النص المفهرس
صفحات 321-340
باب اللقطة (بَاب اللُّقَطّة) بضم اللام وفتح القاف ويسكن. في ((المغرب)): اللقطة: الشيء الذي تجده ملقى فتأخذه. قال الأزهري: ولم أسمع اللقطة بالسكون لغير الليث. وقال بعض الشراح من علمائنا: هي بفتح القاف: المال الملقوط من لقط الشيء والتقطه أخذه من الأرض وعلیه الأكثرون. وقال الخليل: اللقطة بفتح القاف: اسم للملتقط قياسًا على نظائرها من أسماء الفاعلين كهمزة ولمزة، وأما اسم الملقوط فبسكون القاف. الفصل الأول ٣٠٣٣ - [عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالٍِ قَالَ: جَاءَ رَجُلَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَّةِ، فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ ◌ِهَا، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذَّتْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَلَّهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِّكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ]. (قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ) أي: مَا حُكْمُهَا؟ فَحَذْفُ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ. قَالَ الْعُلَمَاءِ: الضَّالَّةُ لَا تَقَعُ إِلَّ عَلَى الْحَيَوَانِ، وَمَا سِوَاهُ يُقَالُ لَهُ: لُقَطَّةٍ، وَيُقَالُ لِلِضَّوَالِّ أَيْضًا: الْهَوَامِي، وَالْهَوَافِي بِالْمِيمَ وَالْفَاءِ، وَالْهَوَامِل (لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّثْبِ). فِيهِ: إِشَارَة إِلَى جَوَازٍ أَخْذِهَا كَأَنَّهُ قَالَ: هِيَ ضَعِيفَةُ لِعَدَمِ الإِسْتِقْلَالِ، مُعَرَّضَة (١) أخرجه مالك (١٤٤٤) والبخاري (٢٢٤٣) ومسلم (١٧٢٢) وأبو داود (١٧٠٤) والترمذي (١٣٧٢) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٧١٠١) والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨١٢) وابن ماجه (٢٥٠٤) وابن حبان (٤٨٨٩). - ٣١٩ - ٣٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن لِلْهَلَاكِ، مُتَرَدِّدَة بَيْنَ أَنْ تَأْخُذَهَا أَنْتَ أَوْ أَخُوكِ، وَالْمُرَاد بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ صَاحِبِهَا أَوْ مِنْ مُلْتَقِطٍ آخَرَ، وَالْمُرَاد بِالذِّئْبِ: جِئْس مَا يَأْكُلُ الشَّاةَ مِن السِّبَاعِ. وَفِيهِ: حَثُّ لَهُ عَلَى أَخْذِهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا بَقِيَتْ لِلذِّتْبِ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى لَهُ إِلَى أَخْذِهَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَر عَنْ رَبِيعَة كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابِ، ((فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَك ... إِلَخْ)) وَهُوَ صَرِيحُ فِي الْأُمْرِ بِالْأَخْذِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى رَدِّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ: ((يَتْرُكُ إِلْتِقَاطِ الشَّاةِ». وَتَمَسَّكَ بِهِ مَالِكِ فِي أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِالْأَخْذِ وَلَا يَلْزَمُهُ غَرَامَةٍ وَلَوْ جَاءَ صَاحِبهَا، وَاحْتَجَّ لَهُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالْمُلْتَقِطِ، وَالذِّئْبُ لَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ الْمُلْتَقِطِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ اللََّمَ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الذّتْبَ لَا يَمْلِكُ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهَا الْمُلْتَقِطِ عَلَى شَرْطِ ضَمَانِهَا، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْمُلْتَقِطِ لَأَخَذَهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَة عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا، وَلَا فَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ فِي الشَّاةِ: ((هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ)) وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي اللُّقَطَةِ: ((شَأْنِك بِهَا أَوْ خُذْهَا)) بَلْ هُوَ أَشْبَهُ بِالثَّمَلُّكِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ مَعَهُ ذِئْبًا وَلَّا غَيْرَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَالُوا فِي النَّفَقَةِ: يَغْرَمُهَا إِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبھا. وَقَالَ الْجُمْهُورِ: يَجِبُ تَعْرِيفُهَا، فَإِذَا اِنْقَضَتْ مُدَّة التَّعْرِيف أَكَلَهَا إِنْ شَاءَ وَغَرِمَ لِصَاحِبِهَا، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: لَا يَجِبُ تَعْرِيفهَا إِذَا وُجِدَتْ فِي الْفَلَاةِ، وَأَمَّا فِي الْقَرْيَةِ فَيَجِبُ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ النَّوَوِيّ: اِحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ نَّهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: ((فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ)) وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَة مَالِك بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْغَرَامَةِ وَلَا نَفَاهَا، فَثَبَتَ حُكْمُهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ. إِنْتَهَى. وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ رِوَايَاتٍ مُسْلِمٍ فِيهَا ذِكْرِ حُكْم الشَّاة إِذَا أَكَلَهَا الْمُلْتَقِطِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتٍ مُسْلِمٍ وَلَا غَيْرِهِ فِي حَدِيثِ زَيْد بْنِ خَالِدِ، نَعَمْ عِنْد أَبِي دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ وَالطَّحَاوِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْن ٣٢١ كتاب البيوع / باب اللقطة شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي ضَالَّةِ الشَّاةِ: ((فَاجْمَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا بَاغِيهَا)). (قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا) زَادٍ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانِ بْنِ بِلَال عَنْ رَبِيعَة السَّابِقَةِ فِي الْعِلْمِ: ((فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)). (عَرَّفْهَا سَنَّةً ثُمَّ إِعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا) فِي رِوَايَةِ الْعَقَدِيّ عَنْ سُلَيْمَانِ بْن بِلَال الْمَاضِيَة فِي الْعِلْمِ: ((إِعْرِفْ وِكَاءَهَا أَوْ قَالَ: عِفَاصهَا)) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بَشِيرِ بْن سَعِيد عَنْ زَيْد بْنِ خَالِدِ: ((فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا)» زَادَ فِيهِ الْعَدَدَ كَمَا فِي حَدِيثٍ أُبِيّ بْنِ كَعْب، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ مَالِكِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَاب: ((إِعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةٍ)) وَوَافَقَهُ الْأَكْثَر. نَعَمْ وَافَقَ الثَّوْرِيّ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الله بْنِ يَزِيد مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ بِلَفْظِ: ((عَرِّفْهَا حَوْلاً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبِهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِلَّا إِعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ إِقْبِضْهَا فِي مَالِك ... )) وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الَّعْرِيفَ يَقَعُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا ذَكَرَ مِن الْعَلَامَاتِ، وَرِوَايَةُ الْبَابِ تَقْتَضِي أَنَّ التَّعْرِيفَ يَسْبِقُ الْمَعْرِفَةَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالْمَعْرِفَةِ فِي حَالَتَيْنِ، فَيُعَرِّفُ الْعَلَامَاتِ أَوَّلَ مَا يَلْتَقِظُ حَتَّى يَعْلَمَ صِدْق وَاصِفْهَا إِذَا وَصَفَهَا كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ بَعْدَ تَعْرِيفهَا سَنَةً إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا، فَيُعَرِّفُهَا مَرَّةٍ أُخْرَى تَعَرُّفًا وَافِيًّا مُحَقَّقًا؛ لِيَعْلَمْ قَدْرَهَا وَصِفَتَهَا، فَيَرُدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا. قُلْت: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ (ثُمَّ)) فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَلَا تَقْتَضِي تَخَالُفًا يَحْتَاجُ إِلَى الْجُمْعِ، وَيُقَوِّه كَوْن الْمَخْرَجِ وَاحِدًا وَالْقِصَّةِ وَاحِدَة، وَإِنَّمَا يُحَسِّنُ مَا تَقَدَّمَ أَنْ لَوْ كَانَ الْمَخْرَج مُخْتَلِفًا، فَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ، وَلَيْسَ الْغَرَضِ إِلَّ أَنْ يَقَعَ التَّعَرُّف وَالثَّعْرِيف مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَيِّهِمَا أَسْبَقِ. وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَظْهَرُهُمَا الْوُجُوب ◌ِظَاهِرِ الْأُمْرِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَقَالَ بَعْضهمْ: يَجِبُ عِنْدَ الاِلْتِقَاطِ، وَيُسْتَحَبُّ بَعْدَهُ. وَالْعِفَاصُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيف الْفَاءِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُهْمَلَةِ: الْوِعَاءُ الَّذِي ٣٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةِ جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَقِيلَ لَهُ: الْعِفَاصِ أَخْذًا مِن الْعَفْصِ وَهُوَ الثَّنْيُ؟ لِأَنَّ الْوِعَاءَ يُثَنَى عَلَى مَا فِيهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي (زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ)) لِعَبْد الله بْن أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَلَمَةٍ فِي حَدِيثٍ أُبَيّ: (وَخِرْقَتَهَا)) بَدَل ((عِفَاصهَا)). وَالْعِفَاصِ أَيْضًا: الْجِلْدِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى رَأْسِ الْقَارُورَةِ، وَأَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ فَم الْقَارُورَةِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ الصِّمَامُ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. قُلْت: فَحَيْثُ ذَكَرَ الْعِفَاص مَعَ الْوِعَاءِ، فَالْمُرَادُ الثَّانِي، وَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرِ الْعِفَاص مَعَ الْوِعَاءِ فَالْمُرَادِ بِهِ الْأَوَّل، وَالْغَرَضُ مَعْرِفَةِ الْآَلَاتِ الَّتِي تَخْفَظُ النَّفَقَةَ، وَيَلْتَحِقُ بِمَا ذُكِرَ حِفْظ الْجِئْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، وَالْكَيْلِ فِيمَا يُكَالُ، وَالْوَزْنِ فِيمَا يُوزَنُ، وَالذَّرْع فِيمَا يُذْرَعُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنِ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ تَقْبِيِدُهَا بِالْكِتَابَةِ خَوْفَ النِّسْيَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا عَرَّفَ بَعْضَ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْض بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الدَّفْعِ لِمَنْ عَرَّفَ الصِّفَةَ. قَالَ إِبْنِ الْقَاسِمِ: لَا بُدّ مِنْ ذِكْرِ جَمِيعِهَا، وَكَذَا قَالَ أَصْبَغُ، لَكِنْ قَالَ: لَا يُشْتَرَطْ مَعْرِفَة الْعَدَدِ، وَقَوْل اِبْنِ الْقَاسِمِ أَقْوَى لِثُبُوت ذِكْرِ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَزِيَادَة الْحَافِظِ حُجَّة. (عَرِّفْهَا) بِالتَّشْدِيدِ وَكَسْرِ الرَّاءِ؛ أي: أُذْكُرْهَا لِلنَّاسِ، قَالَ الْعُلَمَاءِ: مَحَلُّ ذَلِكَ الْمَحَافِلُ كَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، يَقُولُ: مَنْ ضَاعَتْ لَهُ نَفَقَةُ أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِن الْعِبَارَاتِ، وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا مِنِ الصِّفَاتِ. (سَنَة) أي: مُتَوَالِيَة فَلَوْ عَرَّفَهَا سَنَة مُتَفَرِّقَة لَمْ يَكْفِ كَأَن يُعَرِّفَهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا، فَيَصْدُقُ أَنَّهُ عَرَّفَهَا سَنَةً فِي إِثْنَتَيْ عَشْرَةِ سَنَّةً، وَقَالَ الْعُلَمَاءِ: يُعَرِّفُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعِ، ثُمَّ فِي كُلِّ شَهْرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُعَرِّفَهَا بِنَفْسِهِ بَلْ تَجُوزُ بِوَكِيلِهِ، وَيُعَرِّفُهَا فِي مَكَانٍ سُقُوطِهَا وَفِي غَيْرِهِ. قَوْله: (ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَتَصَرَّفُ فِيهَا سَوَاء كَانَ غَنِيًّا ٣٢٣ كتاب البيوع / باب اللقطة أَوْ فَقِيرًا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةٍ إِنْ كَانَ غَنِيًّا تَصَدَّقَ بِهَا وَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا تَخَّرَ بَيْنَ إِمْضَاءِ الصَّدَقَة أَوْ تَغْرِیمِهِ. قَالَ صَاحِب («الْهِدَايَةِ»: إِلَّا إِنْ كَانَ يَأْذَنُ الْإِمَامِ، فَيَجُوزُ لِلْغَنِيِّ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبَيّ بْنِ كَعْب، وَبِهَذَا قَالَ عُمَر وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْن عَبَّاس، وَغَيْرِهِمْ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ) جَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف تَقْدِيرُهُ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّد بْنِ يُوسُف عَنْ سُفْيَانِ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ: ((فَإِنْ جَاءَ أَحَدِ يُخْبِرُك بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا». ٣٠٣٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالُّ مَا لَمْ يُعَرَّفْهَا (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. ٣٠٣٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الَّيْمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَهَى عَنْ لُقَطَةٍ الْحَاجِ(٤) رَوَاهُ مُسْلِمُ]. الفصل الثاني ٣٠٣٦ - [عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللهِعَل﴿ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: مَا أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَذَكَرَ فِي ضَالَّةِ الإِبلِ وَالغَنَمِ كَمَا ذَكَرَ غَيْرُهُ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ اللَّقْطَةِ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ مِنْهَا فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ وَالقَرْيَةِ الجَامِعَةِ، فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِليهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَهِي لَك، وَمَا كَانَ فِي الخَرَابِ العَادِي فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (٣). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْهُ مِنْ (١) أخرجه مسلم (٤٦٠٧) وأحمد (١٧٥١٨). (٢) أخرجه مسلم (٤٦٠٦) وأحمد (١٦٤٩٥) وأبو داود (١٧٢١). (٣) أخرجه أبو داود (١٧١٠) والترمذي (١٢٨٩) وقال: حسن، والنسائي (٤٩٥٨). ٣٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن قَولِهِ: وَسُئِلَ عَنِ اللَّقَطَّةِ .... إِلَى آخرِهِ]. (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُس) فَفِيهِ تَصْرِيحٍ بِوُجُوبِ الْخُمُس فِيهِ، وَهُوَ زَكَاة عِنْدِنَا، وَالرِّكَاز هُوَ دَفِين الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَذَا مَذْهَبَنَا وَمَذْهَب أَهْلِ الْحِجَازِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: هُوَ الْمَعْدِنِ، وَهُمَا عِنْدِهِمْ لَفْظَانٍ مُتَرَادِفَانٍ، وَهَذَا الْحَدِيثِ يَرُدّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ◌َ فَرَّقَ بَيْنِهِمَا، وَعَطَفَ أَحَدهمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالْأَصْلِ الرَّكَازِ فِي اللُّغَةِ: القُبُوتِ، وَالله أَعْلَم. قال الحافظ: إِنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ الْمَالُ الْمَدْفُونُ، لَكِنْ حَصَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِيمَا يُوجَدُ فِي الْمَوَاتِ، بِخِلَافٍ مَا إِذَا وَجَدَهُ فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ أَوْ مَسْجِدٍ فَهُوَ لُقَطَةُ، وَإِذَا وَجَدَهُ فِي أَرْضِ مَمْلُوَكَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ الَّذِي وَجَدَهُ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ، فَإِن إِذَّعَاءُ الْمَالِكُ فَهُوَ لَهُ، وَإِلَّ فَهُوَ لِمَنْ تَلَقَّاهُ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْحَالُ إِلَى مَنْ أَحْيَا تِلْكَ الْأَرْضَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَنْ قَالَ مِن الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ إِمَّا مُظْلَقًا أَوْ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْحَدِيثِ، وَخَصَّهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَخْتَصُ، وَاخْتَارَهُ إِبْنُ الْمُنْذِرِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَصْرِفِهِ، فَقَالَ مَالِكُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ: مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ خُمُسِ الْفَيْءٍ، وَهُوَ إِخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ: مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانٍ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَا إِذَا وَجَدَهُ ذِيٌّ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُخْرَجُ مِنْهُ الْخُمُسُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ بَلْ يَجِبُ إِخْرَاجُ الْخُمُسِ فِي الْحَالِ، وَأَغْرَبَ إِبْنُ الْعَرَبِيِّ فِي (شَرْجِ التِّرْمِذِيِّ) فَحَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ الإِشْتِرَاطَ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ وَلَا مِنْ كُتُبٍ أَصْحَابِهِ. ٣٠٣٧ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ عَلَيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﴾ وَجَدَ دِينَارًا، فَأَتَى بِهِ فَاطِمَةَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - فَسَأَلَ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: هَذَا رِزْقُ اللّهِ رَتْ، فَأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِهِ وَأَكَلَ عَلىٍّ وَفَاطِمَةُ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - فَلَمَّا ٣٢٥ كتاب البيوع / باب اللقطة كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَتِ امْرَأَةٌ تَنْشُدُ الدِّينَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: يَا عَلَىُّ أَدِّ الدِّينَارَ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. [وَعَنِ الْجَارُودِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ ﴿: ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرْقُ النَّارِ (٢). ٣٠٣٨ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]. ٣٠٣٩ - [وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ - أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ - وَلَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ الله ◌َ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ(٣) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالدَّارِمِيُّ]. ٣٠٤٠ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللّهِ وَيهِ فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَالْخَبْلِ وَأَشْبَاهِهِ، يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ (٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ، وَذُكِرَ حَدِيثُ الْمِقْدَامِ بن مَعْدِي كَرِبٍ: (أَلا لا يَحُلُّ ... » فِي بَابِ الاعْتِصَامِ]. (رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَهُ فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِ، يَلْتَقِظُهُ الرَّجُلُ) صفة أوحال (يَنْتَفِعُ بِهِ) أي: الحكم فيها أن ينتفع الملتقط به إذا كان فقيرًا من غير تعريف سنة أو مطلقًا. قال البغوي في ((شرح السنة)): فيه دليل على أن القليل لا يعرف، ثم منهم من قال: ما دون عشرة دراهم قليل، وقال بعضهم: الدينار فما دونه قليل لحديث علي ته. وقال قوم: القليل التافه من غير تعريف كالنعل والسوط والجراب ونحوها. وفي ((فتاوى قاضيخان)): رفع اللقطة لصاحبها أفضل من تركها عند عامة (١) أخرجه أبو داود (١٧١٦) والبيهقي في ((سننه» (١٢٤٥٢). (٢) أخرجه أحمد (٢٠٧٧٣) والترمذي (١٨٨١) والنسائي في ((الكبرى)) (٥٧٩٣) والدارمي (٢٦٠١) والطيالسي (١٢٩٤) وأبو يعلى (٩١٩) وابن حبان (٤٨٨٧) والطبراني (٢١٢١) والبيهقي (١١٨٥١) وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (١٦٤٠). (٣) أخرجه أحمد (١٧٥١٦) وأبو داود (١٧٠٩) وابن ماجه (٢٥٠٥) والبيهقي (١١٨٦٩) والطيالسي (١٠٨١). (٤) أخرجه أبو داود (١٧١٩). ٣٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن العلماء، وقال بعضهم: يحل رفعها وتركها أفضل، وقال المتعسفة: لا يحل رفعها، والصحيح قول علمائنا خصوصًا في زماننا، والحمار والفرس والإبل الترك أفضل، وهذا إذا كان في الصحراء، وإن كان في القرية فترك الدابة أفضل، وإذا رفع اللقطة يعرفها ويقول: التقطت لقطة أو وجدت ضالة أو عندي شيء، فمن سمعتموه يطلب فدلوه عليها. واختلفت الروايات في هذا التعريف: قال محمد - رحمه الله - في الكتاب: يعرفها حولاً ولم يفصل فيما إذا كانت اللقطة قليلة أو كثيرة. وعن أبي حنيفة - رحمه الله - روايتان: في رواية وإن كانت مائتي درهم فما فوقها يعرفها حولاً، وإن كانت أقل من مائتي درهم عشرة، فما فوقها يعرفها شهر، وإن كانت أقل من عشرة يعرفها ثلاثة أيام. وقال بعضهم: إلى خمسة يحفظها يومًا واحدًا، وفي الخمسة إلى العشرة يحفظها أيامًا، وفي عشرة إلى خمسين يحفظها جمعة، وفي الخمسين إلى المائة يعرفها شهرًا، وفي المائة إلى المائتين يحفظها ستة أشهر، وفي المائتين إلى الألف أو أكثر يحفظها حولاً. وقال بعضهم: في الدرهم الواحد يحفظ ثلاثة أيام، وفي الدانق فصاعدًا يحفظه یومًا ویعرفه، وإن كان دون ذلك ينظر يمنة ويسرة ثم يتصدق. وقال الإمام الأجل أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي: ليس في هذا تقدير لازم، بل يفوض إلى رأي الملتقط يعرف إلى أن يغلب على رأيه أن صاحبه لا يطالبه بعد ذلك، فبعد ذلك إن جاء صاحبها دفعها إليه، وإن لم يجئ فهو بالخيار إن شاء أمسكها حتى يجيء صاحبها، وإن شاء تصدق بها، وإن تصدق ثم جاء صاحبها كان صاحبها بالخيار إن شاء أجاز الصدقة ويكون الثواب له، وإن لم يجز الصدقة، فإن كانت اللقطة في يد الفقير يأخذها من الفقير، وإن لم تكن قائمة كان له الخيار إن شاء ضمن الفقير، وإن شاء ضمن الملتقط، وأيهما ضمن لا يرجع على صاحبه بشيء. وينبغي للملتقط أن يشهد عند رفع اللقطة أنه يرفعها لصاحبها، فإن أشهد ٣٢٧ كتاب البيوع / باب اللقطة كانت اللقطة أمانة في يده وإن لم يشهد كان عاصيًا في قول أبي حنيفة ومحمد، وعلى قول أبي يوسف رحمهم الله: هي أمانة على كل حال إذا لم يكن من قصده الحفظ لنفسه، ولا يضمن الملتقط إلا بالتعدي عليها أو بالمنع عند الطلب، وهذا إذا أمكنه أن يشهد وإن لم يجد أحدًا يشهده عند الرفع، أو خاف أنه لو أشهد عند الرفع يأخذ منه الظالم، فترك الإشهاد لا يكون ضامنًا. [((المرقاة)) (٤٩٣/٩)]. كتاب الفرائض والوصايا (الْفَرَائِضُ) جَمْعُ: فَرِيضَةٍ، وَهِيَ الْأَنْصِبَاءُ الْمُقَدَّرَةُ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى: النَّصْفُ وَنِصْفُهُ، وَهُوَ الرُّبْعُ، وَنِصْفُ نِصْفُهُ وَهُوَ الثُّمْنُ، وَالُّلْتَانِ وَنِصْفُهُمَا وَهُوَ الثُّلُثُ، وَنِصْفُ نِصْفِهِمَا وَهُوَ السُّدُسُ. وقال المصنف: أي: مَسَائِلِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ، جَمْعُ: فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ، مِن الْفَرْضِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، فَهِيَ هُنَا شَرْعًا نَصِيبٌ مُقَدَّرُ لِلْوَارِثِ غَلَبَتْ عَلَى غَيْرِهَا؛ لِفَضْلِهَا بِتَقْدِيرِ الشَّارِعِ لَهَا وَلِكَثْرَتِهَا. [(تحفة)) (١٥/٢٧)]. الفصل الأول ٣٠٤١ [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ))(١). وَفِي رِوَايَةٍ: (مَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلَيَأْتوِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ»(٤). وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَنْ تَرَكَ مَالَاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلاَّ فَإِلَيْنَا))(٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٣٠٤٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ: أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأُوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (٤). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا) فِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِسْمَةَ الْفَرَائِضِ تَكُونُ بِالْبُدَاءَةِ بِأَهْلِ الْفَرْضِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ مَا بَقِيَ لِلْعَصَبَةِ. (فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) أَوْ (عَصَبَةِ ذَكَرٍ)) قَدْ يُورَدُ هَاهُنَا إِشْكَالُّ، وَهُوَ أَنَّ الْأَخَوَاتِ (١) أخرجه البخاري (٦٧٣١). (٢) أخرجه البخاري (٢٢٦٩) ومسلم (١٦١٩) والبيهقي (١٢١٤٩) وأبو عوانة (٥٦٣٢). (٣) أخرجه البخاري (٢٣٩٨) ومسلم (٤٢٤٦) وأبو داود (٢٨٩٩) وأحمد (١٧٢٤٣) وابن ماجه (٢٧٣٨) وابن حبان (٦٠٣٥) والبيهقي (١١٩٨٩) والطيالسي (١١٥٠) والديلمي (١٢٤). (٤) أخرجه البخاري (٦٣٥١) ومسلم (١٦١٥) والترمذي (٢٠٩٨) وقال: حسن، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٣١) وابن حبان (٦٠٢٨) وأبو عوانة (٥٥٩٨) والطبراني (١٠٩٠٤) والدارقطني (٧١/٤) والبيهقي (١٢١١٦). ٣٢٨ ٣٢٩ كتاب الفرائض والوصايا عَصَبَاتُ الْبَنَاتِ، وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الذُّكُورَةِ فِي الْعَصَبَةِ الْمُسْتَحَقِّ لِلْبَاقِي، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَأَقْصَى دَرَجَاتِهِ: أَنْ يَكُونَ لَهُ عُمُومٌ، فَيُخَصُّ بِالْحَدِيثِ الدَّالِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ وَأَعْنِي أَنَّ الْأَخَوَاتِ عَصَبَاتُ الْبَنَاتِ. [(إحكام الأحكام)) (٢٦٤/٢)]. وقال النووي: فِي رِوَايَة: ((إِقْسِمُوا الْمَالِ بَيْنِ أَهْلِ الْفَرَائِض عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا تَرَكَت الْفَرَائِضِ فَلِأَوْلَى رَجُل ذَكَر)) قَالَ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَاد بِأَوْلَى رَجُلٍ: أَقْرَب رَجُل، مَأْخُوذ مِنِ الْوَلْي بِإِسْكَانِ اللَّامِ عَلَى وَزْنِ الرَّبِي، وَهُوَ الْقُرْبِ، وَلَيْسَ الْمُرَادِ بِأَوْلَى هُنَا أَحَقَّ، بِخِلَافِ قَوْلهمْ: ((الرَّجُلِ أَوْلَى بِمَالِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ هُنَا عَلَى ((أَحَقَّ)) لَخَلَى عَنِ الْفَائِدَة؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ الْأَحَقّ. [((شرح مسلم)) (٤٩٧/٥)]. وقال ابن بطال (٣٨٠/١٥): أما قول زيد: ((إذا ترك بنتًا فلها النصف» فإجماع من العلماء، إلا من يقول بالرد، وقوله: ((وإن كانتا اثنتين أو أكثر)) فإجماع أيضًا إلا من يقول بالرد. وقوله: ((إن كان معهن ذكر)) يريد إن كان مع البنات ابن المتوفى ذكر أخ لهن، وكان معهم غيرهم ممن له فرض مسمى؛ ولذلك قال: (شركهم)) ولم يقل: (شركهن)) لأنه أراد الابن والبنات. مثال ذلك: رجل توفي عن بنات وابن وزوج وأب أو جد إن لم يكن أبًا أو جده، فإن هؤلاء يعطون فرائضهم؛ لأنه لا يحجب واحد منهم بالبنين، ويكون ما بقي بين البنات والابن للذكر مثل حظ الأنثيين، فهذا تأويل قوله تعالي: ((ألحقوا الفرائض بأهلها» أي: أعطوا كل ذي فرض فرضه وما بقي فلمن لا فرض له؛ لأنهم عصبة والبنات مع أخيهن لا فرض لهن معه، وهن معه عصبة من أجله. وأما قوله: (فلأولى رجل ذكر): يريد إذا كان في الذكور من هو أولى من صاحبه بقرب أو ببطن، وأما إن استووا في العدد وأدلوا بالآباء والأمهات معًا كالإخوة وشبههم، فلم يقصدوا بهذا الحديث؛ لأنه ليس في البنين من هو أولى من غيره؛ لأنهم قد استووا في المنزلة، ولا يجوز أن يقال: أولى وهم سواء، فلم يرد البنين بهذا الحديث، وإنما أريد غيرهم. قال المصنف: وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَيَانُ أَنَّ الرَّجُلَ يُظْلَقُ بِإِزَاءِ الْمَرْأَةِ فَيَعُمُّ، وَبِإِزَاءِ الصَّبِيِّ فَيَخُصُّ الْبَالِغَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَكَلُّفُّ ظَاهِرًّ، وَهُوَ مُتَوَقِّفُّ عَلَى عِلْمِ الْفَتْوَى وَالنَّسَبِ وَالْحِسَابِ. ٣٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن ٣٠٤٣ - [وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَّا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ (١) . مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) قال النووي: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرِ لَا يَرِثِ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمِ فَلَا يَرِث الْكَافِرِ أَيْضًا عِنْد جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدِهِمْ، وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى تَوْرِيث الْمُسْلِمِ مِن الْكَافِرِ، وَهُوَ مَذْهَب مُعَاذِ بْنِ جَبَل وَمُعَاوِيَة وَسَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب وَمَسْرُوقَ وَغَيْرِهِمْ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَالشَّعْبِيّ وَالزُّهْرِيّ وَالنَّخَعِيِّ تَحْوِهِ عَلَى خِلَاف بَيْنِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَالصَّحِيحِ عَنْ هَؤُلَاءِ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَاحْتَجُوا بِحَدِيثِ: ((الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ)). وَحُجَّة الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ، وَلَا حُجَّةٍ فِي حَدِيث: ((الْإِسْلَامِ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ)) لِأَنَّ الْمُرَادِ بِهِ فَضْل الْإِسْلَامِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّض فِيهِ لِمِيرَاثٍ، فَكَيْفَ يُتْرَكِ بِهِ نَصُّ حَدِيث: (لَا يَرِث الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ)) وَلَعَلَّ هَذِهِ الطَّائِفَة لَمْ يَبْلُغُهَا هَذَا الْحَدِيث. وَأَمَّا الْمُرْتَدّ فَلَا يَرِث الْمُسْلِم بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمِ فَلَا يَرِثِ الْمُرْتَدْ عِنْد الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَرَبِيعَة وَابْن أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ، بَلْ يَكُون مَاله فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةٍ وَالْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقٍ: يَرِثُهُ وَرَثَتْه مِن الْمُسْلِمِينَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنِ السَّلَف، لَكِنْ قَالَ الثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَةٍ: مَا كَسَبَهُ فِي رِدَّتِه فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْجَمِيع ◌ِوَرَثَتِهِ مِن الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا تَوْرِيث الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْض كَالْيَهُودِيِّ مِن النَّصْرَانِيّ وَعَكْسه، وَالْمَجُوسِيّ مِنْهُمَا وَهُمَا مِنْهُ، فَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَةٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - وَآخَرُونَ، وَمَنَعَهُ مَالِك. قَالَ الشَّافِعِيّ: لَكِنْ لَا يَرِث حَرْبِيّ مِنْ ذِيّ، وَلَا ذِئِّ مِنْ حَرْبِيّ. قَالَ أَصْحَابِنَا: وَكَذَا لَوْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ فِي بَلَدَيْنِ مُتَحَارِبَيْنِ لَمْ يَتَوَارَثَا، وَالله أَعْلَم. وقال المصنف: (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) بِنَسَبٍ وَغَيْرِهِ لِلْحَدِيثِ (١) أخرجه البخاري (٦٧٦٤) ومسلم (٤٢٢٥) والترمذي (٢٢٥٣) وأبو داود (٢٩١١) وأحمد (٢٢٣٧٩) وابن ماجه (٢٨٣٣) والدارمي (٣٠٥٧). ٣٣١ كتاب الفرائض والوصايا الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى الثَّانِي، وَفَارَقَ جَوَازَ نِكَاجِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرَةِ بِأَنَّ مَبْنَى مَا هُنَا عَلَى الْمُؤَالَاةِ وَلَا هُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ، وَأَمَّ النَّكَاحُ فَمِنْ نَوْعِ الإِسْتِخْدَامِ، وَخَبَرُ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ: (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ النَّصْرَائِيَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ)) مُؤَوَّلُّ بِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ لِلسَّيِّدِّ كَمَا فِي الْحَيَاةِلَا الْإِرْتُ الْحَقِيقِيُّ مِن الْعَتِيقِ؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ عَبْدَهُ عَلَى أَنَّهُ أَعْلَى. وَاعْتَرَضَ الْمَتْنَ بِأَنَّ نَفْيَ التَّفَاعُلِ الصَّادِقِ بِانْتِفَاءِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي أَصْلِهِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ عُوَّلَ فِي ذَلِكَ عَلَى شُهْرَةِ الْحُكْمِ، فَلَمْ يُبَالِ بِذَلِكَ الْإِيهَامِ عَلَى أَنَّ النَّفَاعُلَ يَأْتِي كَثِيرًا لِأَصْلِ الْفِعْلِ كَعَاقَبْتُ اللّصَّ، وَبِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْمَاتَ كَافِرُ عَنْ زَوْجَةٍ حَامِلٍ ثُمَّ أَسْلَمَتْ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَمْ يَرِثْ وَلَدُهَا؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمُ تَبَعًا لَهَا وَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالإِتِّحَادِ فِي الدَّيْنِ حَالَةَ الْمَوْتِ، وَهُوَ مَحْكُومُ بِكُفْرِهِ حِينَئِذٍ، وَالْإِسْلَامُ هُنَا إِنَّمَا طَرَّأَ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا وَرِثَ مَعَ كَوْنِهِ جَمَادًا؛ لِأَنَّهُ بَانَ بِصَيْرُورَتِهِ لِلْحَيَوَانِيَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فِيهِ بِالْقُوَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لَنَا جَمَادُ يَمْلِكُ وَهُوَ النُّطْفَةُ، وَاعْتِرَاضُهُ بِأَنَّ الْجَمَادَ مَا لَيْسَ بِحَيَوَانٍ وَلَا كَانَ حَيَوَانًا؛ أي: وَلَا خَرَجَ مِنْ حَيَوَانٍ وَإِلَّا لَمْ يَتِمّ الإِعْتِرَاضُ يَرِدُ بِأَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْجَمَادِ فِي بَعْضِ الْأَبْوَابِ لَا مُظْلَقًا فَلَا يَرِدُ. [(تحفة المحتاج في شرح المنهاج)) (١٩١/٢٧)]. ٣٠٤٤ - [وَعَنْ أُنَسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: عَتِيقهِمْ يُنْسَبِ نِسْبَتِهِمْ وَيَرِثُونَهُ. ٣٠٤٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَذُكِرَ حَدِيثُ عَائِشَةٍ: ((إنَّمَا الْوَلَاءُ.)) فِي بَابٍ قَبْل بَابِ السَّلْمِ، وَسَنَذِكُرُ حَدِيثَ البَرَاءِ («الْقَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأَمِّ.» فِي بَابٍ بُلُوع الصَّغِيرِ وَحَضَانَتُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى]. (١) أخرجه البخاري (٦٣٨٠) والقضاعي (٩٨٨) والبيهقي (٢٦٨٧). (٢) أخرجه البخاري (٣٣٢٧) ومسلم (١٠٥٩) والترمذي (٣٩٠١) وأحمد (١٢٢٠٨) والنسائي (٢٦١١) وابن حبان (٧٢٦٨) والدارمي (٢٥٢٧). ٣٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن (ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ يَرِثُونَ كَمَا وَرِثَ الْعَصَبَاتُ، وَحَمَلَهُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ رَمَزَ إِلَى الْجْوَاب بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيث؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ الإِسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: (إِبْن أَخْتِ الْقَوْم مِنْهُمْ)) عَلَى إِرَادَة الْمِيرَاثِ لَصَحَّ الإِسْتِدْلَال لَهُ عَلَى أَنَّ الْعَتِيقِ يَرِث مِمَّنْ أَعْتَقَهُ لِوُرُودٍ مِثْلِهِ فِي حَقِّهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وَكَذَا ((مِنْهُمْ) فِي الْمُعَاوَنَةِ وَالإِنْتِصَارِ وَالْبِرّ وَالشَّفَقَة وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا فِي الْمِيرَاث. وَقَالَ اِبْنِ أَبِي جَمْرَةِ: الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرٍ ذَلِكَ إِبْطَالُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ عَدَم الإِلْتِفَاتِ إِلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ فَضْلاً عَنْ أَوْلَاد الْأَخَوَاتِ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا، وَبَنَاتُنَا بَنُّوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَّبَاعِدِ، فَرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ التَّحْرِيضِ عَلَى الْأَلْفَةِ بَيْنِ الْأَقَارِبِ. قُلْت: وَأَمَّا الْقَوْلِ فِي الْمَوَالِي فَالْحِكْمَة فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ جَوَازِ نِسْبَةِ الْعَبْدِ إِلَى مَوْلَاهُ لَا بِلَفْظِ الْبُنُوَّة، ومِن الْوَعِيدِ الثَّابِتِ لِمَن إِنْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيِهِ، وَجَوَاز نِسْبَتِه إِلَى نَسَب مَوْلَاهُ بِلَفْظِ النِّسْبَةِ، وَفِي ذَلِكَ جَمْعُ بَيْنِ الْأَدِلَّةِ، وَبِاللّه التَّوْفِيقِ. [((الفتح)) (١٦٣/١٩)]. الفصل الثاني ٣٠٤٦ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه]. (لَا يَتَوَارَث أَهْلِ مِلَّتَيْنِ شَفَّى) بِفَتْج فَتَشْدِيد صِفَة أَهْل؛ أي: مُتَفَرِّقُونَ. وَقَالَ الطَّيبِيُّ: حَالِ مِنْ فَاعِل لَا يَتَوَارَث؛ أي: مُتَفَرِّقِينَ. وَقِيلَ: يَجُوزِ أَنْ يَكُونِ صِفَة الْمِلَّتَيْنِ؛ أي: مِلَّتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ. وَفِي بَعْض النُّسَخِ: (شَيْئًا)) مَكَان (شَتَّى)) وَالْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا تَوَارُث بَيْنِ أَهْل مِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِالْكُفْرِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورِ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمِلَّتَيْنِ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ فَيَكُون كَحَدِيثِ: ((لَا يَرِثِ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ .. )) قَالُوا: وَأَمَّا تَوْرِيث مِلَل الْكُفْرِ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض، فَإِنَّهُ ثَابِت، وَلَمْ يَقُلْ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ لِلْمِلَلِ كُلّهَا إِلَّا الْأَوْزَاعِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَرِث الْيَهُودِيّ مِنِ النَّصْرَانِيّ، وَلَا عَكْسِه، وَكَذَلِكَ سَائِرِ الْمِلَل. (١) أخرجه أحمد (٦٦٦٤) وأبو داود (٢٩١١) وابن ماجه (٢٧٣١) والبيهقي (١٢٠٠٩). ٣٣٣ كتاب الفرائض والوصايا قَالَ فِي ((السُّبُل)): وَالظَّاهِرِ مِن الْحَدِيث مَعَ الْأَوْزَاعِيّ. ٣٠٤٧ [وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ](١). قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَه، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ، وَقَالَ: غَرِيب لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيث جَابِرٍ إِلَّ مِنْ حَدِيث اِبْنِ أَبِي لَيْلَى. هَذَا آخِرِ كَلَّامِه، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى هَذَا لَا يُحْتَجّ بِحَدِيثِهِ. [«عون)) (٣٨١/٦)]. ٣٠٤٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: الْقَاتِلُ لَا يَرِتُ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه]. ٣٠٤٩ [وَعَنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيّ ◌َهْ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إِذَا لَمْ تَكُنْ دُونَهَا أُمُّ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنِ بُرَيْدَةَ) هُوَ عَبْدِ الله (إِذَا لَمْ تَكُنْ دُونِهَا أُمّ) قَالَ الطَّيبِيُّ: دُونِ هُنَا بِمَعْنَى قُدَّام؛ لِأَنَّ الْحَاجِب كَالْحَاجِزِ بَيْنِ الْوَارِثِ وَالْمِيرَاث. إِنْتَهَى. وَالْمَعْنَى: إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أُمّ الْمَيِّت، فَإِنْ كَانَتْ هُنَاكَ أُمّ الْمَيِّتِ لَا تَرِثِ الْجُدَّة لَا أُمّ الْأُمّ وَلَا أُمّ الْأَب. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِ عُبَيْد الله الْعَتَكِيّ، وَهُوَ أَبُو الْمُنِيب عُبَيْدِ الله بْن عَبْدِ الله الْعَتَكِيّ الْمَرْوَزِيُّ، وَقَدْ وَثَّقَهُ يَخْتَى بْنِ مَعِین، وَتَكَلَّمَ فِهِ غَيْرٍ وَاحِد. ٣٠٥٠ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: إِذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ صُلَّيَّ عَلَيْهِ وَوَرِثَ (٤). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ]. (إِذَا اسْتَهَلَّ الصَّبيُّ) المراد: أمارة الحياة من عِطاس أو تنفس، أو حركة دالة على (١) أخرجه الترمذي (٢١٠٨) وقال: غريب. (٢) أخرجه الترمذي (٢١٠٩) وابن ماجه (٢٦٤٥) والبيهقي (١٢٠٢٣) والدارقطني (٩٦/٤) والديلمي (٤٦٩٢). (٣) أخرجه أبو داود (٢٨٩٧). (٤) أخرجه الترمذي (١٠٣٢) والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٥٨) وابن ماجه (١٥٠٨) وابن حبان (٦٠٣٢) والحاكم (١٣٤٥) والبيهقي (٦٥٧٥) والدارمي (٣١٣٠) والبيهقي (٦٥٧٣). ٣٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن الحياة. [((شرح سنن ابن ماجه)) (١٩٧/١)]. ٣٠٥١ - [وَعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ، وَحَلِيفُ الْقَوْمِ مِنْهُمْ، وَابْنُ أَخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمُ(١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]. ٣٠٥٢ - [وَعَنِ الْمِقْدَامِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيْنَا، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَقَتِهِ، وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ أَرِثُ مَالَهُ وَأَفُكُّ عَانَهُ، وَالْخَالُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ يَرِثُ مَالَهُ وَيَفُكُّ عَانَهُ(٢). وَفِي رِوَايَةٍ: (وَأَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ أَعْقِلُ لَهُ وَأَرِثُهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ يَعْقِلُ عَنْهُ وَبَرِثُهُ(٣) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. ٣٠٥٣ - [وَعَنْ وَائِلَةَ بْنِ الأَسْفَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: تَجُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيَطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَا عَنَتْ عَلَيْهِ(٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَابْنُ مَاجَه]. (لَا عَنَتْ عَلَيْهِ) وَفِي بَعْض النُّسَخِ: ((عَنْهُ)) أي: عَنْ قِبَله وَمِنْ أَجْلِهِ. قَالَ فِي (شَرْحِ السُّنَّة): وَأَمَّا الْوَلَدِ الَّذِي نَفَاهُ الرَّجُلِ بِاللَّعَانِ، فَلَا خِلَاف أَنَّ أَحَدهمَا لَا يَرِثِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ التَّوَارُث بِسَبَبِ النَّسَبِ انْتَفَى بِاللِّعَانِ، وَأَمَّا نَسَبه مِنْ جِهَة الْأُمّ فَتَابِت وَيَتَوَارَثَانِ. إِنْتَهَى. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَسَن غَرِيب لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْنِ حَرْب. هَذَا آخِر كلامه، وَفِي إِسْنَاده عُمَر بْن رُوَيَّة التَّغْلِيّ. قَالَ الْبُخَارِيّ: فِيهِ نَظَر، وَسُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمِ الرَّازِيّ فَقَالَ: صَالِحِ الْحَدِيث، قِيلَ: تَقُومِ بِالْحُجَّةِ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ صَالِح. وَقَالَ الْخُطَّابِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرِ ثَابِت عِنْدِ أَهْلِ النَّقْل. (١) أخرجه الدارمي (٢٥٨٣). (٢) أخرجه أبو داود (٢٩٠٢) وأحمد (١٧٦٦٦) والبيهقي في «سننه» (١٢٧٧٠). (٣) أخرجه أبو داود (٢٩٠١) وابن ماجه (٢٨٤٣) والبيهقي في «سننه» (١٢٥٧١). (٤) أخرجه أحمد (١٦٠٤٧) وأبو داود (٢٩٠٦) والترمذي (٢١١٥) وقال: حسن غريب، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٦٠) وابن ماجه (٢٧٤٢) والحاكم (٧٩٨٦) والطبراني (١٨١) والبيهقي (١٢٢٧٨) والدارقطني (٨٩/٤) والديلمي (٦٧٠٩). ٣٣٥ كتاب الفرائض والوصايا وَقَالَ الْبَيْهَِيُّ: لَمْ يُثْبِتِ الْبُخَارِيّ وَلَا مُسْلِمٍ هَذَا الْحَدِيث ◌ِجِهَالَةِ بَعْض رُوَاته. وقَالَ إِبْنِ الْقَيِّم: وَأُعِلَّ أَيْضًا بِعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْد الله بْنِ بُسْرِ النَّصْرِيّ، رَاوِيه عَنْ وَائِلَة، قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِمٍ: صَالِحِ لَا تُخْتَجّ بِهِ. وَقَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى ثَلَاث ◌ُمَل: إِحْدَاهَا: مِيرَاث الْمَرْأَةَ عَتِيقِهَا، وَهُوَ مُتَّفَقِ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةِ: مِيرَاثِهَا وَلَدِهَا الَّذِي لَا عَنَتْ عَلَيْهِ، وَقَدْ أُخْتُلِفَ فِيهِ، فَكَانَ زَيْدِ بْنِ ثَابِت يَجْعَل مِيرَائِهَا مِنْهُ كَمِيرَاثِهَا مِن الْوَلَدِ الَّذِي لَمْ تُلَاعِنِ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنِ اِبْن عَبَّاس نَحْوِهِ، وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِن التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَّبِي حَنِيفَةٍ وَأَصْحَابِهِمْ، وَعِنْدِهِمْ لَا تَأْثِيرِ لِانْقِطَاعِ نَسَبه مِنْ أَبِيهِ فِي مِيرَاث الْأُمّ مِنْهُ. وَكَانَ الْحَسَن وَابْنِ سِيرِينَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْد وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالْحُكَم وَحَمَّاد وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ وَغَيْرِهِمْ يَجْعَلُونَ عَصَبَةٍ أُمّه عَصَبَة لَهُ، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَلِّ وَابْنِ عَبَّاس. وَكَانَ إِبْنِ مَسْعُودٍ وَعَلِيّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ: يَجْعَلُونَ أُمّه نَفْسِهَا عَصَبَةٍ، وَهِيَ قَائِمَة مَقَامٍ أُمّه وَأَبِيهِ، فَإِنْ عُدِمَتْ فَعَصَبَتِهَا عَصَبَته. وَهَذَا هُوَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ أَحْمَد نَقَلَهَا عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ وَمُهَنَّ، وَنَقَلَ الْأُولَى الْأَثْرَمِ وَحَنْبَل، وَهُوَ مَذْهَب مَكْحُول وَالشَّعْبِيّ، وَأَصَحّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ: أَنَّ أُمّه نَفْسِهَا عصبة، وَعَصَبَتْهَا مِنْ بَعْدِهَا عَصَبَةٍ لَهُ، هَذَا مُقْتَضَى الْآثَارِ وَالْقِيَاس. أَمَّا الْآثَارِ: فَمِنْهَا: حَدِيث وَاثِلَة هَذَا. وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْبَابِ عَنْ مَكْحُول. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدّه عَنِ الَّبِيّ وَّ مِثْله. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَبْد الله بْن عُبَيْد عَنْ رَجُل مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّ رَسُولِ اللهِ وَلَ قَالَ لِوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ: ((عَصَبَته عصبة أُمّه)) ذَكَرَهُ فِي ((الْمَرَاسِيل)). وَفِي لَفْظَ لَهُ عَنْ عَبْد الله بْن عُبَيْد بْنِ عُمَيْرِ قَالَ: «كَتَبْت إِلَى صَدِيقِ لِي مِنْ أَهْل ٣٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي زُرَيْقِ أَسْأَلهُ عَنْ وَلَد الملاعنة: لِمَنْ قَضَى بِهِ رَسُول الله وَّهِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنِي سَأَلْت فَأُخْبِرْت أَنَّهُ قَضَى بِهِ لِأُمِّهِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةٍ أَبِهِ وَأُمّه)). وَهَذِهِ آثَارِ يَشُدّ بَعْضِهَا بَعْضًا. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ: إِنَّ الْمُرْسَل إِذَا رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ رُوِيَ مُسْنَدًا، أَو أُعْتُضِدَ بِعَمَلِ بَعْض الصَّحَابَةِ فَهُوَ حُجَّة. وَهَذَا قَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهُ مُتَعَدِّدَة وَعَمِلَ بِهِ مَنْ ذَكَرْنَا مِن الصَّحَابَة وَالْقِيَاسِ مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُعْتَقَة كَانَ عَصَبَتِهَا مِنِ الْوَّلَاءِ عَصَبَة لِوَلَدِهَا، وَلَا يَكُون عَصَبَتِهَا مِنِ النَّسَبِ عَصَبَة لَهُمْ. وَمَعْلُومٍ أَنَّ تَعْصِيب الْوَلَاءِ الثَّابِتِ لِغَيْرِ الْمُبَاشَرِ بِالْعِثْقِ فَرْعٌ عَلَى ثُبُوت تَعْصِيب النَّسَبِ، فَكَيْفِ يَثْبُتِ الْفَرْعِ مَعَ إِنْتِفَاء أَصْله؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْوَلَاءِ فِي الْأَصْلِ لِمَوَالِي الْأَبِ، فَإِذَا اِنْقَطَعَ مِنْ جِهَتهمْ رَجَعَ إِلَى مَوَالِي الْأُمّ، فَإِذَا عَادَ مِنْ جِهَةِ الْأَب ◌ِنْتَقَلَ مِنْ مَوَالِي الْأُمَّ إِلَى مَوَالِي الْأَب، وَهَكَذَا النَّسَبِ هُوَ فِي الْأَصْلِ لِلْأَبِ وَعَصَبَاته، فَإِذَا اِنْقَطَعَ مِنْ جِهَتِه بِاللَّعَانِ عَادَ إِلَى الْأُمّ وَعَصَبَاتِهَا، فَإِذَا عَادَ إِلَى الْأَب بِاعْتِرَافِهِ بِالْوَلَدِ وَإِكْذَابِه نَفْسِه رَجَعَ النَّسَبِ إِلَيْهِ كَالْوَلَاءِ سَوَاءِ، بَلِ النَّسَب هُوَ الْأَصْلِ فِي ذَلِكَ وَالْوَلَاءِ مُلْحَق بِهِ. وَهَذَا مِنْ أَوْضَحِ الْقِيَاسِ وَأَبْيَنِهِ، وَأَدَلّه عَلَى دِقَّةٍ أَفْهَامِ الصَّحَابَةِ، وَبُعْدِ غَوْرِهِمْ فِي مَأْخَذ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا فِي قَوْله فِي الْحَدِيث: ((هِيَ بِمَنْزِلَةِ أُمّه وَأَبِيهِ)) حَتَّى لَوْ لَمْ تَرِدِ هَذِهِ الْآثَارِ لَكَانَ هَذَا نَحْض الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَصَبَة أُمّه عَصَبَةٍ لَهُ، فَهِيَ أَوْلَى أَنْ تَكُون عَصَبَته؛ لِأَنَّهُمْ فَرْعِهَا، وَهُمْ إِنَّمَا صَارُوا عَصَبَة لَهُ بِوَاسِطَتِهَا، وَمِنْ جِهَتِهَا إِسْتَفَادُوا تَعْصِيبهمْ، فَلَأَنْ تَكُونِ هِيَ نَفْسِهَا عَصَبَة أَوْلَى وَأَحْرَى. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ أُمّه بِمَنْزِلَةٍ أُمّه وَأَبِهِ لَجَبَتْ إِخْوَتِهِ، وَلَمْ يَرِثُوا مَعَهَا شَيْئًا، وَأَيْضًا: فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَرِثُونَ مِنْهُ بِالْفَرْضِ، فَكَيْفِ يَكُونُونَ عَصَبَةٍ لَهُ؟ فَالْجَوَابِ: إِنَّهَا إِنَّمَا لَمْ تَحْجُب إِخْوَتِه مِنْ حَيْثُ إِنَّ تَعْصِيبِهَا مُفَرَّعٌ عَلَى إِنْقِطَاعِ تَعْصِيبِهِ مِنْ جِهَة الْأَب، كَمَا أَنَّ تَعْصِيب الْوَلَاءِ مُفَرَّعْ عَلَى اِنْقِطَاعِ التَّعْصِيبِ مِنْ جِهَة النَّسَب، فَكَمَا لَا يَحْجُب عَصَبَة الْوَلَاءِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ النَّسَب، كَذَلِكَ لَا تَحْجُب الْأُمّ الْإِخْوَةِ لِضَعْفِ تَعْصِيبِهَا، وَكَوْنِهِ إِنَّمَا صَارَ إِلَيْهَا ٣٣٧ كتاب الفرائض والوصايا ضَرُورَة تَعَذُّره مِنْ جِهَةِ أَصْلِهِ، وَهُوَ بِعَرْضِ الزَّوَالِ، بِأَنْ يُقِرّ بِهِ الْمُلَاعِنِ، فَيَزُول. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْإِخْوَةِ إِسْتَفَادُوا مِنْ جِهَتَهَا أَمْرَيْنِ: أَخُوَّة وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَتَعْصِيبِهِ، فَهُمْ يَرِثُونَ أَخَاهُمْ مَعَهَا بِالْأَخُوَّةِ لَا بِالتَّعْصِيبِ، وَتَعْصِيبِهَا إِنَّمَا يَدْفَع تَعْصِيبهمْ لَا أُخُوَّتِهِمْ، وَلِهَذَا وَرِثُوا مَعَهَا بِالْفَرْضِ لَا بِالتَّعْصِیبِ، وَبِالله الثَّوْفِيقِ. الْجُمْلَةِ الثَّالِئَة فِي حَدِيث وَائِلَةِ «مِيرَاث اللَّقِيط)) وَهَذَا قَد أُخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَذَهَبَ الْجُمْهُورِ إِلَى أَنَّهُ لَا تَوَارُث بَيْنِه وَبَيْن مُلْتَقِطه بِذَلِكَ. وَذَهَبَ إِسْحَاقِ بْنِ رَاهْوَيْهِ إِلَى أَنَّ مِيرَاثه لِمُلْتَقِطِهِ عِنْد عَدَمِ نَسَبه، لِظَاهِرِ حَدِيث وَائِلَةٍ، وَإِنْ صَحَّ الْحَدِيث، فَالْقَوْلِ مَا قَالَ إِسْحَاق؛ لِأَنَّ إِنْعَامِ الْمُلْتَقِط عَلَى اللَّقِيط بِتَرْبِيَتِهِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، لَيْسَ بِدُونِ إِنْعَامِ الْمُعْتِقِ عَلَى الْعَبْدِ بِعِثْقِهِ، فَإِذَا كَانَ الْإِنْعَامِ بِالْعِثْقِ سَبَبًا لِمِيرَاثِ الْمُعْتَقِ، مَعَ أَنَّهُ لَا نَسَب بَيْنهمَا، فَكَيْف يُسْتَبْعَد أَنْ يَكُونِ الْإِنْعَامِ بِالإِلْتِقَاطِ سَبَبًا لَهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُون أَعْظَم مَوْقِعًا وَأَتَمّ نِعْمَةِ؟ وَأَيْضًا فَقَدْ سَاوَى هَذَا الْمُلْتَقِطِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَالِ اللَّقِيطِ، وَامْتَازَ عَنْهُمْ بِتَرْبِيَةِ اللَّقِيط وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ وَإِحْيَائِهِ مِن الْهَلَكَةِ، فَمِنْ مَحَاسِنِ الشَّرْعِ وَمَصْلَحَته، وَحِكْمَتِه أَنْ يَكُون أَحَقٌ بِمِیرَائِهِ. وَإِذَا تَدَبَّرْتِ هَذَا وَجَدْته أَصَحّ مِنْ كَثِيرٍ مِن الْقِيَاسَاتِ الَّتِي يَبْنُونَ عَلَيْهَا الْأَحْكَامِ وَالْعُقُولِ أَشَدّ قَبُولاً لَهُ، فَقَوْل إِسْحَاقٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، وَالنَّبِيّ ◌ََّ كَانَ يَدْفَعَ الْمِيرَاثِ بِدُونِ هَذَا، كَمَا دَفَعَهُ إِلَى الْعَتِيقِ مَرَّةٍ وَإِلَى الْكُبْرِ مِنْ خُزَاعَة مَرَّة، وَإِلَى أَهْلِ سَِّة الْمَيِّت وَدَرْبِهِ مَرَّةٍ، وَإِلَى مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ مَرَّة، وَلَمْ يُعْرَفِ عَنْهُ شَيْءٍ يَنْسَخ ذَلِكَ، وَلَكِنِ الَّذِي إِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ شَرْعه تَقْدِيمِ النَّسَبِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ كُلَّهَا، وَأَمَّا نَسْخِهَا عِنْد عَدَمِ النَّسَب، فَمِمَّا لَا سَبِيل إِلَى إِثْبَاتِه أَصْلاً، وَبِاللّه التَّوْفِيق. [٣٧٧/٦]. ٣٠٥٤ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ ٣٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن عَاهَرَ بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ، فَالْوَلَهُ وَلَدُ زِنَى لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (فَالْوَلَدُ وَلَدُ زِلَى لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ) لأن الشرع قطع الوصلة بينه وبين الزاني قريب له إلا من قبل أمه وماء الزنا لا حرمة له مطلقًا، ولا يترتب عليه شيء من أحكام التحريم والتوارث ونحوهما عند الشافعية. [((فيض)) (١٤٨/٣)]. ٣٠٥٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ مَوْلَّى لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ مَاتَ وَتَرَكَ شَيْئًا، وَلَمْ يَدَعْ حَمِيمًا وَلَا وَلَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: أَعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ (٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِنِيُّ]. (وَلَمْ يَدَعْ حَمِيمًا) أي: لم يترك قريبًا يهتم لأمره. ٣٠٥٦ - [وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: مَاتَ رَجُلْ مِنْ خُزَاعَةَ، فَأَتِيَ النَّبِيُّ ◌َ بِمِيرَائِهِ فَقَالَ: الْتَمِسُوا لَهُ وَارِثًا أَوْذَا رَحِمٍ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ وَارِثًا وَلَا ذَا رَحِمٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ لَ: أَعْطُوهُ الْكُبْرَ مِنْ خُزَاعَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: انْظُرُوا أَكْبَرَ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ] (٣). (أَكْبَرِ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَة) أي: كَبِيرهمْ، وَهُوَ أَقْرَبِهِمْ إِلَى الْجَدّ الْأَعْلَى. ٣٠٥٧ - [وَعَنْ عَلَيِّ ﴾ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١] وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، وَإِنَّ أَعْيَانَ بَنِي الأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ، الرَّجُلُ بَرِثُ أَخَاهُ لَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لأَبِيهِ (٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارِبِيِّ قَالَ: الإِخْوَةُ مِنَ الأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ .. إِلَى آخرِهِ] (٥). (إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ) قال الطيبي: هذا إخبار فيه معنى الاستفهام؛ يعني: (١) أخرجه الترمذي (٢٢٥٩). (٢) أخرجه الترمذي بنحوه (٢٢٥٢) وأبو داود (٢٩٠٤) وأحمد (٢٥٧٩٦) وابن ماجه (٢٨٣٨). (٣) أخرجه أبو داود (٢٩٠٦). (٤) أخرجه أحمد (١٢٢١) والترمذي (٢٠٩٤) وابن ماجه (٢٧١٥) والحاكم (٧٩٦٧) وابن أبي شيبة (٢٩٠٥٤) وأبو يعلى (٣٠٠) والبيهقي (١٢٣٤١). (٥) أخرجه الدارمي (٣٠٤٣).