النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢٣
کتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكَّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأَىَ عَيْنٍ فَإِذَا
خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينًا) نسيانًا (كَثِيرًا) كأنا ما
سمعنا منك شيئًا قط (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْتَدُومُونَ) في حال
غيبتكم عني (عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي) من الخشوع ونسيان الأغيار وامتلاء القلب
بشهود الحق تعالى، والتنزه عن کل وصف ذميم.
(وَ) على ما يكون وأنتم بعداء مني (في الذِّكْرِ) من الاستغراق فيه بحيث لا
يبقى في المستقبل فيه فضله لغيره، ويصح عطف في الذكر على قوله: ((على .. إلخ)) أي: لو
يدومون على الذكر (لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ) عيانًا في سائر الأحوال وإن كنتم (عَلَى
فُرُشِكُمْ وَفِي عِرُقِكُمْ) لأنكم إذا كنتم في الحضور والغيبة على ما ذكرت كنتم على
أكمل الأحوال دائمًا، ومن هو كذلك يرى الملائكة متبركين به معظمين له في كل
الأمكنة والأزمنة (وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ) هذه المداومة على ما ذكر مشقة لا يطيقها كل
أحد، فلم يكلف أحد بها وإنما الذي يطيقه الأكثرون أن يكون الإنسان على هذه
الحالة.
(سَاعَةً وَ) لا عليها بأن يصرف نفسه للمعافسة المذكورة وغيرها (سَاعَةً)
أخرى وأنت كذلك فأنت على الصراط المستقيم، ولم يحصل منك نفاق قط كما
توهمته فانته عن اعتقاد ذلك فإنه مما يدخله الشيطان على السالكين حتى يفترهم عما
هم فيه، ثم لا يزال يفترهم كذلك إلى أن يتركوا العمل رأسًا كما شاهدناه كثيرًا (ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ) أي: كرر قوله: ((والذي .. إلخ)) أو قوله: ((لو تدومون .. إلخ)) أو قوله: ((ولكن .. إلخ))
أو قوله: (ساعة وساعة)) وتعيين شارح الثاني لا دليل عليه ثلاث مرات تأكيدًا ومبالغة
في تقرر هذا الأمر المهم، وإيصاله إلى الأذهان ليدفع الموقن به ما يرد عليه من القواطع
(رَوَاهُ مُسْلِمْ).
(الفصل الثاني)
٢٢٦٩ - [عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: أَلَا أَنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ

٣٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقٍ
الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا
أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ الله(١). رَوَاهُ مَالِك وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه إِلا أَنَّ
مَالِكًا وَقَّفَهُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ].
(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ٍَّ: أَلَا) حرف استفتاح يدل على شدة
الاعتناء بما بعدها لتفرغ الذهن إلى استماعه (أَنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا) أي:
أنماها من حيث الثواب الذي يكون مقابلتها، أو أظهرها من حيث كمالها في ذاتها
لا بالنظر للثواب، ويؤيده عطف ((وأرفعها)) إذ هو على الأول تأكيد وعلى الثاني تأسيس
وهو خير من التأكيد (عِنْدَ) مر أنها في مثل هذا الطريق لشرف المرتبة وعلو
المكانة (مَلِيكِكُمْ) مقتبس من قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾
[القمر: ٥٥].
(وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ) أي: وأزيدها رفعًا لدرجاتكم (وَخَيْرٌ لَكُمْ) عطف
على خير عطف خاص على عام؛ لأن الأول خير الأعمال مطلقًا، وهذا خير من بذل
الأمور والنفوس، أو عطف مغاير بأن يراد بالأعمال الأعمال اللسانية فيكون ضد
هذا؛ لأن بذل الأمور والنفوس من الأعمال الفعلية (مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ) أي:
الفضة في سبيل الله (وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ) وهم الكفار المحاربون.
(فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ) أي: فيقع بينكم حرب حتى يحصل
منهم فيكم قتل ومنكم فيهم نظيره (قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ الله) الشامل للقرآن وكون
الذكر الشامل لذلك خير من بقية الأعمال اللسانية ظاهر، ومن إنفاق الأموال وبذل
النفوس لله مشكل وإن وافقه ما في الحديث الصحيح أيضًا: ((لا أحد أفضل ممن قال
ذلك)) أي: ببعض أنواع الذكر المندوب عقب الصلوات، إلا من صنع مثل ما صنع،
(١) أخرجه مالك (٤٩٦)، وأحمد (٢١٧٥٠)، والترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩٠)، والحاكم
(١٨٢٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (٥١٩).

٣٢٥
كتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
والحديث الصحيح أيضًا: ((من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة
مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد
عليه))(١).
وقضية كلام أئمتنا العكس، ويمكن الجمع بحمل الجزية هنا على أنها من وجه
هو امتلاء القلب بالذكر المستلزم لدفع الشيطان وطرده عن ساحة القلب الذي
بطهارته وصلاحه يطهر، ويصلح البدن كله فالذكر لكونه يؤثر في القلب ما لا يؤثر فيه
ذلك الإنفاق، والبذل یکون من هذه الحيثية أخیر من دینك وإن كانا أفضل من سائر
الحيثيات غير ذلك، واعتبار قيد الحيثيات يمنع التنافي فتأمله، وأما قول العزبن
عبد السلام في ((قواعده)) هذا الحديث مما يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر
النصيب في جميع العبادات، بل قد يأجُر الله تعالى على قليل الأعمال أكثر مما يأجر على
كثيرها، فإذن الثواب يترتب على تفاوت الرتب في الشرف فهو جرى على الأخذ، فظاهر
الحديث مع قطع النظر عن مقتضى كلام الأئمة، وأيضًا الإنفاق يقطع داء البخل،
وبذل النفس يقطع داء الجُبن، وإدمان الذكر لا يقطع شيئًا من هذين الداءين اللذين لا
أخبث منهما، بل لا يجدي إلا حدّ المقصود منه، وهو نحو: ((أنا جليس من ذكرني))(٢).
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وغير ذلك مما مر في فضائله إلا إن
تطهرت النفس عنهما، وأما مع وجودهما فليس له كثير جدوى، فلا يحصل له كمال
تلك المراتب المقصودة منه، فالحق ما أشرت إليه أولاً أنهما خير منه في حق السالك
بالنظر لتطهير النفس واستعدادها للكمالات، وهو خير منهما بالنظر للعارف؛ لأنه
تخلى عنهما لكنه يحتاج إلى أن يكون دائم الذكر طويل الفكر لا ينفك عن شهود
حضرة سيده، ولا يتمتع إلا بما يصل إليه من عنده.
(١) أخرجه مسلم (٢٦٩٢)، وأبو داود (٥٠٩١)، والترمذي (٣٤٦٩) وقال: حسن صحيح غريب،
وأحمد (٨٨٢١)، وابن حبان (٨٦٠).
(٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان) (٦٩٩).

٣٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
فإن قلت: الذي أطبق عليه مشايخ الصوفية أنهم إنما يأمرون السالك أولاً،
ويحضونه على الاشتغال بالذكر وإدمانه حتى يصير كالطبع له، ثم يأمرونه بغيره وهذا
يدل على أنه أفضل من غيره مطلقًا، قلت: لا يدل على ذلك وإنما سر ذلك أنهم يدربون
النفس فيأمرونها بالأسهل فالأسهل إلى أن يتأهل إلى الأشق، ولا شك أن الاشتغال
بالذكر أهون من ذينك، فأمروه به أولاً ثم بما هو أشق منه وهكذا حتى يتأهل إلى الأمر
بالإنفاق والجهاد؛ لأنهما أشق منهما في الحقيقة على النفس.
وأما قول شارح: لعل الخيرية والأرفعية في الذكر لأجل أن سائر العبادات من
إنفاق الذهب والفضة، ومن ملاقاة العدو والمقاتلة معهم إنما هي وسائل ووسائط
يتقرب العباد بها إلى الله، والذكر إنما هو المقصود الأسنى والمطلوب الأعلى، وناهيك
عن فضيلة الذكر قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوِنِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وغير ذلك.
انتهى.
فهو لا يخالف ما ذكرته من التفصيل فهو المقصود الأسنى ممن يظهر من ذينك
دون غيره كما قررته، قال الشارح: ولا ارتياب أن أفضل الذكر قول: ((لا إله إلا الله))
وهي الكلمة العليا، وهي القطب الذي يدور عليها رحى الإسلام، وهي القاعدة التي بني
عليها أركان الدين، وهي الشعب التي هي أعلى شعب الإيمان، ثم قال: ولأمره اتخذ
العارفين وأرباب القلوب يستأثرونها على سائر الأذكار لما رأوا فيها خواص ليس
الطريق إلى معرفتها إلا الوجدان والذوق. انتهى.
وزعم الزمخشري أن التسبيح أفضل من الذكر، ورد بأن التفضيل أمر شرعي ولم
يثبت في ذلك شيء، وبأن التسبيح أمر سلبي والذكر أمر ثبوتي والوجود أشرف من
العدم، وما ذكره الشارح في ((لا إله إلا الله)) ينافيه الحديث: ((إنها بعشر والتسبيح
بثلاثين حسنة)) لكن يعارضه الحديث الآخر: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل
الدعاء الحمد لله))(١) قيل: دلَّ بمنطوقه على أن كلاً من الكلمتين أفضل نوعه وبمفهومه
(١) تقدم تخريجه.

٣٢٧
کتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
على أن ((لا إله إلا الله)) أفضل وسيأتي قريبًا قول النووي، والصحيح أن أفضل الذكر ((لا
إله إلا الله)).
(رَوَاهُ مَالِك وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه إِلا أَنَّ مَالِكًا وَقَّفَهُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ) ولا
يضر:
أما أولاً: فلأن هذا لا يقال من قبل الرأي فوقفه كرفع غيره.
وأما ثانيًا: فالأصح أن الحكم لمن وصل لا لمن وقف؛ لأن الأول معه زيادة علم
بالوصل وزيادة الثقة مقبولة.
٢٢٧٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرِ عَه جَاءَ أَعْرَائِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ
خَيْ؟ فَقَالَ: طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الأَعْمَالِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبُ مِنْ ذِكْرِ الله (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ) وفي نسخة نمير (﴾، جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ:
أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: طُوبَى) فعلى من الطيب، والمراد بها الثناء عليه والدعاء له بطيب
حاله في الدارين (لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ) هذا من أسلوب الحكيم فكأنه قال له:
لا تسأل عن ذلك فإنه لا يعلمه إلا الله، بل اسأل عن أمارته فقول: ما أمارات خير
الناس فإن هذا يمكن الجواب عنه، وهو أن أماراته أن يطول عمره ويحسن عمله،
فمن طال عمره وحسن عمله كان ذلك أمارة على أنه خير أبناء جنسه الذين يعملون
كعمله؛ لأن له من الثواب ونظر الحق إليه وتلذذه بمناجاته وقيامه بين يديه.
لقصير العمر ولذلك قال ◌َ# في تفضيل من عاش بعد صاحبه سنة: ((أليس قد
صام بعده رمضان))(٢) أي: فكتب له من ثواب الصوم والقرب به إلى ربه ما فات ذلك،
فكان أكثر ثوابًا منه ولا معنى للأفضل إلا الأكثر ثوابًا وقربًا (قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ
(١) أخرجه الترمذي (٢٥٠٠)، وأحمد (١٨١٦٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١١١/٦)، وابن أبي عاصم في
((الآحاد والمثاني)) (١٣٥٦).
(٢) أخرجه أحمد (٨٦٢٣).

٣٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبُ مِنْ ذِكْرِ الله) كناية عن سهولة
جريان الذكر عليه وذلك يستلزم أنه كان قبل ملازمًا للذكر مداومًا عليه، فالمعنى
حينئذٍ أفضل الأعمال أن يداوم ما عشت على الذكر حتى تقبض وأنت ذاكر غير غافل
ولا ناس (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ).
٢٢٧١ - [وَعَنْ أَنَس ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ
فَارْتَعُوا، قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قَالَوا:
وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ) بكسر أو فتح، ففتح جمع: حلقة بفتح ففتح أو سكون
(الذِّكْرِ) بأي نوع من أنواعه سميت حلقة في المسجد وغيره رياض الجنة إطلاقًا
للمسبب على السبب.
قال النووي: ما حاصله مع الزيادة عليه أعلم أنه كما يستحب الجلوس في حلق
أهله كما تظافرن عليه الأدلة، والمراد به سائر الطاعات، ومن قال: هي مجالس الحلال
والحرام أراد التنصيص على أخص أنواعه، والأفضل الذكر بالقلب واللسان فإن اقتصر
على أحدهما فالقلب أفضل؛ أي: لكن خالفه عياض فقال: لا ثواب في الذكر بالقلب.
قال الجلال البلقيني: وهو حق لا شك فيه. انتهى.
وقد يقال: إذا أريد الثواب من حيث اللفظ فالحق عدمه، أو من حيث المعنى
واشتغال القلب به فالحق الثواب وأنه أفضل من الأول، نعم لا يعتد له اتفاقًا بشيء،
رتبة الشارع على قوله حتى يتلفظ به ويسمع نفسه ويذكر باللسان، وإن خاف أن
الناس يظنون به الرياء، فقد قال الفضيل : ترك العمل لأجل الناس شرك والعمل
لأجلهم ریاء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. انتهى.
ومن فتح على نفسه ملاحظة الناس والاحتراز من ظنونهم الباطلة اشتد عليه
(١) أخرجه أحمد (١٢٥٤٥)، والترمذي (٣٥١٠) وقال: حسن غريب، وأبو يعلى (٣٤٣٢)، والبيهقي في
(شعب الإيمان)) (٢٩)، والطبراني في «الدعاء» (١٨٩٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٨/٦).

٣٢٩
كتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
أكثر باب الخير وضيع على نفسه كثيرًا من مهمات الدين، ويسن للذاكر أن يكون على
أكمل الصفات بأن يجلس متطهرًا مستقبلاً متخشعًا مع سكينة ووقار وإطراق رأسه
بالمسجد وهو الأفضل، أو بمحل نظيف خالٍ عن كل قذر ومكدر ولو طريقًا وحمامًا،
وشاغل كسماع خطيب حاضر القلب؛ لأنه المقصود من الذكر متدبرًا يذكره متأملاً في
معانيه، والصحيح أن أفضل الذكر ((لا إله إلا الله)) ويسن له قطعه ثم الإعادة إليه لرد
سلام؛ أي: إن كان مستغرقًا، والأوجب القطع ولتشميت عاطس وإجابة مؤذن وإجابة
مسترشد، وأمر بمعروف؛ أي: إن كان له عذر في عدم وجوبه عليه، وإلا لم يعد مندوبًا
بل واجبًا، وينبغي لمن بلغه في فضائل الأعمال شيء أن يعمل به ولو مرة، وإن كان
الحديث ضعيفًا؛ لأنه يعمل به في ذلك اتفاقًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
٢٢٧٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَظَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَّ: مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ
يَذْكُرِ الله فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الله ◌ِرَةً، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ الله فِيهِ كَانَتْ
عَلَيْهِ مِنَ الله تِرَةً(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌ِ: مَنْ قَعَدَ مَفْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللهِ فِيهِ
كَانَتْ) كما في أبي داود و((جامع الأصول)) (عَلَيْهِ مِنَ الله) الظاهر أنها تعليلية؛ أي: من
أجل فوات ثوابه وقربه (تِرَةً) بكسر الفوقية؛ أي: حسره من وتر فلان: قتل له قتيل
ولم يعط ديته أو وتره حقه؛ أي: نقصه؛ إذ كل منهما يوجب الحسرة وهي مرفوعة، وكان
تامة؛ أي: وجدت عليه من الله حسرة عظيمة أو ناقصة، وتره مبتدأ خبره من الله،
والجملة خبر كان واسمها ضمير للقعدة، وفي رواية جرى عليها في ((المصابيح)): ((كان))
ونصب وتره وهو ظاهر، وضمير كان يرجع إلى المقعد ومن الله متعلق بتره.
(وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا) غاير بين المراد كما هو ظاهر إنما هو معنى لم للتفتن
مع وضوح المراد، وكذا غاير بينهما في الحديثين الآتيين لذلك، وعجيب من الشراح
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٥٦)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٢٣٧)، والطبراني في ((الشاميين))
(١٣٢٤).

٣٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
حيث لم ينبهوا على ذلك، ثم رأيت الخطابي قال في قوله عليه: لم تراعوا معناه، لا تخافوا
والعرب توقع لم موقع لا (لَا يَذْكُرُ الله فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الله تِرَةً) بالرفع وبالنصب،
وبالتذكير نظير ما تقرر وذكر هنا المقعد والمضطجع، واقتصر في الحديثين الآتيين على
الأول للإشارة إلى أن ذكرهما أو ذكر أحدهما للتمثيل لا للحصر، والمراد أن من مضى
عليه زمن من الأزمنة في أي مكان من الأمكنة من غير أن يذكر الله فيه بقلبه أو
بلسانه، ويفعل طاعة أخرى كان ذلك عليه حسرة أي حسرة، وندامة أي ندامة لما
ترى من عظيم ثواب الذكر وسائر الطاعات (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
٢٢٧٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسِ لَا
يَذْكُرُونَ الله فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ حِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ عَلَهُمْ حَسْرَةً(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو
دَاوُد].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسِ لَا يَذْكُرُونَ الله
فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ) عداه إليها لتضمنه معنى التجاوز أو التفرق (مِثْلٍ) أي: عن مثل
كلام أو سكوت في القدرة لفعل قوم تفرقوا عن (جِيفَةٍ حِمَارٍ) كانوا يأكلونها
والاستثناء مفرغ؛ أي: لا يوجد منهم قيام عن مجلسهم إلا كقيام المتفرقين عن أكل
تلك الجيفة التي هي غاية في القذر والنجاسة، وكان وجه التخصيص بالحمار أنه بلغ
الغاية في البلادة، فكذلك من يجلس مجلسًا وقام منه عن غير ذكر الله بلغ الغاية فيها؛
لأنه ضيع أنفس الأشياء في جنب أحقر الأشياء وهو اللهو واللعب، واستيلاء حجاب
الغفلة على القلب حتى منعته عن ذلك الذي لا أنفس منه.
ثم رأيت الشارح قرر الحديث بما يقرب مما ذكرته في أكثره، ويخالفه في بعضه
وبتأمله يعلم أن ما سلكته أحسن فقال ما حاصله: هو استثناء مفرغ؛ أي: ما يقومون
قيامًا إلا هذا القيام، وضمن قاموا معنى التجاوز فعدى بعن، والمثل مراد به الكلام
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٥٥)، وأحمد (٩٢٩٠)، والحاكم (١٨٠٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٥٤١).

٣٣١
كتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
الذي يجري بين الناس في المجالس من الأمور الدنيوية والهفوات والسقطات، فإذا لم
يجر بذكر الله تعالى يكون كجيفة تعافها الناس، وخص الحمار بالذكر ليشعر ببلادة
أهل المجلس. انتهى.
ثم نص تأويله بالحديث المشهور: ((من جلس مجلسًا فكثر فيه لفظه فقال قبل
أن يقوم: سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك إلا
غفر له ما كان في مجلسه»(١). انتهى.
وأنت خبير ببعد نصرة هذا لتأويله؛ لأن مفاد هذا أن ما وقع في ذلك المجلس
من معصيته؛ أي: صغيرة متعلقة بالله تعالى يكفرها بالذكر المذكور، ومفاد حديثنا أن
مجلسهم إذا خلي عن الذكر وإن كانوا ساكتين أو لم يتكلموا إلا بمباح لكون عليهم
حسرة من الله كما مر، ويتفرقون عن مثل الجيفة بالنظر لما صنعوه من ذلك الذكر
الذي لا أنفس منه (وَكَانَ) ذلك المجلس (عَلَيَهُمْ حَسْرَةً) لما فاتهم فيه من الذكر الذي
لو شاهدوا ثوابه يعطى لغيرهم لكان عليهم فيه أشد الحسرة والندامة (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو
دَاوُد).
٢٢٧٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهَ: مَا جَلَسَ قَوْمُ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا الله
فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَّهُمْ(٢).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ: مَا جَلَسَ قَوْمُ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا الله فِيهِ وَلَمْ
يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ) من عطف العام على الخاص؛ لأن الصلاة عليه ﴿ من أفضل الذكر
لتضمنها مناجاة الحق تعالى وغاية الثناء عليه، وتعظيم رسوله وي ليه بطلب ما أمرنا به أن
يطلبه منه له (إِلَّا كَانَ) ذلك المجلس (عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ) هذا خرج مخرج
التهذيب لهم والتغليظ عليهم؛ إذ لله سبحانه أن يعذب من غير ذنب، فكيف
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٨٠).

٣٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وتفويت ذكره والصلاة على أفضل خلقه إلى الكلمات التي تجري في المجالس الموجبة
للعقوبة غالبًا؟ فيه غاية من التفريط والاستهتار بجانب الحق ورسوله عليه، فعلم أن ذلك
المجلس لما كان مظنة للذنب نزل ما وقع فيه منزلة الذنب، فهددوا بذلك تنفير الناس
عن خلو مجالسهم عن أحد الأمرين الذكر أو الصلاة عليه وَليه (وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
٢٢٧٥ - [وَعَنْ أَمِّ حَبِيبَةَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - قَالَتَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: كُلُّ كَلَامِ
ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا أَمْرَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيُ عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ ذِكْرُ الله (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَابْنُ مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ].
(وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - قَالَتَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: كُلُّ كَلَامِ ابْنِ
آدَمَ) يكتب إثمه (عَلَيْهِ) و(لَا) يكتب (لَهُ) شيء من الثواب في مقابلته (إِلَّا)
المباح فإنه لا عليه ولا له كما هو معلوم من الأدلة والإجماع، فحذفه للعلم
به من ذلك أو إيهامًا لدخوله تحذيرًا عنه وتنفيرًا منه، فإن به يضيع الوقت الذي لا
أنفس منه فيما لا فائدة فيه وإلا الطاعة لا سيما أفضلها ومنه (أَمْرَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
نَفْيُ عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ ذِكْرُ الله) قال شارح: المراد به هنا ما فيه رضى الله من الكلام
كالتلاوة والصلاة على النبي ◌َّ والتسبيح والتهليل، والدعاء للمؤمنين وما أشبه ذلك.
انتهى.
ثم رأيت الشارح قال: قوله: ((إلا أمر بمعروف)) استثناء من قوله: «كل كلام ابن
آدم)) فلا يخرج المباح من جملة ما عليه، وأقله أن يحاسب عليه قال الله تعالى: ﴿مَا
يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ويورث قساوة القلب كما يشير إليه
الحديث الآتي، وقول الشارح: ففي الخير أجر وفي الشر إثم وفي المباح عفو، دليل على أنه
مما عليه؛ لأن العفو يقتضي الجريمة فعفي عنها تفضلاً، والحاصل أن قوله: ((كل كلام
ابن آدم لا عليه)» دلَّ على أن جميع ما نطق به الإنسان مضر به عليه؛ ولذلك ورد: ((من
(١) أخرجه الترمذي (٢٥٩٥)، وابن ماجه (٤١٠٩).

٣٣٣
کتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
صمت نجا)) ثم خص هذا العام مرة بما يكون للإنسان من الأمور الدينية كذكر الله
وما والاه، وأخرى بالأمور الدنيوية، وما يظلم أمر المكلف عليه من المباحات تفضلاً
منه تعالى وعفوًا عنه. انتهى.
وهو عجيب منه؛ إذ قوله: ((فلا يخرج المباح من جملة ما عليه وأقله أن يحاسب
عليه .. إلخ)) في غاية الضعف والسقوط، كيف والإجماع على أن المباح لا عقاب عليه
أصلاً؟ وحرمه بقوله: وأقله أن يحاسب عليه ليس في محله؛ لأن ذلك لا يصار إليه
بالرأي، بل لا بد من الاستناد فيه إلى حديث صحيح صريح، فإن فرض وروده كان
معنى المحاسبة عليه أنه يعدد ما فعله من المباحات إظهارًا للنعمة عليه حيث لم
يؤاخذ بها وليس في: ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ما يخالف ذلك؛ لأنه جاء أن
الكاتبين يكتبان كل شيء نطق به الإنسان، ثم بعد ذلك يمحى عنه ما لا إثم ولا ثواب
فيه وجعله قول غيره، وفي المباح عفو دليلاً على أنه مما عليه في غاية السقوط أيضًا؛ لأن
معنى العفو هنا ما يأتي، فكيف يستدل به على أنه مما عليه المقتضي للمؤاخذة؟.
فزعمه أن العفو يقتضي الجريمة ممنوع؛ لأن العفو على نوعين عفو بمعنى
المجاوزة عن إثم الفعل بعد وجوده وكتابته على المكلف، وعفو بمعنى عدم جعل شيء
من العقاب في مقابلة الفعل، وهذا هو المراد بالاستدلال به على ما ذكره ليس في محله،
على أنه ناقض نفسه حيث جعل المباح مستثنى من قوله: جميع ما نطق به الإنسان
مضرته عليه، ولو قال: ما أشرت إليه فيما مر أن المباح لما كان ضياع الوقت الذي لا
أنفس منه فيه ضياءًا له فيما لا فائدة فيه نزل منزلة ما هو عليه، فجعله داخلاً فيه
تنفيرًا عنه وتحذيرًا منه، ولذلك قال العارفون: لا يكمل الإنسان حتى يصير مباحاته
كلها طاعات؛ لأن كل مباح يمكن انقلابه طاعة بالقصد الصحيح (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَابْنُ مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
٢٢٧٦ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِ: لَا
تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللّه فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ الله قَسْوَةً لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ

٣٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
النَّاسِ مِنَ اللهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُ: لَا تُكْثِرُوا
الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللّه فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللّه قَسْوَةُ) في الإخبار بها مبالغة،
كرجل عدل والمراد أنه سبب لها (لِلْقَلْبٍ) لانتفاء رطوبة الذكر عنه الموجب لاستيلاء
الشيطان عليه، وبثه فيه من وساوسه ما يوجب دوام غفلته وتوالي حسرته؛ إذ لا مانع
له عنه إلا امتلاؤه بالذكر وضياؤه بأنوار الفكر (وَإِنَّ أَبْعَدَ) قلوب (النَّاسِ مِنَ) رحمة
(الله) ورضاه وشهوده ورؤياه (الْقَلْبُ الْقَاسِي) لأنه عري عن خوف الله ورجائه
ومحبته وولائه، وامتلأ بمحبة الأغيار واستأنس بمحادثة الأشرار، ويصح وإن أبعد
الناس ذو القلب القاسي، أو عبر بالقلب عن الشخص كله؛ لأنه أشرف ما فيه (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ).
٢٢٧٧ - [وَعَنْ تَوْبَانَ ﴾ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا
يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة:٣٤] كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُ
أَصْحَابِهِ: أَنْزِلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أُنْزِلَ، لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ، فَقَالَ:
أَفْضَلُهُ لِسَانُ ذَاكِرٌ وَقَلْبُ شَاكِرٍّ وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ(؟). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ ثَوْبَانَ ﴾ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ) آية (﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا
يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ كُنَّ مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: ◌ُنْزِلَ
فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أَنْزِلَ) أي: في بيان حكم كنزهما (لَوْ) للتمني (عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ
خَيْرُ) سدت مسد مفعولي علم المعلق عنهما (فَنَتَّخِذَهُ) بالنصب؛ لأنه جواب التمني؛
أي: لو علمنا أن غيرهما من المال خير منهما بأن يتخذ للكنز ولا عقاب عليه
لاتخذناه.
(١) أخرجه الترمذي (٢٤١١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٩٥١).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٤٩٠)، والترمذي (٣٠٩٤)، وابن ماجه (١٨٥٦)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٨٢/١).

٣٣٥
کتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
(فَقَالَ: أَفْضَلُهُ) هذا من أسلوب الحكيم؛ أي: لا يتمنوا اتخاذ مال غيرهما كما
ذكر، ولا تسألوا عن ذلك بل تمنوا واسألوا عن أفضل ما يعطاه العبد، فإن هذا هو الذي
لا أرفع منه، وهذا سلكته في تقرير هذا الموضع أوضح وأولى مما سلكه الشارح كما
يعلم ذلك وقف عليه بأدنى تأمل (لِسَانُ ذَاكِرٌ) أي: مديم الذكر لا يفتر عنه (وَقَلْبُ
شَاكِرُ) أي: مديم الشكر والثناء على الله بما هو أهله لا يفتر عن ذلك أيضًا، وهذا من
باب الترقي؛ لأن المقصود بالذات هو صلاح القلب؛ لأن به ينصلح اللسان وغيره من
سائر الجوارح، وأصل ذلك كله سلامته من الأغيار، وإليه الإشارة بقوله عز قائلاً: ﴿إِلَّا
مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] قال بعض العارفين: سليم ما سوى الله.
(وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ) أي: كاملة الإيمان، وكان وجه تخصيصها بالذكر أن الإنسان
يحتاج إلى صديق شفوق رفيق؛ لأنه حينئذٍ يعينه على إيمانه وإن كانت إعانته دون
إعانتها؛ لأنها شفيقة النفس وجعل الله بينهما من الرحمة والود ما لا يوجد مثله من
الإنسان وأخص أصدقائه، وهذا وجه آخر يصلح سببًا لذكرها؛ لأن غيرها ليس في
مرتبتها فلا يكون إعانته كإعانتها (تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ) أي: كماله بخلو قلبه من
الشواغل بسبب رفقها به في معيشته ونصحها له في سائر أموره؛ لأن من هي كذلك لا
تكلفه شطط المعيشة فلا يشتغل قلبه بما يوجب سهوه ولهوه، ولا يتعطل عليه أوقات
عباداته ولا بعثته في أمر يحتاج إليه، فلا تفسد عليه شيء من قوانين معاملاته، وهذا
هو سر امتنانه تعالى على نبيه زكريا التقائه بقوله: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠] إذ
بصلاحها ينصلح عبادات الروح الباطنة والظاهرة ومعاملاته مع الخلق؛ لأنه تكفي
بها سوء الطوية وقبيح المعاشرة (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه).
(الفصل الثالث)
٢٢٧٨ - [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا
أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهِ، قَالَ: الله: مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلكَ؟ قَالُوا: الله مَا
أَجْلَسَنَا غيره، فَقَالَ: أَمَا إِّ لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ

٣٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
رَسُولِ اللهِوَّ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ،
قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهِ وَتَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: الله مَا
أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ، قَالُوا: وَالله مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّ لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً
لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِ أَنَّ اللّهِ وَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا
أَجْلَسَكُمْ؟) هاهنا؛ أي ما السبب الداعي لكم إلى هذا الجلوس على هذه الكيفية
(قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله) فالذي أجلسنا هو غرض الاجتماع على ذكر الله تعالى
(قَالَ: الله) بالنصب؛ أي: أيقسمون بالله فحذف الجار والفعل اختصارًا (مَا
أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلكَ؟ قَالُوا: الله) أي: نعم نقسم بالله، لكن ذكرهم همزة الاستفهام مع
عدم ما يأتيه منهم مشاكلة لذكره لها لا غير (٢) (مَا أَجْلَسَنَا غيره، فَقَالَ: أَمَا) استفتاحية
أو بمعنى حقًّا على رأي (إِنِّ) بالكسر على الأول وبالفتح على الثاني (لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ
تُهْمَةً لَكُمْ وَمَا كَانَ أَحَدُ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ الله ◌َاء) أي: موصوف بأن منزلته عند
رسول الله ﴾ كمنزلتي في القرب منه لكونه صهره وكاتب الوحي له (أَقَلَّ) خبر كان
(عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّ) هذا؛ أعني: قوله وما إلى هنا اعتراض بين الاستدراك والمستدرك
الآتي بيانهما بين به أنه مستمر على حفظه لهذا الحديث من النبي ◌َّة؛ لأنه كان من
أقرب الناس منزلة منه وَّلة؛ لكونه صهره وكاتب وحيه، ومزيد القرب يوجب تحقق
(١) أخرجه مسلم (٢٧٠١)، وأحمد (١٦٨٨١)، والترمذي (٣٣٧٩)، والنسائي (٥٤٢٦)، وابن حبان
(٨١٣)، والطبراني (٧٠١)، وابن أبي شيبة (٢٩٤٦٩).
(٢) قال القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٤٠/٨): ((قال الطيبي: قيل: الله بالنصب أي: أتقسمون بالله،
فحذف الجار وأوصل الفعل، ثم حذف الفعل انتهى. وتبعه ابن حجر، ولا يخلو عن التكلف
والتعسف قالوا آلله تقديره أي: أو نعم نقسم بالله ما أجلسنا غيره، فوقع الهمزة موقعها مشاكلة
وتقرير لذلك كما قرره الطيبي ولا يخفى أنه لا يحتاج إليه، فإن الهمزة وقعت بدل حرف القسم
فلا وجه للمشاكلة، نعم أطنبوا في الجواب حيث عدلوا عن أي أو نعم تأكيدًا لرفع الحجاب قال:
أي معاوية أما بالتخفيف للتنبيه إني بالكسر لا غير كما في النسخ ما المصححة.

٣٣٧
كتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
السماع للحديث، وعلم ما يراد به ونقل أحاديثه التي حفظها والمحفوظ كلما قد كان
ذلك أقرب إلى استمرار حفظه وعدم نسيانه.
متصل بقوله: تهمة لكم على جهة كونه استدراكًا له؛ أي: لم أحلفكم لأجل
التهمة ولكن لأجل الإتباع لرسول الله وَله في مثل هذه القضية (وَإِنَّ رَسُولَ الله وَيّ
خَرَجٌ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهِ وَتَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسْلَامِ
وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا) أي: لأجل هدايته إيانا له ومنه به علينا (قَالَ: الله مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا
ذَاكَ، قَالُوا: وَالله مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّ لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ) أي: كما
هو وضع التحليف فإنه في الغالب إنما يكون عند التهمة؛ إذ لا من لا يتهمه لا
يحلفه وإنما يحلف من يتهم وقد يحلف من لا يتهم لمزيد التقرير والتأكيد كما هنا
يدل عليه قوله: (وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَفِي أَنَّ الله ◌َتْ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ) أي:
فأردت بتحليفكم حينئذٍ أن أؤكد ما دل عليه حالكم ومباهاة الملائكة بكم من
مزيد إخلاصكم، وقوة يقينكم وشدة حرصكم على دوام العبادة والذكر، فأنتم
مبرءون من أن يكون تحليفكم تهمة لكم فيما ذكرتموه.
ومعنى مباهاة الملائكة بهم أن الله تعالى يقول لملائكته: انظروا إلى عبيدي
هؤلاء كيف سلطت عليهم نفوسهم وشهواتهم وأهويتهم والشيطان وجنوده، ومع
ذلك قويت همتهم على مخالفة هذه الدواعي القوية إلى البطالة وترك العبادة والذكر،
فاستحقوا أن يمدحوا أكثر منكم؛ لأنكم لا تجدون للعبادة مشقة بوجه وإنما
هي منكم كالتنفس منهم، ففيها غاية الراحة والملائمة للنفس، وهم يجدون لها غاية
الألم والكلفة لما تقرر من كثرة الدواعي المطابقة على صرفهم عنها، وأيضًا
أنتم لو سلطت عليكم تلك الدواعي لأطعتموها كما وقع لبعضكم كهاروت
وماروت.
ومن ثم عتب عليكم قولكم: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ
الدِّمَاءَ وَتَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

٣٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
[البقرة:٣٠] وما يراد آدم قبله، لكم، فسجدتم له، ورحلتم تحت [ ..... ] ترتيبه وتعليمه
وتعظيمه بأعلى أنواع الخضوع والذلة وهو السجود إليه (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٢٢٧٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: لَا يَزَالُ
لِسَانُكَ رَظْبًا مِنْ ذِكْرِ الله(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنِ مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ
حَسَنُّ غَرِيبٌ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ
شَرَائِعَ الإِسْلَامِ) جمع شريعة بمعنى مشروعة، وهي لغة مورد الإبل فلما الجاري، وشرعًا
ما بينه الله لعباده الأحكام (قَدْ كَثُرَتْ عَيَّ) أي: غلبتني حتى عجزت عنها لضعفي
وقلة جهدي (فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ) قليل منها عظيم ثوابه ونفعه ليقع فيه جابر عن بقيتها
(أَقَشَبَّثُ بِهِ) أي: ألازم عليه وأعتصم به حتى يكون مثيبًا لي على إذا ما افترض عليّ
من سائر النوافل التي كثرت علي فعجزت عن استقصائها (قَالَ) إذا أردت ذلك فهنا
شيء واحد قليل الكلفة عظيم النفع والثواب، فلازم عليه يغنك عن سائرها، ويثبتك
تثبيتًا بليغًا على أمهات الخير ومحاسن الأحوال والأخلاق، وهو أنك تدمن على الذكر
بلسانك وقلبك في سائر أحوالك حتى إنه (لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَابْنِ مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ).
٢٢٨٠ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ سُئِلَ: أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ
وَأَرْفَعُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللّهِ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ، قِيلَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، وَمِنَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ
حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَمًّا، فَإِنَّ الذَّاكِرَ الله أَفْضَلُ مِنْهُ دَرَجَةً(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(١) أخرجه الترمذي (٣٧٠٢)، وابن ماجه (٣٩٢٥).
(٢) أخرجه أحمد (١١٧٣٨)، والترمذي (٣٣٧٦).

٣٣٩
كتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ الله وَّرَ سُئِلَ) فقيل له: يا رسول الله (أَيُّ
الْعِبَادِ أَفْضَلُ) من بقية أبناء جنسه (وَأَرْفَعُ) منهم (دَرَجَةً عِنْدَ اللّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ:
الذَّاكِرُونَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ) الله كثيرًا بأن يأتي بالأذكار الواردة في السنة في جميع
الأحوال والأوقات، وهذا مرادف في الحقيقة لضبطه يشغل أغلب أوقاته بالذكر، لكن
الأول فيه قيد الرواية ولا بدَّ منه (قِيلَ: يَا رَسُولَ الله) الذاكر الله كثيرًا أفضل حتى
(وَمِنَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ الله؟ قَالَ:) نعم بل (لَوْ ضَرَبَ) الغازي (بِسَيْفِهِ) مثلاً (في
الْكُفَّارِ) جعل المفعول به مفعولاً فيه مبالغة؛ لأن جعلهم مكانًا وظرفًا للضرب
بالسيف أبلغ من جعلهم مضروبين به فقط (وَالْمُشْرِكِينَ) عطف مرادف أو أخص أن
المشرك قد يطلق في مقابلة الكافر، فيختص بمشركي ومن على طريقتهم وقد يطلق في
مقابلة المسلم فيشمل الكل (حَتَّى يَنْكَسِرَ) سيفه (وَيَخْتَضِبَ) هو (دَمًّا، فَإِنَّ
الذَّاكِرَ الله) لا لغرض غيره كثيرًا كما دل عليه السياق (أَفْضَلُ مِنْهُ دَرَجَةً) ثم يحتمل
أن المراد الواحد؛ أي: بدرجة واحدة وأن المراد الجنس؛ أي: بدرجات متعددات وعلى
کل فإنما فضله بذلك نظرًا إلى امتلاء قلب هذا بشهوده لربه وحضوره بین یدیه، فهو
من هذه الجهة أفضل وإن كان ذاك أفضل من جهات متعددة جهة خروجه عن نفسه
وماله وبذلهما لله، وتعدي نفعه وكون عمله فرض كفاية وعين، وعمل هذا سنة
والفرض أفضل منها إجماعًا إلا ما استثنى، على أن التحقيق أنه لا استثناء كما هو
مقرر في محله، ألا ترى أن ابتداء السلام إنما فضل رده وأبرأ المعسر إنما فضل إنظاره
لوجود المقصود من الفرض فيهما وزيادة (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ
غَرِيبُ).
٢٢٨١ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
الشَّيطانُ جَائِمٌ على قَلْبِ ابنِ آدَمَ، فإذا ذكرَ الله خَنَسَ، وإذا غَفَلَ وَسْوَسَ(١). رَوَاهُ
(١) أخرجه البيهقي في (الشعب)) (٦٩٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٩٥٠) بلفظ: ((عن ابن عباس
قال: ما من مولود إلا على قلبه الوسواس، فإن ذكر الله خنس، وإن غفل وسوس) ولم أقف عليه
=

٣٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّةِ: الشَّيطانُ
جَائِمٌ) أي: دائم الجثوم؛ أي: اللصوق والقعود (على قَلْبٍ ابنِ آدَمَ، فإذا ذكرَ الله خَنَسَ)
الشيطان؛ أي: تقهقر واختفى فتضعف وسوسته ويقل مضرته (وإذا غَفَلَ) القلب عن
الذكر (وَسْوَسَ) الشيطان فيه وتمكن فيه تمكنًا تامًا فيلقي فيه من خبائثه ما شاء
كمن ظفر بكنزٍ لعدوه، ولا مانع له منه، فإنه يأخذ جميع ما فيه ويدعه [وكأنه] لا
شيء فيه أصلاً (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا).
وهو يؤيد ما حكي عن بعض العارفين أنه سأل الله أن يكشف له عن كيفية
وسوسة الشيطان للقلب، فرآه جائمًا تحت غضروف الكتف الأيسر، كالبعوض له
خرطوم طويل يدسه ثم إلى أن يصل للقلب فإن رآه ذاكر أخنس وكف عنه، أو غافلاً
مد خرطومه إليه وألقى فيه من خبائثه ما أراد، ثم لا يزال كذلك إلى ألا يبقى في
القلب خير قط، ولشدة خطره وقبيح ما يؤول إليه شأنه أمر تعالى بالاستعاذة بربوبيته
وملكه وألوهيته للناس من شر هذا الوسواس الذي يحبس عند القلب، ثم يوسوس فيه
ما شاء من خبائثه التي لا يرضيه منها إلا الخروج عن الإسلام بالكلية، أعاذنا الله منه
بمنه وكرمه آمین.
فائدة:
اختلفوا في قوله ◌َّ في الحديث الصحيح: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى
الدم))(١) فقيل: هو على ظاهره وأن الله تعالى جعل له قوة وقدرة على أنه يجري في باطن
الإنسان وعروقه مجرى الدم فيها.
عند البخاري.
(١) أخرجه البخاري (٣١٠٧)، ومسلم (٢١٧٥)، وأبو داود (٢٤٧٠)، وأحمد (٢٦٩٠٥)، وابن ماجه
(١٧٧٩)، وإسحاق بن راهويه (٨)، وعبد بن حميد (١٥٥٦)، وأبو يعلى (٧١٢١)، والطبراني (١٨٩).

٣٤١
كتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
وقيل: استعارة لكثرة وسوسته، فكأنه لا يفارقه كما لا يفارقه دمه.
وقيل: يلقي وسوسته في مسام لطيفة من البدن فتصل إلى القلب.
٢٢٨٢ - [وَعَنْ مَالِكِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ يَقُولُ: ذَاكِرُ الله فِي
الغَافِلِينَ كَالمُقَاتِل خَلْفَ الفَارِّينَ، وَذَاكِرُ الله فِي الغَافِلِينَ كَغُصْنٍ أَخْضَرَ فِي شَجٍ
یاچِسِ(١)].
(وَعَنْ مَالِكَ قَالَ: بَلَغَنِ أَنَّ رَسُولَ الله ﴾﴿ كَانَ يَقُولُ: ذَا کرُ الله) حال كونه (في
الغَافِلِينَ) عن الذاكر؛ أي: بينهم (كَالمُقَاتِل) للكافر (خَلْفَ الفَارِّينَ) بعد فرار
أصحابه بجامع أن كلاً قهر عدوه وهزمه مع حصر أبناء جنسه وتركهم لقهره وهزيمته
في ذلك مشقة شديدة على النفس؛ لأنها مجبولة على محبته موافقة أبناء جنسها في
البطالات بذكره مع غفلتهم وحضورهم، فيه غاية قهر النفس وصونها عن مألوفاتها
وعاداتها فاستحق مع كونه في نفل أن يشبه لمن هو في فرض في الجملة؛ إذ الثابت في
الصف بعد فرار غيره قائم بفرض تركه غيره، وذلك إعلامًا بعظيم ثوابه وشرف همته
فلا نظر لإبهام تساويهما من كل وجه كما هو معلوم أن الفريضة يضاعف ثوابها على
النافلة سبعين ضعفًا.
(وَذَاكِرُ الله فِي الغَافِلِينَ) كرره لينيط به في كل مرة غير ما أناطه به في الأخرى
إعلامًا بأنه أمر عظيم له فوائد متعددة (كَغُصْنٍ أَخْضَرَ فِي شَجرِ یَای).
٢٢٨٣ - [وَ فِي رِوَايَةٍ: مَثَلُ الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّجَرِ، وَذَاكِرُ الله فِي
الغَافِلِينَ مَثَل مِصْبَاجٍ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وَذَاكِرِ اللّه فِي الغَافِلِينَ يُرِيهِ اللهُ مَفْعَدَهُ مِنَ
الجَنَّةِ وَهُوَ حَيٍّ، وَذَاكِرُ اللهِ فِي الغَافِلِينَ يُغْفَرُ لَهُ بِعَدَدِ كُلٌّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِ، وَالفَصِيحُ: بَنُو
آدَمَ، وَالأَعْجَمُ البَهَائِم(؟). رَوَاهُ رَزِین].
(وَفِي رِوَايَةٍ: مَثَلُ الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّجَرِ) أي: اليابس بقرينة ما قبله،
(١) ذكره ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٢٥٧١).
(٢) ذكره ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٢٥٧١).

٣٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وذلك بجامع أن المخضر حصلت له حياة معنوية وري حسي وبهاء للأثمار الكثير
والنفع الغزير واليابس باقٍ في قساوته خالٍ من الأثمار، ولموته وشقاوته غير معدًا
للإحراق ولا مهيأ إلا للإهلاك والانمحاق (وَذَّاكِرُ اللّه فِي الغَافِلِينَ مَثَل مِصْبَاجٍ فِي
بَيْتٍ مُظْلِمٍ) بجامع أن نور الذكر وما يتسبب عنه من الأحوال الرفيعة صيرا الذاكر
واضح الإضاءة بنور العلم والمعرفة على كل من جاء إليه أو جلس بين يديه، وظلمة
الغفلة صيرت أهلها منطمسين البصائر معطلين المشاعر فاسدين السرائر، لا يهتدون
لخير فيفعلوه، ولا يرشدون لصواب فيعتقدوه.
(وَذَاكِرِ اللّه فِي الغَافِلِينَ يُرِبِهِ اللهُ مَقْعَدَهُ) أي: ما أعد له (مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ حَيُّ)
بأن يكشف له عند قريب موته تعجيلاً لمسرته وتخفيفًا لمشقة الموت وفتنته
(وَذَاكِرُ اللّه فِي الغَافِلِينَ يُغْفَرُ لَهُ بِعَدَدِ كُلٌّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمْ، وَالفَصِيحُ: بَنُو آدَمَ) سموا
بذلك؛ لأنهم يفصحون عن مرادهم وينطقون بما في ضميرهم (وَالأَعْجَمُ: البَهَائِمِ. رَوَاهُ
رَزِین).
٢٢٨٤ - [وَعَنَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ ﴾ قَالَ: مَا عَمِلَ العَبْدَ عَمَلاً أَنْجَى لَهُ مِنْ
عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ الله (١). رَوَاه مَالِك وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنَ مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ ﴾ قَالَ: مَا عَمِلَ العَبْدَ عَمَلاً) قوليًّا مندوبًا (أَنْجَى لَهُ مِنْ
عَذَابِ الله مِنْ ذِكْرِ الله) إن أريد به كلمة التوحيد فأنجى ليس على حقيقته؛ لأن
النجاة منحصرة فيها فلا يشاركه بغيرها في ذلك أو أعم، فأنجى على حقيقته لما هو
معلوم أن ذكر الله الذي فيه التلذذ باسمه أو بخطابه أفضل من بقية عبادات اللسان
وقيدت بالقولية؛ لأن الفعلية كالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، ظاهر الأدلة أنها
أفضل من الذكر وبالندبية لما هو معلوم أيضًا أن الواجب ولو على الكفاية أفضل من
المندوب (رَوَاه مَالِكِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه) ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم
(١) أخرجه مالك (٤٩٦)، والترمذي (٣٧٠٤)، وأحمد (٢٢٧٣٠)، وابن ماجه (٣٩٢٢).