النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦٣ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى الألسن عن استيفاء مدح جلاله ووصف جماله، ومن ثم قال سيد الخلق أجمعين: ((سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)(١). وقيل: هو القاهر لجميع الممكنات فعلاً وتركًا وهو معنى قول بعضهم. وقيل: هو القوي الشديد من عز يعز إذا قوي واشتد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس:١٤]. وقيل: هو العديم المثل. وقيل: هو الذي يتعذر الإحاطة بوصفه، وهذه الأقوال كلها متلازمة، ومن ثم كان الظاهر مرجعه عليها كلها إلى القدرة عن إمكان المعارضة. وقيل: فمعناه مركب من وصف حقيقي ونعت تنزيهي، وكان بعضهم أشار إلى ذلك المرجع بتفسيره له بأنه المتمكن من إمضاء ما أراده بإمضاء القدرة وإحاطة العلم، بحكم الترتيب على مقتضى اسم الملك، فهو اسم جامع لمعنى القدرة والعلم. ثم الأسماء من هذا ما يظهر بينهما اختصاص لمعنى: كالله الرحمن. ومنها: ما لا يظهر بينهما ذلك: كالملك المصور، وكما ينبغي أن تلمح ثناء معاني الأسماء، كذلك ينبغي أن تلمح معنى ما تختم به حتى لا تختم مظهر رحمة بمظهر عذاب وعکسه. وحظك منه: يشهد ظهور عزته للقلوب؛ ليتجلى قلبك بالخضوع منه له والهيبة والإجلال والتعظيم، فيحصل له عز الأبد ونسيانه الأغيار، فلا يستهينها بالقاذورات الدنيوية مقررًا به تعالى، وذلك هو نتيجة الولاية لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّه هُمُ الغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. مع قوله تعالى: ﴿وَلله العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وذلك هو العز الدائم، وحينئذٍ فالتقرب به إنما يحصل برفع الهمة عن المخلوقين، ومن ثم قال القطب - - (١) تقدم تخريجه. ٣٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع أبو العباس الموسى، قدس الله سره: والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن المخلوقين، وفي تنوير ابن عطاء الله يقال لك: إذا أسندت إلى غير الله فقدمته أو اعتمدته ففقدته: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنْحَرَّقَنَّهُ ثُمَّ لَتَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:٩٧] انتهى. قيل: إنما يعرف الله بوصف العزة من إعزازه وطاعته، ومن آداب من عرف أنه العزيز ألا يطلب العز إلا منه، وألا يشهد إلا في طاعته، ومن ثم لما قيل لبعضهم: ما علامة أنك تعرفه قال: لا أهم بمخالفته إلا ناداني من قلبي منادٍ : هذا استحي من ربك. طاف متكبر وبين يديه من يطرد الناس فروي بعد يتكفف الناس بحسر بغداد، فقيل له: ما سبب ذلك قال: تكبرت في محل التواضع فأهنت في محل الترفع. (الْجَبَّارُ) أي: كثير الجبر الذي هو في الأصل إصلاح الشيء بضرب من القهر، وقد يطلق على مجرد الإصلاح، ومنه ما نقل عن علي، كرم الله وجهه: يا جابر كل كسير وعلى مجرد القهر قيل: ومنه نحو ما ورد لا جبر ولا تفويض، ثم تجوز عنه لمجرد العلو؛ لأن القهر مسبب عنه فيقال: نخلة جبارة للباسقة التي لا تنالها الأيدي، ولذلك قيل: الجبار هو المصلح الأمور للعباد والمتكفل بمصالحهم، فهو إذن من أسماء الأفعال. وقيل: معناه للتعالي عن أن يناله كيدًا ويؤثر فيه قصد فرجعه إلى التقديس والتنزیه. وقيل: معناه حامل للعباد قهرًا عليهم على ما شاء من خلق أو عمل أو رزق أو أجل، فمرجعه إلى الفعل أيضًا، ورجحه بعضهم فقال: الجبار إما من الجبر الذي تلاقى الأمر عند اختلاله، وإما من الإجبار الذي هو إنفاذ الحكم قهرًا على العباد، وهذا أولى مما قبله؛ لأنه في نسق أسماء الجلال والعزة والملك، فلزم أن يكون على وضعها. انتهى. وحظك منه: أن تجبر نقائص نفسك باستكمال الفضائل وملازمة التقوى مع أنواع الرياضات، وأن تترفع عن الخلق حتى لا تتزلزل [النفس بتقلب] الحوادث عما ٣٦٥ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى أنت بصدده من تكميل نفسك، وإرشاد غيرك وأن يدق في عينيك كل جبار، وأن يرجع إليه في جميع أموره كلها على غاية من الالتجاء إليه، والافتقار ليجبر الكسير من أعمالك وتزكي الناقص من أمالك، فيتم لك الإسلام والاستسلام وترتفع همتك عن الأكوان على الدوام، ويكون جبارًا على نفسك جابرًا لكسر أبناء جنسك، ومن ثم كان التقرب به بجبر القلوب وترك ما سوى المحبوب والمطلوب، ونسيان التدبير في كل أمر مكروه أو محبوب. قال الأستاذ القشيري: إذا احتمل وصفه تعالى معاني صحیحة، فمن دعاه به فقد أثنى عليه بجميعها، فهو تعالى الجبار على معنى أنه عزيز متكبر محسن إلى عباده ولا يجري في سلطانه شيء بخلاف مراده؛ إذ من تحير الخلق على مراده كيف يجري في ملكه ما يأباه ويكرهه، وفي بعض الكتب: ((عبدي تريد وأريد ولا يكون إلا ما أريد، فإن رضيت بما أريد لقيتك ما تريد ولا أبعثك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد»(١). قال أبو حامد ما حاصله: الجبار من العباد من تفرد بعلو مرتبته عن أن يكون تابعًا لغيره، وجبر الخلق بما رزقه في هيئته وصورته على الإقتداء به ومتابعته في سمته وسيرته، فيفيد الخلق ولا يستفيد ويؤثر ولا يتأثر، ولم يكمل هذا المقام إلا لنبينا وله حيث قال: (لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي))(٢). ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))(٣). (الْمُتَكَبِّرُ) هو من يستحقر غيره بالإضافة إليه، فينظر إليه نظر المالك إلى عبده، وهذا بإطلاقه لا يتصور إلا له تعالى، فإنه المنفرد بالعظمة والكبرياء بالنسبة إلى كل شيء من كل وجه، ولذلك لا يطلق على غيره إلا في معرض الذم، وفسر أيضًا بما يوافق (١) ذكره الغزالي في ((إحياء علوم الدين)) (٤٣٣/٦). (٢) أخرجه أحمد (١٥٥٤٦). (٣) أخرجه أحمد (١١٠٠٠)، والترمذي (٣٦١٥)، وابن ماجه (٤٣٠٨). ٣٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ما مروهو المظهر كبرياءه للعباد بظهور أمره حتى لا يبقى كبرياء لغيره. ومن ثم قال رَلول عن ربه: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني واحدًا منهما قصمته)(١) ولا نظر لما في لفظ متكبر من وضعه للتكلف في إظهار ما لا يكون؛ لأنه لما وضع له تعالى لم يرد منه إلا ما تضمنه التكلف من المبالغة في الفعل، ونظير ذلك سائغ في كلامهم على أن هذه الصيغة جاءت لغير التكليف كثيرًا كالتعميم والتنقيص. قال إمام الحرمين: وهذا الاسم جامع لمقام التنزيه، وهو كالله من الأسماء التي جبلت الفطر على الإذعان لمعناها؛ فلذا تقاربا في مبدأ إحرام الصلاة؛ لأن تزكية الفطرة الأولى لا يكون إلا بها. وحظك منه: أنك إذا شهدت كبرياءه تعالى تكبرت عن الركون للمهوفات والسكون إلى الدنيا وزخارفها، فإن البهائم تشاركك في ذلك، بل عن كل ما يشغل شرك عن الحق، واستحقرت كل ما سواه تعالى من مستلذات الدنيا والآخرة حتى لم يبق لك في الكبر عما سوى ذلك، وزالت عنك جميع دعاوى الكبر ومهاويه لصفاء نفسك وانطباعها للحق، حتى سكن وهجها وانمحت رسومها فلم يبقَ لها اختيار ولا مع غیر الله قرار. ومن ثم كان تقربك بهذا الاسم أن تسكن تحت جريان الأقدار وتقف عند موارد الاختيار بإظهار التعظيم والعبودية والقيام بحقوق الربوبية، وقد قيل: هتك سره من جاوز قدره، ولا شيء أحسن على الخدام من التواضع بحضرة ساداتهم. (الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ) قيل: هذه الثلاثة مترادفة وغلط قائله بأن الصواب أنها متباينة؛ لأن الخلق أصله التقدير المستقيم، ويستعمل بمعنى الإبداع وهو إيجاد الشيء عن غير أصل، ومنه خلق السماوات والأرض، وبمعنى التكوين ومنه: ﴿خَلَقَ (١) أخرجه الحاكم (٢٠٣) وقال: صحيح على شرط مسلم. ٣٦٧ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤]. ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجِ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] والتخليق إيجاد الممكن وإبرازه للوجود، فالخالق موجد الكائنات وممدها ومشدها وقيومها، فهو من معالي القدرة والبرء أصله خلوص عن غيره، إما على سبيل التقصي منه ومنه برئ من مرضه أو من دينه، واستبرأت الجارية رحمها، وأما على سبيل الإنشاء ومنه برأ الله النسمة، فهو بارئ لها، فالبارئ هو المهيئ كل ممكن لقبول صورته في خلقه، فهو من معاني الإرادة؛ إذ متعلقها التخصيص. وقيل: هو من أوجد الخلق بريئًا من التفاوت والتنافر المخلين بكمال النظام، فهو أيضًا مأخوذ من معنى التقصي والتصوير إبداع صور المخترعات مع تزيينها وترتيبها، فالمصور معطي کل مخلوق ما هيّا له من صورة بحسب حكمته، فهو من معاني اسمه الحكيم، وبهذه الثلاثة ظهر الوجود على ترتيبها، فالقدرة للإبراز وهو الخلق والإرادة للتخصيص، وهو البرء والعلم للإيقان، وهو التصوير، فالثلاثة من أسماء الأفعال باعتبار والمعاني باعتبار، خلافًا لمن خص ذلك بالأول فقال: هي من أسماء الأفعال ما لم يفسر الخالق بالمقدر؛ لأن مرجعه للأداء فعلى تفسيره به وجه الترتيب بين الثلاثة ظاهر كما تقرر، واتضاحه أن الأول التقدير، ثم يليه الإحداث على الوجه المقدر، ثم يليه التسوية والتصوير فإن فسر بالموجد، فالاسمان الآخران كالتفصيل له، فالخالق الموجد بتقدير واختيار سواء كان الموجود مادة أو صورة ذاتًا أو صفة. وبهذا كله اتضح أنه تعالى خالق كل شيء بمعنى أنه مقدره أو موجده من أصل ومن غير أصل، وبارئه بحسب ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته من غير تفاوت ولا اختلال، ومصور بصورة يترتب عليها خواصه ويتم بها كماله، فعلم إيضاح ما أغفله بعضهم بقوله: هذه الأسماء جامعة لمعاني تظهر به الصور من الخلق الذي هو التقدير لأجزاء أصولها، وما يكون منه البرء وإصلاح تلك الأصول وتهيئها للقبول ٣٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع بما يجري مجرى السحق وتدقيق الأجزاء، وعلى ذلك يجري ظهور التمام في الصور. فبمضمون هذه الأسماء يتم التصوير، ولكل واحد منها خصوص معين، ولذلك تناسقت. وحظك منها: نسيان التدبير والاختيار لقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] أي: ما جعلنها لهم؛ لأن الذي يخلق ما يشاء هو الذي يختار ما يشاء، فيهيء كل مخلوق لما أعد له ويظهره في الصورة التي شاء أن يركبه فيها، وحينئذٍ فالتقرب بها هو الاستسلام لمجاري الأقدار والإرادات، والرضى بما أجرى على الخلق من أسباب نقص الصور وما لها من الكمالات وتحديق النظر، حتى لا يرى شيئًا ولا يتصور أمرًا إلا تأملت ما فيه من باهر القدرة وعجائب الصنع؛ ليترقى من المخلوق إلى الخالق، وتنتقل من ملاحظة المصنوع إلى ملاحظة الصانع، حتى تصير كلما نظرت شيئًا وجدت الله عنده. ومن كلام الأستاذ القشيري: وإذا علم العبد أنه لم يكن شيئًا ولا عينًا فخوله الله عينًا، فبالحري ألا يعجب بحاله ولا يدلي بأفعاله، وقد أشكل عليه حكم ما له وكيف لا يتواضع من يعلم أنه في الابتداء نطفة وفي الانتهاء جيفة، وفي الحال صريع جوعه وأسير شبعه؟ ففيه من النقائص ما إن تأمله عرف به جلال ربه ولم ينتقم لنفسه، حكي أن إنسانًا سب آخر وزاد فلم يجبه فضاق صدره فقال: إياك أعني قال الآخر: وعنك أحلم. فائدة: الأسماء المتقدمة ثلاثة عشر سوى الجلالة، وكلها دائرة على معانيها وبسط لما يقتضيه اشتقاقه، ويقع عليه مدلوله مع إفادة كل منها زيادة على معنى الذي قبله، وقد جاءت كذلك في خاتمة سورة الحشر لكن بزيادة علام الغيوب والعزيز الحکیم. (الغَفَّارُ) أي: الستار لذنوب عباده يسترها في الدنيا وعد المؤاخذة بها في العقبى، ٣٦٩ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى فهو من أسماء الأفعال، ويرادفه ما في القرآن من الغفور والغفار في أصل المعنى، ويزيد أن عليها بدلالتهما على المبالغة، ويزيد الثالث بأن المبالغة أكثر لزيادة بنائه، وفرق بينهما بأن المبالغة في الثانية باعتبار الكيفية وفي الثالثة باعتبار الكمية، قيل: وهو قياس المشدد للمبالغة من النعوت والأفعال وبين الثلاثة: بأن الأول: يزيل معصية العاصي من ديوانه. والثاني: ينسيها للملائكة. والثالث: ينسي العاصي نفسه ذنبه حتى كأنه لم يفعله. وبأن الأول: لمن له علم اليقين. والثاني: لمن له عين اليقين. والثالث: لمن له حق اليقين، والفروق الثلاثة إلى التحكم أقرب؛ إذ لا دليل على ذلك التخصيص إلا مجرد استحسان لا يعول عليه. وحظك منه: أن تستر أو تبالغ في ستر غيرك، وإن بالغ في الإساءة عليك فلا تطالبه ولا تحقد عليه ولا تبدء عنه قبيحًا قط، بل أبدء أحسن ما فيه، وأن تستغفر من زلتك لتجد الله تعالى كما قال: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] ومما يحملك على ذلك واسع فضل الله على المذنب الصادق في توبته، ألا ترى إلى أنه لما طلب المغفرة بصدق وجد الله بذينك الوصفین الجلیلین. واعلم أنه تعالى لما كان مالكًا على الإطلاق لكونه الموصوف بجميع الصفات الكمالية ، كان له الأخذ بالذنب والعفو عنه، فمن علم أنه يغفر الذنب ويأخذ به طلب منه المغفرة فيغفر له حيثما جاء به صادق وعده على لسان أصدق خلقه في حديث: ((إذا قال العبد: رب اغفر لي، قال الله تعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت له))(١). (الْقَهَّارُ) أي: ذو الغلبة التامة على ظاهر كل أمر وباطنه كما قال تعالى (١) أخرجه مسلم (٧١٦٢)، وأحمد (١٠٦٥١). ٣٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع عز قائلاً: ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] فلا موجود إلا وهو مقهور تحت قدرته وفي أسر قبضته، مسخر لقضائه على حسب إرادته وقوانين حكمته ومرجعه إلى القدرة، وقيل: هو الذي أذل الجبابرة وقصم ظهورهم بإنفاذ أقضيته فيهم من البلايا والمحن، فهو من أسماء الأفعال. ومن أحسن قول من قال: هو من اضمحلت عند صولته كل متمرد أو جبار، وقسيت عند سطوته قوى الملوك أرباب التفاخر والاستكبار لا سيما عند سماع: ﴿لَّمَنِ الْمُلْكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] الذي لم يبق إلا من لم يزل ولا يزال، وما عداه بادؤا عن آخرهم وتفرقت منهم الأجسام والأوصال. وحظك منه: أن تتحقق بالقهر وتتخلق به، بحيث تقهر من يجب قهره من نفس وشيطان وغيرهما بالكف عما لا ينبغي مع إسقاط التدبير والرجوع إلى الواحد القهار، وفي كل كبير وحقير خاشيًا مقتات مكره خائفًا من فجأة قهره، وجلا بقلبه متفردًا عن الأغيار ببدنه وسره، عالمًا بأن الله تعالى قهر نفوس العابدين بخوف عقوبته وقلوب العارفين بسطوة قلبه، فشتان بين عبد هو مقهور أفعاله وعبد هو مقهور جلاله وجماله. (الْوَهَّابُ) من الهبة وهي العطية دون سبب سابق ولا استحقاق، لا حق ولا مقابلة ولا جزاء المخالف ولا موافق، فالهبة الحقيقية هي العطية الخالية عن أدنى شائبة عوض أو غرض، فهو من أسماء الأفعال وأثر صيغة المبالغة فيه للدلالة على دوام عطائه، وتكرر نعمائه إلى ما لا غاية لحده ولا استطاعة من أحد لعدِّه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] فإذا كان هذا في نعمة فما بالك في ينعم لا نهاية لها، وهو من أسماء الأفعال. وحظك منه: ألا تزال تستحضر أنه الوهاب حتى تشکر نعمته وتستمطر رحمته، ولم تتعاظم شيئًا منه سالقة ولا فقرًا ولا صرًّا، وكنت راجعًا إليه في كل وقت بحسن القصد ونهاية الذل، وحينئذٍ فتقربك به من جهة التعلق أن يكون دائمًا شاكرًا لنعمه مشاهدًا لجوده وكرمه، ومن جهة التخلق أن يكون وهابًا لعباده ما ٣٧١ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى يحتاجون إليه مستجيبًا منه تعالى أن تصرف شيئًا مما أعطاك ووهبك في أمرك، وألا يستمنح إلا منه بل أن تبذل جميع ما تملكه خالصًا لوجهه لا تريد به جزاءً ولا شكورًا (الرَّزَّاقُ) أي: المدد لكل كائن بما يحفظ به صورته ومادته محسوسًا كان أو معقولاً، فإمداد الأجسام بالأغذية والألطاف، والعقول بالعلم، والقلوب بالفهم، والأرواح بالتجليات، فهو من أسماء الأفعال واقتصر بعضهم على بعض ما تقرر فقال: الرزق الإمداد بما منه أصل الخلق، فكل موجود خلق من شيء ثم أديم له مدد كان ذلك المدد رزقه. ولما كان مبدأ خلق الإنسان الماء كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ [هود:٧] كان مبدأ رزقه الماء كما قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢]. وحظك منه: أنك إذا شهدت معناه تيقنت أنه لا يستحقه إلا الله، فلم يهتم بشأن الرزق ولم يتوجه فيه لأحد من الخلق ثقة بما أعد لك من رزقه، وبشكرنا لجميل عطائه ووصفه، فكل أمره إليه ولا يتوكل فيه إلا عليه، وحينئذٍ فيقربك هذا الاسم أن تكف نفسك عن الجزع والهلع، وأن تترك الاضطراب عند القلة والعدم ثقة بواسع كرمه وسكونًا لقوله عز قائلاً: ﴿إِنَّ اللّه هُوَ الرَّزَّقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وأن تجعل يدك خزانة ربك ولسانك وصلة بين الله وخلقه في وصول الأرزاق الجسمانية والروحانية إليهم، بالإرشاد والتعلم وصرف المال لتنال حظًا وافرًا من هذه الصفة. قيل لبعضهم: من أين تأكل؟ فقال: منذ عرفت خالقي ما شككت في رازقي، وقد يقع لبعض العارفين أن يسأل الحقير: من الحقير؟ كما وقع للشبلي أنه أرسل لغني أن أبعث إلينا شيئًا من دنياك، فكتب إليه سل دنياك من مولاك، فأجابه الدنيا حقيرة وأنت حقير، وإنما أسأل الحقير من الحقير ولا أطلب من مولاي غير مولاي، ولا ينافي ٣٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع هذا ما ورد: (يا موسى سلني حتى ملح عجينك))(١) لأن سؤال الخلق فيما أجري على أيديهم، لا ينافي سؤاله تعالى في تيسير أسباب وصول ذلك إليه. فائدة: علم مما تقرر أن الرزق ما ينتفع به ولو حرامًا، وتخصيص المعتزلة بالمملوك أبطله أهل السنة طردًا وعكسًا. أما الأول: فلأن كل ما سوى الله تعالى ملكه وليس رزقًا له، وتشبيه المعتزلة لهذا فأخرجه بقوله: رزق كل مرزوق ما ينتفع به من ملكه، وفيه دور وعدم مقنع؛ لأنهم كلهم أطلقوا ولم يتنبه منهم لذلك إلا من أطلع على الرد المذكور. وأما الثاني: فلأن ما تأكله البهائم رزقها لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] وليس ملكًا لها. (الْفَتَّاحُ) أي: الحاكم بين الخلائق من الفتح بمعنى الحكم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: أحكم وذلك؛ لأن الحكم بفتح الأمر المتعلق بين الخصمين، والله سبحانه بين الحق وأوضحه وبين الباطل وأدحضه ببعث الرسل، وأنزل الكتب ونصب الحجج، ومرجعه إما إلى العلم وهذا أوضح من قول الشارح إلى القديم أو الأفعال المنصفة للمظلومين، وقيل: هو المتفضل بإظهار الخير والسعة على أثر ضيق، وإطلاق باب الأشباح والأرواح في الأمور الدنيوية والأخروية، وعليه فمرجعه إلى الأفعال. وشرحه بعضهم بقوله: الفتاح من الفتح وهو الأفراح من الضيق الحسي والمعنوي، كالذي يفرح تضايق الخصمين في الحق بحكمه. وقيل: هو الذي خزائن الرحمة على أصناف البرية قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] وهذا راجع الذي قبله كما لا يخفى. (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (١٦). ٣٧٣ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى وقيل: هو مبدع الفتح والنصر، وهو كأقوال أخر فيه خاصة ببعض النعم من استحسان العارفين بحسب شهودهم حال التكلم بها. وحظك منه: أن تسعى في الفصل بين الناس، وأن تنصر المظلومين، وأن تيسر ما تعسر على غيرك من أمور الدين والدنيا، وأن تثق به في كل أمر، وترتاح إليه في كل مهم، وترجع إليه في كل شيء. قيل: ومن آداب من علم أنه الفتاح أن يكون حسن الانتظار للطفه سبحانه، دائم الترقب لحصول فضله ونبل کرمه، تارگًا الاستعجال ذلك، ساكنًا تحت جريان الحكم، عالمًا بأنه لا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم، قال رجل لجارية علي، كرم الله وجهه: إني أحبك فذكرته لعلي فقال: قولي له: وأنا أيضًا أحبك فأبعد ذلك فقالت له ذلك، فقال: إذن نصير حتى يحكم الله بيننا، فذكرت ذلك لعلي فدعاه فصدقه فقال: خذها فهي لك قد حكم الله بينكما. (الْعَلِيمُ) بجميع المعلومات كلياتها وجزئياتها واجبة وجائز ومستحبة، فهو تعالى يعلم ذاته وصفاته وأسماءه، ويعلم ما كان وما لا يكون من الجائزات، وأنه لو كان كيف يكون ويعلم المستحيل من حيث استحالته وانتفاء كونه وما يترتب عليه لو كان، ومن ثم قال عز قائلاً: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةُ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وبالجملة فهو تعالى لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه قاصية ولا دانية، ولا يشغله علم عن علم كما لا يشغله شأن عن شأن، وهو من صفات الذات التي هي الحياة والعلم والسمع والبصر، والقدرة والإرادة والكلام والبقاء، وأوتر هنا وفيما مر ويأتي صيغة المبالغة؛ لأنه تعالى حقیق بها في وصفه وعلمه، قیل: ما كان على فعیل کعلیم فهو أنبأ عن الصفة، وما كان على فاعل كعالم فهو أنبأ عن الفعل، فهو عليم بما يرجع إلى ذاته عالم بما يخلق من علم خلقه. انتهى. وفيه نظر ظاهر؛ إذ اللغة لا تشهد لهذا الافتراق بل يقتضي بأنهما شيئان في الأصل، وإنما يفيد الأول زيادة مبالغة لم يفدها الثاني لا غير. ٣٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع وحظك منه: أنك إذا شهدت أنه العالم بكل شيء راقبته في كل شيء واكتفيت بعمله في كل شيء، فكنت واقفًا به عند كل شيء ومتوجهًا له بكل شيء، واحتطت في مقادرك ومواردك لعلمك بأنه عالم بضمائرك، مُطّلع على سرائرك وشغفت بتحصيل العلوم الدينية، لا سيما المعارف الإلهية التي هي ناجبة عن ذاته وصفاته، فإنها أشرف العلوم وأقرب الوسائل إليه تعالى، وما أحسن ما قيل: من عرف بأنه عليم بحالته صبر على بليته وشكر علی عطیته، واعتذر عن قبيح خطيئته. وكان الأستاذ القشيري بسط ذلك بقوله: من علم أنه تعالى عالم الخفيات خبير بما في الضمائر والسرائر من الخطرات لا يخفى عليه شيء من الحوادث في جميع الحالات، فبالحري أن يستحي من مواضع إطلاعه، ويرعوي عن الاعتراف بجميل سره، وفي بعض الكتب: ((إن لم تعلموا أني أراكم فالخلل في إيمانكم وإن علمتم ذلك، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليك)). (الْقَابِضُ) أي: المضيق على من شاء ما شاء كيف شاء. (الْبَاسِطُ) أي: الموسع على من تجلى عليه باسمه القابض ما شاء، وكيف شاء ومتى شاء، وقيل: معنى القابض أنه يقبض الأرواح عن الأشباح عند الموت، والباسط نشرها فيها عند الحياة. وقيل: معناهما أنه يقبض القلوب ويبسطها، تارة بالضلالة والهدى وأخرى بالخشية والرجاء. وقال بعض المشايخ: اسمه القابض والباسط من القبض وهو جمع الشيء إلى مبدأه ووسطه، ومن البسط وهو اندفاع الشيء من مبدأه ووسطه، قال: وهما اسمان جامعان لإحاطة معنى الحركة والخلق، قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] أي: في كل شيء من الأخلاق والأرزاق والأشباح والأرواح، إذا قبض فلا طاقة، وإذا بسط فلا فاقة، والكل منه وإليه سبحانه. انتهى. وكلاهما من صفات الأفعال، وإنما يحسن إطلاقها مقاليد؛ لأن على كمال القدرة ٣٧٥ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى وإتقان الحكمة. وحظك منهما: أن تراقب الحالين فلا تعتب أحدًا من الخلق، ولا تسكن إليه في إقبال ولا إدبار، ولا تيأس منه في بلاء، ولا تأمن على عطاء أبدًا، وترى القبض عدلاً منه فتصبر عليه أو ترضى به، والبسط فضلاً منه فتشكر عليه، وأن يكون ذا قبض ضنًا بالعلوم والأسرار الإلهية على غير أهلها، وبسطه إفاضة على أهلها، فالتعلق بهما بالركون إليه تعالى، والتخلق بالقبض عن كل ما سواه، وبالبسط في كل شيء یرضاه. قال القشيري: هما صفتان تتعاقبان على قلوب أهل العرفان، فإذا غلب الخوف انقبض، وإذا غلب الرجاء انبسط. ويحكى عن الجنيد أنه قال: الخوف يقبضني والرجاء يبسطني والحق يجمعني والحقيقة تفرقني، وهو في ذلك كله موحشي غير مؤنسي، ثم قال: والقبض يوجب إیحاشه والبسط یوجب إیناسه. انتهى. وينبغي للعبد أن يتجنب الضجر وقت قبضه، وترك الأدب في حال بسطه ومن هذا خشي الأکابر. (الَخَافِضُ) للشيء عن مرتبته إلى ما هو أدنى منها (الرَّافِعُ) لمن شاء عن مرتبته إلى أي مرتبة شاء، ومن ثم قال بعضهم: اسمه الخافض الرافع من الخفض وهو رد الشيء إلى أدنى طرفيه، ومن الرفع وهو إعلاؤه إلى أنهى طرفيه. وهذا التعميم في تفسيرهما أولى من التخصيص ببعض ذلك حيث قيل: هو الذي يخفض القسط ويرفعه، أو يخفض الكفار بالخزي والصغار، ويرفع المؤمنين بالنصر والإعزاز، أو يخفض أعداءه بالإبعاد ويرفع أولياءه بالتقريب والإسعاد، أو يخفض أهل الشقاء بالطبع والإضلال ويرفع ذوي السعادة بالتوفيق والإرشاد، وهما من صفات الأفعال. وحظك منهما: ألا تثق بحال من أحوالك، ولا تعتمد على شيء من علومك ٣٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع وأعمالك، وألا تريد خفضًا ولا رفعًا بنفسك، فإنهما لا يكسبان إلا من موجدك وممدك، وأن تخفض الباطل وأهله أعداء الله إلى: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] وترفع الحق وأهله أولياء الله إلى أعلى علیین. وحينئذٍ فالتعلق: بهما في الاستسلام والخوف والرجاء والشكر والالتجاء إليه تعالى بكل حال، والتخلق: بهما أن تخفض ما أمرك الله بخفضه كالنفس والهوى، وترفع ما أمرك الله برفعه كالقلب والروح. واعلم أنه ليس المرفوع قدرًا والمستحق مجدًا وشكرًا من تكبر وتجبر على أشكاله بكثر ماله واستقامة أحواله، بل من رفعه الله بتوفيقه وأيده بتصديقه وهداه إلى طريقه، روي رجل في الهوى فقيل له: بم هذا؟ فقال: جعلت هواي تحت قدمي فسخر الله لي الهوى. (الْمُعِزُّ) لمن شاء من عباده بإعطائه مرتبة العز الذي هو العلية وإحاطة العلم، وما ينشأ عن الإعزاز الذي هو جعل الشيء ذا كمال يصير بسببه مرغوبًا فيه قليل المثال. (الْمُذِلُّ) أي: القاهر لمن شاء من خلقه باذلاً له وهو سلب حال العز وإثبات مقابله من الضعف والجهل، وفسر أيضًا بأنه جعل الشيء ذا نقيصة بسببها يرغب عنه، ويسقط عن درجة الاعتبار وبسط بعضهم بعض ذلك الإجمال. فقال المعز: الذي يكمل البدن بنحو الجمال والجاه وكثرة المال والإتباع والنفوس يدفع ذل الحاجة، وإتباع الشهوة والإرشاد لمعرفة الحق لذاته، والخير لأجل العمل به. والمذل: الذي يفعل بالأبدان والنفوس ضد ذلك وبسطه غيره بوجه آخر. فقال: المعز الذي أعز أولياءه بعصمته؛ أي: حفظه ثم غفر لهم برحمته ثم نقلهم إلى دار كرامته، ثم أکرمهم برؤيته ومشاهدته. والمذل: أذل أعداءه بحرمان معرفته وارتكاب مخالفته ثم نقلهم إلى دار ٣٧٧ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى عقوبته، وأهانهم بطرده ومفارقته. وحظك منهما: أنك إذا شهدت أنه المعز لم تتعزز بغيره، وأنه المذل لم تتذلل لسواه، وحينئذٍ فالتقرب بهما تعلقًا: أن تستنصره تعالى وتتوجه إليه في إثبات العزلك، ونفي الذل عنك، وتخلقًا: أن تعز جميع ما أمرت بإعزازه كالحق وأهله، وبذل كل ما أمرت باذلاً له كالباطل وحزبه جملة وتفصيلاً، وأن تسأل الله التوفيق لموجبات عزه، وتستعيد به من قطعية ذله. واعلم أن الحق سبحانه يعز كل قوم من الزهاد والعباد والمريدين والعارفين والمحبين والموحدين ما يليق بمقامهم، قال المشايخ: ما أعز الله عبدًا بمثل أن يرشده إلى ذل نفسه، وما أذل الله عبدًا بمثل أن يوهمه عز نفسه، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] المذلة أن يكون في أسر نفسه وغطاء شهواته وسجن عينيه وآفاته، يصبح محجوبًا ويمسي محرومًا لا بالطاعات له توفيق، ولا بالقلب تصديق، ولا في الحال تحقيق، نعوذ بالله من ذلك، ونسأله السلامة من جميع هذه المهالك، آمین. (السَّمِيعُ) هو الذي انكشف موجود انكشافًا تامًّا بالغًا أعلى غايات الانكشاف لصفة سمعه، فكان مدركًا لكل مسموع من كلام وغيره على أعلى نهايات الإدراك الذي لا يتصور وجود أدناه لغيره. (الْبَصِيرُ) هو الذي انكشف كل موجود انكشافًا كذلك لصفة رؤيته، فكان مدركًا لكل مرأى على أعلى تلك النهاية أيضًا، فالسمع وهو إدراك المسموعات حال حدوثها، والبصر وهو إدراك المبصرات حال حدوثها على الوجه المذكور، فهما صفتان من صفات ذاته الثمانية ثابتتان له منزهتان عن كل شائبة من شوائب المحدثات، وهما غير صفة العلم لما تقرر أن الانكشاف بهما أجلى وأتم، ومن جعلهما مرادفین له فقد وهم. ولا يلزم من افتقار هذين النوعين من الإدراك فينا إلى آلة افتقارهما إليها ٣٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع بالنسبة إليه تعالى؛ لأن صفاته تعالى مخالفة لصفات المخلوقين بالذات ومشاركتها لها، إنما هو في العوارض وبعض اللوازم، ألا ترى أن صفاتنا أعراض معرضة للآفة والنقصان، وصفاته تعالى مقدسة عن ذلك. حظك منهما: أن تتحقق أنك بمسمع ومرأى منه تعالى، وأنه مطلع عليك وناظر إليك مراقب لمجامع أحوالك من أقوالك وأفعالك، فاحذر أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك، وأن يسمع منك ما يكون سببًا لخزيك وإهانتك، وذلك؛ إذ من عصى وهو يعلم أن الله يراه فما أخسره، أو أن الله لا يراه ما أكفره. ومن ثم كان من آدابك؛ إذ عرفت أنه السميع البصير أن تدوم منك له في كل قول وفعل وحركة، وسكون المراقبة ومطالبة النفس بدقيق المحاسبة، وقد قيل لبعضهم: بم يستعين الإنسان على حفظ بصره قال: يعلم أن نظر الله سابق نظره إلى ما ينظر إليه، وأن تصون له سمعك عن سماع كل لغوٍ، وتحفظ له بصرك عن نظر كل غير، وإلى هذا الإشارة في الحديث القدسي السابق قريبًا: ((كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به))(١). وفي رواية: ((كنت له سمعًا وبصرًا فبي يسمع وبي يبصر)) (٢) ومن ثم كان التقرب بهذين الاسمين من جهة بالتعلق: بالمراقبة، ومن جهة التخلق: بأن يكون سميعًا لما يؤمر به بصيرًا بما يطلب منه ليبادر إلى امتثالهما حتى يكرمه مولاه، بأن يكون له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا من جهة محبته إياه وإظهار أسراره عليه، ومثوله بين يديه من غير حلول ولا إلحاد خلافًا لأهل الزيغ والإلحاد، تعالى الله عما يقول الظالمون الجاحدون علوًا كبيرًا، قال: سهل لي كذا كذا سنة أخاطب الحق والناس يتوهمون أني أكلمهم، وهذا هو صفة الجمع الذي أشار إليه القوم ألا يكون العبد لنفسه بنفسه، بل یکون لربه بربه. (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. ٣٧٩ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى ومن تلك الآداب أيضًا أن يكتفي بسمعه تعالى وبصره عن انتقامك وانتصاري لنفسك، وتأمل تسليته تعالى لحبيبه ** بما يخفف عنه أثقال بلواهم، حيث أمره بعد أن أخبر بأن صدره يضيق بما يقولون بأن يسبح بحمد ربه؛ أي: إذا تأذيت بسماع السوء منهم فاتصف بمدحنا وثنائنا لتستروح بروح ثنائك علينا. (الْحَكَمُ) أي: الحاكم الذي لا مرد لقضائه ولا معقب لحكمه، فمرجعه إما إلى القول الفاصل بين الحق والباطل والبر والفاجر، والمبين لكل نفس جزاء ما عملت من خير وشر، وإما إلى الفعل الدال على ذلك بنصب الدلائل والأمارات الدالة عليه، وإما إلى التمييز بين الشقي والسعيد بالإثابة والعقاب، وفسره بعضهم بأنه الذي يفصل بين مخلوقات بما يشاء. وقال بعضهم: الحكم اسم مطلق لم يقصد دلالة صيغته وإنما قصدت دلالة حروفه، وليس كاسمه الحكيم؛ لأن صيغة فعيل تدل على قصد الصفة مع دلالة حروفه، وهو من معنى الحكمة وهو إظهار الترتيب، ومن معنى الحكم وهو حفظ حدود ذلك الترتیب حتى لا يتداخل فیتداعی إلی وهن ذلك الترتيب. انتهى. وهو مع علاقته فيه إنظار لا يخفى، والصواب أنه نحو العدل الآتي من الوصف بالمصدر ونحوه للمبالغة المفيدة أن كل حكم وحكمة، وفصل بين الحق والباطل وبيان لحجة أو برهان، وتمييز بين مقبول ومردود ليس إلا منه ولا يرجع إلا إليه. وحظك منه: أنك إذا عرفت أنه الحكيم استسلمت لحكمه وانقدت لأمره، فإنك إن لم ترض بقضائه اختيارًا أمضاه فيك إجبارًا، وإن رضيت به طوعًا لطف بك لطفًا خفيًّا وجعلك راضيًا مرضيًّا، وباعدت نفسك عن أنك تتحاكم إلى غيره، ولزمك الرضا بحكمه وإيتاءً لما أنبأ به الصادق المصدوق عن كريم أخلاقه، بقوله في الحديث المشهور: (لك أسلمت وبك آمنت وبك خاصمت وإليك حاكمت))(١). (١) أخرجه مالك (٥٠٦)، والبخاري (١١٢٠)، ومسلم (١٨٤٤)، وأبو داود (٧٧١)، والترمذي (٣٧٤٦)، وأحمد (٢٧٦٢)، وابن ماجه (١٤١٦). ٣٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع وحينئذٍ فالتقرب به تعلقًا: بالشكوى إليه في كل شيء، وترك الشكوى لغيره بكل حال، وتخلقًا: بأن يكون حكمًا بين قلبك ونفسك بأن تنظر بينهما بالإنصاف، وتترك الميل إلى النفس المنبئ عن الشطط والانحراف. وقال القشيري: ما أنه تعالى حكم في الأزل لعباده بما شاء من سعادة وشقاوة ثم لا يتبدلان، ومن ثم قالوا: من اقتضته السوابق لم تدنه الوسائل، ثم الناس أقسام أربعة: أصحاب السوابق: وهم الذين يتفكرون فيما سبق لهم في الأزل لعلمهم بأنه لا یتغیر. وأصحاب العواقب: وهم الذين يتفكرون في ما يختم به أمرهم فإن الأمور بخواتيمها؛ أي: إن طابقت السابقة، وذلك غيب عنا، ولذلك قيل: لا يغرنك صفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات، فكم من لاحت عليه أنوار السعادة وانتشر صيته في الآفاق حتى عقدت عليه الخناصر أنه من أهل: ﴿الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] بدَّل بالوحشة صفاؤه، وبالظلمة ضياؤه وأنشدوا: ولم تخف سوء ما يأتي به القدر أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت وعند صفو الليالي يحدث الكدر وسالمتك الليالي فاختررت بها وأصحاب الوقت: وهم لا يتفكرون في سابقة ولا عاقبة، وإنما يفكرهم في إذا ما کلفوا به لا غير، ومن ثم قيل: العارف ابن وقته. وأصحاب الشهود: وهم من شغلهم شهود الحق وذكره عن التفكر في شيء مما ذكر. (الْعَدْلُ) هو في الأصل مصدر عدلت الشيء إذا قومته. ثم قيل: للتسوية والإنصاف؛ لأن فيهما إقامة الأمر وحفظه عن طرفي الإفراط والتفريط، ثم نعت به للمبالغة، فمعناه البالغ في العدل وهو فعل ما يريده بحق ملكه في خلقه من غير منازع له فيه أقصى مراتبه، فهو من صفات الأفعال، وفسره بعضهم ٣٨١ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى بما يوافق ذلك فقال: هو البريء من الظلم في أحكامه المنزه عن الجور في أفعاله، وبعضهم بأنه التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، قيل: وعليه فهو في وصفه تعالى راجع لمعنى الإيقان وهو بعيد. انتهى. وهو ممنوع بل إنما هو راجع لمعنى تسوية الأمر وحفظه عن طرفي الإفراط والتفريط كما تقرر، ولا بعد في هذا لما علمت أنه الموافق للاشتقاق اللغوي. وحظك منه: أنك تشهد أنه عدل في أقضيته حتى لا تجد في نفسك جزءًا من أحكامه، ولا حرجًا من نقضه وإبرامه، ولا تستقبح منه حكمًا فتستريح بالاستسلام إليه في كل شيء، وتستقبل حكمه بالرضا والصبر لبلاياه بغير شكوى حتى لا يضيق لتحملها قلبك، ويتسع لمقاساة فجأة تقديره ذرعك، وتنزه عن الاعتراض تدبيره وحكمه بوجه من الوجوه، وترى الكل منه حقًّا وعدلاً، وتستعمل كل ما وصل إليك منه فيما ينبغي أن يستعمل فيه شرعًا وعقلاً، وتجتنب في مجامع أمورك طرفي الإفراط والتفريط كالفجور والخمود في الأفعال الشهوية، والتهور والجبن في الأفعال الغضبية، ولازم أوساطها التي هي العفة والشجاعة والحكمة المعبر عن مجموعها بالعدالة ليشملك عموم: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وحينئذٍ فالتقرب بهذا الاسم تعلقًا: أن يخفا سطوة عدله وترجو رقة فضله، ولا تأمن مكره ولا تيأس من رحمته، وإن خالفت نهيه وأمره، وتخلقًا: أن تكون عدلاً في أحكامك عدلاً في أوصافك، فلا تظلم أحدًا ولا تميل أبدًا في أمرك كله إلى طرف إفراط ولا تفريط. (اللَّطِيفُ) هو الخفي عن الإدراك والعالم بخفيات الأمور ودقائقها، وما لطف منها فضلاً عن غيرها، أو المتفضل بإيصال الرفق والمنافع من أبواب ضيقه بعيدة عن العقول والأوهام، أو بمعنى الملطف كالجميل بمعنى المجمل، أقوال غير متباينة لصحة كل منهما، ولو فسر بمجموعها لكان أظهر. ٣٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ثم رأيت القشيري أشار لذلك بقوله: اللطيف العليم بدقائق الأمور ومشكلاتها، وهذا في وصفه واجب واللطيف المحسن الموصل للمنافع برفق، وهذا في نعته مستحق، وهو من صفات فعله، وقوله تعالى: ﴿اللّهُ لَطِيفٌّ بِعِبَادِهِ﴾ ويحتمل المعنيين جميعًا أن يكون عالمًا بهم وبمواضع حوائجهم: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٩] ما يشاء، ولطيف بهم يحسن إليهم ويتفضل عليهم ويرفق بهم. انتهى. فهو إما من أسماء الأفعال أو يرجع لصفة العلم، وقد يرجع لصفة التنزيه؛ لأن اللطيف في الأصل ضد الكثيف، وهو لا يحسن به فإطلاقه على الله تعالى باعتبار أنه متعال عن أن يحسن به، وعليه قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وفيه لف ونشر؛ أي: إنه لطيف لا يحيط بكنهه الأبصار، وهو للطف إدراكه للمدركات الخبير لإحاطته بتلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها غیره. وحظك منه: أنك إذا شهدت أنه اللطيف بمعنى الخفي عن الإدراك عظمته وأجللته عن قدر يمكن ذلك من قلبك، أو بمعنى العالم بالخفيات حذرت أن يطلع عليك في جميع ما أنت فيه، ووثقت به في علمك بحالك، أو بمعنى المتفضل بما مر لجأت إليه ولم تعول إلا عليه. وحينئذٍ فالتقرب به تعلقًا: أن تنظر إلى لطفه وتراعيه في كل شيء وتذكره عند كل نازلة، فمن ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره، وتخلقًا: أن يتلطف بعباده في إرشادهم إلى الحق، وأن يترفق بهم في الدعاء إلى الله، وأن يتيقن أنه تعالى عالم بمكنونات الضمائر، فلا يضمر شيئًا يقبح إظهاره. قيل: من لطفه تعالى بعباده أنه أعطاهم فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة، وسهل طرق الطاعات حتى لا يتخلف عنها إلا من حقت شقاوته أو بعدت هدايته. (الْخَبِيرُ) أي: العليم بدقائق الأمور وبواطنها التي لا يمكن غيره أن يتوصل إليها بنفسه، من الخبرة، وهي: العلم بما ذكر، أو بمعنى: المخبر؛ أي: المخبر بحقائق