النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠٣ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى حكم أو غيرها، وبالجملة هو من صفات الأفعال. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه الباعث بمعانيه المذكورة قويت نفسك بالبعث وكنت على خطور له ببالك دائمًا؛ لتتهيأ له وتقبل بشراشرك على استصلاح المعاد والاستعداد ليوم التناد، وانقدت بطيفك إلى الإيمان اليقيني الجازم بإرسال الرسل، سالكً سبيلهم من الهداية إلى سواء السبيل، وإحياء النفوس الجاهلة بالتعليم والتذكر، وبذلت جهدك في تكميل نفسك بالأخلاق الكريمة والصفات، وقوي أيضًا توكلك في أنه یبعث عليك رزقه من حيث لا تحتسب. وحينئذٍ فتعلقك به: بأن تسكن إليه فيما ضمنه لك من الرزق، ووعدك به من الأجر في الدار الآخرة، وأن تستعد للقائه، وتتشفع إليه بأفضل رسله وأحبابه، وتخلقًا: أن تبعث نفسك لما يراد منك قولاً وفعلاً، فيكون باعثًا وحاملاً لها على وفائها بمراد الحق منها بحسب إمكانها. (الشَّهِيدُ) من الشهود، وهو الحضور، فهو الحاضر الذي لا يغيب عنه معلوم، ولا يُرى ولا مسموع، ولا يحتاج فيه إلى تعريف، بل هو المعرف لكل شيء الذي لا يحتاج في معرفته لتعريف ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] أو من الشهادة، وهي إحاطة العلم بالأشياء ظاهرًا وباطنًا لما قبله، وفسر بأنه العليم بظاهر الأشياء وما يمكن مشاهدته منها، كما أن الخبير هو العليم بباطن الأشياء وما لم يمكن الإحساس به منها. انتهى. وينبغي أن هذا تفسير له بقيد مقابلته للخبير لا مطلقًا، ومرجعه إما إلى العلم أو الكلام. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه الشهيد لازمت مراقبته حتى لا يراك حيث نهاك، ولا يقعدك حيث أمرك، واكتفيت بعلمه ومشاهدته عن أن ترفع حوائجك لغيره، أو أن تميل إلى طلب غیر خیره وبره ومیره. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: ألا يكون ذلك وجه إلا إليه، ولا معمول إلا عليه، ٤٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع واكتفيت بعلمه ورؤيته في كل شيء؛ فلزمت طاعته وأدمت مشاهدته، وتخلقًا: أن تكون شاهدًا بالحق لأهله عارفًا بما يأتي وما يذر؛ لتنال واسع فضله، وأن تسعى في تصفية نفسك وتزكيتها حتى تكون من أهل الشهادة، وتنخرط في سلك المخاطبين بقوله عز قائلاً: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وأن ترضى بالله شهيدًا لأحوالك، فلا تطلب الأنس لغيره، عالمًا بأسرارك فلا يخطر بها ما لا يرضيه، وإلا رميت ببعده وضره. (الْحَقُّ) أي: الثابت الوجود على وجه لا يقبل زوالاً ولا عدمًا ولا تغيرًا بوجه من الوجوه، وسائر الموجودات ممكنة، فلا وجود لها في حد ذاتها، ولا ثبوت لها من قبل أنفسها، بل الكل منه وإليه، فكل شيء دونه باطل من حيث إنه لا حقيقة له من ذاته ولا في ذاته، وهذا المعنى هو المراد فيما شهد ◌َل﴾ بأنها ((أصدق كلمة قالها شاعر))(١) وهو بيت لبيد # الشاعر المشهور الذي كان من فصحاء شعراء العرب، ولما أسلم لم يقبل شعرًا وقال: يكفيني القرآن: ألا كل شيء ما خلا الله باطل أي: قابل للفناء والزوال، وقيل: الحق اسم مطلق، وهو الظاهر الثابت الهادي إلى باطن ما رواه. وقيل: معناه المحق؛ أي: المظهر للحق أو الموجد للشيء حسب ما يقتضيه حكمته، فمرجعه على الأولين إلى صفات الذات، وإلى الآخرين إلى صفات الأفعال. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه الحق نسيت في جنب ذكره الخلق؛ فآثرت الصدق في جميع أحوالك وما [ ..... ] جميع الكائنات بفنائك عنها، وعدم نظرك إليها إلا بوصف الإمكان الذي هو العلامة على حدوثها وافتقارها واحتياجها. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن ترى الله حقًّا وما سواه باطلاً في ذاته حقًّا بإيجاده (١) أخرجه البخاري (٣٦٢٨)، ومسلم (٢٢٥٦)، وأحمد (١٠٠٧٦)، وابن ماجه (٣٧٥٧). ٤٠٥ كتاب الدعوات / باب أسماء الله تعالى واختراعه، فإن له حكمة ولطفًا في كل ما يوجده وإن خفيت علينا، وأن تنسى كل شيء بذكره، وأن تعمل في كل حال بأمره، وتخلقًا: أن تلزم الحق في سائر أقوالك وأفعالك، وأن تخرج عن التعلق بالخلق حتى تكون منهم بائنًا بسرك وإن كنت فيهم كائنًا بېدنك. وذكر القشيري أن اصطلاح الصوفية أنهم يعنون بالحق: ما يعود إلى العقائد وأوصاف القلوب في المعارف، وبالحقيقة: المعاملات والمبادلات، وأن مأخذ هذا الاصطلاح قوله 18 لحارثة: ((لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟))(١) قال: أسهرت ليلي وأظمأت نهاري. فأشار بالحقيقة إلى المعاملات من سهر الليل وإظماء النهار. انتهى. وما ذكره من الحديث يشهد لما قاله في الحقيقة، ولخلاف ما قاله في الحق فتأمله. (الْوَكِيلُ) أي: القائم بأمور عباده المتكفل بمصالحهم، وبتحصيل ما يحتاجون إليه، الكافي لهم في جميع أمورهم، الموكول إليه تدبيرهم إقامة وكفاية، فهو سبحانه الوکیل علی کل شيء محكم إقامته له، فهو ينبئ عن أمرین: أحدهما: عجز الخلق عن القيام بمجامع أمورهم كما ينبغي؛ إذ الغالب أن العاقل لا يكل أمره إلى غيره إلا إذا تعذر أو تعسر عليه مباشرته بنفسه. ثانيهما: إنه تعالى عالم بحالهم، قادر على ما يحتاجون إليه، رحيم بهم، فإن من لم يستجمع هذه الصفات لا يحسن توکیله. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه الوكيل أن تكتفي به في كل أمر ﴿وَكَفَى بِالله وَكِيلاً﴾ [النساء: ٨١]. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: ألا تدبر معه أمرًا قط، ولا تعتمد إلا عليه، فتتكل إليه، وتتوكل عليه، وتكتفي بالاستعانة به عن الاستمداد بغيره، وتخلقًا: أن تقوم له (١) أخرجه عَبْد بن حُمَيْد (٤٤٥)، وابن المبارك في ((الزهد)) (٣١٥). ٤٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع بأمور الناس، وتسعى في إنجاح مآربهم وتحصيل مطالبهم، وأن تكون وكيلاً له على عوالمك كلها بطلب حقه تعالى منها تكليفًا وتفريعًا. ومن ثم قال القشيري: من عرف أنه تعالى وكيله وصدق عليه تعويله فبالحري أن يكون وكيله تعالى على نفسه في استيفاء حقوقه ولوازمه، واقتضاء أوامره وفرائضه، فيكون خصيمًا له تعالى على نفسه ليلاً ونهارًا من غير أن يقصر أو يفتر عن ذلك لحظة. (الْقَوِيُّ) أي: الذي لا يلحقه ضعف في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا يمسه نصب ولا تعب، ولا يدركه قصور ولا عجز في نقض ولا إبرام، من القوة، وهي تطلق على معانٍ مترتبة أدناها يسمى: حولاً، وأقصاها: القدرة التامة البالغة أقصى غايات الكمال. ومثال ذلك في الإنسان أول ما يوجد في الباطن من إحسان العمل يسمى: حولاً، ثم ما يحسن به في الأعضاء من إضافتها له يسمى: قوة، ثم ما يظهر عليه من العمل بصورة البطش والتناول يسمى: قدرة؛ ولهذا كان ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) كنز من كنوز الجنة؛ لأنها تدل على رجوع الأمور كلها إلى الله تعالى؛ لأنك إذا نفيت عن غيره المرتبتين الأوليين، فأولى أن تنفي عنه الثالث. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه القوي قطعت رجاءك عن الأغيار، وتقرر سرك لمن لم يزل ولا يزال، ورجعت لحوله وقوته في كل شيء، فغنيت بحوله وقوته عن حول كل شيء وقوته؛ إذ لا حول ولا قوة لشيء إلا به، وغلبت روحك نفسك وهواك بحيث صارت تؤثر فيهما ولم تتأثر عنهما، وغلبت أيضًا ما سواه، فلم تلتفت إلا إليه ولم تغفل عنه. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تسقط التدبير، وتترك منازعة المقادير، ولا تحوم قط حول الدعوى، ولا تخاف مخلوقًا ولا شيئًا وهموم الدنيا، وتخلقًا: أن تكون قويًّا في ذات الله حتى لا تخاف فيه لومة لائم، ولا تضعف عن أمره بحال. ٤٠٧ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى (الْمَتِينُ) أي: الذي له كمال القوة بحيث لا يعارض ولا يشارك ولا يدانى، ولا يقبل الضعف في قوته، ولا يمانع في أمره، بل هو الغالب الذي لا يغالب ولا يُغلب، ولا يحتاج في قوة لمادة ولا سبب، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّه هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] إشارة لذلك، من المتانة وهي: شد الشيء واستحكامه، وهي في الأصل: مصدر متن، إذا قوي ظهره. ويرجع هذا والذي قبله إلى الوصف بكمال القدرة وشدتها، فهو على ما يشاء قدير لا يخرج عن قدرته مقدور، كما لا ينفك من حكمته مقطور، وهو تعالى في إمضائه غير مستظهر بجند ومدد، ولا يستعين بجيش وعضد، إن أراد هلاك عبد أهلكه حتی یبد نفسه. ومن ثم قال الأستاذ أبو علي الدقاق: خف من لا يحتاج إلى عون عليك، بل لو شاء إيلامك أخرجك على نفسك حتى يكون هلاكك على يديك. وحظك منه: إنك إذا عرفت غلبة قوته ومتانتها لم تخف من شيء، ولم تقف بهمتك على شيء دونه اعتمادًا علیه واستنادًا إلیه. وحينئذٍ فتقربك به كالذي قبله تعلقًا وتخلقًا؛ لأنهما مشتركان في أصل المعنى كما قدمته، وإنما هذا يزيد على ذلك زيادة مبالغة وتأكید. (الْوَلِيُّ) أي: المحب لأوليائه، الناصر لهم على نفوسهم وأهويتهم وسائر أعدائهم في الدنيا تارة والآخرة أخرى؛ لقوله عز قائلاً: ﴿ وَاللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]. ﴿وَهُوَ الوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨] أو المتولي لأمور الخلائق كلهم، يفعل فيها ما يشاء ويحكم ما یرید. أو الأمور عباده المختصين بإحسانه؛ لقوله عز قائلاً: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ومرجعه إلى صفات الأفعال. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه ولي المؤمنين لم تتولَّ غيره: ﴿وَمَن يَتَوَّلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. ٤٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن ترجع بأمرك كله إليه على بساط التحقيق بنفي الكل من المراتب والأسباب والوسائط والعلل، كحال يوسف الصديق - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - حيث لم ينفعه أحد غير مولاه، فإنه نقله من مرتبة الرقّية والمملوكية إلى مرتبة الملك الأعظم، فرجع إليه من ذلك كله بقوله: ﴿أَنْتَ وَلِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [يوسف: (١٠١]. وتخلقًا: أن تحب الله وتحب أولياءه، وتجتهد في نصرته ونصرة دينه وقهر أعدائه، وتسعى في ترويج حوائج الناس ونظم مصالحهم حتى تتشرف بهذا الاسم، فتتحقق بدرجة الولاية المشار إليها بقوله عز قائلاً: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لَا خَوْفٌّ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. وحقيقة أن تتولى الله في جميع أمورك: بأن تفوضها إليه، وتنسلخ منها على وجه يوجب لك التخلص من كل إرادة وهوى، والبراءة من السوى. ومن كلام الأستاذ القشيري: من أمارات ولايته تعالى لعبده: أن يديم توقيفه حتى لو أراد سوى حفظه عنه وعكسه من أمارات الشقاوة، وأن يرزقه مودة في قلوب أوليائه فإن الله ينظر قلوبهم في كل وقت، فإذا رأى لعبد فيها محلاً نظر إليه، ومن ثم لو مر ولي ما ببلد لنالوا بركات مروره حتى يغفر لهم، ومن خصوصيات الولاية: أن أهلها منزهون عن الذل، قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٍّ مِّنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] فأولياء الله دائمًا مستقرون في العز في دنياهم وأخراهم، جعلنا الله منهم بفضله وکرمه. (الْخَمِيدُ) أي: المحمود المستحق للثناء بكل كمال، والمولي لكل نوال، أو الموصوف بالصفات العلية التي لا توجد في غيره، فلا يحمد حقيقته إلا هو، ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي: بلسان القال فضلاً عن الحال، ولا يثني عليه بها حقيقة أحد سواه، ولذلك قال سيد المقربين: ((سبحانك لا ٤٠٩ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك))(١). من الحمد، وهو لغة: الوصف بالجميل الاختياري على قصد التعظيم. وفي اصطلاح محققي العلوم العقلية: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لإنعامه. وفي اصطلاح بعض الصوفية: هو ثبوت مقتضيات الثناء المستغرق الذي لا يشذ عنه وصف ولا یتعقبه ذم بوجه. والشكر لغة: هو الحمد عرفًا. وأما اصطلاحًا: فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من الأعضاء والحواس الظاهرة والباطنة إلى ما خلق لأجله من عبادة ربه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ومرجعه إلى الصفات التنزهية. وحظك منه: إنك إذا استحضرت أنه المحمود في ذاته وصفاته وأفعاله بكل لسان، والمشكور بكل جارحة وجنان شغلك ذكره والثناء عليه عن ذكرك لنفسك شاكرًا، ويشغله حقوق الله عن أن يكون لحظوظه ذاكرًا. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: كثرة حمدك له، وثناؤك عليه في جميع الأحوال والأوقات، وتخلقًا: بأن تجتهد في التجلي بمحامد الأخلاق والخلال، وأن تكون حميد الصفات والفعال، وأن تبالغ في الإخلاص في ذلك حتى تنخرط في سلك المقربين الذين يحمدون الله لذاته لا لغيره، وأن تستضيء بانعكاس نور هذا الاسم في تنقيح عقائدك وتهذيب أخلاقك وتحسين أعمالك. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: حمد العبد لله تعالى الذي هو شكره ينبغي أن يكون على شهود المنعم؛ لأن حقيقة الشكر الغيبة لشهود المنعم عن شهود النعمة. وقيل: إن داود - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - قال في مناجاته: ((إلهي، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليّ) فأوحى الله إليه: ((الآن قد شكرتني)»(٤) وكم من (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (١١٢/٦١). ٤١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع عبد يتوهم أنه في نعمة يجب عليه شكرها وهو في الحقيقة في محنة يجب عليه الصبر عنها، فإن حقيقة النعمة ما يوصلك إلى المنعم لا ما يشغلك عنه، فإذن النعم ما كان دينيًّا، فإذا كان مع النعم الدينية راحات دنيوية فهو الكمال، فإن وجد التوفيق للشكر فذاك وإلا انقلبت النعمة محنة. (الْمُحْصِي) العالم الذي يحصي المعلومات ويحيط بها إحاطة العاد بما يعده، فهو المحيط بكل موجود تفصيلاً حتى لا يخفى عليه ذرة من ذراته، كما لا يخفى عليه حالة من حالاته، من الإحصاء، وهو الإحاطة بحساب الأشياء وكل ما شأنه أن يُعد. وقيل: هو القادر الذي لا يشذ عنه شيء من المقدورات، فمرجعه إلى صفة العلم أو صفة القدرة. وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه المحصي لم يقع منك غفلة في حالة من الأحوال، بل تكون مراقبًا لنفسك في كل وقت ونفس وحركة وسكون. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تحاسب نفسك في جميع تصرفاتك بحفظ جميع حواسك، وعد جميع أنفاسك بألا يوجد منها نَفَس إلا في طاعة، وتخلقًا: أن تتكلف عد الآية التي أوصلها إليك وساقها بين يديه؛ لتواسي منها المحتاجين وتمنح القاصدين لا لتحصيها، فإن ذلك محال، وأي محال؟ قال تعالى عز قائلاً: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وأن تحبي أوقاتك بذكر إنعامه وشكر امتنانه موجب للمزيد من عوائد كرمه وإحسانه، فیتعین على العبد أن يراعي أيامه وأن يعد آثامه، فیشکر جميل ما يوليه ربه، ويعتذر من قبيح ما تأتيه نفسه، ويذكر الأيام الماضية خلوًّا عن الطاعات، ويتأسف على ما سلف من الأوقات، فإن فائتها بلا عبادة لا يمكن قضاؤه؛ لأن ما يفعل في كل وقت ما يستحقه ذلك الوقت لا غيره، ولذلك قيل: لا أنفس من الوقت؛ إذ ما من نفيس غيره إلا ويمكن تعويضه، بخلاف هو كما تقرر. ومن المشهور: ((الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك)) أي: إن لم تقطعه بالعبادة ٤١١ كتاب الدعوات / باب أسماء الله تعالى قطعك بالبطالة وخلفك عن الاستفادة. (الْمُبْدِئ) أي: المظهر للكائنات من العدم إلى الوجود، وهو بمعنى: الخالق المنشئ من البدء، وهو الإظهار على وجه التطوير المهيئ للإعادة. (الْمُعِيدُ) للمحدثات بعد انعدام جواهرها وأعراضها، من الإعادة، وهي خلق الشيء بعد ما عدم، وهو معنى قول بعضهم: النهاية هي الرجوع إلى البداية. وقول بعضهم في تطوير البدء، وزعم أن الإعادة خلق مثله لا إعادة عينه غير صحيح، بل ما عدم بعد وجوده فعاد إلى ما كان قبل عليه، ويجوز أن تكون الإعادة: جمع الأجزاء المتفرقة. قال بعضهم: وإنما قيل فيهما اسم واحد؛ لأن معنى الأول يتم بالثاني، ومرجعهما إلى صفات الأفعال. وحظك منهما: إنك إذا شهدت أنه المبدئ المعيد رجعت بكل شيء إليه؛ لأن كل شيء منه بدأ وإليه يعود. وحينئذٍ فتقربك بهما تعلقًا: بالرجوع إليه في كل شيء، والاستعاذة به من كل شيء، وتخلقًا: أن تعود إلى البداية وترد النفس منها إلى النهاية، ثم تعيد النهاية بداية والبداية نهاية فلا تقصر، وذلك بأن تسعى في إبداء الخيرات وتأسيس الحسنات، وإعادة ما انقطع منهما واضمحل حتى يصير ذا حظ من هذين الاسمين العظيمين. ومن معنى هذا الاسم: إعادة الله تعالى للعبد عوائده وفوائده وألطافه وإحسانه وإسعافه، وقد أجرى الله تعالى سنة بأن ينعم على عباده عودًا على بدء، فإن الكريم من يربي صنائعه كما قيل: بدأت بإحسان وثنيت بالرضى وثلثت بالنعمى وربعته بالفضل. (الْمُحْبِي) أي: خالق الحياة ومعطيها لكل من شاء حياته على وجه يريده، ومدیمها لمن أراد دوامها له كما بدأ بسبب وتسبب. وقيل: هو من أضاء قلوب العارفين بأنوار معرفته وأرواحهم بلطف مشاهدته. (الْمُمِيتُ) أي: مقدر الموت على من شاء من الأحياء متى شاء كيف شاء بسبب ٤١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ولا سبب. وقيل: هو من أمات القلوب بالغفلة، والنفوس باستيلاء الذلة، والعقول بالشهوة، وإنما قلت: مقدر الموت الذي عديمها ومن المجاز في هذا المعنى عبَّر بأنه خالق الموت بأن الموت عدم الحياة، والعدم لا يكون مخلوقًا، وإن أجيب عنه بأن الذي لا يكون مخلوقًا إنما هو العدم الأصلي، أما العدم المتجدد فهو مخلوق، لكن الخلق لا يتسلط على العدم لاستحالته، وإنما يتسلط على ما يستلزم العدم. قال تعالى: ﴿ وَكُنتُمْ أَمْوَانًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] أسند الموت الثاني إلى فعله دون الأول؛ لأن المراد به العدم الأصلي، ومرجعهما إلى صفات الأفعال. وحظك منهما: إنك إذا شهدتهما لم تهتم بحياة ولا موت، بل تكون مفوضًا مستسلمًا في جميع أحوالك لمن بيده الحياة والموت، كما قال الخليل، صلى الله على نبينا وعليه وسلم: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينٍ﴾ [الشعراء: ٧٨]. ﴿ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينٍ ... ﴾ [الشعراء: ٨١]. وحينئذٍ فتقربك بها تعلقًا: بالاستسلام لمولاك، والرجوع إليه فيما منَّ به عليك وأولاك، وتخلقًا: بأن تحبي عوالمك بطاعته، فتحي روحك بالمعارف الإلهية والاستعداد لقبول الواردات الغيبية، وتميتها عن مخالفته بإماتة القوى العصبية والشهوية عن نفسك، وإزالة الكدورات النفسية عن حديثك، والحياة الحقيقية إنما هي إقبال الحق وتقريبه، والإماتة الحقيقية إنما هي إعراضه عنه وتغيبه. (الْحَيُّ) أي: الموصوف بالحياة الكاملة التي لا يجوز عليها فناء ولا موت، ولا يعتريها قصور ولا عجز، ولا يأخذه سِنَةً ولا نوم. واختلف في معنى الحياة في حقه، والذي عليه أكثر أهل السنة: أنها صفة حقيقية قائمة بذاته لأجلها صح لذاته أن يقدر ويعلم، أما في حقنا فهي اعتدال المجاز المخصوص بجنس الحيوان، وقيل: هو القوة التابعة له المعدة لقبول الحس والحركة الإرادية. ٤١٣ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه الحي الذي لا يموت توكلت عليه حق توكله امتثالاً لقوله عز قائلاً: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨]. فالأولى: لمعاملة الخلق. والثانية: لمعاملة الحق. والثالثة: لمعاملة النفس بترك الذنوب والطهارة من العيوب، وتحذيرًا من الاعتماد على مخلوق والاتكال عليه، فإنه يحتمل موته وقت الحاجة إليه فيضيع الرجاء ويخيب الأمل فيه. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تكون بين يديه كالميت بين يدي الغاسل يفعل فيه ما يشاء، ولا يتحرك إلا بتحركه، وتخلقًا: أن ترى كل شيء منه لحياته، وأن تصير حياته حتى تحبي القلوب بأنوار معرفتك، والأرواح بأسرار مشاهدتك. (القَيُّومُ) فيعول للمبالغة كالديوم، ومعناه: القائم بنفسه الذي لا يفتقر إلى غيره، والقائم به غيره، والقائم على الأمور كلها أولها وآخرها ظاهرها وباطنها، فهو على العموم والإطلاق لا يصح إلا لله تعالى، فإن قوامه بذاته لا يتوقف بوجه ما على غيره، وقوام كل شيء به؛ إذ لا يتصور لشيء غيره وجود ودوام إلا به، فمفهومه مركب من نعوت الجلال وصفات الأفعال. وحظك منه: إنك إذا شهدت قيوميته المذكورة وثقت به في كل شيء، ففوضت إليه أمرك في كل شيء، ونسيت في جنب ذكره ذكر كل شيء، ولم تشهد غيره في شيء. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: الاكتفاء بقيوميته في كل أمورك دون منازعة ولا تدبير ولا تردد، وتخلقًا: الاستراحة من التدبير والحياة براحة التفويض، فكم يضن بشيء بتكريمه، ولم يجعل في قلبه للدنيا قيمة؟ (الْوَاجِدُ) بالجيم؛ أي: الدال يجد كل ما يطلب ويريد، فلا يفوته شيء أو هو الغني في كل شيء وبكل شيء بحيث كل شيء حاضر لديه كما قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ ٤١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] من الوجد وهو الغنى، وهذا مرادف للمعنى الأول لا مغاير له خلافًا لما يوهمه كلام الشارح، ومرجعه إلى صفة التنزيه. وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه الواجد الذي لا يعجزه شيء لم تطلب شيئًا من سواه، ولم تقصد في جميع أمورك إلا إياه. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: الاكتفاء به بسعة وجده تعالى عن رفع الهمة إلى غيره في قلیل ولا کثیر. ومن ثم قال بعضهم: سبب توبتي: إني رأيت غلامًا يتبختر في مشيته والناس في حاجة شديدة، فقلت له: أما ترى ما الناس فيه؟ فقال: وما عليَّ ولسيدي قرية يأتينا منها كل ما نحتاج إليه. هذا غلام لسيده قرية تاه على الناس عجبًا، فكيف لمن لسيده السماوات والأرض؟ وكان ذلك سبب رجوعي إليه، وتخلقًا أن تكون واجد لكل ما يراد منك فلا تبخل ولا تغفل عن سيدك في حاله أبدًا؛ إذ من عرف سيده استغنى به، والتجأ إليه دون غيره. (الْمَاجِدُ) أي: الرفيع القدر، العظيم الشريف، فهو بمعنى: المجيد، إلا أن في المجيد مبالغة ليست في هذا، من المجد، وهو نهاية الشرف. وحينئذٍ فيأتي هنا ما مر في المجيد تعلقًا وتخلقًا، فحينئذٍ إذا عرفت أنه الماجد سمت همتك إليه، واعتمدت في كل أمورك عليه، وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن ترفع همتك عن الخلائق وتتعلق بالحقائق؛ وبذلك يكون التقرب منك له تخلقًا؛ لأنك تصير ماجدًا برفع همتك وحسن طريقتك. (الْوَاحِدُ) أي: المتفرد في ذاته وصفاته وأفعاله، فتوحده في ذاته: أنه لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يحل في محل، وفي صفاته: أنه لا يشبه شيئًا أو لا يشبهه، وفي أفعاله: أنه لا شريك له ولا نظير. ومن ثم قال الإمام أبو بكر بن فورك: الواحد في وصفه تعالى له معانٍ ثلاثة: أنه لا قسم لذاته، وأنه غير متبعض ولا متحيز، وأنه لا شبيه له. ٤١٥ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى ومنه قولهم: فلان واحد في عصره، وأنه لا شريك له في فعله، يقال: فلان متوحد في هذا الأمر؛ أي: لا يشرك فيه أحد. قال الأستاذ القشيري: والأولون قالوا: هذه المعاني الثلاثة مستحقة لله تعالى، ولكن لفظ التوحيد في نفي الانقسام لا غير. قال: والتوحيد: الحكم بأن الواحد واحد، وهو إما بالقول أو العلم، وكذا بالفعل كإشارته إليه بسبابته في التشهد، ثم التوحيد إما توحيد الحق تعالى لنفسه، وهو علمه بأنه واحد، وإخباره عنه، وتوحيد العبد للحق بهذا المعنى، وتوحيد الحق للعبد، وهو توفيقه إلى أن يتوحد له، ولهم عبارات في التوحيد من أحسنها قول الجنيد: هو إفراد القدم من الحدوث؛ أي: ومنه إسقاط الإضافات فلا تقل: بي ولا لي ولا مني. انتهى ملخصًا، فهو يرجع إلى صفات التنزيه كالأحد. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه الواحد أفردت قلبك له، فكان واحدٌ لا [يلتفت إلى ما سواه] فحينئذ أحبه تعالى وملأه من خزائن علمه ومعارفه، كما يؤخذ من قوله وَلّ: ((إن الله وتر يحب الوتر))(١) قيل: إن الوترهنا هو القلب المنفرد له تعالى. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: ألا ترى غيره، ولا تعرج عن سواه، وبذلك يصح تخلقك فتكون واحدًا في دهرك بين أبناء جنسك، وما أحسن ما قيل: إذا كان من تهواه في الحسن واحدًا فكن واحدًا في الحب إن كنت تهواه (الأَحَدُ) قيل: هو كالواحد، لكن في هذا زيادة تأكيد وصف الوحدانية. وقيل: بينهما فرق؛ فهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، الأحد في وحدانيته، فلا يقبل التغير ولا المماثلة بوجه، ويؤيد الأول أنهما مأخوذان من الوحدة، فأصل أحد: وحد - بفتحتين - أبدلت الواو همزة، ومع ذلك فرقوا بينهما من حيث اللفظ بوجوه: فأحد لا يستعمل في الإثبات لغيره تعالى، فلا يقال: ربه أحد، بل واحد، وسر ذلك: أنه (١) أخرجه البخاري (١٠٨٦)، ومسلم (٧٤٩)، والترمذي (٤٥٣)، والطيالسي (٨٨)، وأحمد (١٢١٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٤٠)، وأبو يعلى (٥٨٥). ٤١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع بني لنفي ما يذكر معه من العدد، ونفيه يعم، ونفي الواحد قد لا يعم، ومن ثم صح: ((ليس في الدار واحد بل اثنان)) ولا يصح ذلك في أحد، ولذلك قال تعالى: ﴿لَسْتُنّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] إذ لو قال: ((كواحدة)) لأوهم، والواحد فاتحة العدد وتلحقه التاء، والأوحد لا يصح فيه ذلك. ومن حيث المعنى بوجوه أيضًا: فأحد أبلغ بناء كأنه من الصفات المشبهة التي تثبت بمعنى الثبات، قيل: ويشهد له الفروق اللفظية المذكورة، والوحدة يراد بها عدم التجزؤ تارة وعدم التثني والنظر أخرى، فالواحد يكثر إطلاقه بالمعنى الأول، والأ وحد يغلب استعماله في المعنى الثاني، ومن ثم كان الآحاد جمع واحد كأشهاد جمع شاهد لا جمع أحد؛ لأنه لا جمع له. وذكر بعض المتكلمين في صفاته تعالى خاصة: إن الواحد باعتبار الذات والأحد باعتبار الصفات. وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه الأحد غصت لجة التوحيد، واستغرقت فيه حتى لا يُرى من الأزل إلى الأبد غير الأحد الصمد، فلا تبقى للأكوان عندك نسبة في الوجود ولا في العدم. وفي ((الحكم)) للتاج ابن عطاء الله: ((الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته)). ((شعاع البصيرة تشهدك قربه منك، وعين البصيرة تشهدك عدمك لوجوده، وحق البصيرة يشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك)». ((كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان)). انتهى. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تنسى شهودك وأمرك وذكر كل شيء بشهوده وأمره وذكره، وألا تعرج في حال على غيره؛ لاستغراقك في لجة توحيده، وتمتعك بدوام جوده وشهوده، وتخلقًا: أن تنفرد في عبادته وعبوديته عن أشكالك وأمثالك على ما يليق بمجاهداتك وأحوالك. ٤١٧ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى تنبيه: قيل: الأحد ليس في ((جامع الترمذي)) ولا في ((الدعوات)) للبيهقي ولا في ((شرح السنة)) وإنما ثبت في ((جامع الأصول)). (الصَّمَدُ) أي: الذي يصمد إليه في الحوائج، ويقصد إليه في الرغائب؛ أي: يقصد فیها دون غيره، من صمدت الأمر: قصدته. وقيل: هو الذي يُطعِم ولا يُطعَم؛ لأنه لا خوف له، من الصمد بمعنى: المصمد، وهو الصلب الذي لا خوف له. وقيل: هو السيد؛ لما مر أنه يصمد إليه في الحوائج. وقيل: هو المنزه عن أن تعرض له حاجة أو تعتريه آفة. وقيل: هو الملجأ الذي لا يمكن الخروج عن أمره لإحاطته. وقيل: الباقي الذي لا يزول. وقيل: الدائم. وقيل: غير ذلك، فمرجعه إلى صفة التنزيه. وحظك منه: إنك إذا شهدته لم تصمد لغيره، وكنت غنيًا به في كل أحواله. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: بأن ترجع إليه تعالى بالرغبة فيما عنده في عموم الأوقات والحالات، وتخلقًا: بأن تكون عونًا للعباد على حوائجهم، فتكون ملجأ لهم بأي وجه أمكن، وأيضًا فشهودك أنه الذي يصمد إليه في الحوائج يوجب عليك أنك لا تشكو حاجتك وفاقتك إلا إليه، وألا تعول في أمر من أمورك إلا عليه، مع جميل تضرعك وكثرة توسلك، أو أن تروض نفسك وتدربها في مراتب المجاهدات حتى ينتفي عنها شهود الطعام والشراب والزيادة على قيام البنية قدر الطاقة. وأيضًا شهود كونه يطعِم ولا يُطعَم يوجب وجه رعايته عند بارئه إليه، ويصدق توكله في جميع حالاته عليه، فلا يتهمه في رزقه، فكما أنه لم يستعن بأحد في خلقهم فلذلك لا يشاركه أحد في رزقهم وقضاء حوائجهم، وأن تلازم فعل الجميل ليحصل لك السؤدد الذي هو شدة الاعتناء بما يرضي الخلق عنك، أو أن ترسخ في التوحيد حتى تصير مصليًّا في الدين بحيث لا تتزلزل عقيدتك بتوارد الشبهات وتعاقب البليات، أو ٤١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع أن تعرف نفسك وسائر الكون بالفناء والزوال وقرب الارتحال فتزهد في الحطام وتفرض عن فضول الحلال فضلاً عن الحرام. (الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ) معناهما: ذو القدرة، إلا أن المقتدر أبلغ في الثناء؛ إذ ما فيه من معنى التكلف والاكتساب وإن استحال في حقه تعالى لكنه يفيد المبالغة في معنى القدرة، وهي التمكن من الفعل بلا معالجة ولا واسطة، فلا يلحقها عجز فيما يراد إنفاذه، فزعم استواء الاسمين في المعنى المراد بعيد. ومن حق القدرة بالمعنى المذكور ألا يوصف بها مطلقًا غير الله، فإنه القادر بالذات، والمقتدر على جميع الممكنات، ومن عداه فإنما يقدر بإقداره على بعض الأشياء وفي بعض الأحوال، فمرجعها إلى الصفات الذاتية. وحظك منهما: إنك إذا شهدت أنه القادر على الكمال المقتدر بكل اعتبار وفي كل حال، الذي لا يعجزه شيء ولا يخرج شيء عن قدرته، رجعت بكل شيء إلى قدرته، وخشيت سطوات عقوبته عند ارتكابك لمخالفته، وأملت لطائف رحمته عند سؤالك سوابغ نعمته لا بوسيلة طاعته، بل بواسع كرمه ومنته، وتركت الانتقام من الخلق ثقة بأن الانتصار المقتدر وصنعه لك أتم من انتصارك وصنعك لنفسك، ولذا قيل: احذروا من لا ناصر له غير الله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]. وحينئذٍ فتقربك بهما تعلقًا: أن تستسلم له، فتكون به وله في كل حركة وسكون، وأن تشكره على ما أولاك من آثار قدرته، وترجع به فيما به تولاك من لطائف بره ورحمته تارة باللجأ والافتقار، وتارة بالاستسلام وترك الاختيار، وتخلقًا: أن تمد من انتسب إليك جهد استطاعتك، وتبذل في الطاعات غاية قدرته، ومن بليغ كلماتهم: (كن في البداية كأنك قدري من شدة الجد، وفي النهاية كأنك خيري من شدة الاستسلام والرضا». (الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ) أي: المخصص لكل ما وجد أو سيوجد بزمانه ورتبته، ثم التقديم إما بالوجود كتقديم الأسباب على مسبباتها، أو بالشرف كتقديم الأنبياء على ٤١٩ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى من سواهم، أو بالزمن كتقديم الأطوار والقرون بعضها على بعض. ومن كلام بعض العارفين لا باعتبار الحصر: المقدم من قدَّم الأبرار بفنون المبار، والمؤخر من أخَّر الفجار وشغلهم بالأغيار، ومرجعهما إلى صفة الإرادة؛ لأن من شأنها التخصيص، ولكون هذين كالمتضايقين المتوقف أحدهما على الآخر نزل منزلة الاسم الواحد. وحظك منهما: إنك إذا شهدتها لم تثق بحال من أحوالك، ولم تيأس من مولاك أن ينيلك جميع آمالك، وأن يقدمك على أبناء جنسك، وأن يمحو ما وقر بنفسك وحدسك. وحينئذٍ فتقربك بهما تعلقًا: أن تكون بين الخوف والرجاء أبدًا، فلا تيأس منه في البلاء ولا تسكن في العطاء، وتخلقًا: بأن تقدم مراضيه، وتؤخر نفسك عما لا يرضيه، وأن تقدم الأهم فالأهم كأمر الآخرة والاستعجال فيها على أمر الدنيا والتأني فيها. وأولياء الله مختلفون كما قاله القشيري: فمنهم: من يتقدم بجهده وعبادته حسب طاقته. ومنهم: من لم يرَ لنفسه استحقاق تقدم، فهمتهم السلامة فقط. ومنهم: أبو سعيد الحراز لقوله: لو خيرت بين القرب والبعد لآثرت القرب؛ أي: إجلالاً لمولاي وتحقيرًا لنفسي. ويوافقه ما رواه ابن عبد البر: حضر الناس باب عمر ومنهم: سهيل بن عمر وأبو سفيان، وأولئك الشيوخ من قريش، فخرج آذنه فجعل يأذن لأهل بدر وصهيب، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط أنه يؤذن لهؤلاء العبيد، ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل: أيها القوم، أي والله أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لما سبقوكم من الفضل أشد عليكم فوتًا من بابكم، هذا الذي تتأسفون علیه. ثم نفض ثوبه وقام ٤٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ولحق بالشام قاصدًا الغزو. قال الحسن: يا له من رجل، ما كان أعقله، وصدق والله لا يجعل الله عبدًا أسرع إليه كعبدًا بطاعته. (الأَوَّلُ، الآخِرُ) أي: الذي لا مفتتح لوجوده ولا مختتم له؛ لثبوت قدمه واستحالة عدمه، فكل شيء منه بدأ وإليه يعود؛ لأنه الذي أوجد الموجودات وأبدعها، وانفرد بالبقاء بعد بقائها بجميع حالاتها التي أتقنها واخترعها، فهو الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، وبهذا علم أنهما اسمان إحاطة لتقدم الأول على كل أول، وإحاطة الآخر بكل آخر، فيه البدء وإليه الانتهاء، فليس قبله شيء ولا بعده شيء، فمرجعهما إلى صفة التنزيه كالذي قبلهما، وعُطفا بالواو - أي: في الآية - لتباعد ما بين موقعي معناهما، وأن ما يرجعان به إلى حكم الاسم الواحد من أبطن الغيب. انتهى، فمرجعهما إلى صفة التنزيه. وحظك منهما: إنك إذا شهدت أوليته غنيت به عن كل شيء، وآخريته رجعت بكل شيء إليه. وحينئذٍ فتقربك بهما تعلقًا: أن ترجع إليه في أول كل شيء وآخره، وتخلقًا: أن تكون أول الناس سبقًا للخير وآخرهم تعلقًا به. وقيل: يرجعان إلى صفة الفعل، فهو الأول بإحسانه والآخر بغفرانه. وقيل: هو الأول بحسن تعريفه؛ إذ لولا فضله بما بدا لك من إحسانه لما عرفته، والآخر بإكمال لطفه كما كان أولاً بابتداء معروفه. وقيل: هو الأول بِوُدِّه لك بدأ؛ إذ لولا أنه بدأك بسابق وده ما أخلصت له في عقده وعهده آثرك في سابق القدم، ورباك بفنون النعم، واختارك على جميع الأمم، وعصمك عن سجود الصنم، فالذي هداك في الابتداء هو الذي يكفيك في الانتهاء، وما أحسن ما قيل على لسان الحق فيمن يعتذر إليه تعالى: ((عبدي، لو لم أقبل عذرك لما وفقتك لاعتذار)". ٤٢١ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى هذا وإن من فكر في كثرة طرق الضلال وشدة مغاليط الناس في البدع والهوى، وما يقعون فيه من الفساد والمحال، ثم فكر في ضعفه ونقصان عقله وكثرة تجبره وشدة جهله، وناقص تدبره في أحواله، وشدة حاجته إلى الاستعانة بأشكاله في أعماله، ثم رأى خالص يقينه وقوة استنصاره في دينه علم أن ذلك ليس بجهده ولا بكده ووسعه وجده، بل بجود ربه وفضله وسابق عنايته وطوله. (الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ) أي: الواضح الألوهية الظاهر الربوبية بالدلائل القطعية والآيات الباهرة اليقينية المحتجب عن أن يدركه بالكيفية الأوهام، أو تحول حول حمى كنه ذاته العلي التعاريف والأفهام، فهو الظاهر من جهة البرهان، الباطن من جهة التكيف والعيان، حجب كنه ذاته عن نظر خليقته بحجب كبريائه وعظمته ومن ثم قيل: هو الظاهر بالقدرة، الباطن عن الفكرة. وقيل: الظاهر القاهر من الظهر، وهو القوة والعلو، فبعلوه له الظهور والفوق الذي ليس فوقه شخص، والباطن من البطن، وهو السالم من كل دنو. وقيل: الظاهر بلا اقتراب، الباطن بلا حجاب. وما أحسن قول الشيخ أبي حامد إمام أصحابنا: اعلم أنه تعالى إنما خفي مع ظهوره لشدة ظهوره، فظهوره سبب لبطونه، ونوره هو حجاب نوره، وكل ما خرج عن حده انتقل إلى ضده. انتهى، فمرجعهما إلى صفة التنزيه. وفي ((الحكم)) للتاج ابن عطاء الله: أظهر كل شيء؛ لأنه الباطن، وطوى وجود كل شيء؛ لأنه الظاهر. قيل: مجراهما في العطف، ومعنى الانفراد مجرى الاسمين السابقين قبلهما، وتعسف من قال: إلى صفة الفعل، فقال: الظاهر بنعمته الباطن برحمته، ومن قال: هو الظاهر بما يفيض عليك من العطاء والنعماء، الباطن بما يدفع عنك من أنواع البلاء وصنوف الأدواء، ومن قال: الظاهر لقوم فلذلك وجدوه الباطن عن قوم، فلذلك جحدوه. وحظك منهما: إنك إذا شهدت ظهوره استغنيت عن الدليل ورجعت إليه في ٤٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع الكثير والقليل، وبطونه خضعت لكبريائه، واستدللت عليه بآياته الباهرة في أرضه وسمائه. وحينئذٍ فتقربك بهما تعلقًا: أن تعبد الله كأنك تراه، وأن تنسى الخلق في جنب بطون الحق غير مشاهد إلا إياه، وتخلقًا: بإظهار أعمالك وخصائصك للآخذين عنك؛ ليزداد إقبالهم عليك ورجوعهم إليك، وإخفائهما عن الأغيار المعرضين عنك؛ ليكون باطنًا عن أفهامهم، خارجًا عن مقتضى عقولهم. (الْوَالِي) أي: المباشر للحكم الذي فيه إصلاح المولى عليه، وحياطته به من كل شر، فمرجعه إلى اسمية الحكيم والعدل. وحظك منه: إنك إذا شهدت ولايته عليك وتصرفه فيك بما يصلحك ويحفظك كنت بين خوف ورجاء وشكر والتجاء، وتفويض واستسلام في كل الأمور على الدوام. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: بالخضوع والتواضع لله، والعبادة في كل حال بتولي أمورهم، والسعي في مصالحهم على الوجه الأكمل والطريق الأعدل، وتخلقًا: بأن تجل نفسه عن كل نقيصة، ويتحلى بكل كريمة وخصيصة حتى تصلح لمراتب الولاية، وتحاط بموانع الوقاية. (الْمُتَعَالِي) أي: البالغ في العلو والتنزيه عن كل ما لا يليق بجلال ذاته وعظمة صفاته الحد الذي لا يمكن أحد الوصول إليه ولا بالتصور فضلاً عن غيره، فهو المرتفع في كبريائه وعظمته وعلو مجده عن كل ما يدرك أو يفهم من أوصاف خلقه، فمرجعه إلى صفة التنزيه. وحظك منه: إنك إذا شهدت تعاليه الباهر وتنزهه القاهر خضعت له واستسلمت لحكمه في جميع ما يأتي وما يذر، ولم يمكنك أن ترى لغيره في الوجود تعاليًا فتضمحل تعلقاتك وإرادتك، وتذهب دعاویك فترتفع صفاتك. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تخشى سطوات انتقامه وإن كنت على غاية من