِفَاتِهِ، وَالْأَّمَانَةِ أَمْرِ مِنْ أُمُورهِ، فَنُهُوا عَنْهَا مِنْ أَجْلِ التَّسْوِيَةِ بَيْنِهَا وَبَيْنِ أَسْمَاءَ الله تَعَالَى، كَمَا
نُهُوا أَنْ يَخْلِفُوا بِآبَائِهِمْ، وَإِذَا قَالَ الْخَالِفِ: وَأَمَانَةِ اللهِ كَانَتْ يَمِينًا عِنْدِ أَبِي حَنِيفَةٍ، وَالشَّافِعِيّ لَا
يَعُدّهَا يَمِينَا، وَالْأَمَانَة تَقَع عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالنَّقْدِ وَالْأَمَانِ، وَقَدْ جَاءَ فِي كُلّ مِنْهَا
حَدِيث. [عون المعبود (٢٣٩/٧)].
٣٤٢١ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((مَنْ قَالَ: إِنِي بَرِيءُ مِنَ الإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ
كَاذِبًا فَهُو كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ يَعُدْ إِلَى الإِسْلَامِ سَالِمًا)). رَوَاهُ أَبو داودٍ وَالنَّسَانِيُّ وَابْنُ
مَاجَە](٣).
(إِّ بَرِيءٍ مِن الْإِسْلَامِ) أي: لَو فَعَلْت كَذَا أَوَلَمْ أَفْعَلهُ.
(فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا) أي: فِي حَلِفِه (فَهُو كَمَا قَالَ) فِيهِ مُبَالَغَة تَهْدِيد وَزَجْرِ، مَعَ التَّشْدِيد
عَنْ ذَلِكَ الْقَوْل.
قَالَ الْحَافِظ: قَالَ اِبْنِ الْمُنْذِرِ: أُخْتُلِفَ فِيمَنْ قَالَ: أَكْفُر بِاللهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِنْ فَعَلْت ثُمَّ
(١) أخرجه الطيالسي (١٨٩٦)، وأحمد (٦٠٧٢)، والترمذي (١٥٣٥) وقال: حسن. وأبو داود (٣٢٥١)،
والحاكم (٤٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (١٩٦١٤)، والضياء (٢٠٥)، وأبو
عوانة (٥٩٦٧)، وابن حبان (٤٣٥٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢٥٣)، والبيهقي (١٩٦٢١).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٦٠)، والنسائي (٣٧٧٢)، وابن ماجه (٢١٠٠)، والحاكم (٧٨١٨) وقال:
صحيح على شرط الشيخين.

٥٧٣
کتاب الأيمان والنذور
فَعَلَ، فَقَالَ إِبْنِ عَبَّاس وَأبو هريرة وَعَطَاء وَقَتَادَةِ وَجُمْهُورِ فُقَهَاء الْأَمْصَارِ: لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ وَلَا
يَكُون كَافِرًا إِلَّ إِنْ أَضْمَرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحْتَفِيَّةِ وَأَحْمَدٍ وَإِسْحَاق: هُو يَمِين وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةِ.
قَالَ إِبْنِ الْمُنْذِر: وَالْأَوَّلِ أَصَحْ لِقَوْلِهِ: ((مَنْ حَلَف بِاللَّتِي وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَه إِلَّ الله))
وَلَمْ يَذْكُر كَفَّارَةٍ زَادَ غَيْرِهِ، وَلِذَا قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُو كَمَا قَالَ)) فَأَرَادَ
التَّغْلِيظِ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَا يَجْتَرِئْ أَحَد عَلَيْهِ اِنْتَهَى.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْبَرَاءَةِ مِن الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَأْتُمْ وَلَا تَلْزَمهُ
الْكَفَّارَة؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَ عُقُوبَتِهَا فِي دِينِهِ وَلَمْ يَجْعَل فِي مَاله شَيْئًا. اِنْتَهَى.
(وَإِنْ كَانَ صَادِقًا) أي: فِي حَلِفِه؛ يَعْنِي: مَثَلاً حَلَفَ إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَأَنَا بَرِيءٍ مِن
الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَفْعَل فَبَرَّفِي يَمِينِه (سَالِمًا) لِأَنَّ فِيهِ نَوْعِ اِسْتِخْفَاف بِالْإِسْلَامِ، فَيَكُون بِنَفْسِ هَذَا
الْخَلِف آئِمًا. [عون المعبود (٢٤٦/٧)].
٣٤٢٢ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا اجْتَهَدَ فِي الْتَمِينِ قَالَ:
(وَلَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ). رَوَاهُ أبو داود](١).
٣٤٢٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللهِوَّهِ إِذَا حَلَفَ: ((لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللّهَ).
رَوَاهُ أبو داود وَابْنُ مَاجَه](٢).
٣٤٢٤ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ
شَاءَ اللهُ، فَلَا حِنْتَ عَلَيْهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داود وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ، وَذَكَرَ
التّرْمِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ](٣).
(ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله) فيه دَلِيل عَلَى أَنَّ التَّقْبِيدِ بِمَشِيئَةِ الله تَعَالَى مَانِعٍ مِن إِنْعِقَاد
(١) أخرجه أحمد (١١٧٥٥)، وأبو داود (٣٢٦٦)، والبيهقي (٢٠٣٠٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢٦٧)، وابن ماجه (٢١٧١).
(٣) أخرجه الترمذي (١٦١٦)، وأبو داود (٣٢٦٣)، والنسائي (٣٨٧١)، وابن ماجه (٢١٨٩)، والدارمي
(٢٣٩٧).

٥٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الْيَمِينِ أَو يَحِلّ انْعِقَادَهَا، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جُمْهُور الْعُلَمَاءِ، وَادَّعَى عَلَيْهِ إِبْنِ الْعَرَبِيّ الْإِجْمَاع،
قَالَ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ قَوْله: ((إِنْ شَاءَ الله)) يَمْنَعِ اِنْعِقَاد الْيَمِين بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُتَّصِلاً، قَالَ:
وَلَوْ جَازَ مُنْفَصِلاً كَمَا رَوَى بَعْض السَّلَف لَمْ يَحْنَث أَحَدِ قَطْ فِي يَمِين، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى كَفَّارَة.
قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي الإِتِّصَالِ، فَقَالَ مَالِك وَالْأَ وْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُورِ، وهو أَنْ يَكُون
قَوْله: ((إِنْ شَاءَ الله)) مُتَّصِلاً بِالْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ سُكُوت بَيْنِهِمَا، وَلَا يَضُرّ سَكْتَةِ النَّفْس.
وَقَالَ طَاؤُسْ وَالْحَسَنِ وَجَمَاعَةٍ مِنِ التَّابِعِينَ: إِنَّ لَهُ الإِسْتِثْنَاءِ مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسه.
وَقَالَ قَتَادَةٍ: مَا لَمْ يَقُمْ أَوْ يَتَكِلَّم.
وَقَالَ عَطَاء: قَدْرِ حَلْبَةِ نَاقَةِ.
وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر: يَصِحّ بَعْد أَرْبَعَةِ أَشْهُر.
وَعَن ◌ِبْنِ عَبَّاس لَهُ الإِسْتِثْنَاءِ أَبَدًا، وَلَا فَرْق بَيْنِ الْحُلِفِ بِالله أَو بِالظَّلَاقِ أَو الْعَتَاقِ أَنَّ
التَّقْيِيد بِالْمَشِيئَةِ يَمْنَعِ الإِنْعِقَادِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورِ، وَبَعْضهمْ فَصَّلَ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَد
الْعَتَاقِ، قَالَ: لِحَدِيثِ: ((إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٍ إِنْ شَاءَ الله لَمْ تَظْلُقٍ، وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرّ إِنْ
شَاءَ اللّه فَإِنَّهُ حُرّ)) وَهَذَا الْحَدِيث أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (سُنَنه) وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ خُمَيْدُ بْنِ مَالِك وهو
مَجْهُول، وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامِ الْحَافِظِ فِي الْفَتْحِ وَالشَّوْكَائِيّ فِي (التَّيْل)) آخِذًا مِنْهُ. [عون المعبود (٧)
٢٧٤)].
(الفصل الثالث)
٣٤٢٥ - [عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفٍ بن مَالِكِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَرَيْتَ
ابْنَ عَمِّ لِي أَتَيْتُهُ أَسْأَلُ فَلَا يُعْطِينِي وَلَا يَصِلُنِيِ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَّ فَيَأْتِي فَيَسْأَلْنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَلَّا
أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الَّذِي هُو خَيْرٌ وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي. رَوَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ،
وِفِي رِوايَةٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَأْتِينِ ابْنُ عَمِّي فَأَحْلِفُ أَلَّا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ. قَالَ:
(كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ)](١).
(١) أخرجه النسائي (٣٧٩٧)، وابن ماجه (٢١٨٧).

(باب في النذور)
(الفصل الأول)
٣٤٢٦ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﴾ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (لَا تَنْذُرُوا فَإِنَّ
الَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْتَخِيلِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
قَالَ الْمَازِرِيّ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب النَّهْي عَنْ كَوْنِ النَّذْرِ يَصِير مُلْتَزَمَا لَهُ،
فَيَأْتِي بِهِ تَكَلُّفَا بِغَيْرِ نَشَاطِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ سَبَبِهِ كَوْنِه يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ الَّتِي
إِلْتَزَمَهَا فِي نَذْرِهِ عَلَى صُورَة الْمُعَاوَضَة لِلْأَمْرِ الَّذِي طَلَبَهُ فَيَنْقُصِ أَجْرِهِ، وَشَأْنِ الْعِبَادَةِ أَنْ
تَكُون مُتَمَخِّضَة لله تَعَالَى.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ: وَيَحْتَمِلِ أَنَّ النَّهْي لِكَوْنِهِ قَدْ يَظُنّ بَعْض الْجَهَلَةِ أَنَّ النَّذْر
يَرُدّ الْقَدَرِ، وَيَمْنَع مِنْ حُصُولِ الْمُقَدَّرِ فَنَهَى عَنْهُ خَوْفًا مِنْ جَاهِلِ يَعْتَقِد ذَلِكَ، وَسِيَاق
الْحَدِيث يُؤَيِّد هَذَا، وَالله أَعْلَم. [النووي ٣/٦].
٣٤٢٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ ﴿ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ،
وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٤).
(مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعِ الله فَلْيُطِعْهُ .. إِلَغْ) الطَّاعَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُون فِي وَاجِب أَو
مُسْتَحَبّ، وَيُتَصَوَّرِ النَّذْرِ فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ بِأَنْ يُؤَقِّتَهُ، كَمَنْ يَنْذُرِ أَنْ يُصَلِيِّ الصَّلَاةَ فِي
أَوَّل وَقْتَهَا فَيَجِب عَلَيْهِ ذَلِكَ بِقَدْرٍ مَا أَقَّتَهُ، وَأَمَّ الْمُسْتَحَبّ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّة
(١) أخرجه مسلم (١٦٤٠)، والترمذي (١٥٣٨) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٣٨٠٥)، وأحمد
(٩٣٢٩)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٣١٣)، وأبو عوانة (٥٨٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٢٢)، وأحمد (٢٤١٢١)، وأبو داود (٣٢٨٩)، والترمذي (١٥٢٦) وقال: حديث
حسن صحيح. والنسائي (٣٨٠٦)، وابن ماجه (٢١٢٦)، وابن حبان (٤٣٨٩)، ومالك (١٠١٤)،
والشافعي (٣٣٩/١)، وإسحاق بن راهويه (٩٤٤)، وابن أبي شيبة (١٢١٤٦)، والدارمي (٢٣٣٨)،
وأبو عوانة (٥٨٥٢)، والطحاوي (١٣٣/٣)، والبيهقي (١٨٦٣٢).
- ٥٧٥ -

٥٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَالْبَدَنِيَّةِ فَيَنْقَلِبِ بِالنَّذْرِ وَاجِبًا وَيَتَقَيِّدِ بِمَا قَيِّدَهُ بِهِ النَّاذِرِ، وَالْخَبَرِ صَرِيحٍ فِي الْأَمْرِ بِوَفَاءٍ
النَّذَّرِ إِذَا كَانَ فِي طَاعَة، وَفِي النَّهْي عَنْ تَرْكِ الْوَفَاء بِهِ إِذَا كَانَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَهَلْ يَجِب فِي
الثَّانِي كَفَّارَةُ يَمِين أَولَا؟ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ .. وهو نَذْرِ الْمُبَاحِ.
وَقَدْ قَسَمَ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ الطَّاعَةِ إِلَى قِسْمَيْنِ: وَاجِب عَيْنًا فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ الَّذْر
كَصَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلاً وَصِفَة فِيهِ فَيَنْعَقِدِ كَإِيقَاعِهَا أَوَّل الْوَقْت، وَوَاجِب عَلَى الْكِفَايَة
كَالْجِهَادٍ فَيَنْعَقِد، وَمَنْدُوب عِبَادَة عَيْنًا كَانَ، أَو كِفَايَة فَيَنْعَقِد، وَمَنْدُوب لَا يُسَمَّى عِبَادَة
كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَزِيَارَةِ الْقَادِمِ، فَفِي إِنْعِقَاده وَجْهَانِ وَالْأَرْجَحِ إِنْعِقَاده، وهو قَوْل
الْجُمْهُورِ، وَالْحَدِيث يَتَنَاوَلُهُ فَلَا يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ الْخَبَرِ إِلَّ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيل
الْحَاصِل. [فتح (٦٦/١٩)].
٣٤٢٨ - [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي
مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ. رَوَاهُ مُسْلِمْ، وِفِي رِوايَةٍ: (لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللّه))] (١).
٣٤٢٩ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ رَسُولِ الله ◌َ﴿ قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ
الْتَمِينِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ] (٢).
(كَفَّارَة التَّذْرِ كَفَّارَة الْتَمِين) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُرَاد بِهِ، فَحَمَلَهُ جُمْهُور
أَصْحَابِنَا عَلَى نَذْرِ اللَّجَاج، وهو أَنْ يَقُول إِنْسَان يُرِيد الإِمْتِنَاعِ مِنْ كَلَامِ زَيْدِ مَثَلاً: إِنْ
كَلَّمْتِ زَيْدًا مَثَلاً، فَلله عَلَّ حَجَّةٍ أَو غَيْرهَا، فَيُكُلِّمهُ فَهُو بِالْخِيَارِ بَيْنِ كَفَّارَة يَمِین وَبَیْن
مَا إِلْتَزَمَهُ، هَذَا هُو الصَّحِيحِ فِي مَذْهَبَنَا، وَحَمَلَهُ مَالِك وَكَثِيرُونَ أَو الْأَكْثَرُونَ عَلَى النَّذْر
الْمُظْلَقِ، كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْرِ، وَحَمَلَهُ أَحْمَد وَبَعْض أَصْحَابْنَا عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، كَمِنْ نَذَرَ أَنْ
يَشْرَبِ الْخُمْرِ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيث عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّذْرِ، وَقَالُوا:
هُو مُخَيَّر فِي جَمِيع التُّذُورَاتِ بَيْنِ الْوَفَاءِ بِمَا اِلْتَزَمَ، وَبَيْنِ كَفَّارَة يَمِين، وَالله أَعْلَم. [النووي
(٣٤/٦)].
(١) أخرجه مسلم (٤٣٣٣)، وأحمد (١٩٨٧٦)، وأبو داود (٣٣١٦).
(٢) أخرجه مسلم (٤٣٤٢)، وأحمد (١٧٧٦٤)، والنسائي (٣٨٤٨)، وأبو داود (٣٣٢٥).

٥٧٧
كتاب الأيمان والنذور/ باب في النذور
٣٤٣٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ يَخْطُبُ إِذَا هُو
بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: هَذَا أبو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا
يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: (هُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ)). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ] (١).
(فَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ) قد اختلف العلماء في
ذلك، فقال مالك: من نذر معصية كقوله: لله عليَّ أن أشرب الخمر أو أزني أو أسفك
دمًا، فلا شيء عليه وليستغفر الله، استدلالاً بقوله وهل﴾: ((ومن نذر أن يعصي الله فلا
يعصه)» ولم يذكر كفارة.
قال مالك: وكذلك إذا نذر ما ليس لله بطاعة ولا معصية، كقوله: لله عليَّ أن
أدخل الدار أو آكل أو أشرب، فلا شيء عليه أيضًا؛ لأنه ليس في شيء من ذلك لله
طاعة، استدلالاً بحديث أبي إسرائيل.
قال مالك: ولم أسمع رسول الله أمره بكفارة، وقد أمره أن يتم ما كان لله
طاعة، ويترك ما خالف ذلك، وقول الشافعي كقول مالك.
وقال أبو حنيفة والثوري: من نذر معصية كان عليه مع تركها كفارة يمين،
واحتجوا بحديث عمران بن حصين وأبي هريرة أن الرسول قال: ((لا نذر في معصية الله
وكفارته كفارة يمين)) وهذا حديث لا أصل له؛ لأن حديث أبي هريرة إنما يدور على
سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث. [ابن بطال (١٧٠/١١)].
٣٤٣١ [وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَقَالَ: «مَا بَالُ
هَذَا؟)) قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ. قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى عَنْ تَعْذِيبٍ هَذَا نَفْسَهُ
لَغَنِيُّ)» مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٩).
(١) أخرجه البخاري (٦٧٠٤)، وأبو داود (٣٣٠٢)، والبيهقي (٢٠٥٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٢٣) ومسلم (١٦٤٢) وأحمد (١٢٩١٢) وأبو داود (٣٣٠١) والترمذي (١٥٣٧)
والنسائي (٣٨٥٢) وابن خزيمة (٣٠٤٤) وابن حبان (٤٣٨٢) وعبد بن حميد (١٢٠١)، وأبو عوانة
=

٥٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
٣٤٣٢ - [وِفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ، فَإِنَّ اللهَ
غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرٍكَ))](١).
(يُهَادَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُول (بَيْن إِبْنَيْهِ) أي: يَمْشِي بَيْنِ وَلَدَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا
مِنْ ضَعْف (فَسَأَلَ عَنْهُ) وَلَفْظِ الْبُخَارِيّ: «مَا بَالِ هَذَا» (فَقَالُوا: فَذَرَ أَنْ يَمْشِي) أي: إِلَى
الْبَيْتِ الْحَرَامِ (هَذَا نَفْسه) نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَب) أي: لِعَجْزِهِ عَنِ
الْمَشْي.
وَفِي رِوَايَة لمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ: ((ارْكَبْ أَيّهَا الشَّيْخِ فَإِنَّ الله غَنِيّ عَنْك)).
قَالَ إِبْنِ الْمَلَك: عَمَل بِظَاهِرِهِ الشَّافِعِيّ، وَقَالَ أبو حنيفة وهو أَحَدِ قَوْلَي الشَّافِعِيّ:
عَلَيْهِ دَم؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا بَعْد ◌ِلْتِزَامه.
قَالَ الْمُظْهِر: اِخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَذَرَ بِأَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْت الله تَعَالَى، فَقَالَ الشَّافِعِيّ:
يَمْشِي إِنْ أَطَاقِ الْمَشْي، فَإِنْ عَجَزَ أَرَاقَ دَمًا وَرَكِبَ.
وَقَالَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَة: يَرْكَب وَيُرِيقِ دَمَّا سَوَاء أَطَاقَ الْمَشْي أَو لَمْ يُطِفْهُ.
اِنْتَهَى.
قَالَ الْمِزَّ فِي ((الْأَظْرَاف)): حَدِيث أَنَس أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْحَجّ وَفِي الْأَيْمَانِ
وَالتُّذُورِ، وَمُسْلِمٍ فِي التُّذُورِ وَأبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ. إِنْتَهَى
مُخْتَصَرًا. [عون المعبود (٢٨٨/٧)].
٣٤٣٣ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﴾ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ نَّهِ فِي نَذْرٍ كَانَ
عَلَى أُمِّهِ فَتُؤُفَّتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
٣٤٣٤ - [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أُنْخَلِعَ
-
(٥٨٥٤) وأبو يعلى (٣٨٤٢) والبيهقي (١٩٨٩٦).
(١) أخرجه مسلم (١٦٤٣) وابن ماجه (٢١٣٥) والدارمي (٢٣٣٦) وابن خزيمة (٣٠٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٩٨) ومسلم (٤٣٢٣) وأحمد (٣١٠٤) والترمذي (١٦٣٢) والنسائي (٣٦٧٢)،
وابن ماجه (٢٢١٤).