النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢٣ كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة قال النووي بعد ذكره ذلك في ((الروضة)) و(التبيان)) عن الماوردي: وأقره والنص على كراهته مراده بها الحرمة، وعليها يحمل تارة، وعدمها أخرى، ومحمول على هذا التفصيل؛ أي: كما حملوا عليه الأخبار المقتضية لطلب الألحان والأصوات الحسنة فيه، والأخبار المقتضية لحرمته، وفي جهال القراء ما قد ينافي بعض ما قررناه فلا يغتر به، بل ذكر بعض ما حكمنا بأنه سنة في المبتدعات، وهو غير صحيح إلا أن يريد أنه من المبتدعات الحسنة، وكذا لا يغتر بإطلاق شارح، أما ما أحدثه المتكلمون بمعرفة الأوزان والموسيقى فيأخذون في كلام الله مأخذهم في النشيد والغزل، فإنه من أشبه البدع وأشبه الأحداث، فيوجب على السامع التكبير وعلى التالي التعزير. ٢٢٠٨ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا (١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]. (وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَ﴿هَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: حَسِّئُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ) بأن تحسنوها ما استطعتم ثم تقرأونه بها مع ترتيله والجهر به ورعاية ما ينبغي لحروفه وجلالته (فَإِنَّ) تعليل لما ذكرته المنطوي في الحديث (الصَّوْتَ الْحَسَنَ) مع رعاية ما ذكر معه (يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا) كاملاً إلى حسنه الكامل، وبهذا التعليل يمتنع احتمال القلب هنا خلافه في نظيره السابق، على أن دعواه في ذلك مردود كما قدمته (رَوَاهُ الدَّارِمُّ). ٢٢٠٩ - [وَعَنْ طَاووُسِ مُرْسَلاً قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَِّ: أَيُّ النَّاسِ أَحْسَنُ صَوْتًا لِلْقُرْآنِ وَأَحْسَنُ قِرَاءَةً؟ قَالَ: مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأْ رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللهِ، قَالَ طَاوُسُّ: وَكَانَ طَلْقُ كَذَلِكَ(٩). رَوَاهُ الدَّارِمُّ]. (وَعَنْ طَاووُسِ مُرْسَلاً قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَحْسَنُ صَوْتًا لِلْقُرْآنِ) الظاهر أن اللام للتبيين (وَأَحْسَنُ قِرَاءَةً؟ قَالَ: مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ رَأَيْتَ) أي: خيل إليك حتى غلب على ظنك (أَنَّهُ يَخْشَى الله) لما ظهر عليه من أمارات الخشية كتغير لونه وانخناق صوته وكثرة بكائه، مع علمك منه أنه يعلم زواجر القرآن (١) أخرجه الدارمي (٣٥٠١)، والحاكم (٢١٢٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢١٤١)، وابن حبان في (الثقات)) (٤٨/٩). (٢) أخرجه الدارمي (٣٥٥٣). ٢٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع وقوارعه، ومواعيده ووعيده، فحينئذٍ تجديد صوته في هذه الحالة إلى الخشية، ويحملك على مزيد تدبر وتفكر لم يكن عندك قبل، ويوجب لك مزيد أسئلة؛ إذ بالقرآن ينسيك عن كثير من عاداتك ورعوناتك، وهذا من أسلوب الحكيم؛ إذ قضية الجواب من تزيين القرآن بصوته؛ لكن هذا قد يوهم أن مجرد حسن الصوت كافٍ، وليس الأمر كذلك بل لا بد معه من تلك الخشية، وأماراتها السارية في القارئ والسامع حتى تظهر عليهما وتكسبهما من الكمال ما لم يكن عندهما قبل ذلك. (قَالَ طَاوُسُ: وَكَانَ طَلْقُّ كَذَلِكَ) أي: إذا قرأ ظن أنه يخشى الله ويتقيه لما يظهر عليه من الأمارات القاطعة بذلك (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ). ٢٢١٠ - [وَعَنْ عِيدَة المَلِيكيّ وَكَانَ لَهُ صُحْبَةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ لَا تَتوسَّدُوا القُرْآنَ، وَاتْلُوهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ مِنْ آنَاءِ اللَيلِ وَالنَّهَارِ، وَأَفْشُوهُ وَتَغَنَّوهُ وَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَلَا تَعْجِلُوا تَوَابَهُ فَإِنَّ لَهُ تَوَابًا عَظِيمًا(١). رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))]. (وَعَنْ عبِيدَة) بفتح أوله (الملِيكيّ وَكَانَ لَهُ صُحْبَة) بالنبي ◌َّهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ُ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ) الذين تجب عليهم المبالغة في أداء حقوقه أكثر من غيرهم لاختلاطه بلحمهم ودمهم (لَا تَتوسَّدُوا القُرْآنَ) ومنه أخذ أئمتنا قولهم: يحرم توسد مصحف وما كتب فيه شيء من القرآن، وإن خاف نحو سرقته، بخلاف ما لو خاف عليه نحو تنجس أو كافر أو تلف فلا يحرم، بل يجب إذا تعين طريقًا في حفظه صونًا له عن ذلك، والظاهر أن كل ما فيه اسم معظم كذلك. ويؤيده قولهم: يحرم توسد كتاب كل علم محترم ما لم يخش نحو سرقته، وعجبت من الشارح فإنه لعدم استحضاره لكلام الأئمة الذي ذكرته تردد في المراد بـ((لا تتوسدوا)) ترددًا ليس في محله، وأنه لم يعول فيه على شيء من كلام الأئمة، وإنما تكلم فيه لمجرد فهمه وليس ذلك بحسن. (١) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٢٠٠٧)، وابن عساكر (٣٨٦/١٣). ٢٢٥ كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة قال الزركشي: ويحرم مد الرجل إلى شيء من القرآن أو كتب العلم، وأيضًا کتابته بقلم غیر العربي. قال البيهقي كالحليمي: والأولى ألا يجعل فوقه غير مثله من نحو كتاب أو ثوب، وألحق به الحليمي ((جوامع السنن)) وبحث ابن العماد أنه يحرم عليه أن يضع عليه نعلاً جديدًا أو يجعله فيه؛ لأن فيه نوع امتهان وقلة احترام، والأولى أيضًا ألا يستدبره ولا يتخطاه، ولا يرميه من غير ضرورة من يده إلى الأرض بلا وضع، وورد النهي عن تصغير لفظه كالمسجد فينبغي اجتنابه. قال الزركشي: ويسن تطييبه وجعله على كرسي وتقبيله. وسئل السبكي عن الدليل على تقبيله فقال: القياس على الحجر الأسود، ويد العالم والصالح والوالد، ومعلوم أنه أفضل منهم. انتهى. وقد تنازع في قوله: ومعلوم أنه أفضل منهم ما في الحديث الصحيح من قوله قوله: (للكعبة وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك))(١) إلا أن يجاب بأن أعظمية حرميته من حيث قتله وإيذائه، لا ينافي أفضلية المصحف والكعبة عليه من حيث تعظيمها الظاهر. فإن قلت: تلويثهما بالقذر كفر بخلاف تلويث المسلم، فتأيد به ما قاله السبكي. قلت: لا يتأيد به مع منافاته للحديث المذكور: ((وللمؤمن أعظم حرمة .. إلخ)» ومع إمكان الجواب عنه بأن الكفر ليس لذاتهما، بل لأن ذلك فيهما يتضمن الاستهزاء بالدين، ولا كذلك إيذاء المسلم بل ولا قتله. قال الدميري: ومقتضى مذهبنا كراهة أخذ الفأل منه، وإن قال جمع من المالكية بتحريمه وأباحه ابن بطة من الحنابلة. (وَاتْلُوهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ) بأن يعطي حروفه وألفاظه جميع ما تستحقه مما هو مبين في علم التجويد. ومن ثم قال ابن الجزري: (١) أخرجه الترمذي (٢١٦٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٤٣١)، والطبراني في «الأوسط)) (٧٠٦). ٢٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع مَنْ لَمْ يُجَوِّدِ الْقُرَآنَ آئِمُ وَالأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْمْ لَازِمُ وَهَكَذَا مِنْهُ إِلَيْنَا وَصَلَا لأَنَّهُ بِهِ الإِلَهُ أَنْزَلَا مِنْ صِفَةٍ لَهَا وَمُستَحَقَّهَا وَهُوَ إِعِظْاءُ الْحُرُوفِ حَقَّهَا واعلم أن مشايخنا اختلفوا في قوله: ((حتم لازم .. إلخ)) فقال بعضهم: صناعة، وقال بعضهم: شرعًا، والحق عندي خلاف هذين الإطلاقين، وهو أن كل ما اجتمع القراء على اعتباره من مخرج ومد وغيرهما وجب تعلمه وحرمت مخالفته، وكل ما اختلفوا في عبارته لا يجب تعلمه ولا تحرم مخالفته أخذًا من قول النووي في ((شرح المهذب)) عن الشيخ أبي محمد الجويني، وأقره لو قرأ ((نستعين)) بوقفة لطيفة بين السين والتاء حرم عليه؛ لأن ذلك ليس بوقف ولا منتهى آية عند أحد من القراء. انتهى. فقوله: ((عند أحد من القراء» صريح فيما ذكرته فتنبه له، وبأن يقرأه وهو على أكمل الأحوال ولا يقرأه في ضدها، ومن ثم قال أئمتنا: يسن الجلوس للتلاوة بتخشع وسكينة ووقار، وتنظف وتطيب وتسوك وتطهير، واستقبال للقبلة مفترشًا وإلا فمتورگًا، وإلا فمتربعًا بأن خالف ذلك كأن كان نائمًا أو مضجعًا كان ثوابه دون ثواب الأول، وبالمسجد وهو الأولى أو محل نظيف عن كلب أو خبث أو صورة أو تماثيل، أو جرس ولو في جانب منه وإن اتسع. قال السبكي: ولا نستطيع إطلاق الكراهة في ذلك؛ لأن هذه الأشياء تكثر فيفوت بترك القرآن معها خير كثير، بخلاف نحو قضاء الحاجة، فإنها أحوال قليلة، ويكره [مكان] متنجس [ ............ ](9) وللناعس خوف الغلط، وفي بيت الرحى وهي تدور، إلا بحمام نظيف خال عن كشف العورة ونحوه على المعتمد، [وإن توزع فيه](9) ومع خروج صوت حدث أو تثاؤب، وقطعها بكلام والتحدث بحضورها لغير مصلحة. (مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي: اتلوه تلاوة كثيرة مستوفية لحقوقها في ساعات الليل (١) غير واضح بالأصل، وفيه: (وفي طريق أن النهي عنها). (٢) هكذا بالأصل. ٢٢٧ كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة والنهار، أو اتلوه حق تلاوته حال كونها في ساعات هذا أو هذا، وفي (تبيان)) النووي بعد حكاية اختلاف عادات السلف في قدر ما يختمون فيه، وإن أكثر ما بلغه في ذلك أن بعضهم كان يختمه أربع مرات ليلاً وأربعًا نهارًا، والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له تدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرأوه، وكذلك من كان مشغولاً بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة، وصح خبر: ((لا يفقه من يقرأ القرآن في أقل من ثلاث))(١). انتهى. وجاء عن الشافعي # أنه كان مع استغراقه لأزمنته بالعلم، ومن ثم صنف مذهبه الجديد في أربع سنين، يختم في رمضان ستين ختمة، ختمة بالليل وختمة بالنهار. (وَأَفْشُوهُ) أي: سمعوا الناس قراءته ورغبوهم فيها ما استطعتم، وعلموهم تفسيره وأحكامه وآدابه وفضائله التي تبعثهم على اشتغال به، وأكثروا من كتابة مصاحفه لتنتشر في البلدان الشاسعة والأقاليم النائية. (وَتَغَنَّهُ) أي: استغنوا به عن غيره فإنه الغناء الأكبر، أو اجهروا بأصواتكم الحسنة به كما مر مبسوطًا في أحاديث متعددة. (وَتَدَبَّرُوا) جميع (مَا فِيهِ) فإن من تدبره حق تدبره ظهر له من العلوم والمعارف والآداب والحكم، واللطائف ما لا تحصى كثرته ولا تتناهى محاسنه وفضيلته (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: افعلوا ذلك كله لتكونوا على رجاء البلاغ وهو الظفر بالمطلوب (وَلَّا تَعْجِلُوا) أي: تستعجلوا (تَوَابَهُ) بأن تقرؤوه لتنالوا به الحظوظ الدنيوية والأغراض الفانية (فَإِنَّ لَهُ ثَوَابًا عَظِيمًا) عند الله في الآخرة لا منتهى لدوامه، ولا يحيط بكنهه إلا المتفضل به (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))). (١) أخرجه أبو داود (١٣٩٤)، والترمذي (٢٩٤٩) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (١٣٤٧)، وابن حبان (٧٥٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢١٦٨)، والطيالسي (٢٢٧٥)، والدارمي (١٤٩٣). (باب) في توابع أخرى أبعد من الأول (الفصل الأول) ٢٢١١ - [عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ﴾، قال: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللّه ◌َ [أَقْرَأَنِيهَا](١) فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَتَبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله وََّ: أَرْسِلْهُ اقْرَأْ، فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ لِيِ: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ(٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِسْلِم]. (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾، قال: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَفْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ الله ◌ِ أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ) أي: أقطع عليه قراءته لشدة حنقي عليه وسبق بوادر غضبي إليه؛ لتغيير القرآن عما أنزل عليه في ظني (ثُمَّ) تأنيت به رجاء أن يكون له عذر ولكن (لَتَّبْتُهُ) بالتشديد (بِردَائِهِ) أي: جعلته في عنقه وجررته به (فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِّ سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرٍ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﴿: أَرْسِلْهُ) يا عمر (اقْرَأ) يا هشام (فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ) أي: السورة (الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْراً) وها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ) وإنما (١) سقطت من الأصل. (٢) أخرجه مالك (٤٧٧)، والبخاري (٢٤١٩)، ومسلم (١٩٣٦)، وأبو داود (١٤٧٧)، والنسائي (٩٤٥)، والبيهقي في «سننه» (٢٩٥٩). - ٢٢٨ ٠ ٢٢٩ كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول أقر ◌ّ عمر على ما فعله بهشام؛ لأن عمر لم يفعل به ذلك لحظ نفسه، بل لما كانوا عليه من الاعتناء بالقرآن والذَّبِّ عنه والمحافظة على لفظه كما سمعوه من غير عدول إلى ما تجوزه العربية، وأيضا عمر كان بالنسبة لهشام كالمعلم بالنسبة للمتعلم، ومن المقرر أن للمعلم أن يشدد على المتعلم إذا ظن أنه صدر منه نوع تهاون فيما يعلمه، وعمره بقرينة أنه قال أقرأه خلاف ما سمعه منه ولم يكن علم جواز غير ما سمع. (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ) أي: عليها كما في نسخ (فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ، مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِسْلِم) وهو؛ أعني: حديث: ((نزل القرآن على سبعة أحرف))(١) ادعى أبو عبيد تواتره؛ لأنه ورد من رواية إحدى وعشرين صحابيًّا، واختلف في معناه على أحد وأربعين قولاً: منها: إنه مما لا يُدرى معناه؛ لأن الحرف يصدق لغة على حرف الهجاء وعلى الكلمة، وعلى المعنى وعلى الجهة. ومنها: إنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد؛ لأنها تطلق على إرادة الكثرة في الآحاد كالسبعين في العشرات، والسبعمائة في المئات، ورد وإن اختير بحديث الصحيحين: ((أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف))(٩). وفي رواية لمسلم: ((فرددت إليه أن هوِّن على أمتي فأرسل إلي أن أقرأه على حرفين فرددت أن هون على أمتي فأرسل إلي أن أقرأه على سبعة أحرف))(٣). وفي (شرح مسلم)) للنووي قال العلماء: سبب إنزاله على سبعة أحرف التخفيف (١) أخرجه أحمد (٢١١٢٩)، والترمذي (٢٩٤٤) وقال: حسن صحيح، والطبراني في ((الأوسط)) (٥٢٥٠)، وابن حبان (٧٤٢). (٢) أخرجه البخاري (٤٩٩١)، ومسلم (١٩٣٩)، وأحمد (٢٧٦٩)، والبيهقي في «سننه» (٤١٦٠). (٣) أخرجه مسلم (٨٢٠)، وأبو داود (١٤٧٨)، وأحمد (٢١٢٠٩)، والنسائي (٩٣٩)، وابن حبان (٧٤٠)، والبيهقي (٣٨٠٠)، وابن أبي شيبة (٣١٧٤٣). ٢٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع والتسهيل؛ ولهذا قال ◌َله: ((هون على أمتي)) فاقرؤوا ما تيسر منه. ومنها: المراد سبع قراءات، ورد بأنه لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا القليل، مثل ﴿عَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] و﴿لَا تَقُل لَّهُمَا أَفَّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وأجيب بأن المراد أن كل كلمة تقرأ بوجه أو وجهين أو ثلاثة إلى سبعة، واستشكل بأن في الكلمات ما قُرئ على أكثر من سبعة، وفي كلام العجلي في ((تفسيره» ما يرده وهو إن قيل في الحديث: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف))(١) فكيف وجه الزيادة على السبع؟ فالجواب أن الأئمة قالوا في معنى الخبر: لأن الاختلاف في القراءة، وإن كثرت وتعددت بجمعه سبعة أوجه، لا أنه لا تزيد قراءة القرآن على سبع. انتهى. وهو يوافق ما يأتي أن الشاذ ما وراء السبعة، فليس في القرآن ما قرئ على أكثر من سبعة تواترًا إلا على قول يأتي على أن خاتمة القراء ابن الجزري قال: تتبعت صحيح القراءة وشاذها، فإذا هي يرجع اختلافها لحقيقة العدد إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها. وذلك إما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة نحو ((النحل)) بأربعة، ويحسب بوجهين أو متغير في المعنى فقط نحو: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]. وإما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة نحو: ((نتلو)) أو (يتلو)) وعكس ذلك نحو: (الصراط)) و((السراط)) أو بتغيرهما نحو: ((فامضوا)) ((فاتبعوا)). وإما في التقديم والتأخير نحو: ((فيقتلون)) و(يقتلون). أو في الزيادة والنقص نحو: ((أوصى)) و(وصى)) قال: فهذه سبعة لا يخرج الاختلاف عنها. قال: وأما نحو اختلاف الإظهار والإدغام، والروم والإشمام، والتخفيف والتسهيل من النقل والإبدال، فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع في اللفظ - (١) تقدم تخريجه. ٢٣١ كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول والمعنى؛ لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا. انتهى. ويرد بأنا وإن سلمنا إيجاد اللفظ لكن جهاته مختلفة، وقد مر أن الحرف يطلق على الجهة، ومن ثم لم ينظر النووي لما ذكره بل لما ذكرته، فإن قال في ((شرح مسلم): أصح الأقوال وأقربها إلى معنى الحديث قول من قال: هي كيفية النطق بكلماتها من إدغام وإظهار وتفخيم وترقيق، وإمالة ومد وقصر وهمز وتليين؛ لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه، فيسر الله تعالى عليهم ليقرأ كل ما يوافق لغته ويسهل على لسانه. انتهى. وذكر غيره في هذا القول زيادة فقال: القول السابع المراد بها كيفية النطق بالتلاوة من إدغام وإظهار، وتفخيم وترقيق، وإمالة وإشباع، ومد وقصر، وتشديد وتخفيف، وتليين وتحقيق. وقال أبو الفضل الرازي: الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف: الأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع أو تذكير وتأنيث. الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر. الثالث: وجوه الإعراب. الرابع: النقص والزيادة. الخامس: التقديم والتأخير. السادس: الإبدال. السابع: اختلاف اللغات كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم والإدغام والإظهار. وبما قاله ابن الجزري أولاً قد يؤول به قول من قال: إن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبعة، بأن يقال المراد أنه نزل على وجه لا يخرج عن تلك السبعة، وإنما أولته بذلك؛ لأن العلماء اعترضوا على ظاهر هذا القول، فقال بعضهم: حكى كثير من العوام أن المراد القراءات السبعة وهو جهل قبيح. ٢٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع وقال أبو شامة: حكي أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. قال أبو العباس بن عمار: لقد نقل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإبهامه كل من قلَّ نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة، ووقع له - أي: مسبع السبعة - في اقتصاره على كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راو ثالث غيرهما أبطلها، وقد تكون هي أشهر وأصح وأظهر، وربما بالغ من لا يفهم فخطأ أو كفر. وقال جماعة: ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا تجوز قراءة غيرها لقراءة أبي جعفر وشيبة والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم. وقال مكي: من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطًا عظيمًا. قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم، ووافق خط المصحف ألا يكون قرآنًا وهذا غلط عظيم. انتهى. والحاصل أن هؤلاء بنوا اعتراضهم على أن القراءات العشر متواترة يجوز القراءة بها، وهو ما اختاره جماعة من متأخري أئمتنا وغيرهم، لكن المعتمد في نقل مذهبنا ما رجحه شيخاه ومحرراه الرافعي والنووي من أئمتنا أن المتواتر هو القراءات السبع، وأن ما زاد عليها لا تجوز القراءة به، وحينئذٍ يصح أن يراد بالسبعة في الحديث: القراءات السبع، فتنبه لذلك. ومنها: إن المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة نحو: ((أقبل وتعال وعجل وهلم وأسرع)) فيجوز إبدال اللفظ بمرادفه أو ما يقرب منه لا بضده، ونسب ابن عبد البر هذا لأکثر العلماء، وحدیث أحمد بإسناد جيد صریح فیه، وعنده بإسناد جيد أيضًا من حديث أبي هريرة: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف عليمًا حكيمًا غفورًا ٢٣٣ كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول رحيمًا))(١). وفي حديث عنده بسند جيد أيضًا: ((القرآن كل صواب ما لم يجعل مغفرة عذابًا أو عذابًا مغفرة))(٢) ولهذا كان أُبي يقرأ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم﴾ ((مروا فيه)) ((سعوا فيه)) بدل: ﴿مَّشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٠] وابن مسعود: ((أمهلونا)) ((أخرون)) بدل: ﴿انظُرونا﴾ [الحديد: ١٣]. قال الطحاوي: وإنما كان ذلك رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ، ثم نسخ بزوال العذر وبتيسير الكتابة والحفظ. وكذا قال ابن عبد البر والباقلاني وآخرون، ولعل هذا أقرب الأقوال وعليه يتعين أن المراد بالسبعة التكثير، والكلام على بقية الأقوال طويل، وفيما ذكرناه منها كفاية على أن بعضهم قال: أكثرها متداخلة ولا أدري مستندها ولا عمن نقلت، ولا أدري لم خص كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة مما ذكر مع أن الكل في القرآن، وفيها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة وأكثرها يعارضه حديث عمر مع هشام؛ أي: المذكور في المتن فإنهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه، إنما اختلفا في قراءة حروفه. انتهى. ٢٢١٢ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً قَرَأَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َلِ يَقْرَأُ خِلَافَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقَالَ: ◌ِلَاكُمَا تُحْسِنُّ، فَلَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا(٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً قَرَأَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقْرَأُ خِلَاقَهَا) أي: خلاف قراءة ذلك الرجل المفهومة من قرأ (فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ (١) أخرجه أحمد (٨٦١٣). (٢) أخرجه أحمد (١٦٨٠٩). (٣) أخرجه البخاري (٣٤٧٦)، وأحمد (٣٧٩٦). ٢٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ) هذا يؤيد ما قدمته أنه وَّ إنما لم يظهر لعمر كراهية ما فعله المماثل لهذا؛ لأن عمر بالنسبة لهشام كالشيخ بالنسبة للتلميذ، ولا كذلك في ابن مسعود لاحتمال أن ذلك الرجل كان نظيره، فكان ينبغي له التأدب معه بأن يسأل ولا يأتي به؛ فلذا أظهر له وال كراهة ما فعله من إتيانه به إليه سل﴾، فقول الشارح: والكراهة راجعة إلى جداله مع ذلك الرجل كما فعل عمر بهشام؛ لأن ذلك مسبوق بالاختلاف، وكان الواجب عليه أن يقره على قراءته ثم يسأل عن وجهها. انتهى. يوهم مساواة ما وقع من ابن مسعود لما وقع من عمر، وليس كذلك لما علمت أنه ولو كره ما وقع من ابن مسعود ولم يكره ما وقع من عمر، وليس سببه إلا ما ذکرته. (فَقَالَ: كِلَاكُمَا مُحْسِنُ) أما الرجل فواضح؛ لأنه قرأ كما سمع ولم يعترض على أحد، وأما ابن مسعود فلأن الحامل له على ما فعله هو الحامل لعمر على ما فعله من الاعتناء بالقرآن والذب عنه ... إلخ، لكن فات ابن مسعود التأدب مع ذلك الرجل فمدح؛ لأن باعثه ممدوح وهو الاعتناء بالقرآن ... إلخ، وثم كان فعله مع ذلك الرجل خلاف الأدب والفعل ذو الوجهين بمدح من وجه، وبذم من وجه، وهذا أولى مما وجهه به الشارح فتأمله. (فَلَا تَخْتَلِفُوا) كان وجه هذا التفريع أن المبادرة إلى الإنكار قبل التثبت يؤدي إلى القول في ألفاظ القرآن بالرأي، وهو حرام إجماعًا، وقد يؤدي أيضًا إلى الجدال والمشاحنة ولأجل ذلك قال: (فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا) في ألفاظ كتبهم أو معانيها هذا ما يفهمه السياق، لكن من المعلوم أن ألفاظ كتبهم غير متعبد بتلاوتها بخلاف كتابنا، فالذي يتجه حمل اختلافهم على أنه إنما كان في المعاني، ولا يضر أن ما وقع هنا إنما كان اختلافًا في الألفاظ؛ لأن أحد المتماثلين مذكر بالآخر (فَهَلَكُوا) لأنهم استمروا على التخالف من غير رجوع إلى الحق فضلوا وأضلوا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). ٢٣٥ كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول ٢٢١٣ - [وَعَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلَّ يُصَلِّ، فَقَرَّاً قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللهِلَيهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَّأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةٍ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ وَِّ فَقَرَهَا، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ◌َ شَأَنَهُمَا، فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ، وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِوَلِ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًّا وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللّهِ وَ فَرَقًّا، فَقَالَ لِي: يَا أَبِيّ أُرْسِلَ إِلَّ أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ : أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأَهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَّ الثَّالِئَةَ: اقْرَأَهُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ، فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةُ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِئَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلَّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ الََّةَ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَّهَ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلُ يُصَلِّ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةٍ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا) لما دخل المسجد (قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأْ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا الشَّي ◌َِّ فَقَرَءَا فَحَسَّنَ شَأْنَهُمَا فَسُقِطَ فِي نَفْسِي) أي: خطر أمر عظيم لا أقدر على وصفه، وحذف الفاعل المعلوم جائز، وكنى عن خطر المستعمل في المعاني بسقط المستعمل في الأجسام إشعارًا بشدة هذا الخاطر وثقله (مِنَ التَّكْذِيبِ) أي: من أجل تكذيبي لكل من ذينك الرجلين في قراءتهما، وقد تبين أن ما قرآه من القرآن، ومن المعلوم أن التكذيب بالقرآن كفر، فلذا عظم عليَّ هذا الأمر الآن ما لم يعظم على غيره في زمن مضى (وَلَا إِذْ كُنْتُ) أي: ولا في الزمن الذي كنت (في الْجَاهِلِيَّةِ) لأن ما يفعل فيها مرفوع بالإسلام بخلاف ما يفعل بعدها لا سيما إن كان فيه تكذيب بالقرآن، فعلم أن الواو للعطف وأن (١) أخرجه مسلم (١٩٤١)، وأحمد (٢١٧٧٩). ٢٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع المعطوف عليه منفي، وأن ((لا)) لتأكيد ذلك النفي كهي في ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] ويجوز کونها للحال لكنه بعید متكلف. تنبيه: ما قررت به معنى كلام أبي، هذا هو الصواب الذي يتعين سلوكه؛ لأن المعنى علیه صحیح، وبه يسلم جانب أبي ضه بما لزم على تقرير غيري لكلامه، فمن ذلك قول النووي مع جلالته معناه: وسوس إلي الشيطان تكذيبًا أشد مما كنت عليه في الجاهلية؛ لأنه كان في الجاهلية غافلاً أو متشكگًا. وقول شارح يعني: وقع في خاطري من تكذيب النبي (4* في تحسينه لشأنهما تكذيبًا أكثر من تكذيبي إياه قبل الإسلام. وقول آخر: إنما استعظم الحالة التي ابتلي بها فوق ما استعظم حالته الأولى؛ لأن الشك الذي تداخله في أمر الدين ورد علي مورد الیقین. فما اقتضاه كلام النووي وصرح به من بعده من أن أبيًّا وقع في نفسه تكذيب للنبي 1848 في تحسينه لقراءة ذينك غير صواب أما أولاً: فلأن أبيًّا كان من أعلم الصحابة، وخصه الله بما لم يخص به أحدًا منهم وهو قراءة النبي ◌ُّ عليه كما مر، فمثل هذا الخاطر لا ينبغي أن يجزم بوقوعه منه لا سيما واللفظ محتمل لغيره مما ذكرته. وأما ثانيًا: فما وقع منه ◌َلّه من تحسينه قراءتهما ليس فيه ما يشعر بهذا الخاطر بوجه، بل ولا يلوح به من وجه بعيد أصلاً، وإنما الذي فيه الإشعار بما ذكرته؛ لأن أبيًّا لما قرأ خطر له أنهما قرءا غير القرآن، فلما سمع منه وإليه أن ما قرأه قرآن خطر له حينئذٍ أن ما وقع منه من خطور أن ما قرأه غير قرآن ربما أفضى إلى كفر لا يغفر؛ لأنه بعد الإسلام بخلاف ما قبله، فصدق قوله (ولا إذ كنت في الجاهلية)). فإن قلت: ينافي هذا الذي ذكرته ويؤيد ما ذكروه قوله: فلما رأى رسول الله ... إلخ. قلت: لا ينافيه؛ لأنه لما خطر له ما ذكرته غشيه کرب عظيم هو تجويز كفره ٢٣٧ كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول بذلك، فأزال ◌َ﴾ هذا الخاطر الذي أزعجه بضربه على صدره؛ ليتجلى له أنه معذور في إنكاره عليهما، وأن ذلك ليس فيه تكذيب للقرآن بوجه، ثم بين له سبب تحسينه لقراءتهما بأن الله أنزل إليه القرآن على سبعة أحرف. (فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ وَِّ مَا قَدْ غَشِيَنِي) من شدة ذلك الأمر الذي وقعت فيه (ضَرَبَ فِي صَدْرِي فَفِضْتُ عَرَقًا) تمييزًا؛ أي: فجرى عرقي من جميع بدني ليخرج معه ذلك الخاطر جميعه، ولا يبقى معه منه شيء ببركة تلك الضربة من حضرة الخلافة الكبرى الممدة لكل كامل بحسب تهيئته واستعداده (وَ) الحال أنه حصل لي من تلك الضربة أيضًا أني صرت (كَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى الله فَرَقًا) أي: من أجل الخوف الذي غشيني والخجل الذي حل بي من ذلك الخاطر الذي ربما أوقعني في الكفر، والعياذ بالله تعالى. (فَقَالَ لِي: يَا أَبِيُّ أُرْسِلَ إِلَّ أَنِ اقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ) مصدرية ولا يضر كون مدخولها أمرًا؛ لأنها تدخل عليه عند سيبويه، أو مفسرة لما في ((رددت)) من معنى القول؛ أي: فقلت له قولاً متكررًا (هَوِّنْ عَلَى أَمَّتِي) فعلم أن الرد هنا ليس ضد القبول، وإنما هو تكرير للجواب، ولذلك تسمى إجابة الله تعالى أيضًا ردًّا في قوله: (فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ) سماها ردًّا مع أنه ليس في الكلام ما يشعر برده أولى مشاكلة لـ((رددت)) والمراد أرسل إلي (اقْرَأَهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَّ الثَّالِئَةَ: اقْرَأَهُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ، فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ) مستجابة فورًا (تَسْأَّلِينِهَا) صفة مؤكدة لـ((مسألة)) كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. (فَقُلْتُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لأَمَّتِي) أي: لأرباب الصغائر منهم (اللهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي) أي: أرباب الكبائر منهم، وهذا أوضح من قول شارح: لما انقسم المحتاج إلى المغفرة من أمته إلى مفرط ومفرط استغفر ملي مرة للمقتصد المفرط في الطاعة، وأخرى للظالم المفرط في المعصية. انتهى. ولك أن تقول أيضًا: من المقرر أن كل أحد وإن بلغ في الكمال ما بلغ لا يخلو ٢٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع عن تقصير ما في حقوق الله تعالى، فأراد بالأولى المغفرة للخواص، وبالثانية المغفرة للعوام (وَأَخَّرْتُ) المسألة (الثَّالِئَةَ لِيَوْمِ) أي: إلى يوم أو لأجل يوم موصوف بهذه القصة الدالة على أنه وَ﴾ وصل من الكمال إلى ما لم يصل إليه مخلوق، وهو أنه (يَرْغَبُ إِلَّ) في الشفاعة العظمى في فضل القضاء، وهو المقام المحمود الذي امتن الله علي به ليحمدني فیه جمیع الأولين والآخرين. (الْخَلْقُ كُّهُمْ حَتَی إِبراهِیم التلها) الذي لیس بعدي أفضل منه مع کونه خلیل الرحمن، وذلك حين يقول إبراهيم كبقية الأنبياء كلهم: نفسي نفسي، ويقول محمد اله: ((أمتي أمتي)(١) وهذه الثالثة هي المرادة بقوله ◌َير في الحديث الآخر: ((لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي إلى يوم القيامة))(٢) وسر ذلك ما أودعه الله تعالى فيه مما أشار إليه بقوله عزَّ قائلاً: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] الدال على أنه لم يبالغ نبي في نفع أمته ما بالغ نبينا وَّهُ في نفعنا، فاجزه اللَّهُمَّ عنا خير ما جزيت نبيًّا عن أمته ورسولاً عن قومه، بل ولله تعالى بأمته من العناية ما ليس له بغيرهم كما دل عليه حديث المتن؛ لأنه وَل﴾ لما طلب لأمته السهولة والتيسير في القراءة ثلاث مرات امتن الله عليهم بإجابته إليها، ثم زاد تعالى في التفضل عليه بأن زاده ثلاث مسائل يستجيبها له، وألهمه بأن يجعلها لأمته فدعا لهم بأمرين عظيمين في الدنيا، وأمر أعظم في الآخرة ليحصل لهم السهولة والتيسير في الدنيا والآخرة (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٢٢١٤ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، (١) أخرجه البخاري (٤٤٣٥)، ومسلم (١٩٤)، والترمذي (٢٤٣٤)، وأحمد (٩٦٢١)، والنسائي في («الكبرى» (١١٢٨٦)، وابن أبي شيبة (٣١٦٧٤). (٢) أخرجه البخاري (٥٩٤٦)، ومسلم (٢٠٠)، وأحمد (١٢٣٩٩)، وأبو يعلى (٢٨٤٢)، وأبو عوانة (٢٦٠)، والبيهقي (٢٠٥٦٤)، والقضاعي (١٠٤٣). ٢٣٩ كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الأَحْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الأَمْرِ يَكُونُ وَاحِدًا، لَا يَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ) أي: سألته أن يراجع لي ربي في أن يزيدني (فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُفِي) أي: أطلب منه أن يطلب لي من ربي الزيادة في الأحرف للتوسعة والتخفيف على أمتي فيطلب لي ويجاب (حَتَّى انْتَهَى) الطلب والإجابة (إِلَى) إعطاء (سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهري: (بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الأَحْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الأَمْرِ) أي: في نفس الأمر والحقيقة (يَكُونُ وَاحِدًا) أي: ترجع كلها إلى معنى واحد (لَا يَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ) وإن اختلف اللفظ في كيفية هيئته والنطق به إلى سبعة أوجه، ولا يراد اختلاف معنى اللفظ كأن يصير المنفي مثبتًا والحلال حرامًا وعكسهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وكان ابن شهاب قصد بما قاله رد القول المشهور: إن المراد بالأحرف السبعة أن القرآن أنزل على سبعة أصناف. ثم اختلف القائلون بهذا القول في تعيين تلك الأصناف، فقيل: أمر ونهي وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، واحتجوا بحديث الحاكم والبيهقي: ((كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، وينزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ... )(٢). وأجاب عنه قوم بأنه ليس المراد بما فيه تلك الأحرف السبعة التي في الأحاديث السابقة؛ لأن سياق تلك الأحاديث نافى حملها على هذا؛ إذ هي ظاهرة في أن المراد يقرأ على وجهين وثلاثة إلى سبعة تيسيرًا وتهوينًا، والشيء الواحد لا يكون حلالاً حرامًا في آية واحدة. (١) أخرجه البخاري (٤٩٩١)، ومسلم (١٩٣٩)، وأحمد (٢٤١٧). (٢) أخرجه الحاكم (٣١٤٤) وقال: صحيح الإسناد، والديلمي (٤٨١٨). ٢٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع وبه جزم بعضهم فقال: من أول تلك بهذا فهو فاسد لاستحالة كون الحرف منها حرامًا لا ما سواه أو حلالاً كذلك، ألا يجوز أن يقرأ على أنه حلال كله أو حرام كله، أو أمثال كله. وممن ضعف هذا القول ابن عطية فقال: الإجماع على أن التوسعة لم تقع في تحليل ولا تحريم ولا تغيير شيء من المعاني المذكورة. والماوردي فقال: هذا خطأ؛ لأنه ◌َ أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف السبعة، وإبدال حرف بحرف، وقد أجمع المسلمون على تحريم إبدال آية أمثال بآية أحكام؛ أي: مثلاً قال غير واحد قوله في هذا الحديث: ((زاجر ... إلخ)) استئناف؛ أي: القرآن زاجر وآمر ... إلخ، ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة. ويؤيده رواية: ((زاجرًا)) بالنصب؛ أي: نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف حال كونه زاجرًا ... إلخ. وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون التفسير المذكور للإنزال لا للأحرف؛ أي: سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه؛ أي: أنزله الله على هذه الأصناف لم يقتصر منها على صنف واحد كغيره من الكتب. وقيل: المراد بتلك الأصناف: المطلق والمقيد والعام والخاص والنص والمؤول، والناسخ والمنسوخ والجمل والمفسر، والاستثناء وأقسامه، وحكي عن الفقهاء. وقيل: المراد بها الحذف والصلة والتقديم والتأخير والاستعارة، والتكرار والكناية والحقيقة والمجاز، والمجمل والمفسر والظاهر والغريب، وحكي عن اللغويين. وقيل: المراد بها التذكير والتأنيث، والشرط والجزاء، والتصريف والإعراب والأقسام وجوابها، والجمع والإفراد والتصغير، والتعظيم واختلاف الأدوات، وحكي عن النحاة. وقيل: الزهد والقناعة مع اليقين، والحزم والخدمة مع الحياء، والكرم والفتوة مع الفقر، والمجاهدة والمراقبة مع الخوف، والرجاء والتضرع والاستغاثة مع الرضى، ٢٤١ كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع أخرى أبعد من الأول والشكر والصبر مع المحاسبة، والمحبة والشوق مع المشاهدة، وحكي عن الصوفية (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). (الفصل الثاني) ٢٢١٥ - [عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللهِوَهُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ، إِّ بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمَّيِّينَ، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلَمُ وَالْجَارِيَةُ وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قٌَّ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَأَبِي دَاوُدِ قَالَ: لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَّيَانِي، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فَكُلُّ حَرْفٍ شَافٍ كَافٍ(١)]. (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴿ قَالَ: لَفِيَ رَسُولُ اللّهِ وَهَ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ، إِنِّي بُعِثْثُ إِلَى أُمَّةٍ أُمَّيِّينَ) أي: أكثرهم لا يقرؤون ولا يكتبون فهم عاجزون (مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا فَظُ) أي: وهؤلاء يعسر عليهم قراءة القرآن إذا كان على حرف واحد، فاسأل الله لهم أن يسهل عليهم (قَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قد سألت الله لهم مرات أن يسهل فأجاب سؤالي في ذلك المرة بعد المرة، كما دل على ذلك كله الحديث الذي قبل هذا فلتقر عينك بذلك (إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى) حرف ثم حرفين وهكذا إلى أن انتهى إلى (سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ) ليقرأ كل بما يسهل عليه، فرواية أبي عن جبريل هذا الإجمال رواية منه بالمعنى؛ إذ الظاهر أن أبيًا سمع النبي صَلَلى الله يحكي عن جبريل ما مر عنه من التفصيل أنه لم يزل يستزيده حتى انتهى إلى السبعة، فروي هنا حاصل ذلك وهو أنه بعد تلك الاستزادة نزل على سبعة أحرف، ويحتمل أنه وَلير لما ذكر لجبريل ما في هذا الحديث قال له: «إن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى (١) أخرجه الترمذي (٣١٩٦)، وأحمد (٢١٨٠٥)، وأبو داود (١٤٧٩)، والنسائي (٩٤١)، وابن حبان (٧٣٧)، والضياء (١١٢٩). ٢٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع بيت العزة لكنها متوقفة على سؤالك فاسألها واحدًا فواحد حتى تعطاها كلها)) (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). (وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَدٍ وَأَبِي دَاوُدِ قَالَ) جبريل بعد ((أحرف)) (لَيْسَ مِنْهَا) حرف (إِلَّا) وهو (شَافٍ) للغليل بإفهامه المعنى المقصود من ذلك اللفظ؛ ولصدور المؤمنين باتفاق تلك الأحرف كلها في ذلك المعنى وكونها من عند الله تعالى (كَافٍ) في الإعجاز والحجة على صدق النبي ◌َّه بإظهاره وصول كلمات القرآن إلى أقصى غايات الفصاحة والبلاغة. (وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي، فَقَالَ) لي (جِبْرِيلُ: اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ) واحد (قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ) أي: أطلب منه أن يطلب لك الزيادة، ثم لا زال يقول له ذلك وهو يطلب الزيادة ويجاب (حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فَكُلُّ حَرْفٍ شَافٍ كَافٍ). ٢٢١٦ - [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصِّ يَقْرَأُ ثُمَّ يَسْألُ، فَاسْتَرْجَعَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: مَنْ قَرَّأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَّلِ الله ◌ِهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامُ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِنِيُّ]. (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصِّ يَقْرَأ) بعض الأخبار على الناس (ثُمَّ يَسْألُ)ـهم الرزق (فَاسْتَرْجَعَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) أي قال: ﴿إِنَّا الله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] لما رآه من ذلك القاص الدال على أن عمله ليس خالصًا لوجه الله تعالى، وقص مثل هذا مصيبة أي مصيبة؛ لدلالته على انحلال الأمر وقرب الساعة. (ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: مَنْ قَرَّأَّ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللّه بِهِ) أي: (١) أخرجه الترمذي (٣١٦٧)، وأحمد (٢٠٤٧٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٥٢١).