النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٣٩ كتاب الفرائض والوصايا إنكم أتقرؤون هذه الآية هل تدرون معناها؟ فالوصية مقدمة على الدين في القراءة، متأخرة عنه في القضاء، والآخرة فيها مطلق يوهم التسوية، فقضى رسول الله وليه بتقديم الدين عليها، وقضى في الاخوة بالفرق. انتهى. (دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ) هم الاخوة لأب وأمهات شتى؛ والمعنى أن بني الأعيان إذا اجتمعوا مع بني العلات، فالميراث لبني الأعيان لقوة القرابة وازدواج الوصلة. [الأحوذي (٢٢٦/٦)]. ٣٠٥٨ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالاً، وَلَا تُنْكَحَانِ إِلَّا وَلَهُمَا مَالَّ، قَالَ: يَقْضِي اللّهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَ إِلَى عَمِّهِمَا فَقَالَ: أَعْطِ لابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه، وَقَالَ التِّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ]. ٣٠٥٩ - [وَعَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنِ ابْنَةٍ وَبِنتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلبَنتِ النّصْفُ وَلِلأُخْتِ النّصْفُ، وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ ◌َّهِ لِلبَنْتِ النَّصْفُ، وَلَإِبْنَةِ ابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ، فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْخَبْرُ فِيكُمْ(٢) . رَوَاهُ الْهُخَارِيُّ]. قال ابن بطال: لا خلاف بين الفقهاء وأهل الفرائض في ميراث ابنة الابن مع الابنة، فأبو موسى قد رجع إذ خُصم بالسنة. (١) أخرجه أحمد (١٥١٧٨) والترمذي (٢٢٣٦) وأبو داود (٢٨٩٣) وابن ماجه (٢٨٢٤) والبيهقي في ((سننه)) (١٢٥٨١). (٢) أخرجه البخاري (٦٧٣٦). ٣٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن وفيه: إن العالم قد يقول فيما يسأل عنه وإن لم يحط بالسنن، ولو لم يقل العالم حتى يحيط بالسنن ما تكلم أحد في الفقه. وفيه: إن الحجة عند التنازع إلى سنة النبي وَلّ، وأنه ينبغي للعالم الانقياد إليها، وأن صاحبها حبر، ألا ترى شهادة أبي موسى لابن مسعود لما خصمه بالسنة أنه حبر. وفيه: ما كانوا عليه من الإنصاف والاعتراف بالحق لأهله، وشهادة بعضهم لبعض بالعلم والفضل. [٣٨٤/١٥]. ٣٠٦٠ [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى رَسُولِ الله ◌َّهِ فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي مَاتَ فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ قَالَ: لَكَ السُّدُسُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ قَالَ: لَكَ سُدُسَّ آخَرُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ قَالَ: إِنَّ السُّدُسَ الآخَرَ طُعْمَةٌ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتَّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ، وَقَالَ التَّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ]. (إِنَّ إِبْن إِبْنِي مَاتَ فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثه) أي: وَلَهُ بِنْتَانٍ وَلَهُمَا الثُّلْتَانِ، وَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدِهِمْ. قَالَهُ الْقَارِي (لَك السُّدُس) أي: بِالْفَرْضِيَّةِ (فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ قَالَ: لَكَ سُدُسُ آخَرُ) أي: بِالْعُصُوبَةِ (إِنَّ السُّدُسِ الْآخَر) ضُبِطَ فِي بَعْض النُّسَخِ بِفَتْحِ الْخَاءِ، وَقَالَ الْقَارِي فِي «الْمِرْقَاة)» بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَفِي نُسْخَة بِالْفَتْحِ، وَالْمُرَاد بِهِ (الْآخِر)) بِالْكَسْرِ (طُعْمَة) أي: لَك؛ يَعْنِي: رِزْق لَك بِسَبَبٍ عَدَم كَثْرَة أَصْحَابِ الْفُرُوض وَلَيْسَ بِفَرْضٍ لَك، فَإِنَّهُمْ إِنْ كَثُرُوا لَمْ يَبْقَ هَذَا السُّدُسِ الْأَخِيرِ لَك. قَالَ الطَّيبِيُّ رَحِمَهُ الله: صُورَة هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَيِّتِ تَرَكَ بِنْتَيْنِ وَهَذَا السَّائِل، فَلَّهُمَا الثُّلُثَانِ وَبَقِيَ الثُّلُثِ، فَدَفَعَ وَّهِ إِلَى السَّائِلِ سُدُسًا بِالْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ جَدّ الْمَيِّت وَتَرَّكَهُ حَتَّى ذَهَبَ، فَدَعَاهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِ السُّدُسِ الْأَخِيرِ كَيْلَا يَظُنّ أَنَّ فَرْضِه الثُّلُث. وَمَعْنَى الطُّعْمَةِ هُنَا: التَّعْصِيب؛ أي: رِزْق لَك لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي السُّدُس الْآخَر: طَعْمَة دُون الْأَوَّل؛ لِأَنَّهُ فَرْض وَالْفَرْض لَا يَتَغَيَّر بِخِلَافِ التَّعْصِيبِ، فَلَمَّا لَمْ (١) أخرجه أحمد (٢٠٤٥٠) والترمذي (٢٢٤٥) وأبو داود (٢٨٩٨) والدارقطني (٤١٥٤) والبيهقي في ((سننه)» (١٢٧٧٩). ٣٤١ كتاب الفرائض والوصايا يَكُنِ التَّعْصِيبِ شَيْئًا مُسْتَقِرًّا ثَابِتًّا سَمَّاهُ: طَعْمَة. اِنْتَهَى. ٣٠٦١ - [وَعَنْ قَبِيصَةَ بن ذُؤَيْبٍ، قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرِ هِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللّهِ شَيْءُ، وَمَا لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِه شَيْءِ، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ الله وَه فَأَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﴾: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بِن مَسْلَمَةَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ﴾ِ، ثُمّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ * تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا(١). رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالدَّارِيُّ وَابْنُ مَاجَه]. ٣٠٦٢ [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ فِي الْجَدَّةِ مَعَ ابْنِهَا: إِنَّهَا أَوَّلُ جَدَّةٍ أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللهِ وَِّ سُدُسًّا مَعَ ابْنِهَا وَابْنُهَا حَيُّ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ ضَعَّفَهُ]. ٣٠٦٣. [وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ وَرِّثِ امْرَأَةً أَشْيَمَ الضُّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا(٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ صَحِيحٌ]. ٣٠٦٤ [ وَعَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَ مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: هُوَّ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ(٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ]. (وَعَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ) قال الحافظ: هُوَ إِبْنِ أَوْس بْنِ خَارِجَة بْنِ سَوَاد اللَّخْمِيّ، ثُمَّ (١) أخرجه مالك (١٠٨٠) وأحمد (١٨٤٦٥) والترمذي (٢٢٤٧) وأبو داود (٢٨٩٦) وابن ماجه (٢٨٢٨) والدارمي (٢٩٩٥) والبيهقي في «سننه» (١٢٧١٠). (٢) أخرجه الترمذي (٢٢٤٨) والدارمي (٢٩٨٨) والبيهقي في «سننه» (١٢٦٥٤). (٣) أخرجه الترمذي (١٤٧٨) وأبو داود (٢٩٢٩) وابن ماجه (٢٧٤٤). (٤) أخرجه أحمد (١٦٩٨٦) وأبو داود (٢٩١٨) والترمذي (٢٢٥٨) وابن ماجه (٢٧٥٢) والدارمي (٣٠٣٣) والدارقطني (٣١) والطبراني (١٢٧٢) وابن أبي شيبة (٣١٥٧٦). ٣٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن الدَّارِيّ نُسِبَ إِلَى بَنِي الدَّارِ بْنِ لَخٍَّ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَيَتَعَاطَى التّجَارَةِ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يُهْدِي لِلنَّبِّ وََّ فَيَقْبَلُ مِنْهُ، وَكَانَ إِسْلَامِه سَنَةَ تِسْعٍ مِن الْهِجْرَةِ، وَقَدْ حَدَّثَ النَّبِيّ وَّهِ أَصْحَابَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنْ تَمِيمٍ بِقِصَّةِ الْجَسَّاسَة وَالدَّجَّالِ، وَعُدَّ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِه، وَفِي رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ، وَقَدْ وُجِدَتْ رِوَايَة النَّبِيّ ◌َ﴿ عَنْ غَيْرِ تَمِيمٍ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَبْد الله بْن مَنْدَهْ فِي ((مَعْرِفَة الصَّحَابَة)) فِي تَرْجَمَة زُرْعَة بْنِ سَيْف بْن ذِي يَزَنْ، فَسَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى زُرْعَة أَنَّ النَّبِيّ ◌َهَ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا وَفِيهِ: ((وَأَنَّ مَالِك بْن مَزْرَدِ الرُّهَاوِيَّ قَدْ حَدَّثَنِي أَنَّكَ أَسْلَمْت، وَقَاتَلْتِ الْمُشْرِكِينَ فَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ ... )). وَكَانَ تَمِيمُ الدَّارِيّ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ وَلَهُ مَنَاقِبُ، وَهُوَ أَوَّل مَنْ أَسْرَجَ الْمَسَاجِدَ، وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى عَلَى النَّاسِ أَخْرَجَهُمَا الطَّبَرَانِيُّ، وَسَكَنَ تَمِيمٍ بَيْت الْمَقْدِس، وَكَانَ سَأَلَ النَّبِيّ ◌َِّ أَنْ يُقْطِعَهُ عُيُون وَغَيْرِهَا إِذَا فُتِحَتْ فَفَعَلَ، فَتَسَلَّمَهَا بِذَلِكَ لَمَّا فُتِحَتْ فِي زَمَن عُمَر، ذَكَرَ ذَلِكَ إِبْنِ سَعْد وَغَيْرِه، وَمَاتَ تَمِيم سَنَة أَرْبَعِينَ. وَقَوْله: ((رَفَعَهُ)) هُوَ فِي مَعْنَى قَوْلهُ: قَالَ رَسُولِ اللهِ وَه وَنَحْوِهَا، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبُخَارِيّ فِي (تَارِيخِه)) وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْن أَبِي عَاصِم وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَاغَنْدِيّ فِي ((مُسْنَد عُمَرِ بْن عَبْد الْعَزِيز)) بِالْعَنْعَنَةِ، كُلّهِمْ مِنْ طَرِيق عَبْد الْعَزِيزِ بْنِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ قَالَ: سَمِعْتِ عُبَيْد الله بْن مَوْهِب يُحَدِّث عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ قَبِيصَة بْنِ ذُؤَيْب عَنْ تَمِیم الدَّارِيّ. (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ◌َِّ: مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ) قَالَ الْبُخَارِيّ: قَالَ بَعْضِهِمْ عَن إِبْن مَوْهِب سَمِعَ تَمِيمًا، وَلَا يَصِحّ لِقَوْلِ النَّبِيّ ◌ََّ: ((الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ)). وَقَالَ الشَّافِعِيّ: هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِثَابِتٍ إِنَّمَا يَرْوِيِهِ عَبْد الْعَزِيزِ بْنِ عُمَر عَن إِبْنِ مَوْهِب، وَابْنِ مَوْهِب لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا نَعْلَمِهُ لَقِيَ تَمِيمًا، وَمِثْلِ هَذَا لَا يَثْبُت. وَقَالَ الْخُطَّابِيُّ: ضَعَّفَ أَحْمَد هَذَا الْحَدِيث. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدِ وَالدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَة وَكِيعِ وَغَيْرهِ عَنْ ٣٤٣ كتاب الفرائض والوصايا عَبْد الْعَزِيز عَن إِبْن مَوْهِب عَنْ تَمِيمٍ، وَصَرَّحَ بَعْضهمْ بِسَمَاعِ إِبْنِ مَوْهِب مِنْ تَمِيم، وَأَمَّا التِّرْمِذِيّ فَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِلٍ، قَالَ: وَأَدْخَلَ بَعْضهمْ بَيْن إِبْنِ مَوْهِب وَبَيْن تَمِيمٍ قَبِيصَة رَوَاهُ نَخْتَ بْن حَمْزَة. قُلْت: وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ مَنْ بَدَأْتِ بِذِكْرِهِ، وَقَالَ بَعْضهمْ: إِنَّهُ تَفَرَّدَ فِيهِ بِذِكْرٍ قَبِيصَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقِ السَّبِيعِيُّ عَن إِبْنِ مَوْهِب بِدُونِ ذِكْر تَمِيم، أُخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا. وَقَالَ إِبْنِ الْمُنْذِرِ: هَذَا الْحَدِيثِ مُضْطَرِبُ: هَلْ هُوَ عَنِ إِبْنِ مَوْهِب عَنْ تَمِيمٍ أَوْ بَيْنَهُمَا قَبِيصَةُ؟ وَقَالَ بَعْض الرُّوَاةِ فِيهِ: عَنْ عَبْد الله بْن مَوْهِب، وَبَعْضهم إِبْن مَوْهِب، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ رَاوِيِه لَيْسَ بِالْحَافِظِ. قُلْت: هُوَ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَشْرِبَة وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِالْمُكْثِرِ، وَأَمَّا إِبْن مَوْهِب فَلَمْ يُدْرِكْ تَمِيمًا، وَقَدْ أَشَارَ النَّسَائِيُّ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةِ الَّتِي وَقَعَ النَّصْرِيحِ فِيهَا بِسَمَاعِهِ مِنْ تَمِيم خَطَأْ، وَلَكِنْ وَثَّقَهُ بَعْضهمْ، وَكَانَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ وَلَّاهُ الْقَضَاء، وَنَقَلَ أَبُو زُرْعَةِ الدِّمَشْقِيّ فِي (تَارِيخِه)» بِسَنَّدٍ لَهُ صَحِيحٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَدْفَع هَذَا الْحَدِيث، وَلَا يَرَى لَهُ وَجْهَا، وَصَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو زُرْعَة الدّمَشْقِيّ، وَقَالَ: ((هُوَ حَدِيث حَسَنِ الْمَخْرَجِ مُتَّصِل)) وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ: وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّة هَذَا الْخَبَرِ، وَجَزَمَ فِي (التَّارِيخ)) بِأَنَّهُ لَا يَصِحَ لِمُعَارَضَتِهِ حَدِيث: (إِنَّمَا الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ)). وَيُؤْخَذْ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ سَنَدُهُ لَمَا قَاوَمَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَتَرَدُّد ◌ِي الْجَمْعِ هَلْ يَخُصُّ عُمُومِ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّته بِهَذَا، فَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ تُؤَّوَّل الْأَوْلَوِيَّةِ فِي قَوْله: ((أَوْلَى النَّاس)) بِمَعْنَى: النَّصْرَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَا بِالْمِيرَاثِ، وَيَبْقَى الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّته عَلَى عُمُومِه؟ جَنَعَ الْجُمْهُورِ إِلَى الثَّانِي وَرُجْحَانُهُ ظَاهِرٌ، وَبِهِ جَزَمَ إِبْنِ الْقَصَّارِ فِيمَا حَكَاهُ إِبْنِ بَظَّال، فَقَالَ: لَوْ صَحَّ الْحَدِيثِ لَكَانَ تَأْوِيله أَنَّهُ أَحَقٌ بِمُؤَالَاتِهِ فِي النَّصْرِ وَالْإِعَانَةِ وَالصَّلاَة عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ جَاءَ ٣٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن الْحَدِيث بِلَفْظِ: ((أَحَقٌ بِمِيرَائِهِ)) لَوَجَبَ تَّخْصِيص الْأَوَّل، وَالله أَعْلَم. قَالَ اِبْنِ الْمُنْذِر: قَالَ الْجُمْهُورِ بِقَوْلِ الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ حَمَّدٍ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابِهِ وَرُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يَسْتَمِرّ إِنْ عَقَلَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِل عَنْهُ فَلَهُ أَنْ يَتَحَوَّل لِغَيْرِهِ، وَاسْتَحَقَّ الثَّانِي وَهَلُمَّ جَرَّ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ قَوْلٌ آخَر: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّل، وَعَنْهُ: إِن إِسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ مَاتَ تَحَوَّلَ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقٍ وَعُمَر بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَوَفَعَ ذَلِكَ فِي طَرِيقِ الْبَاغَنْدِيّ الَّتِي أَسْلَفْتَهَا، وَفِي غَيْرِهَا أَنَّهُ أَعْطَى رَجُلاً أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُل فَمَاتَ وَتَرَكَ مَالاً وَبِنْنَا نِصْفَ الْمَالِ الَّذِي بَقِيَ بَعْد نَصِيبِ الْبِنْتِ. [(الفتح)) (١٥٧/١٩)]. (مَا السُّنَّةِ فِي الرَّجُلِ) أي: مَا حُكْم الشَّرْعِ فِي الرَّجُلِ الْكَافِرِ (قَالَ) أي: النَّبِيّ (هُوَ) أي: الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ الْكَافِرِ (بِمَحْيَاهُ وَمَمَاته) أي: بِمَنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاته وَمَمَاته. قَالَ الْخَطَّائِيُّ: قَدْ يَخْتَجَ بِهِ مَنْ يَرَى تَوْرِيث الرَّجُل مِمَّنْ يُسْلِمِ عَلَى يَده مِن الْكُفَّار، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابِ الرَّأَي إِلَّا أَنَّهُمْ قَدْ زَادُوا فِي ذَلِكَ شَرْطَا، وَهُوَ أَنْ يُعَاقِدُهُ وَبُوَالِيهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى يَده وَلَمْ يُعَاقِدُهُ وَلَمْ يُوَالِهِ فَلَا شَيْءٍ لَهُ، وَقَالَ إِسْحَاق بْنِ رَاهْوَيْهِ كَقَوْلٍ أَصْحَابِ الرَّأْي إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَالَاةِ. قَالَ الْخَطَائِيُّ: وَدَلَالَةِ الْحَدِيث مُبْهَمَةٍ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يَرِثُهُ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاته، فَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ، وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي رَغْيِ الذَّمَامِ وَالْإِيثَارِ وَالْبِرّ وَالصِّلَةِ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِن الْأُمُورِ، وَقَدْ عَارَضَهُ قَوْله وَّ: ((الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ)) وَقَالَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: لَا يَرِثُهُ. وَضَعَّفَ أَحْمَد بْنِ حَنْبَل حَدِيث تَمِيمِ الدَّارِيّ هَذَا، وَقَالَ: عَبْد الْعَزِيزِ رَاوِيه لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْإِثْقَانِ. اِنْتَفَى. وَقَالَ الشَّيْخِ أَبُو الْبَرَكَاتِ النَّسَفِيّ الْحَنَفِيّ: وَعَقْد الْمُؤَالَة مَشْرُوعَة وَالْوِرَائَة بِهَا ثَابِتَة عِنْد عَامَّة الصَّحَابَة، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، وَتَفْسِيره إِذَا أَسْلَمَ رَجُل أَو إِمْرَأَة لَا وَارِث لَهُ، وَلَيْسَ بِعَرَبِيٌّ وَلَا مُعْتَقِ فَيَقُولِ الْآخَرِ: وَالَيْتُكِ عَلَى أَنْ تَعْقِلُنِي إِذَا جَنَيْت وَتَرِث مِنِّي ٣٤٥ كتاب الفرائض والوصايا إِذَا مُتّ، وَيَقُولِ الْآخَرِ: قَبِلْت اِنْعَقَدَ ذَلِكَ، وَبَرِثِ الْأَعْلَى مِن الْأَسْفَلِ. إِنْتَهَى. [((عون)) (٣٨٩/٦)]. ٣٠٦٥ . [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ رَجُلاً مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا غُلَامًا كَانَ أَعْتَقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: هَلْ لَهُ أَحَدُّ؟ قَالُوا: لَا إِلَّ غُلَامًا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َ مِيرَانَهُ لَهُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ]. ٣٠٦٦ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: يَرِثُ الْوَلَاءَ مَنْ يَرِثُ الْمَالَ (٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ]. الفصل الثالث ٣٠٦٧ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ مِيرَاثٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْ مِيرَاثٍ أَدْرَكَهُ الإِسْلَامُ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةٍ الإِسْلَامِ (٣). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه]. ٣٠٦٨ - [وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ كَثِيرًا يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: عَجَبًا لِلْعَمَّةِ تُورَثُ وَلَا تَرِثُ(٤). رَوَاهُ مَالِكٌ]. ٣٠٦٩ [وَعَنْ عُمَرَ ﴾ قَالَ: تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ، وَزَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَالطَّلَاقَ وَالْحَجَّ، قَالَا: فَإِنَّهُ مِنْ دِينِكُمْ(٥). رَوَاهُ الدَّارِمُّ]. (تَعَلَّمُوا الْفَرَائِض) قال السندي: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَاد بِهَا مَا فَرَضَهُ الله تَعَالَى عَلَى عِبَاده مِن الْأَحْكَامِ، وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى كُوْنهَا نِصْفَ الْعِلْمِ: أَنَّ الْعِلْم بِهَا نِصْفُ عِلْم الشَّرَائِعِ وَالنّصْف الْآخَرِ الْعِلْم بِالْمُحَرَّمَاتِ، وَأَمَّا السُّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ فَهِيَ مِنْ تَوَابِعِ (١) أخرجه أبو داود (٢٩٠٧) والترمذي (٢٢٥٢) وابن ماجه (٢٨٤٦). (٢) أخرجه الترمذي (٢٢٦٠). (٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٤٩). (٤) أخرجه مالك (١٠٨٥). (٥) أخرجه الدارمي (٢٩٠٧ - ٢٩١٢). ٣٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن الْفَرَائِضِ كَمَا أَنَّ الْمَكْرُوهَات تَخْرِيمًا أَوْ تَنْزِيهَا مِنْ تَوَابِعِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهَذَا أَقْرَب إِلَى ظُهُورِ مَعْنَى النَّصْف، وَالْمَشْهُورِ أَنَّ الْمُرَاد بِالْفَرَائِضِ هِيَ السِّهَامِ الْمُقَدَّرَةِ لِلْوَرَثَّةِ مِن التَّرِكَة، وَمَعْنَى كَوْنِهَا نِصْفِ الْعِلْمِ: أَنَّ لِلْإِنْسَانِ حَالَتَيْنِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْت، وَالْفَرَائِض أَحْكَامِ الْمَوْت، وَيَكُونُ لَفْظ ((النَّصْف)) عِبَارَة عَنِ الْقِسْمِ الْوَافِرِ مِن الْقِسْمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَیَا. وَفِي ((حَاشِيَة السُّيُوطِيِّ): قَالَ السُّبْكِيّ فِي ((شَرْحِ الْمِنْهَاجِ)): قِيلَ: جُعِلَ نِصْف الْعِلْم تَعْظِيمًا لَهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مُعَلِّم أَحْكَامِ الْأَمْوَاتِ فِي مُقَابَلَةٍ أَحْكَامِ الْأَحْيَاءِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ إِذَا بُسِطَتْ فُرُوعه وَجُزْئِيَّاته كَانَ مِقْدَار بَقِيَّة أَبْوَابِ الْفِقْهُ، وَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثِ مِن الْمُتَشَابِهِ لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثٍ: «﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدُّ﴾ ثُلُث الْقُرْآن، وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ رُبْع الْقُرْآن)) وَالله أَعْلَم. [((حاشية السندي على ابن ماجه)) (٢٦٠/٥)]. باب الوصايا (الْوَصَايَا) جَمْعٍ: وَصِيَّةٌ كَالْهَدَايَا، وَتُظْلَق عَلَى فِعْلِ الْمُوصِي، وَعَلَى مَا يُوصِي بِهِ مِنْ مَال أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عَهْد وَنَحْوِهِ، فَتَكُون بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْإِيصَاءِ، وَتَكُون بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ الإِسْمِ. وَفِي الشَّرْعِ: عَهْد خَاصّ مُضَافٍ إِلَى مَا بَعْد الْمَوْت، وَقَدْ يَصْحَبُهُ التَّبُرُّع. قَالَ الْأَزْهَرِيّ: الْوَصِيَّةِ مِنْ وَصَيْت الشَّيْءِ بِالتَّخْفِيفِ أُوصِيهِ إِذَا وَصَّلْته، وَسُمِّيَتْ وَصِيَّة؛ لِأَنَّ الْمَيِّتِ يَصِل بِهَا مَا كَانَ فِي حَيَاتِه بَعْد مَمَاته، وَيُقَال: وَصِيَّة بِالتَّشْدِيدِ، وَوَصَاة بِالتَّخْفِيفِ بِغَيْرِ هَمْزِ، وَتُطْلَقِ شَرْعًا أَيْضًا عَلَى مَا يَقَع بِهِ الزَّجْرِ عَنِ الْمَنْهِيَّات، وَالْحَتّ عَلَى الْمَأْمُورَات. الفصل الأول ٣٠٧٠ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (مَا حَقّ إِمْرِئٍ مُسْلِم) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَسَقَطَ لَفْظ ((مُسْلِم)) مِنْ رِوَايَة أَحْمَد عَنْ إِسْحَاقِ بْنِ عِيسَى عَنْ مَالِك، وَالْوَصْف بِالْمُسْلِمِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِب فَلَا مَفْهُومٍ لَهُ، أَوْ ذُكِرَ لِلتَّهْيِيجِ؛ لِتَقَعِ الْمُبَادَرَةِ لِمْتِثَالِهِ لِمَا يَشْعُر بِهِ مِنْ نَفْي الْإِسْلَامِ عَنْ تَارِكَ ذَلِكَ، وَوَصِيَّة الْكَافِرِ جَائِزَةٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَحَكَى إِبْنِ الْمُنْذِرِ فِيهِ الْإِجْمَاعِ، وَقَدْ بَحَثَ فِيهِ السُّبْكِيّ مِنْ جِهَة أَنَّ الْوَصِيَّة شُرِعَتْ زِيَادَة فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْكَافِرِ لَا عَمَل لَهُ بَعْد الْمَوْت، وَأَجَابَ بِأَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّة كَالْإِعْتَاقِ، وَهُوَ يَصِحّ مِن الذِّقِيّ وَالْحَرْبِيّ، وَالله أَعْلَم. (١) أخرجه مالك (١٤٥٨) والبخاري (٢٧٣٨) ومسلم (٤٢٩٤) وأبو داود (٢٨٦٤) وأحمد (٥٦٤٠) والنسائي (٣٦٣٠). - ٣٤٧ - ٣٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن (شَيْءٍ يُوصِي فِيهِ) قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: لَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاة عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا اللَّفْظ، وَرَوَاهُ أَيُّوب عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: (لَهُ شَيْءٍ يُرِيدِ أَنْ يُوصِي فِيهِ) وَرَوَاهُ عُبَيْدِ الله بْن عُمَر عَنْ نَافِعِ مِثْلِ أَيُّوب. أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٍ. وَرَوَاهُ أَحْمَد عَنْ سُفْيَانِ عَنْ أَيُّوب بِلَفْظِ: ((حَقٌّ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ أَلَّا يَبِيتِ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ مَا يُوصِي فِیهِ . .)). وَرَوَاهُ الشَّافِعِيّ عَنْ سُفْيَانِ بِلَفْظِ: ((مَا حَقٌ إِمْرِيءٍ يُؤْمِن بِالْوَصِيَّةِ .... )) قَالَ إِبْنِ عَبْد الْبَرّ: فَسَّرَهُ اِبْنِ عُيَيْنَةَ؛ أي: يُؤْمِن ◌ِأَنَّهَا حَقّ. انتهى. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ عَنْ نَافِعِ بِلَفْظِ: (لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيت لَيْلَتَيْنِ .. )) وَذَكَرَهُ إِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَنْ نَافِعِ مِثْله، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحْسَنِ عَنِ إِبْنِ عُمَر مِثْلِه، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيق رَوْحِ بْن عُبَادَةَ عَنْ مَالِك وَابْنِ عَوْن جَمِيعًا عَنْ نَافِعِ بِلَفْظِ: (مَا حَقٌ إِمْرِئٍ مُسْلِم لَهُ مَالِ يُرِيد أَنْ يُوصِي فِيهِ) وَذَكَرَهُ إِبْن عَبْد الْبَرّ مِنْ طَرِيقِ إِبْن عَوْن بِلَفْظِ: ((لَا يَحِلّ لِمْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مَال)) وَأَخْرَجَهُ الطَّحَارِيُّ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهُ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظه قَالَ أَبُو عُمَر: لَمْ يُتَابِعِ إِبْن عَوْن عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ. قُلْت: إِنْ عَنَى عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِهَا فَمُسْلِمٍ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى يُمْكِن أَنْ يَكُون مُتَحِدًا كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ عَنَى عَنِ اِبْنِ عُمَر فَمَرْدُود لِمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا ذَكَرَ مَنْ رَوَاهُ عَن إِبْنِ عُمَر أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظ. قَالَ إِبْنِ عَبْدِ الْبَرّ: قَوْله: (لَهُ مَال)) أَوْلَى عِنْدِي مِنْ قَوْل مَنْ رَوَى ((لَهُ شَيْء)) لِأَنَّ الشَّيْء يُظْلَق عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِخِلَافِ الْمَالِ، كَذَا قَالَ، وَهِيَ دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا، وَعَلَى تَسْلِيمِهَا فَرِوَايَة (شَيْءٍ)) أَشْمَل؛ لِأَنَّهَا تَعُمّ مَا يُتَمَوَّ وَمَا لَا يُتَمَوَّل كَالْمُخْتَصَّاتِ، وَالله أَعْلَم. (يَبِيت) كَأَنَّ فِيهِ حَذْفًا تَقْدِيره: أَنْ يَبِيت، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِه يُرِيكُمُ الْبَرْق ... ﴾ [الرعد: ١٢] وَيَجُوزِ أَنْ يَكُون (يَبِيت)) صِفَة لمُسْلِمٍ، وَبِهِ جَزَمَ الطَّيِيُّ ٣٤٩ كتاب الفرائض والوصايا/ باب الوصايا قَالَ: هِيَ صِفَة ثَانِيَة، وَقَوْله: ((يُوصِي فِيهِ)) صِفَة شَيْءٍ، وَمَفْعُول ((يَبِيت)) مَحْذُوف تَقْدِيره: آمِنَا أَوْ ذَاكِرًا. وَقَالَ اِبْنِ التِّين: تَقْدِيره مَوْعُوَكًا، وَالْأَوَّلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ إِسْتِحْبَابِ الْوَصِيَّةِ لَا يَخْتَصّ بِالْمَرِيضِ. نَعَمْ قَالَ الْعُلَمَاءِ: لَا يُنْدَبِ أَنْ يَكْتُب جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْمُحَقَّرَةِ، وَلَا مَا جَرَت الْعَادَةِ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ وَالْوَفَاءِ لَهُ عَنْ قُرْبِ، وَالله أَعْلَم. (لَيْلَتَيْنِ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَلِأَّبِي عَوَانَة وَالْبَيْهَفِيِّ مِنْ طَرِيق حَمَّادِ بْنِ زَيْد عَنْ أَيُّوب: ((يَبِيت لَيْلَة أَوْ لَيْلَتَيْنِ)) وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ: (يَبِيت ثَلَاث لَيَالٍ) وَكَأَنَّ ذِكْرِ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلاث ◌ِرَفْعِ الْخَرَجِ؛ لِتَزَاحُمِ أَشْغَالِ الْمَرْءِ الَّتِي يَحْتَاج إِلَى ذِكْرِهَا، فَفُسِحَ لَهُ هَذَا الْقَدْرِ لِيَتَذَكَّرِ مَا يَحْتَاجِ إِلَيْهِ، وَاخْتِلَاف الرِّوَايَاتِ فِيهِ دَالٌ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّقْرِيبِ لَا لِلتَّحْدِيدِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَمْضِي عَلَيْهِ زَمَان وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً إِلَّ وَوَصِيَّتِه مَكْتُوبَة، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى إِغْتِفَار الزَّمَنِ الْيَسِيرِ، وَكَأَنَّ الثَّلَاث غَايَة لِلتَّأْخِيرِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ إِبْنِ عُمَرٍ فِي رِوَايَة سَالِمِ الْمَذْكُورَةِ: ((لَمْ أَبَتْ لَيْلَة مُنْذُ سَمِعْتِ رَسُولِ اللهِوَه يَقُول ذَلِكَ إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِنْدِي». قَالَ الطَّيبِيُّ: فِي تَخْصِيص اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاث بِالذِّكْرِ تَسَامُح فِي إِرَادَةِ الْمُبَالَغَة؛ أي: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبِيت زَمَانَا مَا، وَقَدْ سَاءَحْنَاهُ فِي اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلاث فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَاوَز ذَلِكَ. وَلَفْظُه عِنْدِ الدَّارَقُطْنِيِّ(لَا يَحِلّ لمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيت لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده)) وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ ظَاهِرِ الْآيَة عَلَى وُجُوبِ الْوَصِيَّة، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو يُجْلَزْ وَعَطَاء وَطَلْحَة بْنِ مُصَرِّفٍ فِي آخَرِينَ، وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِیم، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقِ وَدَاوُدِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عَوَانَة الْإِسْفَرَابِينِيّ وَابْنِ جَرِيرٍ وَآخَرُونَ، وَنَسَبَ إِبْن عَبْد الْبَرّ الْقَوْل بِعَدَمِ الْوُجُوب إِلَى الْإِجْمَاعِ سِوَى مَنْ شَذَّ كَذَا قَالَ، وَاسْتَدَلَّ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوصِ لَقُسِّمَ جَمِيع مَاله بَيْنِ وَرَقَته بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةِ وَاجِبَةٍ لَأُخْرِجَ مِنْ مَاله سَهْم يَنُوبِ عَنِ الْوَصِيَّةِ، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَة بِأَنَّهَا ٣٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن مَنْسُوخَة كَمَا قَالَ إِبْنِ عَبَّاس: «كَانَ الْمَال لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ الله مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِن الْأَبَوَيْنِ السُّدُس .... )). وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِأَنَّ الَّذِي نُسِخَ الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ الَّذِينَ يَرِثُونَ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يَرِث فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ، وَلَا فِي تَفْسِير ◌ِبْن عَبَّاس مَا يَقْتَضِي النَّسْخِ فِي حَقّه، وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَنِ الْحَدِيث بِأَنَّ قَوْله: ((مَا حَقٌّ ◌ِمْرِئٍ)) بِأَنَّ الْمُرَادِ الْحُزْمِ وَالإِحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْجَؤُهُ الْمَوْتِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وَصِيَّةٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْفُل عَنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَالإِسْتِعْدَادِ لَهُ، وَهَذَا عَنِ الشَّافِعِيّ. وَقَالَ غَيْرِهِ: الْحَقّ لُغَة الشَّيْء الثَّابِت، وَيُظْلَق شَرْعًا عَلَى مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْم، وَالْحُكْمِ الثَّابِتِ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوًّا، وَقَدْ يُظْلَق عَلَى الْمُبَاحِ أَيْضًا لَكِنْ بِقِلَّةٍ قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ، قَالَ: فَإِن ◌ِقْتَرَنَ بِهِ (عَلَى)) أَوْ نَحْوِهَا كَانَ ظَاهِرًا فِي الْوُجُوب، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى الإِحْتِمَالِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا حُجَّةٍ فِي هَذَا الْحَدِيث لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ، بَل اِفْتَرَنَ هَذَا الْحَقّ بِمَا يَدُلّ عَلَى النَّدْبِ، وَهُوَ تَفْوِيض الْوَصِيَّة إِلَى إِرَادَة الْمُوصِي حَيْثُ قَالَ: (لَهُ شَيْءٍ يُرِيدِ أَنْ يُوصِي فِيهِ)) فَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَة لَمَا عَلَّقَهَا بِإِرَادَتِهِ. وَأَمَّا الْجُوَابِ عَنِ الرِّوَايَةِ الَّتِي بِلَفْظِ: ((لَا يَجِلّ)) فَلِحْتِمَالِ أَنْ يَكُون رَاوِيهَا ذَكَرَهَا، وَأَرَادَ بِنَفْي الْحِلّ ثُبُوتِ الْجَوَازِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ الَّذِي يَدْخُل تَحْتِه الْوَاجِب وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْوَصِيَّة، فَأَكْثَرِهِمْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِهَا فِي الْجُمْلَة. وَعَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَة وَالْحَسَنِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فِي آخَرِينَ: ((شَجِب لِلْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ خَاصَّة)) أَخْرَجَهُ إِبْن جَرِير وَغَيْرِهِ عَنْهُمْ، قَالُوا: فَإِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَته لَمْ تَنْفُذ، وَيُرَدّ الثُّلُث كُلّه إِلَى قَرَابَته، وَهَذَا قَوْل طَاوُسِ. وَقَالَ الْحَسَنِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْد: ثُلُثَا الثُّلُث، وَقَالَ قَتَادَة: ثُلُث القُلُثِ. وَأَقْوَى مَا يَرُدّ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا اِحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيّ مِنْ حَدِيث عِمْرَانَ بْن حَصِین فِي قِصَّة الَّذِي أَعْتَقَ عِنْدِ مَوْتِهِ سِتَّةٍ أَعْبُد لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالِ غَيْرِهِمْ، فَدَعَاهُمُ النَّبِيّ ◌َُِّ ٣٥١ كتاب الفرائض والوصايا/ باب الوصايا فَجَزَّأَهُمْ سِنَّةٍ أَجْزَاء، فَأَعْتَقَ إِثْنَيْنِ وَأَرَقٌ أَرْبَعَةٍ، قَالَ: فَجَعَلَ عِنْقِهِ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةِ، وَلَا يُقَال: لَعَلَّهُمْ كَانُوا أَقَارِبِ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّا نَقُول: لَمْ تَكُنْ عَادَة الْعَرَبِ أَنْ تَمْلِكَ مَنْ بَيْنِهَا وَبَيْنِه قَرَابَةٍ، وَإِنَّمَا تَمْلِك مَنْ لَا قَرَابَة لَهُ أَوْ كَانَ مِن الْعَجَمِ، فَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةِ تَبْظُل لِغَيْرِ الْقَرَابَة لَبَطَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ، وَهُوَ إِسْتِدْلَال قَوِيّ، وَالله أَعْلَم. وَنَقَلَ إِبْنِ الْمُنْذِر عَنْ أَبِيِ ثَوْرِ أَنَّ الْمُرَاد بِوُجُوبِ الْوَصِيَّةِ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيث يَخْتَصّ بِمَنْ عَلَيْهِ حَقّ شَرْعِيّ يَخْشَى أَنْ يَضِيعِ عَلَى صَاحِبه إِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ كَوَدِيعَةٍ وَدَيْن لله أَوْ لِدَبِيٌّ، قَالَ: وَبَدُلّ عَلَى ذَلِكَ تَقْبِيده بِقَوْلِهِ:(لَهُ شَيْءٍ يُرِيدِ أَنْ يُوصِي فِيهِ)) لِأَنَّ فِيهِ إِشَارَةٍ إِلَى قُدْرَتِه عَلَى تَنْجِيزه وَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلاً، فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ سَاغَ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُوصِي بِهِ سَاغَ لَهُ، وَحَاصِله يَرْجِعِ إِلَى قَوْل الْجُمْهُور إِنَّ الْوَصِيَّةِ غَيْرِ وَاجِبَة لِعَيْنِهَا، وَإِنَّ الْوَاجِب لِعَيْنِهِ الْخُرُوجِ مِن الْحُقُوقِ الْوَاحِبَة لِلْغَيْرِ سَوَاء كَانَتْ بِتَنْجِيرٍ أَوْ وَصِيَّة. وَمَحَلّ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ تَنْجِيزِ مَا عَلَيْهِ، وَكَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَثْبُتِ الْحَقِ بِشَهَادَتِهِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ قَادِرًا أَوْ عَلِمَ بِهَا غَيْرِهِ فَلَا وُجُوب، وَعُرِفَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرِنَا أَنَّ الْوَصِيَّةِ قَدْ تَكُون وَاجِبَةٍ، وَقَدْ تَكُون مَنْذُوبَة فِيمَنْ رَجَا مِنْهَا كَثْرَة الْأَجْرِ، وَمَكْرُوهَةٍ فِي عَكْسِهِ، وَمُبَاحَةٍ فِيمَنِ اِسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ، وَمُحَرَّمَةٍ فِيمَا إِذَا كَانَ فِيهَا إِضْرَارٍ كَمَا ثَبَتَ عَنِ إِبْنِ عَبَّاس: ((الْإِصْرَارِ فِي الْوَصِيَّة مِن الْكَبَائِرِ)) رَوَاهُ سَعِيد بْنِ مَنْصُورِ مَوْقُوفًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَرِجَاله ثِقَات. وَاحْتَجَّ إِبْنِ بَطَّال تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنَّ إِبْنِ عُمَر لَمْ يُوصِ، فَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّة وَاجِبَة لَمَا تَرَكَهَا وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيث، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ عَنِ إِبْنِ عُمَرِ، فَالْعِبْرَة بِمَا رَوَى لَا بِمَا رَأَى، عَلَى أَنَّ الثَّابِت عَنْهُ فِي ((صَحِيحِ مُسْلِم)) كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((لَمْ أَبِتْ لَيْلَةِ إِلَّ وَوَصِيَّتِي مَكْتُوبَة عِنْدِي)) وَالَّذِي اِحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوصِ اِعْتَمَدَ عَلَى مَا رَوَاهُ حَمَّاد بْنِ زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِعِ قَالَ: ((قِيلَ لِابْنِ عُمَرِ فِي مَرَض مَوْته: أَلَا تُوصِي؟ قَالَ: أَمَّا مَالِي فَالله يَعْلَم مَا كُنْت أَصْنَعِ فِيهِ، وَأَمَّا رُبَاعِيّ فَلَا أُحِبّ أَنْ يُشَارِك وَلَدِي فِيهَا أَحَد) أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْرِهِ وَسَنَده صَحِيحٍ، وَيُجْمَعِ بَيْنه وَبَيْن مَا رَوَاهُ مُسْلِم بِالْحَمْلِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ٣٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن يَكْتُب وَصِيَّتِه وَيَتَعَاهَدِهَا، ثُمَّ صَارَ يُنَجِّزِ مَا كَانَ يُوصِي بِهِ مُعَلَّقًا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ: «فَالله يَعْلَم مَا كُنْت أَصْنَع فِي مَالي)». وَلَعَلَّ الْحَامِلِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثِهِ الَّذِي سَيَأْتِي فِي الرِّفَاقِ: ((إِذَا أَمْسَيْتِ فَلَا تَنْتَظِر الصَّبَاحِ .. ) فَصَارَ يُنَجِّزِ مَا يُرِيد التَّصَدُّق بِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَعْلِيقِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْوَصَايَا أَنَّهُ وَقَفَ بَعْض دُوره، فَبِهَذَا يَحْصُلِ التَّوْفِيق وَالله أَعْلَم، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: (مَكْتُوبَة عِنْده)) عَلَى جَوَازِ الإِعْتِمَاد عَلَى الْكِتَابَةِ وَالْخُطِ، وَلَوْ لَمْ يَقْتَرِن ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ، وَخَصَّ أَحْمَد وَمُحَمَّد بْنِ نَصْرِ مِن الشَّافِعِيَّة ذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ؛ لِثُبُوتِ الْخَبَرِ فِيهَا دُون غَيْرِهَا مِن الْأَحْكَامِ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ الْكِتَابَةِ ذُكِرَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ ضَبْطِ الْمَشْهُودِ بِهِ، قَالُوا: وَمَعْنَى وَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده)) أي: پِشَرْطِهَا. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ: إِضْمَارِ الْإِشْهَادِ فِيهِ بُعْد، وَأُجِيب بِأَنَّهُمْ إِسْتَدَلُّوا عَلَى إِشْتِرَاط الْإِشْهَادِ بِأَمْرٍ خَارِجِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَهَادَة بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدِكُمْ الْمَوْت حِينِ الْوَصِيَّةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فَإِنَّهُ يَدُلّ عَلَى اِعْتِبَارِ الْإِشْهَادِ فِي الْوَصِيَّة. رقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ذِكْرِ الْكِتَابَة مُبَالَغَةٍ فِي زِيَادَة التَّوَتَّقِ، وَإِلَّا فَالْوَصِيَّة الْمَشْهُود بِهَا مُتَّفَق عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَكْتُوبَة، وَالله أَعْلَم. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ((وَصِيَّتِه مَكْتُوبَةٍ عِنْدِه)) عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةِ تَنْفُذْ إِنْ كَانَتْ عِنْد صَاحِبِهَا وَلَمْ يَجْعَلَهَا عِنْدِ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهَا عِنْدِ غَيْرِهِ وَارْتَجَعَهَا، وَفِي الْحَدِيث مَنْقَبَة لِإِبْنِ عُمَر لِمُبَادَرَتِهِ لِمْتِثَالِ قَوْلِ الشَّارِعِ وَمُوَاظَبَته عَلَيْهِ. وَفِيهِ النَّدْبِ إِلَى التَّأَهُّب لِلْمَوْتِ وَالإِحْتِرَازِ قَبْلِ الْفَوْت؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانِ لَا يَدْرِي مَتَى يَفْجَؤُهُ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ سِنّ يُفْرَض إِلَّا وَقَدْ مَاتَ فِيهِ جَمْعِ جَمّ؛ وَكُلّ وَاحِد بِعَيْنِهِ جَائِزِ أَنْ يَمُوتِ فِي الْحَالِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون مُتَأَهِّبًا لِذَلِكَ فَيَكْتُب وَصِيَّتِه، وَيَجْمَع فِيهَا مَا يَحْصُل لَهُ بِهِ الْأَجْرِ، وَيُحْبِط عَنْهُ الْوِزْرِ مِنْ حُقُوق الله وَحُقُوق عِبَاده، وَالله الْمُسْتَعَانِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: (لَهُ شَيْءٍ)) أَوْ (لَهُ مَال)) عَلَى صِحَّة الْوَصِيَّة بِالْمَنَافِعِ، وَهُوَ قَوْل ٣٥٣ كتاب الفرائض والوصايا/ باب الوصايا الْجُمْهُورِ، وَمَنَعَهُ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَدَاوُد وَأَتْبَاعِه، وَاخْتَارَهُ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ. وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضّ عَلَى الْوَصِيَّة وَمُطْلَقْهَا يَتَنَاوَلِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّ السَّلَف خَصُّوهَا بِالْمَرِيضِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَّد بِهِ فِي الْخَبَرِ لإِطِّرَادِ الْعَادَةِ بِهِ، وَقَوْله: ((مَكْتُوبَة)) أَعَمّ مِنْ أَنْ تَكُون بِخَظِّهِ أَوْ بِغَيْرِ خَطِهِ، وَيُسْتَفَادِ مِنْهُ أَنَّ الْأَشْيَاءِ الْمُهِمَّةِ يَنْبَغِي أَنْ تُضْبَط بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهَا أَثْبَت مِن الضَّبْطِ بِالْحِفْظِ؛ لِأَنَّهُ يَخُون غَالِيًا. [(الفتح)) (٢٩٢/٨)]. ٣٠٧١ - [وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: مَرِضْتُ عَامَ الفَتْحِ مَرَضًا، أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِوَ﴾ِ يَعُودُنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ◌ِإِنَّ لِي مَالاً كَثِيرًا، وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِيِ، أَفَأْ وَصِي بِمَالِي كُلّهِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَتُلُقَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللَّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَرَقَتَك) قَالَ الزَّيْنِ بْنِ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا عَبَّرَ لَهُ وَلَ بِلَفْظِ «الْوَرَثَةِ)) وَلَمْ يَقُلْ: ((إِنْ تَدَعْ بِنْتك)) مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّ إِبْنَةٍ وَاحِدَة لِكَوْنِ الْوَارِثِ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَحَقَّق؛ لِأَنَّ سَعْدًا إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاء عَلَى مَوْتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ وَبَقَائِهَا بَعْده حَتَّى تَرِئهُ، وَكَانَ مِن الْجَائِزِ أَنْ تَمُوتِ هِيَ قَبْله، فَأَجَابَ وَّ بِكَلَامِ كُلِّ مُطَابِقٍ لِكُلِّ حَالَة وَهِيَ قَوْله: ((وَرَثَتْك)) وَلَمْ يَخُصّ بِنْتَا مِنْ غَيْرِهَا. وَقَالَ الْفَاكِهِيّ شَارِحِ «الْعُمْدَة): إِنَّمَا عَبَّرَ نَّهِ بِالْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ إِطَلَعَ عَلَى أَنَّ سَعْدًا سَيَعِيشُ، وَيَأْتِيهِ أَوْلَادِ غَيْرِ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ فَكَانَ كَذَلِكَ، وَوُلِدَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ أَرْبَعَة بَنِينَ وَلَا أَعْرِفِ أَسْمَاءَهُمْ، وَلَعَلَّ اللّه أَنْ يَفْتَح بِذَلِكَ. قُلْت: وَلَيْسَ قَوْله: (أَنْ تَدَعِ بِنْتَك)) مُتَعَيِّنَا؛ لِأَنَّ مِيرَاثه لَمْ يَكُنْ مُنْحَصِرًا فِيهَا، (١) أخرجه مالك (١٤٥٦) والبخاري (٢٥٩٣) ومسلم (١٦٢٨) وأبو داود (٢٨٦٤) والترمذي (٢١١٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٥٢٤) والنسائي (٣٦٢٦) وابن ماجه (٢٧٠٨) وابن حبان (٧٢٦١) والبيهقي (١٧٥٥٨) والطيالسي (١٩٥) وابن أبي شيبة (٣٠٩١٣). ٣٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن فَقَدْ كَانَ لِأَخِيهِ عُتْبَةِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَوْلَاد إِذْ ذَاكَ مِنْهُمْ: هَاشِم بْن عُتْبَة الصَّحَابِيّ الَّذِي قُتِلَ بِصِفِّين، وَسَأَذْكُرُ بَسْطَ ذَلِكَ، فَجَازَ التَّعْبِيرِ بِالْوَرَثَةِ؛ لِتَدْخُلِ الْبِنْت وَغَيْرِهَا مِمَّنْ يَرِث لَوْ وَقَعَ مَوْتِه إِذْ ذَاكَ أَوْ بَعْدِ ذَلِكَ. أَمَّا قَوْل الْفَاكِهِيّ: ((إِنَّهُ وُلِدَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ أَرْبَعَة بَنِينَ، وَإِنَّهُ لَا يَعْرِفِ أَسْمَاءَهُمْ)) فَفِيهِ قُصُورٍ شَدِيد، فَإِنَّ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ عِنْد مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق عَامِرٍ وَمُصْعَب وَمُحَمَّد ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ سَعْد، وَوَقَعَ ذِكْرِ عُمَر بْنِ سَعْد فِيهِ فِي مَوْضِعِ آخَر، وَلَمَّا وَقَعَ ذِكْرِ هَؤُلَاءٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْد مُسْلِم ◌ِقْتَصَرَ الْقُرْطُبِيّ عَلَى ذِكْرِ الثَّلَاثَة، وَوَقَعَ فِي كَلَام بَعْض شُيُوخِنَا تَعَقُّب عَلَيْهِ بِأَنَّ لَهُ أَرْبَعَة مِن الذُّكُورِ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ، وَهُمْ عُمَر وَإِبْرَاهِيمَ وَيَحْنَى وَإِسْحَاقٍ، وَعَزَا ذِكْرِهِمْ لِإِبْنِ الْمَدِينِيّ وَغَيْره، وَفَاته أَنَّ اِبْنِ سَعْد ذَكَرَ لَهُ مِن الذُّكُورِ غَيْرِ السَّبْعَةِ أَكْثَر مِنْ عَشَرَةِ، وَهُمْ: عَبْد الله، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَمْرو، وَعِمْرَان، وَصَالِحِ، وَعُثْمَانِ، وَإِسْحَاقِ الْأَصْغَرِ، وَعُمَر الْأَصْغَرِ، وَعُمَيْرِ مُصَغَّرًا وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَ لَهُ مِن الْبَنَاتِ ثِنْتَيْ عَشْرَةٍ بِنْتَا، وَكَأَنَّ اِبْنِ الْمَدِينِيّ ◌ِقْتَصَرَ عَلَى ذِكْر مَنْ رَوَى الْحَدِيث مِنْهُ، وَالله أَعْلَم. (وَرَنَّتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرهُمْ عَالَةً) أي: فُقَرَاءِ، وَهُوَ جَمْعٍ: عَالٍ وَهُوَ الْفَقِيرِ، وَالْفِعْلِ مِنْهُ عَالَ يُعِيلِ إِذَا اِفْتَقَرَ (يَتَكَفَّقُونَ النَّاسَ) أي: يَسْأَلُونَ النَّاسِ بِأَكُفِّهِمْ، يُقَال: تَكَفَّفَ النَّاس وَاسْتَكَفَّ إِذَا بَسَطَ كَفّه لِلسُّؤَالِ، أَوْ سَأَلَ مَا يَكُفّ عَنْهُ الْجُوع، أَوْ سَأَلَ كَفَّا كَفَّا مِنْ طَعَام. (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَّةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا) هُوَ مَعْطُوفٍ عَلَى قَوْله: ((إِنَّكَ أَنْ تَذْر)) وَهُوَ عِلَّة لِلنَّغْيِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَر مِن الثُّلُثِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: لَا تَفْعَل؛ لِأَنَّك إِنْ مُتْ تَرَكْت وَرَثَتك أَغْنِيَاءِ، وَإِنْ عِشْت تَصَدَّقْت وَأَنْفَقْتِ، فَالْأَجْرِ حَاصِل لَك في الْحَالَيْنِ، وَقَوْله: (وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقِ نَفَقَّة تَبْتَغِي بِهَا وَجْه الله إِلَّ أَجِرْت بِهَا) مُقَيَّدَة بِابْتِغَاءِ وَجْهُ الله، وَعَلَّقَ حُصُولِ الْأَجْرِ بِذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَبَرِ، وَيُسْتَفَادِ مِنْهُ أَنَّ أَجْرِ الْوَاجِب يَزْدَاد بِالتِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاق عَلَى الزَّوْجَة وَاجِب وَفِي فِعْله الْأَجْرِ، فَإِذَا نَوَى بِهِ اِبْتِغَاء وَجْه الله ٣٥٥ كتاب الفرائض والوصايا/ باب الوصايا إِزْدَادَ أَجْرهِ بِذَلِكَ. قَالَهُ إِبْنِ أَبِي جَمْرَةٍ، قَالَ: وَنُبِّهَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الْبِّ وَالإِحْسَان. (حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ) بِالنَّصْبِ عَظْفًا عَلَى نَفَقَة، وَيَجُوز الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأْ وَاتَجْعَلِهَا)) الْخَبَرِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْم نَفَقَة الزَّوْجَة فِي كِتَابِ النَّفَقَات إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى، وَوَجْه تَعَلُّقْ قَوْله: ((وَإِنَّك لَنْ تُنْفِقِ نَفَقَة ... إِلَخْ)) بِقِصَّةِ الْوَصِيَّةِ أَنَّ سُؤَال سَعْد يُشْعِرِ بِأَنَّهُ رَغَّبَ فِي تَكْثِير الْأَجْرِ، فَلَمَّا مَنَعَهُ الشَّارِعِ مِن الزِّيَادَة عَلَى الثُّلُث، قَالَ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ: إِنَّ جَمِيعِ مَا تَفْعَلُهُ فِي مَالِك مِنْ صَدَقَة نَاجِزَةِ، وَمِنْ نَفَقَة وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَة تُؤْجَر بِهَا إِذَا اِبْتَغَيْت بِذَلِكَ وَجْهُ الله تَعَالَى، وَلَعَلَّهُ خَصَّ الْمَرْأَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا مُسْتَمِرَّة بِخِلَافِ غَيْرهَا. قَالَ إِبْنِ دَقِيقِ الْعِيد: فِيهِ: إِنَّ الثَّوَابِ فِي الْإِنْفَاقِ مَشْرُوط بِصِحَّةِ النََّّة وَابْتِغَاء وَجْه الله، وَهَذَا عُسْرِ إِذَا عَارَضَهُ مُقْتَضَى الشَّهْوَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحْصُلِ الْغَرَض مِن الثَّوَابِ حَتَّى يَبْتَغِي بِهِ وَجْه الله، وَسَبَقَ تَخْلِص هَذَا الْمَقْصُودِ مِمَّا يَشُوبِهُ، قَالَ: وَقَدْ يَكُون فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَاتِ إِذَا أُدِّيَتْ عَلَى قَصْد أَدَاءِ الْوَاجِبِ إِبْتِغَاءِ وَجْه الله أَئِب عَلَيْهَا، فَإِنَّ قَوْله: ((حَتَّى مَا تَجْعَل فِي فِي إِمْرَأَتك)) لَا تَخْصِيص لَهُ بِغَيْرِ الْوَاجِب وَلَفْظَةِ ((حَتَّى)) هُنَا تَقْتَضِي الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْأَجْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى، كَمَا يُقَال: جَاءَ الْحَاجّ حَتَّى الْمُشَاةِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِن الْفَوَائِد: مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَة الْمَرِيض لِلْإِمَامِ فَمَنْ دُونِه، وَتَتَأَكَّد بِاشْتِدَادِ الْمَرَض. وَفِيهِ: وَضْع الْيَد عَلَى جَبْهَةِ الْمَرِيضِ وَمَسْحِ وَجْهِه، وَمَسْحِ الْعُضْوِ الَّذِي يُؤْلِهُ، وَالْفَسْحِ لَهُ فِي طُول الْعُمْرِ، وَجَوَازِ إِخْبَارِ الْمَرِيض بِشِدَّةِ مَرَضِه وَقُوَّة أَلَه إِذَا لَمْ يَقْتَرِن بِذَلِكَ شَيْءٍ مِمَّا يُمْنَعِ، أَوْ يُكْرَه مِن الثَّبَرُّمِ وَعَدَم الرِّضَا بَلْ حَيْثُ يَكُون ذَلِكَ لِطَلَبٍ دُعَاءِ أَوْ دَوَاءِ وَرُبَّمَا أُسْتُحِبَّ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الإِتِّصَافِ بِالصَّبْرِ الْمَحْمُودِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْمَرَضِ كَانَ الْإِخْبَارِ بِهِ بَعْد الْبُرْءِ أَجْوَزِ، وَأَنَّ أَعْمَالِ الْبِرّ وَالطَّاعَةِ إِذَا كَانَ ٣٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن مِنْهَا مَا لَا يُمْكِن إِسْتِدْرَاكه قَامَ غَيْرِهِ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ مَقَامِه، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا خَافَ أَنْ يَمُوتِ بِالدَّارِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فَيَقُوت عَلَيْهِ بَعْض أَجْرِ هِجْرَتِهِ، فَأَخْبَرَهُ نَّهِ بِأَنَّهُ إِنْ تَخَلَّفَ عَنْ دَارِ هِجْرَتِهِ، فَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا مِنْ حَجّ أَوْ جِهَاد أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ بِهِ أَجْرِ يُعَوِّض مَا فَاتَهُ مِن الْجِهَةِ الْأُخْرَى. وَفِيهِ: إِبَاحَةٍ جَمْعِ الْمَالِ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّ الثَّنْوِينِ فِي قَوْله: ((وَأَنَا ذُو مَال)) لِلْكَثْرَةِ، وَقَدْ وَفَعَ فِي بَعْض طُرُقه صَرِيحًا (وَأَنَا ذُو مَال كَثِير)) وَالْحَثّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِم وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ، وَأَنَّ صِلَة الْأَقْرَبِ أَفْضَل مِنْ صِلَةِ الْأَبْعَد، وَالْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحِ إِذَا قُصِدَ بِهِ وَجْه الله صَارَ طَاعَةٍ؛ وَقَدْ نُبِّهَ عَلَى ذَلِكَ بِأَقَلّ الْخُطُوظِ الدُّنْيَوِيَّة الْعَادِيَة، وَهُوَ وَضْعِ اللَّقْمَة فِي فَمَ الزَّوْجَة؛ إِذْ لَا يَكُونِ ذَلِكَ غَالِبًا إِلَّا عِنْد الْمُلَاعَبَة وَالْمُمَازَحَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَيُؤْجَرِ فَاعِله إِذَا قَصَدَ بِهِ قَصْدًا صَحِيحًا، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ فَوْق ذَلِكَ. وَفِيهِ: مَنْع نَقْل الْمَيِّت مِنْ بَلَدِ إِلَى بَلَد؛ إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا لَأَمَرَ بِنَقْلِ سَعْد بْنِ خَوْلَة. قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَبِأَنَّ مَنْ لَا وَارِث لَهُ تَجُوز لَهُ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَر مِن الغُلُث لِقَوْلِهِ نَِّ: ((أَنْ تَذَر وَرَقَتِك أَغْنِيَاء)) فَمَفْهُومِه أَنَّ مَنْ لَا وَارِث لَهُ لَا يُبَالِي بِالْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتْرُكَ وَرَثَة يَخْشَى عَلَيْهِمْ الْفَقْرِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيلاً مَخْضًّا، وَإِنَّمَا فِيهِ تَنْبِيه عَلَى الْأَحَظَ الْأَنْفَعِ، وَلَوْ كَانَ تَعْلِيلاً مَحْضًا لَاقْتَضَى جَوَازِ الْوَصِيَّة بِأَكْثَر مِن الثُّلُث لِمَنْ كَانَتْ وَرَقَتْه أَغْنِيَاءِ، وَلَنَفَذَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إِجَازَتِهِمْ وَلَّا قَائِل بِذَلِكَ، وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون تَعْلِيلاً مَحْضًا، فَهُوَ لِلنَّقْصِ عَنِ الثُّلُثِ لَا لِلزّيَادَةِ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ الْإِيصَاءِ بِالقُّلُثِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَرَض ◌ِهِ عَلَى الْمُوصِي إِلَّا أَنَّ الإِنْحِطَاطِ عَنْهُ أَوْلَى، وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ يَتْرُكِ وَرَثَةِ غَيْرِ أَغْنِيَاءِ، فَنَبَّهَ سَعْدًا عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ: سَدّ الدَّرِيعَة لِقَوْلِهِ وَلِ: ((وَلَا تَرُدّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)) لِئَلَّا يَتَذَرَّعِ بِالْمَرَضِ أَحَد لِأَجْلِ حُبّ الْوَطَنِ. قَالَةُ إِبْن عَبْد الْبَرّ. وَفِيهِ: تَقِْيد مُطْلَق الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ رَ﴾: ﴿مِنْ بَعْد وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ ٣٥٧ كتاب الفرائض والوصايا/ باب الوصايا دَيْن﴾ [النساء: ١١] فَأَظْلَقَ، وَقَيَّدَتِ السُّنَّةِ الْوَصِيَّة بِالثُّلُثِ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لله لا يَنْبَغِي لَهُ الرُّجُوعِ فِيهِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ مُخْتَارًا. وَفِيهِ: التَّأَسُّفِ عَلَى فَوْت مَا يَحْصُل الثَّوَاب. وَفِيهِ: حَدِيث ((مَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَةٍ)) وَأَنَّ مَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ بَادَرَ إِلَى جَبْرهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِيهِ: تَسْلِيَةٍ مَنْ فَاتَهُ أَمْر مِن الْأُمُورِ بِتَحْصِيلِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ؛ لِمَا أَشَارَ وَهُ لِسَعْدٍ مِنْ عَمَله الصَّالِحِ بَعْد ذَلِكَ. وَفِيهِ: جَوَازِ التَّصَدُّق بِجَمِيعِ الْمَالِ لِمَنْ عُرِفَ بِالصَّبْرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتِه، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الزَّكَاة. وَفِيهِ: الاِسْتِفْسَارِ عَنِ الْمُحْتَمَلِ إِذَا اِحْتَمَلَ وُجُوهًا؛ لِأَنَّ سَعْدًا لَمَّا مُنِعَ مِن الْوَصِيَّة بِجَمِيعِ الْمَالِ إِحْتَمَلَ عِنْدِه الْمَنْعِ فِيمَا دُونِه وَالْجَوَازِ، فَاسْتَفْسَرَ عَمَّا دُون ذَلِكَ. وَفِيهِ: النَّظَرِ فِي مَصَالِحِ الْوَرَثَةِ، وَأَنَّ خِطَابِ الشَّارِعِ لِلْوَاحِدِ يَعُمّ مِنْ كَانَ بِصِفَتِهِ مِن الْمُكَلَّفِينَ؛ لِإِطْبَاقِ الْعُلَمَاء عَلَى الإِحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ سَعْد هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابِ إِنَّمَا وَقَعَ لَهُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، وَلَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَصّ بِسَعْدٍ، وَمَنْ كَانَ فِي مِثْل حَاله مِمَّنْ يَخْلُف وَارِثًا ضَعِيفًا، أَوْ كَانَ مَا يَخْلُفهُ قَلِيلاً؛ لِأَنَّ الْبِنْتِ مِنْ شَأْنَهَا أَنْ يُطْمَعِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ مَال لَمْ يُرْغَب فِيهَا. وَفِيهِ: إنَّ مَنْ تَرَكَ مَالاً قَلِيلاً فَالإِخْتِيَارِ لَهُ تَرْكَ الْوَصِيَّةِ وَإِبْقَاء الْمَالِ لِلْوَرَثَةِ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ الْقَلِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَصَايَا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ التَّيِْيُّ لِفَضْلٍ الْغَنِيّ عَلَى الْفَقِیر، وَفِیهِ نَظَر. وَفِيهِ: مُرَاعَاةِ الْعَدْلِ بَيْنِ الْوَرَثَة وَمُرَاعَاة الْعَدْلِ فِي الْوَصِيَّةِ. وَفِيهِ: إِنَّ القُلُثِ فِي حَدّ الْكَثْرَةِ، وَقَد اِعْتَبَرَهُ بَعْض الْفُقَهَاءِ فِي غَيْرِ الْوَصِيَّة، وَيَحْتَاجِ الإِحْتِجَاجِ بِهِ إِلَى ثُبُوت طَلَب الْكَثْرَةِ فِي الْحُكْم الْمُعَيَّن. الفصل الثاني ٣٠٧٢ - [عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَنَا مَرِيضَّ، فَقَالَ: ٣٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن أَوْصَيْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْتُ: بِمَالِي كُلِّهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: فَمَا تَرَكْتَ لِوَلَدِكَ؟ قُلْتُ: هُمْ أَغْنِيَاءُ بِخَيْرٍ، فَقَالَ: أَوْصِ بِالْعُشْرِ، فَمَا زِلْتُ أَنَاقِصُهُ حَتَّى قَالَ: أَوْصِ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرُ (١). رَوَاهُ النِّرْمِذِيُّ]. (قُلْتُ: بِمَالِي كُلّهِ فِي سَبِيلِ الله) قال الحافظ: فِي رِوَايَة عَائِشَة بِنْت سَعْد عَنْ أَبِيِهَا فِي الطَّبّ: (أَفَتَصَدَّق بِثُلُنَيْ مَالِي)) وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، فَأَمَّا التَّعْبِير بِقَوْلِهِ: ((أَفَتَصَدَّق)) فَيَحْتَمِلِ التَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ بِخِلَافِ ((أَفَأْوَصِي)) لَكِنَّ الْمَخْرَج مُتَّحِد، فَيُحْمَلِ عَلَى التَّعْلِيقِ لِلْجَمْعِ بَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ: ((أَتَصَدَّق)) مَنْ جَعَلَ تَبَرُّعَاتِ الْمَرِيضِ مِن الُّلُثِ، وَحَمَلُوهُ عَلَى الْمُنَجَّزَةِ، وَفِيهِ نَظَرِ لِمَا بيَّنْته. وَأَمَّا الإِخْتِلَاف ◌ِي السُّؤَالِ، فَكَأَنَّهُ سَأَلَ أَوَّلاً عَنِ الْكُلْ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ القُلُثَيْنِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ النَّصْفِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الثُّلُث، وَقَدْ وَقَعَ مَجْمُوع ذَلِكَ فِي رِوَايَة جَرِیر بْن يَزِيد عِنْد أَحْمَد، وَفِي رِوَايَة بُكَيْرٍ بْنِ مِسْمَارِ عِنْدِ النَّسَائِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْد، وَكَذَا لَهُمَا مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْنِ سَعْد عَنْ أَبِيهِ، وَمِنْ طَرِيق هِشَامِ بْن عُرْوَةٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْد، وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: ((قُلْت: فَالشَّطْر)) هُوَ بِالْجَرِّ عَظْفًا عَلَى قَوْله: ((بِمَالِي كُلّه)) أي: فَأُوْصِي بِالنَّصْفِ، وَهَذَا رَجَّحَهُ السُّهَيْلِيّ. وَقَالَ الزََّخْشَرِيّ: هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِير فِعْل؛ أي: أُسَمِّي الشَّطْرِ أَوْ أُعَيِّن الشَّطْرِ، وَيَجُوزِ الرَّفْعِ عَلَى تَقْدِير أَيَجُوزُ الشَّطْرِ. (قَالَ: أَوْصِ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي الْهِجْرَةِ: ((قَالَ: القُلُثِ يَا سَعْد، وَالُّلُث کثیر)». وَفِي رِوَايَة مُصْعَب بْنِ سَعْد عَنْ أَبِيهِ عِنْد مُسْلِمٍ: ((قُلْت: فَالثُّلُث؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالُّلُث گَثِیر)). وَفِي رِوَايَة عَائِشَة بِنْت سَعْد عَنْ أَبِيهَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه ((قَالَ: الثُّلُث، وَالثُّلُث (١) أخرجه الترمذي (٩٩١).