النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤٣
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول
بسبب ما فيه من آيات الرحمة وآيات العذاب بسؤال تلك، والنجاة من هذا عقبها أو
بسبب ختمه بأن يدعو عقبه بالأدعية المأثورة لاستحبابها حينئذٍ.
ومن ثم قال النووي: يستحب الدعاء بعد قراءة القرآن استحبابًا متأكدًا تأكيدًا
شديدًا، فينبغي أن يلح في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة والكلمات الجامعة، وأن
يكون معظم ذلك بل كله في أمور الآخرة، وأمور المسلمين بصلاح سلطانهم وسائر
ولاة أمورهم، وفي توفيقهم للطاعات وعصمتهم من المخالفات، وتعاونهم على البر
والتقوى وقيامهم بالحق واجتماعهم عليه وظهورهم على أعداء الدين.
(فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامُ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ) قضية هذا ذمهم بذلك
ومحله كما هو معلوم فيمن يقرؤه رياء وسمعة؛ ليحصل له من الناس أغراضه الفاسدة،
أما من استؤجر لقراءة بشروطها فقرأه لأجل أن يستحق الأجرة، فلا محذور فيه كما هو
مذهبنا ومذهب الأكثرين لقوله ◌َله: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله))(١)
والأحاديث الكثيرة الواردة في ذم من أخذ على القرآن شيئًا محمولة عندنا على من أخذ
ذلك بوجه محرم (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ).
(الفصل الثالث)
٢٢١٧ [عَنْ بُرَيدَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَتَأْكَّلُ بِهِ النَّاسَ
جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمْ لَيْسَ عَليهِ لَحمُّ(٤). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))].
(عَنْ بُرَيدَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَِّ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَتأكَّلُ) أي: يستأكل
على حد ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] أي: استعجل (بِهِ) هي للآلة كـ((كتبت
بالقلم)) (النَّاسَ) أي: أموالهم بأن يجعل القرآن خديعة ووسيلة إلى أخذ شيء من
أموالهم بوجه فاسد، كأن يتصنع لهم حتى يظنوا صلاحه مثلاً فيعطوه لأجل صلاحه،
وهو في الباطن غير ذلك ولذلك قال أئمتنا: كل من أعطاك شيئًا لظنه فيك من نحو علم
(١) أخرجه البخاري (٥٤٠٥)، وابن حبان (٥١٤٦)، والدارقطني (٦٥/٣)، والبيهقي (١٨٦٦).
(٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٢٩٤).

٢٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
أو نسب، أو فقر أو صلاح وأنت في الباطن بغير ما ظنه لم يجز لك أخذ ذلك، فإن
أخذته كنت من الذين ﴿لِيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤] والظلم
والعدوان، وفسقت بذلك، ولم يقبل الله لك صرفًا ولا عدلاً.
(جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ) في أسوأ حال وأقبح صورة، كيف وهو يجيء في ذلك اليوم؟
(وَوَجْهُهُ عَظْمْ لَيْسَ عَلِيهِ لَحمُ) لأنه لما خلع حجاب المروءة والحياء اللذين هما من
أشرف الأخلاق الباطنة الجميلة بجعله أشرف الأشياء وأعزها، وصلة إلى خير الأشياء
وأصحها استحق أن يجازى بأن يخلع عن وجهه حجاب الجمال الظاهر، ولكون فعل
هذا أقبح من كثرة السؤال لا بالقرآن كان عقابه أشد منه؛ لأن ذاك وإن جوزي بإزالة
لحم وجهه كما أفاده حديث: ((لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة، ليس
في وجهه مزعة لحم)»(١) لكن يبقى لهذا جلد يستر قبيح منظر عظم وجهه، بخلاف ذاك
فإنه يأتي بوجه كله عظم صرف، ليس عليه ساتر ألبتة كما أفاده تأكيد قوله: ((عظم))
بقوله: ((ليس عليه لحم)) ولبعد تفاوتهما في القبح ضرب بعضهم لهما مثلاً، بقوله: ((من
استجر الجيفة بآلة لهو أهون ممن استجرها لمصحف)) (رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي («شُعَبٍ
الْإِيمَانِ))).
٢٢١٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا :- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَا
يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى تُنَزَّلَ عَلَيْهِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وََّ لَا يَعْرِفُ
فَصْلَ السُّورَةِ) مما بعدها؛ أي: انتهاءها (حَتَّى تُنَزَّلَ عَلَيْهِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وصححه الحاكم.
قيل: وفيه دلالة على أن البسملة ليست قرآنًا، وإنما هي فاصلة بين السورتين
(١) أخرجه البخاري (١٤٠٥)، ومسلم (١٠٤٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٣٦٦)، والطبراني في
(الأوسط)) (٨٧٢٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٥٠٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٧٨٨)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٤٧٣).

٢٤٥
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول
وعليه جماعة من الأئمة، ورده أئمتنا بأن معناه لا يعلم الشروع في سورة أخرى إلا
بالبسملة، فإنها لا تنزل إلا في أول السورة على أنه دليل لنا؛ لأنه أخبر بنزولها وهذه
صفة القرآن، وتأويل الباقلاني له بأنها كانت تنزل وليست قرآنًا؛ إذ ليس كل منزل
قرآنًا رده الغزالي بأن ما من منصف إلا وپسترده ويضعفه.
ومما يدل أيضًا لمذهبنا أن البسملة آية كاملة من أول كل سورة على الأصح
عندنا غير ((براءة)) إجماعًا: خبر مسلم عن أنس: ((بينا النبي ◌َّ بين أظهرنا إذ غفا
إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا فقلنا: ما أضحكك يا نبي الله؟ قال: أنزلت علي آنفًا
سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١])(١).
وخبر البخاري أنه سئل عن قراءة النبي وَله فقال: ((كانت مدًّا، ثم قرأ ((بسم الله
الرحمن الرحيم)) يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم)(٢) فإبداله ((بسم الله)) من
سورة، وقراءته البسملة لسائله عن قراءته وخل# ومده على كلماتها صريحان في أن
البسملة من سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ ومن القرآن الذي كان يقرأه ◌َلّ.
ومما يصرح بذلك أيضًا ما صح من طرق بعضها على شرط مسلم بالطعن فيه
غير معول عليه، أن معاوية # صلى وهو خليفة بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة
فترك البسملة من أول السورة، فناداه المهاجرون والأنصار: أسرقت الصلاة يا معاوية،
أم نسيت؟ فلم يصلِّ بعد إلا قرأها؛ فلولا أنها مجمع عليها لم ينكروا عليه؛ إذ المسائل
الاجتهادية لا إنكار فيها.
وأقوى من ذلك كله ما كاد أن يجعلها قرآنًا قطعًا، بل قال بعض أئمتنا: إنه
جعلها كذلك لكن بالغ الإمام في رده، وهو إجماع الصحابة على إثباتها في المصحف
بخطه أوائل السور سوى ((براءة)) مع أنه {وَاللّه لم يعرف عنه الأمر بذلك، كما يؤخذ من
حديث رواه الحاكم دون الأعشار وأسماء السور، والتعوذ والتأمين مع أنه صح الأمر
(١) أخرجه مسلم (٩٢١)، وأبو داود (٤٧٤٩)، وأحمد (١٢٣٢٢).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٤٦)، وأحمد (١٣٣٩١)، والدارقطني (١١٨٩)، والبيهقي (٢٤٨٩).

٢٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
بهما، وثبوتها فيه مما ابتدعه الحجاج على أنه منزهًا عنه؛ إذ لم يثبتها بقلمه ولا بسواده
فلو لم تكن قرآنًا لما أجازوا ذلك؛ لأنه تغرير بالمسلمين أي تغرير؛ إذ يحملهم على
اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنًا، وذلك لا يجوز اعتقاده في الصحابة.
وأيضًا فهم إنما قصدوا بكتابة المصحف نفي الخلاف في القرآن، فكيف مع
ذلك يتوهم عليهم أنهم أثبتوا مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن، وتجويز ثبوتها
للفصل أو الترك يلزم عليه الفساد المذكور، وأن يكتب أول ((براءة)) وألا يكتب أول
((الفاتحة)).
وقد صح أنه (َله بسمل لما تلا سورة ((الكوثر)) ولم يبسمل لما تلا آيات ((الإفك))
وهي أولى بالترك لما سر به هو وأهله وأصحابه.
لا يقال: القرآن إنما يثبت بالتواتر؛ لأنا نقول: إجماع الصحابة المذكور يفيد
التواتر سلمنا أنه لا تواتر، فهو إنما يشترط فيما ثبت قرآنًا قطعًا، أما ما ثبت قرآنًا
حکمًا بمعنى أنه لا يسمي.
ولا يكون قارئًا لسورة غيرها بكمالها إلا إذا ابتدأها بالبسملة.
ويكفي فيه الظن لكونه بخبر الواحد، كما يكفي في كل ظني خلافًا للباقلاني،
ومن ثم لم يكفر جاحدها ولا مثبتها إجماعًا خلافًا لمن غلط فيه في الجانبين بخلافها
من ((النمل))؛ إذ لا تكفير بظني، بل قال ابن الرفعة: لا يكفر جاحدها.
وإن قلنا: إنها قرآن قطعًا كما قال به ابن أبي هريرة من أصحابنا نظرًا إلى أن
الآحاد قد يخصه من القرائن ما تقيد بسببه العلم، وتلك القرائن قد تحصل لمجتهد
دون آخر.
٢٢١٩ - [وَعَنْ عَلْقَمَةَ ﴾ قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ، فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ
رَجُلُّ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، فَقَالَ عَبْدُ الله: وَاللهِ لِقَرَأْتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ:
أَحْسَنْتَ، فَبَيْنَا هُوَ يُكلِّمُهُ إِذْ وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ، فَقَالَ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرِ وَتُكَذِّبُ

٢٤٧
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول
بِالْكِتَابِ، فَضَرَبَهُ الْحَدَّ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَلْقَمَةَ ﴾ قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ، فَقَرَّأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ:
مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، فَقَالَ عَبْدُ اللّهُ: وَالله لَقَرَأَتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ﴾ أي: في
حضرته وهو يسمع (فَقَالَ) ◌َّه لي: (أَحْسَنْتَ) أي: في قراءتك هذه السورة كما أنزل،
وبه علم كذب ذلك الرجل في قوله: ما هكذا أنزلت (فَبَينَا هُوَ) أي: ابن مسعود
(يُكلِّمُهُ) أي: ذلك الرجل (إِذْ وَجَدَ) ابن مسعود (مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ، فَقَالَ:) معنفًا
وزاجرًا له ومنكرًا عليه (أَقَشْرَبُ الْخَمْر وَتُكَذِّبُ بِالكِتَابِ) لإنكارك قراءتي الثابت
سماعه وإقراري عليها، ومن أنكر شيئًا من القرآن المجمع على قرآنيته يكفر،
كما أن من أثبت فيه شيئًا مجمعًا على عدم قرآنيته يكفر.
فإن قلت: لِمَ لم يكفره ابن مسعود بذلك؟
قلت: يحتمل أنه عذره لجهله بظنه أن ما قرأه غير قرآن، فهو لم يتعمد الجحد،
وشرط الكفر به تعمده.
وأجاب شارح بأن إنكار القراءة إنكار في أداء الكلمة لا في جوهرها، ولذلك
أجرى عليه حد الشارب لا حد المرتد، وهو مبني على قول ضعيف أن ما كان من قبيل
الأداء ليس بمتواتر، والأصح أن ما أجمع عليه القراء متواتر مطلقًا، فيكفر منكره،
نعم يحتمل أن الذي أنكره لم يكن متواترًا حينئذٍ في تلك الجهة وهو لا كفر به
وإن صح عنه ل﴾ أنه قرأه.
(فَضَرَبَهُ) عبد الله بن مسعود لكونه متوليًا (الْحَدَّ) على شربة الخمر بناء على
ثبوته بالرائحة، وهو مذهب جماعة وجماعة ومذهبنا خلافه؛ لأن ريح نحو التفاح
الحامض يشبه رائحة الخمر، ولاحتمال أنه شربهما مكرهًا أو ناسيًا أو جاهلاً بأنها خمر
أو متعمدًا شربها، لكن لنحو كونه عض بلقمة وهو واجب إن لم يجد غيرها، أو
(١) أخرجه البخاري (٥٠٠١)، ومسلم (١٩٠٦)، وأحمد (٤١١٤)، والدارقطني (٣٣٩٠).

٢٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
لتداوٍ فإن شاربها تداويًا لا حد عليه، وإن حرمنا التداوي بصرفها مطلقًا؛ لأن ذلك
شبهة إذا أباحه جماعة للتداوي، وهذه شبهات كثيرة، وقد صحَّ الخبر: ((ادرؤوا الحدود
بالشبهات)»(١) وظاهر السياق أنه لم يعزره على قوله: ((ما هكذا أنزلت)) مع أن السكران
مكلف، أو يعامل معاملة المكلف على الخلاف فيه في الأصول، وكان وجهه أن الحق
لابن مسعود؛ لكونه نسبه إلى قراءة غير القرآن فعفا عنه في حقه؛ لأنه يقبل العفو
دون حق الله؛ لأنه لا يقبله (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٢٢٢٠ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴾ قَالَ: أُرْسَلَ إِلَّ أَبُو بَكْرٍ ﴾ مَقْتَلَ أَهْلِ الْتَمَامَةِ،
فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ
يَوْمَ الْتَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وَإِّ أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ
مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِّ أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآن، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ
رَسُولُ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللهُ
صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدُ: قَالَ أَبُو بَكْرِ: إِنَّكَ رَجُلُّ شَابُّ
عَاقِلُ وَلَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِوَّةِ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ،
فَوَالله لَوْ كَلَّفْوِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَّ مِمَّ أَمَرَّبِ بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ،
قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلون شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللّه وَّهِ؟ قَالَ: هُوَ وَاللّهِ خَيْرَّ، فَلَمْ يَزَلْ
أَبُو بَكَرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ،
فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللَّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخرَ سُورَةٍ
الثَّوْبَةِ مَعَ أَبِيِ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهُا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ .... ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَة بَرَاءة، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى
تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴿ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَّ أَبُو بَكْرٍ ﴿ مَقْتَلَ أَهْلِ الْتَمَامَةِ) أي:
(١) أخرجه البيهقي في (سننه الكبرى)) (١٦٣٤٧).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٧٩)، والبيهقي في «سننه» (٢٤٦٨).

٢٤٩
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول
زمن قتلهم بها لما أرسلهم أبو بكر لحرب مسيلمة الكذاب - لعنه الله - في جيش أمر
عليهم خالد بن الوليد ه فقاتلوا قتالاً ما رأوا مثله حتى أبادوا جنوده الكثيرين الذين
اتبعوه في دعواه النبوة، لكن بشدة بأسهم وكثرة عَددِهم وعُددَهم، فني من الصحابة
ألف ومائتان لا سيما حفاظ القرآن؛ إذ المقتول منهم سبعمائة، وكان الصحابة أشرفوا
على الهزيمة؛ لأن البقية خرج أكثرهم لولا أن بعض شجعانهم ثار فحمل على أصحاب
مسيلمة فانكشفوا وبينهم المسلمون وقتلوا مسيلمة وأصحابه، قتله وحشي قاتل
حمزة - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - فقالوا له: هذه بتلك، واليمامة قرية بينها وبين الطائف
يومان أو يوم، كذا أطبقوا عليه لكنه مشكل؛ لأن اليمامة التي هي بلد مسيلمة ووقع
القتال بها، كما هو المتواتر في تلك الجهة بينها وبين الطائف عشرة أيام أو أكثر وقد
بينت ذلك.
والجواب عنه في (شرح منهاج النووي)) في الفقه وكان بها امرأة يقال لها: زرقاء
اليمامة حديدة البصر جدًّا تنظر من مسيرة ثلاثة أيام، ومن ثم ضرب بها المثل في
ذلك، فقيل: أبصر من زرقاء اليمامة.
(فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﴾، عِنْدَهُ) سبب مجيئه لطلب حقه ما جاء بسند منقطع
أنه سأل عن آية، فقيل: كانت مع فلان قبل يوم اليمامة، فقال: ﴿إِنَّا لله﴾ [البقرة: ١٥٦]
وأتى بجمع القرآن، فكان أول من جمعه في المصحف، والمراد بكونه أول من جمعه أنه
أول من تسبب في جمعه.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْتَمَامَةِ) أي: كثر
واشتد من الحر لشدته (بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وَإِّ أَخْشَى أَنْ يَسْتَجِرَّ) مفعول أخشى (الْقَتْلُ
بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ) أي: الحروب التي يجتاحونها عاجلاً كثيرًا لدفع أعداء الإسلام
الكثيرين (فَيَذْهَبَ) على الفور (كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنَّ أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ)
ليحفظ وينضبط فلا يخشى على شيء منه، وإن قتل أكثر القراء فضلاً عن غيرهم
(قُلْتُ) من كلام أبي بكر (لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ الله وآێ؟) فیه رد

٢٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
لقول الحاكم في ((مستدركه)): جمع القرآن ثلاث مرات: أحدها بحضرة النبي ◌َلَّ (١).
ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد: ((كنا عند النبي ◌َّله نؤلف القرآن
في الرقاع.،»(٢). انتهى.
ويجاب بأن هذا جمع غير الجمع الذي نحن فيه، ومن ثم قال البيهقي عقب هذا
الحديث: أشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها
فيها بإشارة النبي
(قَالَ عُمَرُ) جوابًا عن قول الصديق: ((لم يفعله رسول الله وَلَ)) (هَذَا) وإن كان
بدعة لكنه (وَالله خَيْرٌ) لأن فيه نفعًا محققًا عامًّا ودرء مفسدة، وما هو كذلك فعله
واجب (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ) الأمر
الرأي (الَّذِي رَأَى)ـه (عُمَرُ، قَالَ زَيْدُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ) لي بعد أن ذكر هذا الأمر الذي
هو توطئة لأمره لي بالجمع (إِنَّكَ رَجُلٌ) كامل في الرجولية (شَابُّ) وهذا الأمر المتعب
لاحتياجه لقوة البدن وحدة النظر، وقوة الحافظة لا يقوم به إلا الشاب (عَاقِلُ لَا
نَتَّهِمُكَ) في شيء تنقله كيف (وَ) أنت (قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ الله وَّ)
فكما ائتمنك على الوحي نحن نأتمنك عليه لبلوغك الغاية في الحفظ والصدق،
والعدالة والورع والعلم، فأنت أمكن من غيرك في هذا الأمر.
وفي كلام الصديق هذا إشارة إلى أن الإمام إذا خص أحدًا بأمر ديني ينبغي له أن
يذكر السبب الذي حمله على تخصيصه بذلك دون غيره، وإن كان فيه مدح له في
حضرته؛ لأنه لم يقع قصدًا بل تابعًا على أنه إنما يمتنع بحضرة الممدوح إن خشي عليه
منه عجب أو اختيال أو نحوهما.
(فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللهِ لَوْ كَلَّقُوِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ) وكان مما يمكني
(١) أخرجه الحاكم (٢٨٥٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٦٤٧)، والترمذي (٣٩٥٤)، وابن أبي شيبة (٣٢٤٦٦)، وابن حبان (١١٤)،
والحاكم (٢٩٠١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٣١١).

٢٥١
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول
نقله (مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَّ مِمَّا أَمَرَنِي) به أبو بكر، جمع وأفرد؛ لأن عمر له دخل في
التكليف دون الأمر أو لليقين، ووجه ما أفادته عبارته أن هذا أثقل أو مساوٍ؛ لأن ذلك
فيه تعب الجثة، وهذا فيه تعب الروح الذي هو أشد أو مساوٍ (قَالَ) زيد: (قُلْتُ) لأبي
بكر أخذًا من قوله ذلك لعمر، لكن عمر لم يبين السبب بل أتهمه وإن أريد بيان
السبب (كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ الله ◌ِ؟ قَالَ) كما قال عمر: (هُوَ وَالله
خَيْرُ) ولم يبين لي شيئًا اتكالاً على أني لو نظرت لظهر لي ما قالاه.
(فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي) يحتمل أن يريد أنه لم يزل يكرر علي الأمر فقط،
وأن يريد أنه لم يزل يبدي له السبب، فيستشكله زيد فيجيب عنه أبو بكر (حَتَّى
شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَتَبَّعْتُ) على الفور (الْقُرْآنَ)
حال كوني أو كونه (أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ) جمع: عسيب وهو سعف النخل، كذا قاله
شارح.
وقال غيره وهو الحق: العسيب: جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص
ويكتبون في الطرف العريض.
(وَاللَّخَافِ) بكسر اللام وبخاء معجمة وفاء خفيفة آخره، جمع: لخفة، وهي
الحجارة البيض الرقاق، وقال الخطابي: صفائح الحجارة.
وفي رواية: ((والرقاع))(١) أي: جمع رقعة، وقد يكون من جلد أو ورق أو كاغد.
وفي أخرى: ((وقطع الأديم)). وفي أخرى: ((والأكتاف))(٢). وفي أخرى: ((والأضلاع»
وهو جمع: كتف أو ضلع يكون للبعير أو الشاة، كانوا إذا جف كتبوا عليه.
وفي أخرى: ((والأقتاب))(٣) جمع: قتب وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير
(١) أخرجه البخاري (٧١٩١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٩٩٥).
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٠١)، والترمذي (٣١٠٣)، وأحمد (٢١٦٨٣)، والنسائي في ((السنن الكبرى))
(١١٤٠١).
(٣) أخرجه الطبراني (٦٤/٥).

٢٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
ليركب عليه، وإنما كانوا يكتبون في ذلك لعزة الورق عندهم يومئذٍ.
(وَصُدُورِ الرِّجَالِ) لا سيما الذين جمعوه بأن حفظوه كله في زمنه وَّة، وهم أربعة
كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، وزيد هذا، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد.
وفي رواية: ذكر أبي الدرداء منهم.
(حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ
غَيْرَهُ) أي: بالنسبة لحفظها الآن، وأما الذين حفظوا جميعه في حياة رسول الله فأنسوها،
فلما سمعوها تذكروها وأظهروا قرآنيتها، وسيأتي قريبًا عن أبي شامة جواب آخر عن
ذلك ولعله أحسن (﴿لَقَدْ﴾) بدل من «آخر» («جَاءَكُمْ رَسُولُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ حَتَّی
خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ فَكَانَتِ الصُّحُفُ) التي جمعت (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَقَّهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ
حَيَاتَهُ) أي: مدته، وغاير بينهما بقوله: (ثُمَّ) بعد عمر كانت (عِنْدَ حَقْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ)
إلى أن طلبها عثمان (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
وجاء بسند حسن عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: أعظم الناس في
المصاحف أجرًا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله.
ولا يعارض هذا ما في أثر عنه قال: لما مات النبي لم أليت ألا أخذ علي ردائي
إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن، فجمعه؛ لأن هذا ضعيف، وبفرض صحته فمراده
بجمعه حفظه في صدره.
ويؤيده ما جاء أنه بعد بيعة أبي بكر قعد في بيته، فقيل لأبي بكر: قد كره
بيعتك فأرسل إليه، فقال: كرهت بيعتي؟ قال: لا والله، قال: ما أقعدك عني؟ قال: رأيت
کتاب الله یزاد فیه فحدثت نفسي ألا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه، قال له أبو
بكر: فإنك نعم ما رأيت.
وجاء بسند منقطع: أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة،
أقسم «لا أرتدي برداء حتى أجمعه)) فجمعه، ثم استمروا ما يسمونه، فقال بعضهم:
سموه السفر، قال: ذاك اسم تسميه اليهود فكرهوه، فقال: رأيت مثله بالحبشة يسمى

٢٥٣
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول
المصحف، فأجمع رأيهم على أن يسموه المصحف، ولا ينافي هذا ما مر؛ لأنه كان أحد
الجامعين بأمر أبي بكر، وجاء ما يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه
مكتوبًا حتى يشهد به من تلقاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظ ذلك مبالغة في
الاحتياط.
وفي رواية رجالها ثقات لكن في سندها انقطاع: إن أبا بكر قال لعمر ولزيد:
اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من کتاب الله فاکتباه.
قال شيخ الإسلام ابن حجر: وكان المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب.
وقال السخاوي المقري المراد: إنهما يشهدان بأن ذلك المكتوب كتب بين يدي
رسول الله وَل﴾، أو بأن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن.
قال أبو شامة: وكان غرضهم ألا يكتب شيء إلا إن كان من عين ما كتب
بين يدي رسول الله وَله لا من مجرد الحفظ؛ ولذلك قال في آخر سورة ((التوبة»: لم
أجدها مع غيره؛ أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون
الكتابة.
قال الحافظ السيوطي: أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي
وَي عام وفاته كما يؤخذ مما تقدم.
قال الحارث المحاسبي في ((إعلام السنن)): كتابة القرآن ليست بمحرمة، فإنه
وَ ل﴿ كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقًا فجمعه الصديق، فكان بمنزلة أوراق وجدت
في بيت رسول الله وَله فيها القرآن منتشرًا، فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع
منها شيء، وإنما وقعت الثقة بذوي الرقاع ونحوها، وصدور الرجال؛ لأنهم كانوا يبدون
عن تأليف معجز ونظم معروف قد شاهدوا تلاوته من النبي ◌َّ عشرين سنة، فكان
تزوير ما ليس منه مأمونًا، وإنما كان الخوف من ذهاب شيء منه. انتهى ملخصًا.
وفي ((موطأ ابن وهب)) عن مالك بسنده إلى عبد الله بن عمر: جمع أبو بكر
القرآن في قراطيس.

٢٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وفي رواية عن زيد: أمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأديم والعسب، فلما هلك
أبو بكر وكان عمر كتبت ذلك في صحيفة واحدة فكانت عنده.
قال الحافظ ابن حجر: والأول أصح إنما كان في الأديم والعسب أولاً قبل أن
يجمع في عهد أبي بكر، ثم جمع في الصحف في عهد أبي بكر كما دلت عليه الآثار
الصحيحة المترادفة.
٢٢٢١ - [وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ
يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَةَ وَأَذْرَ بِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةً
اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ
يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْتَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَقْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي
إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ،
فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
الْخَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا
اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ
بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ في الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى
حَقْصَةَ، وَأَرْسَلّ إِلَى كُلِّ أَفُقِ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ
صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ. قَال ابن شِهَابٍ: أَخْبَرَبِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ
سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْتِ الْمُصْحَفَ، قد كُنْتُ
أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقْرَأْ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِي
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّه عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي
سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَفَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴿ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ) حذيفة
(يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْح أرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةً
(١) أخرجه البخاري (٤٩٨٧ - ٤٩٨٨).

٢٥٥
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول
اخْتِلَافُهُمْ) أي: الناس أو أهل العراق الذين كان يغازي معهم (في الْقِرَاءَةِ) أي: قراءة
القرآن (فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي
الْكِتَابِ) أي: القرآن (اخْتِلَافَ) أي: مثل اختلاف (الْيَّهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ
إِلَى حَقْصَةَ) لما سبق أن عمر وضع الصحف التي جمعوا القرآن فيها عندها لعدم
حقيقة متعين في حياته (أَنْ أَرْسِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا
إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) الأنصاري (وَعَبْدَ الله بْنَ
الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) القرشيين (فَنَسَخُوهَا فِي
الْمَصَاحِفِ).
(وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي
شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ) لا يشكل عليه ما مر أنه نزل على سبعة
أحرف، وأن فيها قولاً أنها سبع لغات هي أفصح لغات العرب؛ لأن المراد أن المكتوب
هو لغة قريش وإن جازت القراءة بغير لغتهم، وسيأتي عن ابن التين ما يستفاد منه
جواب.
(فَإِنَّمَا نَزَلَ) أولاً (بِلِسَانِهِمْ) أي: لغتهم فهي الأصل، ثم رخص للناس وخفف
في أن يقرأوا ببقية اللغات (فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ في الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ
الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلٌ إِلَى كُلّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا فَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ) أي: الذي
جمعه (مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ) بالحاء المهملة، وقيل:
بالمعجمة؛ أي: تحرق حتى لا يبقى منها شيء، والمشهور الأول.
ومن ثم استدل به أئمتنا على جواز حرق ورق المصحف البالي إذا لم يبقَ فيه
نفع؛ لئلا يمتهن بالدوس وغيره، لكنهم اختلفوا أيما الأولى هو أو الغسل، فقيل: هو؛
لأنه يدفع سائر سور الامتهان بخلاف الغسل تداس غسالته.
وقيل: الغسل ونصب الغسالة في محل طاهر نظيف؛ لأن الحرق فيه نوع إهانة،
وفعل عثمان يرجح الأول وحرقه بقصد صيانته الكلية لا امتهان فيه بوجه، وما وقع

٢٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
لأئمتنا في موضع من حرمة الحرق يحمل على إذا كان فيه إضاعة مال بأن كان المكتوب
فيه له قيمة يذهبها الحرق.
(قَال ابن شِهَابٍ: أَخْبَرَفِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ:
فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ فَسَخْت الْمُصْحَفَ، قد كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ الله ◌ِهِ يَقْرَأُ
بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتِ الأَنْصَارِي) الذي جعل رسول الله وَّه
شهادته بشاهدين، ومن ثم قبله زيد مع أنه كان لا يقبل واحدًا؛ ولهذا لما جاءه عمر
بآية ((الرجم)» لم يكتبها؛ لأنه كان وحده وهي (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾) إلى آخرها (فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
قال البغوي: في الحديث البيان الواضح أن الصحابة # جمعوا بين الدفتين القرآن الذي
أنزل الله تعالى على رسوله # من غير أن زادوا فيه أو نقصوا منه شيئًا باتفاق من
جميعهم خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته، وكتبوه كما سمعوه من رسول الله ( صل﴾ من
غير أن قدموا شيئًا، وأخروا أو صنعوا له ترتيبًا لم يأخذوه عن رسول الله وَله، وكان ◌َله
يلقن أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في
مصاحفنا بتوقیف جبریل - صلوات الله علیه - إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل
آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
٢٢٢٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ
على أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنَ الْمُبِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا
وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الظُّوَلِ، مَا
حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َِّ رُبَمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ، وَهُوَ تَنْزِلُ
عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ،
فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلَاءِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ
الآيَةُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ
أَوَائِلِ مَا نَزَل بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولاً، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً

٢٥٧
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول
بِقِصَّتِهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا،
وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَظْرَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الُّوَلِ (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ على أَنْ
عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ) السبعِ (الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةً وَهِيَ مِنَ الْمُبِينَ) إذ هي مائة
وثلاثون آية (فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا) أي: ((الأنفال)) و((براءة)) (وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَوَضَعْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الّوَلِ) وهي ((البقرة)) و((براءة)) وما
بينهما كذا قاله جماعة، لكن روى النَّسَائِيّ والحاكم عن ابن عباس: إنها ((البقرة))
و «الأعراف» وما بينهما.
قال الراوي: وذكر السابعة فنسيتها.
وصح عن ابن جبير أنها ((يونس)) وجاء مثله عن ابن عباس، وفي رواية عند
الحاكم: إنها ((الكهف)).
والمئون: ما وليها سميت بذلك؛ لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها،
والمثاني ما ولي المئين؛ لأنها ثنتها؛ أي: كانت بعدها فهي لها ثوانٍ، والمئون لها أوائل.
وقال القراء: هي التي آياتها أقل من مائة؛ لأنها تثني أكثر مما يثني الطوال
والمئون.
وقيل: لتثنية الأمثال فيها بالعبر واخبر.
وقال بعض القراء: هي السور التي بينت فيها القصص، وقد تطلق على القرآن
كله وعلى ((الفاتحة)) كما تقدم، والمفصل ما ولي المثاني كما مرَّ.
(مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ) مع أن ((الأنفال)) ليست من المبين؛ لأنها سبع وسبعون
آية وليست من غيرها لعدم الفصل بينها وبين ((براءة» (قَالَ عُثْمَانُ) في الجواب عن
(١) أخرجه أحمد (٤٩٩)، وأبو داود (٧٨٦)، والترمذي (٣٠٨٦)، والنسائي (٨٠٠٧)، وابن حبان
(٤٣)، والحاكم (٢٨٧٥)، والبيهقي (٢٢٠٥)، وابن أبي شيبة (٣٥٩٥٣).

٢٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
ذلك ما حاصله أنهم نزلوا ((الأنفال)) و((براءة)) منزلة سورة واحدة في تكملة السبع
الطوال بهما؛ لأن قصة هذه تشبه قصة ذلك، ولكنه طول في الجواب لإفادته أحكامًا
أخر لو لم يكن منها إلا أن وضع الآيات لمحلها توقيفي كما يأتي حيث قال: (كَانَ
رَسُولُ اللهِ﴿ رُبَمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ) الزمان الطويل ولا يتنزل عليه شيء، وربما يأتي عليه
(الزَّمَانُ وَهُوَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ) أي: فيقرب بينهما كما يعلم مما يأتي.
(فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ) له الوحي كزيد بن
ثابت ومعاوية بن أبي سفيان (فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلَاءِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا
كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا
كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ
تُؤُولاً، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا) أي: ((براءة)) (شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا) إذ ((الأنفال)) بينت ما وقع له وَُّ
مع مشركي مكة و((براءة)) بينت ما وقع له مع منافقي أهل المدينة، وفي رواية بعد ذلك:
((فظننت أنها منها)) وكان هذا مستند من قال: إنهما سورة واحدة، ومرَّ ما أخرجه أبو
الشیخ عن روق، ونقل عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم عن سفيان.
وعن ابن لهيعة قال: تقولون: إن ((براءة)) من ((الأنفال)) ولذا لم تكتب البسملة
بينهما مع اشتباه طرفيهما، ورد بتسمية النبي ولي لكل منهما باسم مستقل.
قال القشيري: الصحيح أن التسمية لم تكن فيها؛ لأن جبريل التكيف لم ينزل بها
فیھا.
وفي ((المستدرك)) عن ابن عباس: لِمَ لم تكتب البسملة في ((براءة؟ قال: لأنها
أمان ((وبراءة) نزلت بالسيف.
وعن مالك: إن أولها لما سقط سقطت معه البسملة فقد ثبت أنها كانت تعدل
((البقرة)) لطولها.
وقيل: إنها ثابتة أولها في مصحف ابن مسعود ولا معول على ذلك.
(فَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أي: إن قصتها

٢٥٩
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول
تشبه قصتها (قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَوَضَعْتُهَا
فِي السَّبْعِ الطّوَلِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد) والنَّسَائِيّ وابن حبان والحاكم.
فوائد تتعلق بما سبق:
منها: كان جمع عثمان في سنة خمس وعشرين، وغلط من ذكر بلا مستند أنه
سنة ثلاثین.
ومنها: صح عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا
فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا.
قال: أي: عثمان فيما يقولون في هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن
قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع
الناس على مصحف واحد فلا يكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت.
ومنها: قال ابن التين: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر
كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء لذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع
واحد فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ◌َّ، وجمع
عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءات حين قرؤوه بلغاتهم على اتساع
اللغات، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ
تلك الصحف في مصحف واحد مرتبًا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش
محتجًا بأنه نزل بلغتهم وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعًا للحرج والمشقة في
ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة.
وقال الباقلاني: لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في نفس القراءة، وإنما قصد
جمعهم على القراءات العامة المعروفة عن النبي ◌ّ﴾ وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم
بمصحف لا تقدیم فيه ولا تأخير إلى آخر ما ذكره.
وقال المحاسبي: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك إنما
حمل عثمان الناس على القراءة بوجهٍ واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من

٢٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف
القراءات، فأما قبل ذلك فكانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقة على الحروف
السبعة التي أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الحملة فهو الصديق.
وقد قال علي: لو وليت لعملت بالمصاحف الذي عمل عثمان ﴾. انتهى.
ومنها: اختلف في عدد المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق، والمشهور
أنها خمسة، وفي رواية أربعة، وفي أخرى سبعة إلى مكة واليمن والبحرين والبصرة
والكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا.
ومنها: نقل الأئمة إجماع المسلمين على أن ترتيب الآيات كلها على ما هي عليه
الآن كلها توقيفي، ومستند الإجماع أحاديث كثيرة صحيحة صريحة في ذلك، وترتيب
السور على ما هي عليه الآن توقيفي أيضًا، لكن الأصح عندنا، قال البيهقي: كان
القرآن على عهده وير سوره وآياته مرتبة على هذا الترتيب إلا ((الأنفال)) و((براءة))
لحديث عثمان السابق.
وقال ابن الخباز: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي، وكان
يقول فتقرأ آية كذا في سورة كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا
وَسِيـ
الترتيب من تلاوة رسول الله وَل﴾، وبما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف.
وقال البغوي في ((شرح السنة)): الصحابة - رضوان الله عليهم - جمعوا بين
الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئًا خوف
ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول الله ولو، من غير أن قدموا
شيئًا أو أخروا؛ ولهذا قال ابن النحاس: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من
رسول الله قال﴾ لحديث وائلة ... إلخ.
وقال أبو بكر بن الأنباري: اتساق السور كاتساق الآيات والحروف كل ذلك
عنه قل﴿﴿ فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن.
وقال الكرماني في ((البرهان)): ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح

٢٦١
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول
المحفوظ، وعلیه کان گآل﴾ یعرض على جبریل کل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه
عليه في السنة التي توفي فيها مرتين، وكان آخر الآيات نزولاً: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ
فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: ٢٨١] فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الزنا والدين؛ ولكون
ترتيب الآيات مجمعًا على أنه توقيفي حرمت مخالفته بأن يقرأ بعكس ترتيبها وترتيب
السور مختلفًا فيه كرهت مخالفته والعذر كتعليم.
وأما قراءته مَ لي ((النساء)) قبل ((آل عمران)) فهو لبيان الجواز، كذا ذكره أئمتنا،
ومقابل الأصح المذكور وهو أن ترتيب السور على ما هي عليه الآن إنما هو باجتهاد
الصحابة نقل عن جمهور العلماء؛ أي: بعد أن كانت مصاحفهم مختلفة في ذلك، فمنهم
من رتبها على النزول وهو مصحف علي أوله: ((إِقْرَأْ ثُمَّ الْمُدَّثِّرِ ثُمَّن وَالْقَلَمْ ثُمَّ الْمُؤَمِّل
ثُمَّ تَبَّتْ ثُمَّ التَّكْوِير)) وهكذا إلى آخر المكي والمدني.
قال الزركشي: والخلاف بين الفريقين لفظي؛ لأن القائل بأنه اجتهاد يقول: إنه
وَل رمز إليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته؛ ولهذا قال مالك: إنما ألفوا
القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي ولم مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم،
قال: الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي أو لمجرد استناد فعلي بحيث يقرلهم فيه مجال
للنظر. انتهى، وسبقه لذلك غيره.
قيل: مما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت ولاء وكذا الطواسين، ولم
يرتب المسبحات ولاء بل فصل بين سورها، وأيضًا فصل بين ((طسم الشعراء)) و(طسم
القصص)) و(طس النمل)) مع أنها أقصر منهما ومغاير افتتاحها لافتتاحهما.

(كتاب الدعوات )
(الفصل الأول)
٢٢٢٣ - [َعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ
كُلُّ نَبِيِّ دَعْوَتَهُ، وَإِّ اخْتَبَأَتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ نَائِلَةُ إِنْ شَاءَ اللهُ
تَعَالى مَنْ مَاتَ مِنْ أَمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللّه شَيْئًا(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالبُخَارِيُّ أَقْصَرُ مِنْهُ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ◌َ: لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ) الذي يظهر لي
في معناه أن لكل نبي دعوة متيقنة الإجابة بخلاف بقية دعواته، فإنها ليست كذلك
لكنه على طمع الإجابة، ثم تارة يتعجل له الإجابة وهو الأكثر، وتارة لا لحكمة
يعلمها الله تعالى، ومن ثم قال ◌َله: «سألت الله ثلاثًا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة،
وهي ألا تذيق بعض أمته بأس بعض))(٢).
وفي الحديث: ((لكل نبي دعوة مستجابة))(٣) على مخالفيه من أمته.
(فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيِّ دَعْوَتَهُ) إما لنفسه على الأول، وإما على من لم يؤمن به من أمته
على الثاني، فأهلكهم الله بسبب دعوته كما وقع لنوح وكثيرين من الأنبياء الذين بعده
(وَ) أما أنا فلم أجعل تلك الدعوة لنفسي ولا على جميع المخالفين لي من أمتي؛ لأني
بعثت رحمة عامة قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ودعائي
على من زاد عتوهم منهم إنما هو لينزجروا، ومع ذلك قيل لي: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ
شَيْءُ .. ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وإنما جعلها لمن آمن بي حيث هم محتاجون إليها في ذلك
الوقت وهو القيامة أشد ما يكونون إليها حينئذٍ.
(١) أخرجه البخاري (٦٣٠٤)، ومسلم (١٩٨)، والترمذي (٣٦٠٢)، وابن ماجه (٤٣٠٧).
(٢) أخرجه بنحوه أحمد (٢١٠٩١)، والترمذي (٢١٧٥) وقال: حسن غريب صحيح، والنسائي
(١٦٣٨)، وابن حبان (٧٢٣٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٠/١).
(٣) أخرجه مسلم (١٩٨)، والترمذي (٣٦٠٢) وابن ماجه (٤٣٠٧).
- ٢٦٢ -