النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠٣
كتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
الرَّحْمَةُ) أي: عمتهم وسترتهم كلهم وأحاطت بهم، حتى صاروا فيها بمنزلة المطروف في
طرفه، وهذه رحمة أخرى غير الرحمة التي تحصل لهم من غشيان الملائكة (وَنَزَلَتْ
عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ) المذكورة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ
لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] فبإنزالها ينصلح القلب المستلزم صلاحه
لصلاح جميع العمل المستلزم لمحبة الرب تعالى، المستلزمة لجمع الجمع المعبر عنه
بصرت سمعه وبصره ويديه ورجليه (فلئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي
لأعيذنه»(١).
(وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ) بالثناء عليهم الجميل (فِيمَنْ) أي: ذكرهم مظروفًا في ذكره
للمقربين (عِنْدَهُ) من الملائكة، وهي عِنْدِية مكانة، لا مكان تعالى الله عن ذلك علوًّا
كبيرًا (رَوَاهُ مُسْلِمْ) ومرَّ الكلام عليه في باب العلم.
٢٢٦٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾ یَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ
عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: ◌ُمْدَانُ، فَقَالَ: سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ، قَالُوا: وَمَا
الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ الله کَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَسِيرُ فِي طَرِيقٍ مَگَّةَ) يحتمل ذاهبًا
إليها أو راجعًا إلى المدينة (فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانٌ) بضم الجيم جبل على ليلة من
المدينة (فَقَالَ) لهم: (سِيرُوا) أي: جدوا في السير لتبلغوا المقصود وأنتم على ما ينبغي من
النشاط، وكأنه إنما ذكر لهم ذلك؛ لأنها إلى [ ....... ] لم يألف السير وإن كانوا راجعين
فهو لظهور التعب عليهم المبطئ لهم عن السير، وأمرهم بالجد فيه.
ولما أن ذكر السير الظاهر وأمرهم بالجد فيه أراد أن يبين لهم أن السير الباطن
أحق بذلك وأولى؛ لأن المثل بالمثل يذكر، كما أن الضد بالضد كذلك، فقال: (هَذَا
جُمْدَانُ) أي: هذا الجبل الملقب بهذا اللقب الدال على الجمود المناسب لحالكم في
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٧٦)، وأحمد (٩٣٢١)، وابن حبان (٨٥٨)، والطبراني في «الأوسط)) (٢٧٧٣).

٣٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
جمودكم عن السير الظاهر، الذي ربما جر إلى الجمود عن السير الباطن، ولما ذكر ذلك
ونبههم على ما هم فيه مما ينبغي الترقي عنه كان سائلاً قال له: فما الذي يُعيننا على ذلك
السير الباطن الذي أشرت لنا إليه فقال: الاشتغال بالذكر، فإن الطريق كلها متفقة على
أنه الوسيلة العظمى والطريق المثلى، دلَّ على ذلك كله قوله: (سَبَقَ) إلى نيل الزلفى
والدرجات العلى والشهود الأكمل والحال الأمثل.
(الْمُفَرِّدُونَ) من فرد بتشديد الراء وتخفيفها بمعنى انفرد برأيه، أو بتشديدها
بمعنى اعتزل الناس وتخلى للعبادة وهو المراد هنا، كما يدل عليه الجواب الآتي،
ومن هو كذلك فقد فرد نفسه عن أبناء جنسه بتبتله إلى الله تعالى وانقطاعه إليه
(قَالُوا: وَمَا) هي يسأل بها عن حقيقة الشيء وعن وصفه كما هنا (الْمُفَرِّدُونَ يَا
رَسُولَ الله؟) أي: وما صفتهم حتى نتأسى بهم فيها فنسبق إلى ما سبقوا إليه
(قَالَ) صفتهم أنهم (الذَّاكِرُونَ الله كَثِيرًا) أي: في أكثر أحوالهم كما يدل له تفسيره وَلّ
لهم في حديث آخر (وَالذَّاكِرَاتُ) الله كثيرًا كما دل عليه السياق؛ فلذا حذف وما
ذكرناه من أن ما هنا للسؤال عن الوصف هو وإن كان قليلاً أولى مما سلكه غير
واحد من الشراح أنها من الكثير، وهو السؤال عن الحقيقة؛ لأنه [ردَّ على هذا ما في
الجواب عنه تكلف، وإنما قالوا ذلك دون] (١) و((من هم)) لأنهم أرادوا تفسير
اللفظ وبيان ما هو المراد منه لا تعيين المتصفين به، وتعيين أشخاصهم، فعدل وَالهر في
الجواب عن بيان اللفظ إلى حقيقة ما يقتضيه توقيفًا للسائل بالبيان المعنوي على
المعنى إيجازًا، فاكتفى فيه بالإشارة المعنوية إلى ما أستبهم عليهم من الكناية اللفظية.
انتهى.
تنبيه:
ما سلكته في شرح هذا الحديث أولى مما يسلك الشارح؛ لأنه مبني على ترجّ لا
يدري أهو الواقع أم لا؟ حيث قال ما حاصله: لعلهم كانوا راجعين إلى المدينة فاشتاقوا
(١) اضطرابٌ في الأصل.

٣٠٥
كتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
إليها فتفرد منهم جماعة مهرين سابقين، وبقي بعضهم غير ناشطين فقال ◌َله لهؤلاء
المتخلفين: (سيروا)) فإن المقصد قريب ((وهذا جمدان وسبقكم المفردون)»(١).
وأما جوابه بالذاكرون الله كثيرًا فمن أسلوب الحكيم الوارد على سبيل
الاستطراد؛ أي: دعوا سؤالكم هذا؛ لأنه ظاهر مكشوف، واسألوا عن السابقين إلى
الخيرات، المتبتلين إلى الله تعالى بمداومة الذكر، المفردين الله بالذكر عمن سواه. انتهى.
فجعل ذلك كله على ما ترجاه بقولهم: (لعلهم كانوا .. إلخ)) مع احتمال أن الواقع
خلافه، وما ذكرته في تقرير يأتي على كل من الاحتمالين، وأيضًا يلزم على ما قاله أنه
ليس في قوله، و((هذا جمدان)) كبير فائدة، فإنهم لا يخفى عليهم أمارات القرب من
ديارهم لمعرفتهم بها وبما حواليها [من البعد فلا يقدر] أحد يسبقه وَل﴾ من أصحابه،
وقد بقي بينه وبين المدينة ليلة، وإنما قد يقع السبق إذا رأوا المدينة أو حَرمها، وقوله
الوارد: ((على سبيل الاستطراد ... إلخ)) فيه نظرُ، فإنه بفرض ما ذكره يكون في التعبير
عن السابقين إلى المدينة بالمنفردين حقًّا أي فاندفع قوله؛ لأنه ظاهر مكشوف؛ إذ أي
ظهور مع أن مفهوم المفرد لغة بأمر من المنفرد؟ بل لرأي والعمل الصالح، وكلا هذين
ليس موجودًا في السابقين هنا فاضطرهم ذلك إلى قولهم: ((وما المنفردون)) (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٢٢٦٣ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ
وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا
يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ) أي: الذاكر شبيه بالحي، فبكونه ظاهره مزينًا بنور الحياة
المعنوية والعبادات الظاهرة، وباطنه مزينًا بنور العلم والمعرفة، كما أن ظاهر الحي
مزينًا بنور الحياة الحسية والتصرفات الصحيحة، وباطنه مزينًا بنور الفهم والإدراك،
(١) أخرجه مسلم (٢٦٧٦)، وأحمد (٩٣٢١)، وابن حبان (٨٥٨)، والطبراني في «الأوسط)) (٢٧٧٣).
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٤٤)، ومسلم (٧٧٩)، وابن حبان (٨٥٤)، وأبو يعلى (٧٣٠٦)، والروياني
(٤٧٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٣٦)، والديلمي (٦٤٤٢).

٣٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وغير الذاكر شبيه بالميت في فساد ظاهره، وكونه عرضة للهوام وتعطل باطنه عن
الإدراك والإفهام (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٢٢٦٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: يَقُولُ اللهُ تعالى: أَنَا عِنْدَ
ظَنٌّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكّرَنِي
فِي مَلأَ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأْ خَيْرٍ مِنْهُمْ(١). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: يَقُولُ اللهُ تعالى: أَنَا عِنْدَ ظَنّ
عَبْدِي بِي) ((فلا يظن بي إلا خيرًا))(٢) كما في رواية، وبها يعلم أن المراد بالظن حقيقته؛
أي: أنا أعامله بحسب ما يظنه بي وما يتوقعه مني من خير أو شر، فلا يظن بي إلا
خيرًا، فإني أحققه له، ولا يظن بي شرًا فإني أحققه له لتقصيره بذلك؛ لأن رحمتي سبقت
غضبي.
ومن ثم كان اليأس من رحمة الله كفرًا، كما أن أمن المكر كذلك يعلم
الإنسان في حالة الصحة أن يكون رجاؤه وخوفه متساويين، وأما في حالة المرض
فيرجح رجاءه لقوله وتله: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى)) (٣) أي:
يظن أنه يغفر له ويرحمه، قيل: ويجوز أن يفسر الظن هنا بالعلم؛ أي: أنا عند يقينه بي
وعلمه بأن مصيره إلي وحسابه عليّ، وأن ما قضيته به له أو عليه من خير أو شرلا مرد
له؛ أي: إذا تمكن العبد في مقام التوحيد ورسخ في الإيمان والوثوق بالله تعالى قرب
منه ورفع دونه الحجاب.
(وَأَنَا مَعَهُ) بالحفظ من الشيطان وجنوده وبالنصر على جميع أعدائه الذين
يصدونه عن حضرتي، وبالتوفيق لمرضاتي والمعونة على طاعتي (إِذَا ذَكَرَنِي) بلسانه
(١) أخرجه البخاري (٦٩٧٠)، ومسلم (٢٦٧٥)، والترمذي (٣٦٠٣)، وأحمد (٩٣٤٠)، وابن ماجه
(٣٨٢٢)، وابن حبان (٨١١).
(٢) تقدم.
(٣) أخرجه مسلم (٧٤١٢)، وأبو داود (٣١١٥)، وأحمد (١٤٨٥٥)، وابن ماجه (٤٣٠٦).

٣٠٧
کتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
وقلبه (فَإِنْ) تفريع يفيد أنه تعالى مع الذاكر سواء ذكره في نفسه أو مع غيره (ذَكَرَنِي فِي
نَفْسِهِ) أي: سرًّا إخلاصًا ومباعدة عن مظان الرياء (ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي) ذكر مع
استحالة الظرفية والنفس على الله تعالى للمشاكلة، على حد: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا
أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] والمراد أسر عن ملائكتي ثوابه فأعطيه من غير أن
أكل إثابته إلى مخلوف: ((ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)(١).
(وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأ) أي: مع جماعة أو بحضرتهم (ذَكَرْتُهُ فِي مَلأْ) أي: أثنيت
عليه بين جماعة من الملائكة (خَيْرٍ مِنْهُمْ) أي: من ملأ الذاكر بأمور كثيرة منها
عصمتهم وقوتهم على العبادة وإطلاعهم على أسرار الخلق، لا يقال: هذا يدل على أن
الملائكة أفضل من البشر؛ لأنا نقول: إطلاق الأفضلية من الجانبين ليست
بصحيحة، بل الحق أن خواصنا وهم الأنبياء لا غير أفضل من كلهم وخواصهم وهم
المقربون منهم، أفضل من عوامنا وهم من عدا الأنبياء، وعوامنا أفضل من عوامهم،
فالملأ الموصوف بأنه خير منهم يحتمل أنه من المقربين الذين تقرر أنهم أفضل من
عوامنا، وحينئذٍ فالحديث لا يدل لخلاف ما قررناه من التفضيل الذي هو الأصح عند
أهل السنة، وبهذا يعلم رد قول الشارح: إنما قيد شارح الملأ بالملائكة والمقربين
وأرواح المرسلين؛ لئلا يستدل بهذا الحديث، لو أريد الملائكة فحسب على أن
الملائكة أفضل من البشر. انتهى ملخصًا.
ووجه رده أنه وإن أريد به الملائكة فحسب لا يدل لذلك لما ذكرته فتأمله،
واستفيد مما تقرر أنه تعالى مع الذاكر مطلقًا ثم إن ذكره في نفسه ذكره كذلك أو في ملأ
ذكره كذلك أحاطه علمه تعالى بالعبد في سره وعلانيته وإخلاصه وريائه فهو رقيب
عليه حافظ لما أسره وما أعلنه: ﴿إِنَّ اللّه لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءُ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي
السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:٥].
(١) تقدم تخريجه.

٣٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
﴿يَعْلَمُ السَِّّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧].
(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] وأنه يجازيه على أعماله بأفضل وأكمل مما
عمله (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٢٢٦٥ - [وَعَنْ [أَبِي ذَرِّ](١) وَ ظَهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: يَقُولُ اللهُ تعالى: مَنْ جَاءَ
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ
تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي
يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابٍ الأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا
مَغْفِرَةً(٤). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي ذَرّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: يَقُولُ اللهُ تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ)
المعهودة ذهنًا المرادة في قوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:
١٦٠] أي: بفرد من أفرادها أي فرد كان (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) أي: عشر مثوبات كل من
هذه المثوبات مثل لتلك الحسنة في الكمال ودونه، فالحاصل أن الحسنة الواحدة تقابل
بعشر ثوابات مماثلة لها كمالاً ودونه، فإن كانت تلك الحسنة كاملة في الإخلاص وغيره
من سائر المكملات كانت تلك المثوبات في غاية الكمال في القدر والنفاسة واللذة، وإن
نقص كمالها عن ذلك نقص كل مرة من مرات ثوابها العشر عن ذلك، وعلى كلٌّ فالعشر
أقل مراتب التضعيف في كل عمل (وَأَزِيدُ) لمن أردت له الزيادة على ذلك الأقل ولا
منتهى لتلك الزيادة: ﴿كَمَثَلٍ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ
يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
(وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) المعهودة كذلك (فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ) عدل عن، فجزاؤها الذي
هو قضية السياق مبالغة في تقرير أن المراد بالتعريف فيها ما ذكرناه، المفيد أن المراد
منها أي فرد كان من أفرادها (مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ) ما له فهي إذا لم يغفر لا يزيد جزاؤها
(١) في الأصل: أبي هريرة.
(٢) أخرجه مسلم (٧٠٠٩)، وابن ماجه (٣٩٥٣).

٣٠٩
کتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
على مثلها لطفًا من الله وكرمًا وجودًا وفضلاً، ولما كان الثواب محض فضل والعقاب
محض عدل، وهو يقتضي مجازاة الشيء بمثله ذكر الجزاء في السيئة فقط على منوال
الآية، وعطف هنا بأو وثم بالواو في ((وأزيدها)) لما علم مما قررته أن العشر والزيادة
عليها يمكن اجتماعها بخلاف جزائه مثل السيئة ومغفرتها؛ فإنه لا يمكن
اجتماعهما، فوجب ذكر ((أو)) الدال على أن الواقع أحدهما فقط.
(وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا) أي: مقدار شبر وكذا ذراعًا وما بعده (تَقَرَّبْتُ مِنْهُ
ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي) حال كونه (يَمْشِي أَتَيْتُهُ
هَرْوَلَةً) هي ضرب من السير فوق المشي ودون العدو وهي حال؛ أي: مهرولاً أو مفعول
مطلق؛ لأن الهرولة نوع من الإتيان، فهو ترجعت القهقرى وهذا كالشرح لما أفهمه
إعطاء العشر، والزيادة في مقابلة الحسنة من أن سعة تفضله على عباده بلغت الغاية
التي ما وراءها غاية وذلك؛ لأن قوله: ((ومن يقرب .. إلخ)) ليس المراد به ظاهره
لاستحالته على الله تعالى، وإنما هو من باب الاستعارة التمثيلية المنتزعة من عدة أمور
متوهمة، تمثل صورة تقرب العبد إلى الله تعالى بالطاعة والإخلاص فيها، مع معاونته
تعالى له بتيسير الطاعة وتسهيل سلوك السبيل إليه بصورة تقرب بعض خواص الملك
إليه، فإنه حينئذٍ يبالغ في تقريبه منه وإقباله عليه بإظهار غاية الشر له، ويمشي
خطوات إليه مبالغة في إكرامه وإسراعًا لملاقاته.
وفائدة هذا التمثيل تقريب المعنى المراد إلى أفهام السامعين، وهو أنه تعالى
يكافئ العبد ويجازيه في معاملاته التي يقع بها التقرب إليه بأضعاف ما يتقرب به
إليه، فكأنه قال: من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي وتوفيقي وإعانتي، وإن زاد
زدت فإن أتاني يمشي ويسرع في طاعتي أتيته هرولة؛ أي: صببت عليه رحمتي وسبقته
بها ولم أحوجه إلى التعب في وصوله لمقصوده، يعلم أن القرب إليه تعالى يتوقف على
طاعته والإخلاص فيها مع قمع النفس عن أوصافها المذمومة المانعة لها من الوصول،
وأن العبد كلما ازداد بعده عن المذام ازداد قربه إلى الله تعالى، وتفضل الله عليه بما لم

٣١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
يكن في حسابه، وسمي الثواب تقربًا مشاكلة وتحسينًا؛ ولأنه من أجله وسببه كقوله
تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فتسمية الثانية سيئة مشاكلة، وسره:
أن ذلك يبعث على العفو، ومن ثم فرع عليه قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ [الشورى: ٤٠] ولما كان
التقرب به هنا يشمل سائر الطاعات، أطلق في جزائه بقوله: ((تقربت إليه ذراعًا)) وما
بعد الدال على عدم بلوغ نهاية القرب بخلافه في الحديث الآتي، فإنه لما بين التقريب به
وهو النوافل بعد أداء الفرائض بين جزاءه وهو المحبة والقرب البالغ النهاية، كما ينبئ
عن ذلك: ((كنت سمعه .. إلخ)) فتأمل فرقان ما بين السياقين يظهر لك رد ما وقع
للشارح هنا.
ثم شرح ما أفهمه جزاء السيئة بمثلها إن لم يغفر من أن رحمته تعالى بعباده
وعفوه عنهم بلغا الغاية كذلك فقال: (وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابٍ الأَرْضِ خَطِيئَةً) أي: بما
يقارب ملأها من الخطايا الصغائر والكبائر حال كونه (لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا) أخذًا من
قوله عز قائلاً: ﴿إِنَّ اللّه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ (لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً) إن أردت ذلك له
كما صرح به قوله تعالى عقب ذلك: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]
وحذفه ومي مع ذكره في الآية استغناء بعلمه منها، ومبالغة في سعة باب الرجاء حتى لا
بیاس المذنبون من رحمته تعالى.
ومن ثم قال شارح: لا يجوز لأحد أن يغتر بهذا الحديث حتى يكثر الخطيئة
لتكثر المغفرة له؛ لأن ذلك لم يرد به إلا عدم يأس المذنبين، وإعلامًا بأنه تعالى وإن
كان له رحمة وعقوبة لكن رحمته سبقت غضبه؛ أي: مظاهر رحمته أغلب وأوسع من
مظاهر غضبه، لكن ليس لأحد أن يأخذ بظاهر ذلك فإنه لا يدري أهو ممن يشاء الله
مغفرة ذنوبهم، أو هو ممن يعاقبهم عليها؛ إذ الذي دلت عليه الأحاديث المتواترة المعنى
وصار كالمعلوم من الدين بالضرورة؛ ولذا كفر منكره أنه لا بد من دخول جماعة من
موحدي هذه الأمة النار ثم خروجهم منها، فعلى الموفق أن يستوي رجاؤه وخوفه مادام
صحيحًا، والأرجح رجاؤه كما مرَّ.

٣١١
كتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
وقول الشارح: جانب الخوف في ابتدائه الأحوال ينبغي أن يكون راجحًا على
الرجاء، تبع فيه رأيًا مرجوحًا عند أئمة مذهبه؛ لأن الراجح عندهم ما قررته، وقوله:
الحديث مقيد بالمشيئة أو بالعمل الصالح كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ
وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] فيه نظر، بل
هو مقيد بالمشيئة لا غير، وأما من تاب وعمل صالحًا فسيئاته بدلت حسنات وصار
كتاب أعماله كله حسنات، فلا يصدق عليه قوله: و((من لقيني بقراب الأرض خطيئة))
لأن هذا لا خطيئة له، كما دلت عليه الأحاديث أن من تاب تمحى خطيئته من كتاب
أعماله ويكتب بدلها حسنة، هذا إن كانت توبته بعد طول الزمن، وإلا لم تكتب
الخطيئة أصلاً؛ لأنه تعالى يأمر الكاتبين بانتظار توبته مدة معلومة، ومر آنفًا حديث
إذا تاب العبد أنسى الله الحفظة ذنوبه وأنسى ذلك جوارحه ومعامله من الأرض، حتى
يلقى الله تعالى وليس عليه شاهد بذنب (رَوَاهُ مُسْلِمْ) كما في نسخه المعتمدة، واغتر
شارح بنسخة سقيمة وجدها مخالفة لذلك فاعترض بسببها على المصابيح بما ليس في
محله.
٢٢٦٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ اللهَ تعالى قَالَ: مَنْ
آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ
عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَى بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحببتَهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ
الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَبَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا،
وَإِنْ سَأَلَنِي لِأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي
عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: إِنَّ اللهَ تعالى قَالَ: مَنْ آذَىَ لِي
وَلِيًّا) هو فعيل، إما بمعنى مفعول لتولي الله أمره فلم يكله لنفسه طرفة عين قال
تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢).

٣١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وإما بمعنى فاعل لتوليه بعد تطهير نفسه من سائر النقائص عبادة ربه وشهوده
إياه دون ما سواه في سائر أحواله، مع غاية التفويض ونهاية التسليم، وكلا هذين شرط
في ولاية الولي، فهي متوقفة على توليه ما ذكر الموجب لقيامه بحقوق الله وحقوق عباده،
والمترتب عليه تولي الله تعالى لسائر أموره في إصداره وإيراده، وهذا الولي بالمعنى
المذكور هو المحبوب في ((فإذا أحببته)) والمثل لقربه: ((فكنت سمعه ... إلخ)) ومن ثم
استطرد من ذكره هذا إلى ذكر خواصه بقوله: ((وما تقرب إلي عبدي)).
(فَقَدْ آذَنْتُهُ) أي: المؤذي للولي (بِالْخَرْبِ) أي: أعلمته أني محارب له من أجل
إيذائه لولي قال الأئمة: ليس في المعاصي أشد من توعد الله أربابها؛ لأنه محاربه،
ومن هذه أكل الربا، قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأُذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّه وَرَسُولِهِ﴾
[البقرة: ٢٧٩] وهذا يدل على ما في هاتين المعصيتين من عظيم الخطر أن محاربة الله
تعالى للعبد تدل على سوء خاتمته؛ لأن من حاربه الله لا يفلح أبدًا فتأمل ذلك، ثم
بعده أنت تخير النظر بين إما أن تقدم على إحداهما وتوطن نفسك على سوء الخاتمة
- والعياذ بالله تعالى - أو تقلع عنهما وعنه فيما عند الله من عظيم ثوابه وتقريبه
لأهل ولايته وأحبابه.
(وَمَا تَقَرَّبَ إِلَّ عَبْدِي) أثره؛ لأن من شأن العبد التقرب إلى سيده بسائر أنواع
الخدم، والتسليم بجميع ما يجيء من حضرته (بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ) لا
(عَلَيْهِ) كما يشعر بذلك إلزامه بالفعل في جانب الفرض، وتخيره بينه وبين القول في
جانب النفل، وقضية أحب أن للقرب طرقًا أخرى كالتقرب بالنوافل، وأن هذا أحبها
لكن ظاهر السياق أن درجة أحببته وكنت سمعه إنما يترتبان على التقرب بالنوافل
بعد التقرب بالفرائض، ووجهه أنه الذي ينبئ عن صدق الوجهة وتحقق المحبة؛ لأن
من يتقرب إليك بشيء تحبه مع أنك لم تلزمه به، ومع إتيانه بما ألزمته به أحب إليك
ممن لم يتقرب إليك إلا بما ألزمته به لا غير.
(وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَّ بِالتَّوَافِلِ) وهي ماعدا الفرائض مما طلبه الشارع

٣١٣
کتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
طلبًا غير جازم، ومن الغريب ما قيل: المراد بهم المشايخ الكُمَّل علمًا وعملاً؛ لأن
المريد لا يعتد بتقربه إلا بما يأمره به الشيخ؛ لأنه يبالغ في نصحه بما یأمره به مناسبًا
لحاله منعشًا لدوائه، وأما ما يتقرب به من تلقاء نفسه فقل أن يجد به شيئًا؛ لأنه نفسه
لم تتطهر من جنابتها ولم يخرج عن أوطان كسلها وغفلتها، فهي لا تأمر إلا بشر ولا
تحضر إلا إلى قبيح، ولك رده بأن الكلام فيمن اتصف بحقيقة العبودية الدال عليها قوله:
((عبدي)) ومن اتصف بذلك محيط بما يتقرب به وبشرائطه، فلا يتوقف على إرشاد
غيره، فبقيت إرادة النوافل المصطلح عليها والإعراض عن تلك التعسفات ومن جنح
إليها.
(حَتَّى أَحْبَيْتُهُ) وفي نسخة: ((حتى أحبه))(١) وكلاهما جائز، وعلى كل منهما فهو
يفيد أن محبته تعالى لعبده إنما تنشأ بتقربه إليه بعد خروجه عن عهدة ما كلفه به من
الفرائض بنوافل العبادات وأنواع المندوبات، مترقيًا من مقام أدنى إلى مقام أعلى منه،
وهكذا حتى يستغرق في شهود ذاته تعالى وأفعاله، ويبالغ في تطهير نفسه وسائر أحواله،
فلا يرى شيئًا إلا ورأى الله معه.
وهذه منتهى درجة السالكين وأول درجات الواصلين المشار إليهم بقوله:
(فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ) مننت عليه بخلائق محبته إياي الآخذة لمجامع قلبه، والمستلزمة
الاستغراقه في حقيقة قربي، وذهوله عن كل غير سوي وإرادة وهوى، ولدوام شهوده في
سائر حركاته وسكناته، وأقرب ما يعبر به عن جميع ذلك أن يقال على سبيل الاتساع
الأبلغ كما هو مقرر في محله (كُنْتُ) والذي في الأصول المشهورة: ((حتى أحببته))
فكنت (سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا،
وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا) فلا يسمع شيئًا ولا يبصر شيئًا ولا يبطش بيده شيئًا ولا يمشي
إليَّ مشي، إلا وشهد أني الموجد لذلك والمقدر له، والمدلول عليه به وأن لي فيه حكمًا
(١) أخرجه البخاري (٦١٣٧)، وابن حبان (٣٤٧)، والبيهقي (٢٠٧٦٩)، وأبو نعيم في ((الحلية))
(٤/١).

٣١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
بالغة ومقادير محكمة، وتدابير متقنة فتصرف جميع ما أنعمت به عليه إلى ما
خلق لأجله من طاعتي، فلا يستعمل سمعه وغيره من مشاعره إلا فيما ترضيني،
وتقربه مني لا يتوجه لشيء إلا وأنا منه بمرأى ومسمع ولا يطرقه غفلة، ولا يحجب
شهوده حجاب ولا يشوب ذكره نسيان، ولا يخطر بباله الأحداث والأعيان إن
دعاني أجبته، وإن استنصرني نصرته، فأنا له سمع وعين ويد ورجل وعون ووكيل
وحافظ ونصير، كما هو جلي عند أئمة العرفان أولي الفتوحات الغيبية والإشارات
الذوقية.
وكذا من سلك سبيلهم وذاق مشربهم دون غيره؛ إذ لا يؤمن عليه لضيق
العبارة إلا عما هو موهم لغير ذوي الإشارة من كل الأغاليط التي يهوي بغير أولئك
الأئمة، إلى هوة الحلول والإيجاد والانحلال عن رابطة الشرع الملجئة إلى الضلال
والفساد تعالى الله عن صفات المحدثات، وتنزه إلا عما بلغ في الكمال المطلق أعلى
الغايات، وحسبك شاهدًا على هذا المقام الجليل الذي اختص به العارفون، وتنزه في
رياض شهوده الوارثون قوله تعالى عز قائلاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله
يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].
حيث قرر في قلوب السامعين منه الواقفين معه أن عقد المبايعة مع رسول الله
كعقدها معه، مؤكدًا ذلك بأبلغ العبارات وأوضح الإشارات، وبما قررته عن أولئك
القوم السالمين من الاعتراض واللوم عند من جانب الاعتساف، وتحلى بحلل الرياضة
والاتصاف يعلم أن ما أوهم حلولاً واتحادًا من عباراتهم غير مراد بها ظواهرها، وإنما
ألجأهم إليها قصر العبارة مع إحصاؤها عن أن تؤدي إشاراتهم سالمة عن ذلك، وكفاهم
مقتدًا في ذلك ما في هذا الحديث من سلوك ذلك المسلك، مع أنه قال : أفصح الخلق
وأبلغهم نادى ذلك المعنى بذلك اللفظ مع إيهامه غير ناظر لذلك، ولا معمولاً عليه
لظهور المراد لا بالنظر لأهل البعث والعناد.
ومن هذا يتضح لك قاعدة مهمة لا يترك العمل بها إلا محروم متعرض لسوء

٣١٥
كتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
الخاتمة لما مرآنفًا في شرح: ((من آذى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب))(١) وهي أن ما أشكل
عليك من عباراتهم فإن أمكن تأويلها فبادر إليه، كقول أبي زيد: ليس في الجنة
غير الله فنؤول بما قررناه في هذا المقام، وإن لم يمكن فإن صدرت في مقام غيبة
واصطلام فلا حرج على قائلها؛ لأنه غير مكلف حينئذٍ، وكذا إن شك في ذلك وإن
صدرت مع تحقق صحوة أقيم عليه حكمها الشرعي؛ إذ الولي ليس بمعصوم،
والمحفوظ ربما فرط منه ما عوقب به ثم عاد إليه حاله، وقرر شارح هذا الحديث بما
شمله ما قررناه فقال ما حاصله: هذه أمثال أريد بها توفيقه لما باشره بهذه الأعضاء
من الأعمال، بأن يسر عليه سلوك ما يحب ويحفظه عما يكره، فلا يسمع ولا يرى ولا
يبطش ولا يمشي إلا فيما يرضي ربه سبحانه، وقد يكون المعنى سرعة إجابة الدعاء
والإنجاح في الطلب، وذلك أن مساعي الإنسان إنما تكون بهذه الجوارح الأربع.
انتهى.
وقوله: وقد يكون المعنى سرعة إجابة الدعاء عجيب مع قوله عقب ذلك (وَإِنْ
سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ) لما ثبت له من عظيم القرب وصدق المحبة
الموجب كل منهما بلوغ المأمول وتحقيق المسؤول، والسلامة من الأغيار والإعاذة من
حر النار (وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ) ((قبض))(٤) كما في رواية (نَفْسِ
الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) ((ولا بدَّ له منه))(٣) كما في رواية، والتردد
لاستحالته على الله تعالى؛ إذ هو تعارض الرأيين أريد به غايته على القاعدة في صفاته
تعالى، المحال عليه ظاهرها كالرحمة والغضب والمكر والضحك، وهي التوقف على
الشيء؛ أي: ما توقفت توقف المتردد في شيء أنا فاعله مثل توقفي في قبض روح
عبدي المؤمن؛ لأنه يكره ذلك لشدته عليه بمقتضى طبعه البشري، وأكره ما يسوؤه؛
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٢٢٩/١).

٣١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
لأني أرحم به من والدته ووالده، لكن لما كان لا بد له منه لينتقل من دار الهموم
والأكدار إلى دار النعيم والمسرات فعلته به إيثارًا لتلك النعمة العظمى والمسرة
الكبرى، كما أن الأب الشفوق يكلف الابن بما يكمله من العلم وغيره، وإن شق
عليه نظر الكمال الذي يترتب على ذلك.
وإنما قلت بمقتضى طبعه البشري؛ لأن كراهة الموت لا لأجل هذا نقص أي
نقص كما دل عليه الحديث الصحيح: ((من كره لقاء الله كره الله لقاءه))(١) والكلام في
المؤمن الممدوح كما دل عليه السياق؛ ولما قالت عائشة، رضي الله عنها: إنا لنكره
ذلك؛ أي: الموت قال لها (َله: (ليس ذلك)) أي: شأن المؤمن أن يكره الموت لا من
حيث الجبلة البشرية، ثم علل ذلك بأن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله
وكرامته، فليس شيء أحب إليه ما أمامه، فكيف مع ذلك يكرهه؟ لا من تلك
الحيثية، وأما منها فهو غيره كلف به؛ لأن ما ينشأ عن الطبع لا حيلة في دفعه، وهذا
الذي قررته هنا أولى مما سلكه الشارح كما يظهر للمتأمل (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وفيه
كالحديث الذي قبله من العلوم والمعارف والحقائق، واللطائف ما ينبغي بعد تأمل
شرحيهما مما حررناه إمعان النظر فيه؛ ليحيط بقوادم كل وخوافيه، والله سبحانه الموفق
والمعین.
٢٢٦٧ [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ اللّه مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الظُّرُقِ،
يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ تَنَادَوا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ:
فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بُهُمْ: مَا يَقُولُ
عِبَادِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ:
فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا وَاللّه مَا رَأَوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ:
يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قَالَ:
يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٦٩٩٦)، والترمذي (١٠٨٧)، والنسائي (١٨٤٧).

٣١٧
کتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا
كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ:
يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَالله مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ:
فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا تَخَافَةً، قَالَ:
فَيَقُولُ: فَأَشْهِدُكُمْ أَنِّ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ مَلَكُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ
فُلَانْ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ(١). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ الله مَلَائِكَةً) فيه إشعار بتعظيمهم وإنما
خصوا بسؤالهم وجوابهم الآتيين مبالغة في شرف هذه الأمة، حيث استعمل فيما يتعلق
بهم أشراف الأشراف، ويصرح بذلك قوله في الرواية الآتية فضلاً؛ لأنه يجمع فاضل،
وهو من فاق أصحابه علمًا وشرفًا (يَطُوفُونَ فِي الْطُّرُقِ، يَلْتَيِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ) أي:
يكثرون الطواف في الطرق حتى يجتمعون بأهل الذكر، ويتشرفون بخدمتهم
وتعظيمهم ويتمتعون بسماع ذكرهم كما يدل عليه قوله: (فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ)
بأي: ذکر کان.
(تَنَادَوا) أي: ينادي بعضهم بعضًا قائلين: (هَلُمُّوا) أي: تعالوا مسرعين (إِلَى
حَاجَتِكُمْ) واستعمل هلم هنا على لغة بني تميم أنها تثنى وتجمع وتؤنث، ولغة
الحجازيين بناء لفظها على الفتح وبقاؤه بحاله مع المثنى والجمع والمؤنث (قَالَ) وَلِ﴿ وكذا
في كل ما يأتي فتسبق منهم فرقة (فَيَحُقُّونَهُمْ) أي: يحيطون بهم ويسترونهم
(بِأَجْنِحَتِهِمْ) ثم تلحقها فرقة أخرى فتحفهم وتسترهم كذلك وهكذا إلى أن يصلوا
(إِلَى) عنان (السَّمَاءِ الدُّنْيَا) وما سلكته من تعلق بأجنحتهم يحفونهم بالمعنى الذي
ذكرته رأيت شارحًا أشار إليه بقوله: الباء للتعدية يعني: يديرون أجنحتهم حول
(١) أخرجه البخاري (٦٠٤٥)، ومسلم (٢٦٨٩)، وأحمد (٨٩٦٠)، والترمذي (٣٦٠٠) وابن حبان
(٨٥٦)، وأبو نعيم (١١٧/٨)، والطيالسي (٢٤٣٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٣١).

٣١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الذاكرين، ورأيت الشارح خالفه فقال: الظاهر أنها للاستعانة كما في كتبت بالقلم؛
لأن حفهم الذي ينتهي إلى السماء إنما يستقيم بواسطة الأجنحة كما في العرف. انتهى.
وكون ذلك هو الظاهر فيه وقفه بل حصره بقوله: ((إنما يستقيم .. إلخ)) ممنوع
بالظاهر ما ذكرناه كما هو واضح (قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهْوَ) أي: والحال أنه هو (أَعْلَمُ
بُهُمْ) من المسؤولين لكن حكمة هذا السؤال اعتراف الملائكة بما هم فيه من الخير،
وإعلانهم بذلك بين بقيتهم، والتلويح بأنه ينبغي لهم الندم على ما فرط منهم سابقًا في
قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَتَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾
[البقرة:٣٠] قيل: كونه اعتراضًا أو تتميمًا أحسن صيانة من التوهم. انتهى.
ولا عبرة بهذا لو سلم، كيف والمقصود به رفع إبهام؟ فيسألهم (مَا يَقُولُ
عِبَادِي؟) فيه غاية التشريف لهم (قَالَ: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ،
وَيُمَجِّدُونَكَ) وفي رواية مسلم ذكر: ((التهليل)) بدل التمجيد، وهو يدل على أن ذكر هذه
الأنواع ليس للاشتراط بل للتمثيل به لحصول المقصود ببعضها وبغيرها (قَالَ: فَيَقُولُ:
هَلْ رَأَوْنِي؟) حتى اجتهدوا في عبادتي بهذا الاجتهاد الذي لا يصدر مثله إلا ممن رآني
(قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا وَالله) أقسموا زيادة في مدح الذاكرين (مَا رَأُوْكَ) وإنما عبدوك
لصدق إيمانهم بك الناشئ عن الحجج الإيقانية والبراهين العرفانية؛ فلذا آمنوا بالغيب
وتطهروا عن کل هوی وعيب.
(قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً،
وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا) لأن في العباد من الانكشاف المستلزم لقيا
النفس في العبادات ما ليس في البرهان؛ ولذا كان عين لليقين أعلى من علم اليقين،
وفي هذا كالآتي في الجنة والنار اعتراف من الملائكة بأن تسبيح وتقديس الآدمیین،
بل وسائر عباداتهم أفضل من عبادات الملائكة؛ لحصولها من أولئك في عالم الغيب
مع ما سلط الله عليهم من الشهوة وغيرها من الموانع التي تحصل بها الصرف عن
امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فهم في معايا كلفة ومشقة، بل فيها غاية اللذة

٣١٩
کتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
والراحة، وشتان بين طائع مع وجود الموانع للطاعة ومقاساته منها غاية التعب والمشقة،
وطائع مع وجود الدواعي للطاعة، وأن فيها غاية الراحة واللذة؛ ولهذا كان جنس البشر
أفضل من جنس الملائكة، ويؤيده أن هاروت وماروت أصلهما من الملائكة كما
صرحت به الأحاديث خلافًا لمن نازع في ذلك لما ركبت فيهما الشهوة وقع منهما من
المعاصي مثل ما يقع من بني آدم، فلم يقدروا على منع نفوسهم من شهواتها بخلاف
الآدميين، فكانوا أكمل وأفضل.
(قَالَ: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟) مني (قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟
قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللّه يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ:
لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً) لما تقرر أن
عين اليقين أقوى من علمه.
(قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ:
يَقُولُونَ: لَا وَاللّه مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا
أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا ◌َخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ:
يَقُولُ: مَلَكُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانُ لَيْسَ) حال من فلان على مذهب سيبويه، أو
من ضمير الخبر المستقر فيهم (مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ) فرآهم فجلس معهم (قَالَ: هُمُ
الْجُلَسَاءُ) الكاملون (لَا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ) لما يأتي في رواية مسلم (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
[وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ قال: إِنَّ اللّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا
وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ الدُّنْيَا، فإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ وَهُوَ
أَعْلَمُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبادكَ فِي الأرْضِ يُسَبِّحُونَكَ،
ويُكبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذا يَسْأَلُونِي؟ قالوا: يَسْألُونَكَ
جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لا؛ أَي: رَبِّ، قَالَ: وَكَيَفَ لَو رَأُوا جَنَّتِي، قَالُوا:
ويستجيرونكَ، قَالَ: ومِمَّ يَسْتَجِيرُونِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأُوْا نَاري؟ قالوا: لا،

٣٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْاِ نَارِي؟ قالوا: وَيَسْتَغْفِرُونِكَ، قَالَ: فيقولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَأَعْطَيْتُهُمْ
مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا، قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌّ عَبْدُ خَطَاءُ، إِنَّمَا مَرَّ
فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْفَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ(١)].
(وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ قال: إِنَّ اللّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً) أي: مكثرين السير في جوانب
الأرض لعلهم يجتمعون بالذاكرين (فُضُلاً) بإسكان الضاد، وجوز ضمها جمع فاضل
وهو من فاق نظراءه علمًا وشرفًا (يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ،
قَعَدُوا مَعَهُمْ) ليتشرف الملائكة بهم لما مر آنفًا أن البشر أفضل من الملائكة
على تفصيل فيه (وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ
الدُّنْيَا) فيه تأييد لما قدمته في تفسير نظيره فراجعه (فإذَا تَفَرَّقُوا) أي: الذاكرون
عن ذكرهم (عَرَجُوا) أي: الملائكة (وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ) تفسير لما قبله بيَّن بذلك
أن اجتماع الذاكرين لما كان سببًا لنزول الملائكة وتزاحمهم كان تفرقهم سببًا
العروجهم إلى أوطانهم وتكليم الحق لهم كما قال: (فَيَسْأَلُهُم اللهُ وَهُوَ أُعْلَمُ: مِنْ
أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبادكَ) فيه غاية التشريف لبني آدم حال
کونھم.
(فِي الأرْضِ: يُسَبِّحُونَكَ، ويُكبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ:
وَمَاذا يَسْألُونِي؟ قالوا: يَسْألُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لا؛ أَي: رَبِّ، قَالَ:
وَكَيَفَ لَو رَأُوا جَنَّتِي) ما يكون حالهم في إكثار سؤالها كما دل عليه السياق؛ إذ كيف
هنا للتعجب؛ ولذا تركوا جوابها هنا لدلالتها عليه بخلافه فيما مر في حديث البخاري
فإنها لمجرد السؤال عن الحال، فلا تدل على جواب فلذا ذكروه ثم يقول لهم: لو رأوها
كانوا أشد عليها حرصًا (قالوا: ويستجيرونكَ، قَالَ: ومِمَّ يَسْتَجِيرُونِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ،
قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَاري؟ قالوا: لا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قالوا: وَيَسْتَغْفِرُونِكَ؟ قَالَ:
فيقولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا، قَالَ: فَيَقُولُونَ:
(١) انظر التخريج السابق.

٣٢١
كتاب الدعوات/ باب بيان ذكر الله عز وجل وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
رَبِّ فِيهِم فُلَانُ عَبْدُ خَطَاءٌ) بدل من فلان (إِنَّمَا) فلان (مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ) أي: ما
فعل إلا المرور فالجلوس عقبه، ولم يوجد منه ذكر، فكيف ألحق بهم؟ وإنما لم يقل إنما
مر فلان لإبهامه انحصار المرور في فلان وهو خلاف الواقع، ويستفاد من هذا ومن
نظيره السابق أن الجالس إلى الذاكرين لحاجة مع كونه ليس كثير الخطايا ينبه عليه
ملك واحد، وأن من مر بهم فجلس معهم وهو كثير الخطايا ينبه عليه الكل، والفرق
أن هذا أقبح فاستعظموا كلهم شمول الرحمة له، بخلاف الأول فلم يستعظم ذلك فيه إلا
واحد منهم.
(قَالَ: فَيَقُولُ:) قد أعطيتهم وغفرت لهم (وَلَهُ غَفَرْتُ) أيضًا إكرامًا لهم لحسن ما
هم عليه، ومن ثم زاد في تأكيد ذلك بقوله: (هُمُ الْقَوْمُ) الكاملون في السعادة والقرب
من الحق بنظره إليهم وبعطفه عليهم كما يفيده التعريف (لَا يَشْقَى) صفة أو حال،
ويجوز كونه استئنافًا لبيان مزيد كمالهم (بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) لأن مجالستهم يؤثر فيه
التأهل؛ لأن يحصل له بعض ما حصل لهم، وسر ذلك أنهم كرام ولله سبحانه بهم
عناية، ومن جملتها عدم حرمان جليسهم المتشرف بمجالستهم وإلا كان ذلك نقصًا
فیھم أي نقص.
٢٢٦٨ - [وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ الأَسَيِّدِيِّ ﴾ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ ﴾، فَقَالَ:
كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا يَقُولُ، قُلْتُ: يَكُونُ
عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، كَأَنَّا رَأَيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ
رَسُولِ اللهِ وَلَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَالله
إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، قُلْتُ:
نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، نَكُونُ
عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا
الأَزْوَاجَ وَالأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ

٣٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي عِرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ(١). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ].
(وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ الأُسَيِّدِيِّ :﴿ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ عَلَه فَقَالَ: كَيْفَ
أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟) أي: كيف استقامتك على ما تسمع من النبي ◌َّةٍ، أهي موجودة أو لا؟
(قُلْتُ) لما رأيت في نفسي ما لا يرضيني ليست موجودة بل (نَافَقَ حَنْظَلَةُ) نفاق عمل
لا اعتقاد لمخالفة سره لعلنه وغيبته لحضوره، وفيه تجريد لعدوله عن نافقت الذي هو
الأصل إليه مجردًا من نفسه شخصًا آخر مثله بخبر عنه مبالغة في تأكيد إلحاق النفاق
به (قَالَ: سُبْحَانَ الله) هي للتعجب (مَا) استفهامية (يَقُولُ) هو للتعجب منه؛ أي:
عجبت من قولك هذا الذي حكمت فيه بالنفاق على نفسك.
(قُلْتُ) لا عجب في ذلك وبيانه إما (يَكُونُ) أتى به بضمير الجمع؛ إذ لا مجال
للتعظيم هنا؛ لأن من المعلوم أنه لا بد في الحاضرين من يشابه حنظلة في ذلك (عِنْدَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ يُذَكَّرُنَا بِالنَّارِ) أي: بعذابها تخويفًا لنا من ارتكاب شيء من أسباب
دخولها (وَالْجَنَّةِ) أي: بنعيمها ترغيبًا لنا في الجد والاجتهاد في الأعمال المقتضية
لدخولها ولم يزل ◌َلم يكرر علينا ذكر هذين ويقرروه بعبارات مختلفة حتى صرنا
(كَأَنَّا) نراهما.
(رَأَيَ عَيْنٍ) ويصح كون الخبر للمبالغة كرجل عدل، وهذا غاية في الكمال؛ إذ
من صار إلى هذه الحالة لا يقع منه فترة في خبر ولا ميل لمخالفة (فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ عَافَسْنَا) أي: عالجنا وخالطنا (الأَزْوَاجَ) بالقيام بحقوقهن الكثيرة
(وَالأَّوْلَادَ) بترتيبهم وإصلاحهم (وَالضَّيْعَاتِ) أي: بما به المعاش من نحو تجارة وزراعة
(نَسِينًا) أكثر ما ذكر منابة أو كله (قَالَ: أَبُو بَكْرٍ) إذ قلت ذلك وذكر بيانه (فَوَالله إِنَّا
لَتَلْقَى مِثْلَ هَذَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ قُلْتُ: نَافَقَ
حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: وَمَا ذَاكَ) أي: وأي بسبب أوجب لك ذلك
(١) أخرجه مسلم (٧١٤٢).