النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨٣
كتاب فضائل القرآن
أي: زائدًا على بقية الكتب السالفة كما صرح به أول الحديث وهو: ما ولي
المثاني من قصار السور سمي بذلك لكثرة الفصول التي من السور بالبسملة،
وقيل: لقلة المنسوخ فيه ولهذا يسمى المحكم أيضًا كما رواه الشيخان عن سعيد بن
جبير وآخره ((سورة الناس)) وفي أوله اثنا عشر قولاً: ((الصافات)، (الجاثية)،
((القتال)).
وعزاه الماوردي للأكثرين ((الفتح)) ((الحجرات)) وهو الذي صححه النووي ((ق))،
((الرحمن))، ((الصف))، ((تبارك الإنسان))، ((سبح))، ((الضحى)) وطواله من الحجرات على
الأصح إلى عم، وأوساطه إلى الضحى وقصاره إلى الآخر.
وجاء عن ابن عمر أنه ذكر عنده المفصل فقال: وأي القرآن ليس مفصل،
ولكن قولوا: قصار السور وصغار السور وبه يعلم عدم كراهة أن يقال: سورة صغيرة
أو قصيرة ورخص فيه جماعة، ولم يبالوا بكراهة آخرين له منهم أبو العالية، لقوله
كابن سيرين بكراهة سورة خفيفة لمنافاته لقولاً ثقيلاً.
والظاهر أنه ضعيف أيضًا.
٢١٨٠ - [وَعَنْ عَلىّ ﴾ قَالَ: سَمِعْتِ رَسُولِ الله ◌َيهِ يَقُولُ: لِكُلِّ شَيْءٍ عَرُوسُ،
وَعَرُوسُ القُرْآنِ الرَّحْمَنِ (١)].
(وَعَنْ عَلِيَّ ﴾ قَالَ: سَمِعْتِ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَقُولُ: لِكُلِّ شَيْءٍ) مما يصح أن يكون
فيه رتبة، ويقرب إلى المحبوب ونظير إرادة الخاص هذا العام قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ
شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥].
﴿وَأُوتِيَنَا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦].
﴿وَأُوْتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
(عَرُوسٌ) هو اسم لكل من الزوجين عند الدخول، وأريد به هنا الزينة (وَعَرُوسُ
القُرْآنِ) أي: موضع الزينة منه التي تبتهج بها النفس، ويرتاح إليها القلب بإزالة فتوره
(١) أخرجه الْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٤٩٤).

١٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وملاله (الرَّحْمَن) المشبهة بالأرض في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا
وَاَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤] شبهها حينئذٍ بالعروس إذا تزينت بالحلي والحلل، فكذلك سورة
الرحمن لما اشتملت على عظائم النعم المدلول عليها بافتتاحها بالاسم الدال على جلائل
النعم التي هي تعليم القرآن، وخلق الإنسان وتعليمه البيان.
وهكذا تم الامتنان بها على الإنس والجن بقوله عز قائلاً: ﴿فَبِأَيِّ آلاءٍ﴾ أي:
نعم ﴿رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ [الرحمن: ١٣] ومن ثم ندب للقارئ والسامع أن يجيب ذلك
الاستفهام المراد منه تقرير تلك النعم، والامتنان بها ولا بشيء من نعمك ربنا
نكذب فلك الحمد؛ وذلك لأنه # مدح الجن لإجابتهم بذلك دون الصحابة لما
سمعوه يقراؤها عليهم، حيث قال كما صححه الحاكم: ((ما لي أراكم سكوتًّا للجن
كانوا أحسن ردًّا منكم، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانٍ﴾ [الرحمن: ١٣] إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد)(١).
ثم بيان عنصر الفريقين وتفاوتهما فيه بما يصرح بشرف عنصر الإنس على
عنصر الجن، ثم ختمه بذلك، ثم بيان مرج البحرين وما يخرج منهما مما به أعلى الزينة
وأكملها، ثم ختمه بذلك وهكذا إلى آخر السورة لا ينتقل قارئها وسامعها من فاصلة
إلى أخری إلا وشاهد من بدائع النعم ما ینشرح له صدره، ويزداد به رجاؤه، ويضمحل
به شره، فهي الزينة الكبرى بالنسبة لأحكام الدنيا وأحكام الأخرى.
٢١٨١ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةُ: مَنْ قَرَأْ سُورَةَ الوَاقِعَةِ فِي
كُلٌّ لَيْلَةٍ [لَمْ تُصِبْهُ](٤) فَاقَةُ أَبَدًّا، وَكَانَ ابْنِ مَسْعُودٍ يَأْمُرُ بَنَاتِه يَقْرَأْنَ بِهَا كُلّ لَيْلَةٍ (٣).
رَوَاهُمَا الْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))].
(١) أخرجه الحاكم (٣٧٦٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٢٤٩٣)، وأبو الشيخ في «العظمة)) (١١٠٦٢٦)، والحكيم (٢٧٧/٢).
(٢) سقط من الأصل.
(٣) أخرجه الْبَيْهَقِيُّ فِي («شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٥٠٠)، وابن عساكر (١٨٦/٣٣).

١٨٥
كتاب فضائل القرآن
(وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: مَنْ قَرَأْ سُورَةَ الوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ
لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةً أَبَدًا) وكان المراد أن قارئها بسبب قراءتها وتأمل ما فيها من أن
مسبب وموجد المسببات هو الله تعالى وحده كما يشهد بذلك: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾
[الواقعة: ٥٩].
﴿أَمْ تَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤].
﴿أَمْ تَحْنُ المُنزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩].
﴿أَمْ نَحْنُ المُنشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] يحصل له غنى النفس المسبب عن التوكل
المفاد من تلك الآيات؛ إذ هو مباشرة الأسباب مع شهود المسبب، ومن حصل له غنى
النفس حصل له الغنى المطلق عن اليأس والافتقار الحقيقي إلى الله تعالى، وحينئذٍ لا
تصيبه فاقة إليهم أبدًا (وَكَانَ ابْنِ مَسْعُودٍ يَأْمُرُ بَنَاتِه يَقْرَأَنَ بِهَا كُلّ لَيْلَةٍ، رَوَاهُمَا الْبَيْهَِيُّ
فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ))).
٢١٨٢ - [وَعَنْ عَلىَّ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ (سَبِّحَ اسْمَ
رَبِّكَ الأَعْلَى﴾(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ عَلِيَّ تُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ) وهي ((سَبِّجِ اسْمَ
رَبِّكَ الأَعْلَى﴾) وكان وجه اختصاصها بمزيد محبة دون نظرائها ما تضمنته من عظيم
المنة عليه في ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧] وفي تيسيره
لليسرى المتضمن لزيادة المنة عليه ﴾، فإن الله ييسر له الرقي إلى مقامات لائقة بعلى
كماله لا يصل إليها غيره (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
٢١٨٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: أَنَى رَجُلُ النَّبيَّ ◌َّ
فَقَالَ: أَقْرِتْنِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: اقْرَأْ ثَلَاثًّا مِنْ ذَوَاتِ ((الر)) فَقَالَ: كَبُرَتْ سِنِّي وَاشْتَدَّ
قَلْبِي وَغَلُظَ لِسَانِي، قَالَ: فَاقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَوَاتِ ((حم)) فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، قَالَ الرَّجُلُ: يَا
(١) أخرجه أحمد (٧٥٣).

١٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
رَسُولَ اللهِ، أَقْرِتْنِي سُورَةً جَامِعَةً، فَأَقْرَأَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ﴾ حَتَّى
فَرَغَ مِنْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا أَبَدًّا، ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ
رَسُولُ الله ◌ِّهِ: أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ مَرَّتَيْنِ (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: أَنَى رَجُلُّ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَ:
أَقْرِتْنِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: اقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَوَاتِ ((الرا) أي: من السور التي صُدرت
بهذه الفواتح (فَقَالَ: كَبُرَتْ سِنِي وَاشْتَدَّ قَلْبِي) أي: حصلت فيه شدة وقسوة أوجبت
عدم صبره على تحمل المشاق كحفظ تلك السور الثلاث (وَغَلُظَ لِسَانِي) أي: حصل
فيه تصلب منعه عن أن يكون سريع النطق بما يراد منه (قَالَ) فإن كنت لا تستطيع
قراءة هذه الثلاث (فَاقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَوَاتٍ ((حم))) أقصر ذوات ((حم)) أقصر من ذوات
((الر)) (فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ) الأولى (قَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْرِتْنِي سُورَةً جَامِعَةً) أي:
يحمل ما يقع في الآخرة ويحمل على مجامع الأعمال النافعة فيها ليحملني ذلك على فعل
تلك الأعمال والاستعداد بها إلى دفع أهوال تلك الدار، كما هو الأليق بمن كبرت سنه
واشتد قلبه وغلظ لسانه.
(فَأَقْرَأَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا) فيه تصريح بأن
هذه السورة من الجوامع وإنما كانت كذلك؛ لأنها جمعت جمل أحكام الآخرة من البعث
وما يتقدمه، ونبَّه ربه إلى استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، فمن تلك
المقدمات:
زلزلة الأرض وإخراجها لأثقالها وتحديثها بأخبارها مع إعراض الناس عن تلك
الأثقال؛ لشدة ما دهمهم وحل بهم من أمارات انقضاء هذا العالم، حتى يقول كل
إنسان متعجبًا مما وقع من ذلك: أَيُّ شيء حصل للأرض حتى خرج منها ذلك؟
وحديث بما هنالك وحيًا من الله إليها بجميع ما حدثت.
(١) أخرجه أبو داود (١٤٠١)، وأحمد (٦٧٣٢).

١٨٧
كتاب فضائل القرآن
ثم بين صدور الناس بعد حياتهم في قبورهم حرفًا حرفًا؛ ليحاسبوا على أعمالهم
كلها؛ إذ لا يسقط منها شيء بل من عمل مثقال ذرة من خير رأى ثوابه في الجنة وما
قبلها، ومن عمل مثقال ذرة من شر رأى جزاءه في جهنم وما قبلها، ولأجل هذا الجمع
الذي لا حد له قال ◌َله وقد سُئل عن الحمر الأهلية؛ أي: عما لهم في اقتنائها وأكلها
فقال: ((لم ينزل عليَّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّ يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]))(١).
(فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا أَبَدًا) أي: على العمل بما دل
عليه ما أقرأتنيه وهو تلك السورة من فعل الخير وهو الواجبات فقط، وترك الشر وهو
المحرمات فقط، وأما النوافل والمكروهات فقد أترك تلك لكبر سني، وأفعل هذه لشدة
قلبي، فالقصد من الحلف إنما هو فعل الواجب وترك الحرام لا غير، ومن ثم شهد له
وَلُّ بالفلاح بعد إدباره كما قال: (ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ)
تصغير على خلاف القياس للتعظيم نظرًا إلى دقة نظره في طلبه سورة وجيزة جامعة،
يكتفي بها ويستنبط منها ما يكون سببًا لصلاحه وفلاحه، أو لبيان ضعف همته
لكبر سنه وشدة قلبه وحلفه على ألا يزيد على ما مر، وأنه مع ذلك حصل له الفلاح
الأكبر، وعلى كلٍ فلشدة إعجابه ◌َّه كرر له ذلك القول (مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد).
٢١٨٤ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: أَلَا
يَسْتَطِيعِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ أَلْف آيَةٍ فِي كُلِّ يَومٍ؟ قَالُوا: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَّأَ أَلْف آيَةٍ؟
قَالَ: أَمَا يَسْتَطِيعِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾(٢). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ
الإِيمانِ»].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُ: أَلَّا يَسْتَطِيعِ
(١) أخرجه البخاري (٢٢٤٢)، ومسلم (٩٨٧)، وأحمد (٨٩٦٥)، والنسائي (٣٥٦٢)، وابن ماجه
(٢٧٨٨)، وابن حبان (٤٦٧١، ٤٦٧٢).
(٢) أخرجه الحاكم (٢٠٨١)، والْبَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٥١٧).

١٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَّأَ أَلْف آيَةٍ فِي كُلِّ يَومٍ؟ قَالُوا: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ أَلْف آيَةِ؟ قَالَ: أَمَا
يَسْتَطِيعِ أَحَدُ كُمْ أَنْ يَقْرَأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاتُرُ﴾﴾ [التكاثر: ١] وجهه أن القرآن ستة آلاف
آية وكسر كما مر في حديث: (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ... ))(١) فإذا تركتا الكسر
كانت الألف سدس القرآن، وهذه السورة تشتمل على سدس مقاصد القرآن، فإنها
كما مر عن الغزالي: ستة: ثلاثة مهمة، وثلاثة متمة، وأحدها معرفة الآخرة المشتمل
عليه السورة، والتعبير عن هذا المعنى بألف آية أفخم وأجلَّ من التعبير عنه بالسدس
(رَوَاهُ الْبَيْهَفِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ))).
٢١٨٥ - [وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلاً عنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ
هُوَ اللهُ أَحَدُ﴾ عَشْرَ مَرَّاتٍ بُنِيَ لَهُ بِهَا قَصْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَ عِشْرِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا
قَصْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا ثَلَاثَةُ قُصُورٍ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ ﴾: وَالله يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا لَنُكْثِرَنَّ قُصُورُنَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َيّ: اللهُ أَوْسَعُ
مِنْ ذَلِكَ(٢). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلاً عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾
عَشْرَ مَرَّاتٍ بُنِيَ لَهُ بِهَا قَصْرُّ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَّأَ عِشْرِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا قَصْرَانِ فِي الْجَنَّةِ،
وَمَنْ قَرَّأَهَا ثَلَائِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا ثَلَاثَةُ قُصُورٍ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﴾: وَالله
يَا رَسُولَ الله إِذَا) جوابًا وخبرًا فيه معنى التعجب؛ أي: إذا كان جزاء قراءة كل عشر قصرًا
(لَتُكْثِرَنَّ قُصُورُنَا) معشر أمتك لعظيم هذا الجزاء على هذا العمل السهل (فَقَالَ
رَسُولُ الله ◌َّ: اللهُ) أي: قدرته ورحمته وفضله وجوده (أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ).
٢١٨٦ - [وَعَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلاً أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَ قَالَ: مَنْ قَرَّأَ فِي لَيْلَةٍ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ
يُحَاجَّهُ الْقُرْآنُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَمَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِائَتَيْ آيَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ، وَمَنْ قَرَأَ فِي
لَيْلَةٍ خَمْسَمِائَةِ آيَةٍ إِلَى الأَلْفِ أَصْبَحَ وَلَّهُ قِنْطَارٌ فِي الآخِرَةِ، قَالُوا: وَمَا الْقِنْطَارُ؟ قَالَ: اثْنَا
(١) أخرجه أبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤).
(٢) أخرجه الدارمي (٣٤٩٢).

١٨٩
كتاب فضائل القرآن
عَشَرَ أَلْفًّا(١). رَوَاهُ الدَّارِمُّ].
(وَعَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلاً أَنَّ نَبيَّ الله ◌َ﴿ قَالَ: مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُحَاجَّهُ
الْقُرْآنُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ) من جهة التقصير في تعهده؛ لأنه لا تقصیر منه فيه بل من جهة
عدم العمل به إن لم يعمل به؛ لما في حديث أنه يقول في مخاصمته لبعض حفاظه: نام
عني ولم يعمل لي المعلوم منه أنه يخاصم من جهتين التقصير في تعهده؛ لأنه يؤدي إلى
نسيانه وفي العمل به؛ لأن فيه استهتارًا لحقه، وقيل في الحديث: إن قراءة القرآن لازمة
لكل إنسان وواجبة عليه، فإذا لم يقرأه يخاصمه الله ويغلبه بالحجة بإسناد المحاجة إلى
القرآن مجاز. انتهى.
وفيه جميعه نظر، أما قوله: ((لا زمة لكل إنسان وواجبة عليه)) فغير صحيح؛ لأن
الكلام في حافظ قرأ ما ذكر فافهم أن المحاجة لحافظ لم يقرأ ما ذكر لا لمن لم يقرأ
ذلك، ولا لمن لم يقرأ بالكلية، وهذا لا دليل فيه حينئذٍ لما ذكره لما مر في معنى المحاجة
من فروض الكفايات؛ أي: يخاطب به كل الأمة في كل زمن، فإن حفظه جمع منهم تقوم
الكفاية به سقط الحرج عن جميعهم وإلا أتموا كلهم.
وأما قوله: ((يخاصمه الله ... إلخ)) بعد مروره غير مرة بالقاعدة المقررة أن ألفاظ
الشارع حيث أمكن إبقاؤها على ظواهرها لم تصرف عنه، وهنا يمكن بقاء محاجة
القرآن على ظاهرها بأن يجعله الله صورة ناطقة يحاج تارة ويشفع أخرى كما مر.
(وَمَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِائَتَيْ آيَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ) لعود بركة قراءة ذلك القدر
على بقية تلك الليلة حتى صيرتها كأنها محياة كلها بالعبادة.
(وَمَنْ قَرَّأَ فِي لَيْلَةٍ خَمْسَمِائَةِ آيَةٍ إِلَى الأَلْفِ) أفاد أن الأقل المتضمن لأدنى الثواب
الآتي خمسمائة، والأكثر المتضمن لأكمل ذلك الثواب الألف (أَصْبَحَ وَلَهُ قِنْطَارُ فِي
الآخِرَةِ، قَالُوا: وَمَا الْقِنْطَارُ؟ قَالَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفًّا) أي: من الأرطال (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ).
(١) أخرجه الدارمي (٣٥٢٣).

(باب)
في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
لأن تلك في الفضائل، وهذه في أحكام أخرى.
(الفصل الأول)
٢١٨٧ - [عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ◌َ﴾ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ،
فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًّا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا (١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ◌َّه عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ) أي: واظبوا
على تلاوته وداوموا على تكرر دراسته كيلا ينسى (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ
تَفَصِّيًا) أي: تفلتًا وخروجًا من خوف لم يتعهده (مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا) بضم أوله وثانيه
رواية، ويجوز سكون ثانيه قياسًا جمع عقال، وهو الحبل الذي يعقل به البعير حتى لا
ينفد ولا ينفر، شبه القرآن في حفظه بدوام تكريره ببعير أحكم عقاله، ثم أثبت له
من التقصي الذي هو من صفات المشبه به أشده وأبلغه تحريضًا على مداومة تعهده
وعدم التفريط في شيء من حقوقه، ولمَ لا وهو كلام الله القديم المتكفل لقارئه
بكل مقام كريم، وإنعام جسيم؟ وما هو كذلك حقيق به دوام تعهده وخليق باستمرار
تفقده (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٢١٨٨ - [وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ
يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ نُسِّيَ، وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًّا مِنْ
صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ (٢). مُتَفَقُ عَلَيْهِ. وَزَادَ مُسْلِمُ: بِعُقُلِهَا].
(١) أخرجه البخاري (٤٧٤٦)، ومسلم (٧٩١)، وأحمد (١٩٧٠٠)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٩٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٤٤)، ومسلم (٧٩٠)، وأحمد (٣٩٦٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٠٤٠)، وابن
حبان (٧٦٣)، والطيالسي (٢٦١)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٩٤)، والبزار (١٦٥٦)، وأبو يعلى (٥١٣٦).
- ١٩٠ -

١٩١
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
(وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَِّ: بِئْسَ مَا) نكرة موصوفة
(لِأَحَدِهِمْ) أي: بئس شيئًا كائنًا للإنسان (أَنْ يَقُولَ) هو المخصوص بالذم (فَسِيتُ آيَةَ
كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ) لم يسن؛ أي: لم يكن له فعل في النسيان بوجه مطلقًا وإنما (نُسِّيَّ)
أي: إن الله سبحانه هو الذي أنساها له بسبب منه تارة بأن ترك تعهد القرآن، فإن ترك
تعهده سبب في نسيانه عادة، ولا بسبب منه أخرى، ثم رأيت شارحين قررا هذا بغير ما
ذكرته مما يأتي، لكن يرده قول أئمتنا: يكره للإنسان أن يقول: نسيت آية كذا، وإنما
السنة أن يقول: أنسيتها أو أسقطتها لما صح أنه لم سمع رجلاً يقرأ فقال: ((رحمه الله
لقد أذكرني آية كنت أسقطتها)(١).
وفي رواية صحيحة: ((كنت أنسيتها))(٢) يقول بعض أجلاء التابعين: لا تقول:
أسقطتها بل أغفلتها مردود بذلك. انتهى.
وسببه ما ذكرته من أن الأول يوهم أنه فاعل للنسيان وليس كذلك، بخلاف
الثاني فإنه مصرح بالنسيان إنما هو من الله لا غير، فزعم شارح أن السبب في ذلك
نسيت يدل على أنه لم يتعاهد القرآن، وأن قوله: ((أنسيت)) فيه إشارة إلى عدم تقصيره
في المحافظة، لكن الله تعالى نساه لمصالح قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ
بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وزعم آخر أنه يحتمل أن هذا خاص بزمن رسول الله وجلاله
ويكون معنى قوله: نسي؛ أي: نسخت تلاوته وأنه إنما نهاهم عن هذا القول؛ لئلا
يتوهم الضياع على محكم القرآن، فأعلمهم بأن ذلك من قبل الله تعالى لما رأى فيه
من الحكمة؛ يعني: نسخ التلاوة فكل من هذين الزعمين غير صحيح ولا يتلاءم، وإنما
الصحيح المتبادر من الحديث ما قلناه تبعًا لما صرَّح به أئمتنا من أخذهم، منه ما
ذكرناه من كراهة نسيت لا أنسيت لما قدمته فتأمله.
ثم رأيت الشارح الأول صرح بما يوافق ما ذكرته، وهو قوله: بل نسي إضراب
(١) أخرجه البخاري (٤٧٥٥)، ومسلم (٧٨٨)، وأحمد (٢٤٣٨٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٠٠٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٣٨)، ومسلم (١٨٧٤)، وأحمد (٢٥٨١١)، وابن حبان (١٠٧).

١٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
عن القول بنسبة النسيان إلى النفس المسبب عن عدم التعاهد إلى القول بالإنساء
الذي هو فعل الله من غير تقصير منه؛ أي: لا تقولوا ذلك القول، بل قولوا ما قيل في
عهد رسول الله ◌َلة، كما يشهد له ما روي عن عائشة سمع رسول الله وعليه رجلاً يقرأ
بالليل فقال: ((رحمه الله قد ذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها))(١) قال أبو عبيد: أما
الحريص على حفظ القرآن الذي يدأب في تلاوته، لكن النسيان بقلبه فلا يدخل في
هذا الحكم بدليل هذا الحديث، وقيل: معنى نسي عوقب بالنسيان على ذنب أو سوء
تعهد بالقرآن، أقول هو من قوله تعالى: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى﴾
[طه: ١٢٦] انتهى.
وما ذكره أبو عبيد صحیح في نفسه، وأما مطابقته للحديث الذي نحن فيه فهو
مبني على أن النهي فيه عن نسيان القرآن بتقصير، وكذلك قول الشارح هو من باب
قوله تعالى ... إلخ، وكل ذلك تكلف خارج عن الحديث لا يحتاج إلى أخذه من هذا
البعيد الدلالة عليه، وإنما يؤخذ من أحاديثه المصرحة به كقوله وَّير: ((عرضت عليّ
ذنوب أمتي فلم أرَ أعظم ذنبًا من رجل أوتي آية فنسيها))(٢).
(وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ) أي: اطلبوا من أنفسكم تذكره والمحافظة على تعهده،
وهو عطف من حيث المعنى على بئس ومعمولها؛ أي: لا تقصروا في معاهدة القرآن
واستذكروه.
فإن قلت: هذا ظاهر أو صريح في تأييد حمل الحديث على ما مر، فكيف ترده بما
سبق آنفًا؟
قلت: ليس ظاهرًا في ذلك فضلاً عن كونه صريحًا فيه، وإنما معناه أن النسيان
-
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦) وقال: غريب، ثم قال: وذاكرت به محمد بن
إسماعيل فلم يعرفه واستغربه. وابن خزيمة (١٢٩٧)، والبيهقي (٤١١٠)، والطبراني في ((الأوسط))
(٦٤٨٩)، وفي ((الصغير)) (٥٤٧).

١٩٣
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
سواء أضيف إلى النفس أو إلى الله تعالى قد يكون بسبب من القارئ، فإن ترك تعهد
القرآن وقد يكون لا بسبب منه بأن داوم على تعهده لكن مع ذلك أنساه الله إياه،
فلو سكت عن هذه الجملة لتوهم أن الإنسان وإن تسبب في نسيانه يقول: أنسيت
معتذرًا به عن تقصيره؛ أي: ليس فعل الإنساء مني، فردَّ ذلك التوهم بقوله:
((واستذكروا القرآن)) أي: فإنه لا عذر لكم في التقصير في تعهده حتى أنسيتموه؛ لأن
الأفعال كلها وإن كانت بفعل الله تعالى لكن يعاقب العبد على ما ينسب إليه، عرفًا
من أن له اختیارًا تامًّا في إيجادها.
ثم علل ذلك الأمر بقوله: (فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا) أي: تفلتًا وخروجًا (مِنْ صُدُورٍ
الرِّجَالِ) متعلق بتقصيًا وإذا كان هذا شأن الرجال فما بالك بغيرهم، فذكرهم ليعلم
غيرهم من باب أولى (مِنَ النَّعَمِ) متعلق بأشد (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وَزَادَ مُسْلِمُ: بِعُقُلِهَا) ومر
الكلام علیه.
٢١٨٩ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ
صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَظْلَقَهَا
ذَهَبَتْ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبٍ
الْقُرْآنِ) أي: صفته العربية (كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكُهَا،
وَإِنْ أَظْلَقَهَا ذَهَبَتْ) لا ينافي هذا ما مر من تشبيه القرآن بالإبل؛ لأنه كما شبه بها
شبه صاحبه بصاحبها في أن كلا منهما يحتاج إلى تعهد ما عنده حتى لا يفقده، فكما
أن صاحب الإبل إن لم يحكم عقلها وإلا ذهبت ونفرت فلا يقدر على تحصيلها إلا
بعد مزيد تعب ومشقة، فكذلك صاحب القرآن إن لم يتعهده بتكرير قراءته آناء
الليل وأطراف النهار وإلا تفلت منه، فلا يقدر على عوده إلا بعد غاية الكلفة والمشقة
(١) أخرجه مالك (٤٧٤)، والبخاري (٤٧٤٣)، ومسلم (٧٨٩)، وأحمد (٤٨٤٥)، والنسائي (٩٤٢)،
وابن حبان (٧٦٤).

١٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٢١٩٠ - [وَعَنْ جُنْدَبٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ
مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ جُنْدَبٍ بْنِ عَبْدِ اللّه عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا
انْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ) أي: مادامت قلوبكم نشيطة حاضرة معكم بأن لم تستغرقها
خواطر تحرمها من تدبر القرآن، وما أشار إليه من الأخلاق والأحوال وذلك؛ لأنكم
حينئذٍ تقيمون حقوق القراءة مستفيدون منها، متأهلون بها إلى الترقي إلى المقامات
العالية (فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ) بأن حصل ولو لبعضڪم فتور أو تشتت قلب (فَقُومُوا عَنْهُ)
عن القراءة؛ أي: اتركوها من قام عن الآخر إذا تركه بخلاف قام به، فإنه جد فيه ودام
عليه وذلك؛ لأنها حينئذٍ ربما أدت إلى الاستهتار بحقوق القرآن، بل وإلى التمادي في
الغفلة والبهتان.
وإنما قلت: ولو لبعضكم لقوله وَلهو: ((إنما تلبس علينا صلاتنا قوم يحضرون
الصلاة لا يحسنون الطهور))(٤) فإذا أثرها، ولا في أولئك الكمل الذين وصلوا من
الكمال إلى غاية لم يدرك غيرهم أدناها، فكيف بمن بعدهم ممن غلبت عليهم
الشهوات والأمراض واستخدمتهم الإرادات الفاسدة والأغراض؟ (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٢١٩١ - [وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ أَنَسَّ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللّه ◌َ؟ فَقَالَ:
كَانَتْ مَدَّا، ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَمُدُّ بِسْمِ اللهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ
بِالرَّحِيمِ(٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ أَفَسَّ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللّه ◌َليه؟) أهي مرتلة أم
لا؟ (فَقَالَ) هي مرتلة على أكمل مراتب الترتيل الذي هو أكمل من الإسراع؛ وذلك
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٠).
(٢) أخرجه بنحوه النسائي (٩٤٦).
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٤٦).

١٩٥
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
لأنها (كَانَتْ مَدًّا) أي: ذات مد مطلوب على الحروف التي يطلب مَدَّها، وهي الألف
والواو والياء (ثُمَّ قَرَأ) أنس لهم ما يعملون به صفة مده وَِّ (بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،
يَمُدُّ بِبِسْمِ الله) أي: على الألف التي قبل هاء الجلالة (وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ) أي: على الألف
التي بعد الميم (وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ) أي: على الياء (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قيل: رواية البخاري:
((کان یمده مدًّا)).
وفي رواية: ((كان مدًّا)). وأما رواية: ((كانت مدَّا))(١) فلم يطلع عليها. انتهى.
ثم المد المطلوب مختلف قدره عند القراء فليطلب بحقيقته من كتبهم.
٢١٩٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ
لِنَّبِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ (٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ مَا أَذِنَ اللّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لَِّّبِيِّ)
أي: ما استمع تعالى لصوت شيء استماع محبة ورحمة للقارئ لتنزهه تعالى عن السمع
بالحاسة من أذنت أذنًا بفتح أوليه إذا استمعت له، فعلم أن ذلك كناية عن تقريب
القارئ وقبول قراءته، وإجزال ثوابه كاستماعه لصوت نبي (يَتَغَنَّى) أي: يبالغ في
تحسين صوته (بِالْقُرْآنِ) بأن يتحرز بالقراءة ويرققها، كما قاله الشافعي وأصحابه
وأكثر العلماء، وقال سفيان بن عيينة وتبعه جماعة: معناه يستغنى به؛ أي: عن الناس.
وقيل: عن غيره من الأحاديث والكتب، من تغنيت وتغانيت بمعنى: استغنيت،
ويرده الحديث الآخر: ((زينوا القرآن بأصواتكم))(٣).
(١) أخرجه البخاري (٥٠٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٢٣) ومسلم (١٨٨١)، وأحمد (١٠٠٥٩)، والنسائي (١٠٢٦)، والدارمي (١٥٤٠).
(٣) أخرجه الطيالسي (٧٣٨)، وأحمد (١٨٥١٧)، وعبد الرزاق (٤١٧٥)، وابن أبي شيبة (٨٧٣٧)،
والدارمي (٣٥٠٠)، وأبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (١٠١٥)، وابن ماجه (١٣٤٢)، وأبو يعلى (١٦٨٦)،
وابن خزيمة (١٥٥٦)، وابن حبان (٧٤٩)، والروياني (٣٥٣)، والحاكم (٢٠٩٨)، والبيهقي
(٢٢٥٤).

١٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
والرواية الأخرى: ((يتغنى بالقرآن يجهر به))(١) ومن ثم قال ابن جرير: تفسير
يتغنى يستغنى، فاسد لغة؛ أي: لما قاله الشافعي وهو أعلم من غيره باللغة، بل له لغة
مخصوصة ينسبها العلماء إليه كأكابر العرب العرباء، كما قاله ابن الحاجب وغيره لو
کان معنی یتغنی یستغنی لقال: یتغانی فزعم عیاض أن یتغنی ویتغانى بمعنی يستغنى
غير صحيح؛ لأن يتغنى من مادة تغاير لمادة يتغانى صناعة ومعنى؛ أي: لأن جملة يجهر
به في الرواية الأخيرة جملة مبينة ليتغنى، ويلزم من تبينها لها اتفاقهما في المعنى، بل
الرواية الأولى فيها قرينة ظاهرة على أن ذلك هو المراد؛ لأن قوله: ((ما أذن الله لنبي»
أي: لصوته كما تقرر صريح في أن الاستماع المتضمن لغاية المدح إنما هو من حيث
الصوت، فکیف مع ذلك یصح حمل یتغنی علی یستغنی؟
فعلم أنه إخراج للفظ عن مدلوله الذي صرح به سياق ما قبله لغير دليل،
ويصرح بما قلناه الرواية الآتية ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به، واستفيد
من قوله: ((بالقرآن)) أن الألفاظ المسموعة تسمى قرآنًا حقيقة كما عليه أهل السنة، بل
المكتوبة كذلك لقولهم: ما بين الدفتين كلام الله، وأنه يسن تحسين الصوت بالقرآن
وتزيين القراءة بالترقيق والترجيع، والألحان الموضوعة على النغمات المعروفة ما لم تخل
بواجب الرعاية في اصطلاح القراء، كأن يزيد حرفًا أو ينقصه وإلا حرم، وسيأتي لهذا
المبحث مزيد في الباب الآتي فليكن على ذكر منك (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٢١٩٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أُذِنَ لِنَبِيِّ حَسَنِ
الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ (٤) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيِّ حَسَنِ الصَّوْتِ
(١) أخرجه البخاري (٧٠٤٤)، ومسلم (٧٩٢)، وعبد الرزاق (٤١٦٧)، وأحمد (٩٨٠٤)، وأبو داود
(١٤٧٣)، والنسائي (١٠١٧)، وابن حبان (٧٥٢).
(٢) أخرجه البخاري (٧٠٤٤)، ومسلم (٧٩٢)، وأبو داود (١٤٧٣)، وأحمد (٩٨٠٤)، والنسائي (١٠١٧)،
وابن حبان (٧٥٢)، وعبد الرزاق (٤١٦٧).

١٩٧
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) فوضع هنا قوله: ((حسن الصوت بالقرآن يجهر به» موضع
((يتغنى بالقرآن)) صريح في أن المراد يتغنى بالقرآن ما قدمناه لا يستغنى [فمن حمله على
هذا إن أراد [بعضه] كان هذا الحمل] (١) وأنه لا يصح إرادة الأول، فقد خالف هذه
الرواية لمجرد الرأي، فإن أراد أنه بمعنى يستغنى، فإن هذا على ظاهره فيفيد مجموعهما
مدح من حسن صوته بالقرآن، ومن استغنى به فهو صحيح.
ولا يرد عليه إلا ما مر أن يتغنى لا يصح لغة أن يرد بمعنی یستغنى، وهو
اعتراض يسهل الانفصال عنه بادعاء أن من قال ذلك ينقله أيضًا عن اللغة فالنزاع
في النقل عن اللغة، وكل من النافي والمثبت ثقة فلا يتجه حينئذٍ الرد باللغة، وإن كان
ظاهر صنيع أهل اللغة وتصرفهم يؤيد الباقي.
٢١٩٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقُرآنِ(٢). رَوَاهُ
البُخَارِيُّ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: لَيْسَ مِنَّا) من اتصالية؛ أي: ليس متصلاً
بطريقتنا فهو على حد: (ليس منا من استنجى من الريح))(٣) ونظير من الاتصالية خبر:
((ليست من دَدٍ ولا الدَّدِ مني))(٤) أي: ليست متصلاً بالملهو ولا اللهو متصلاً بي (مَنْ
لَمْ يَتَغَنَّ بالقُرآنِ) أي: يحسن صوته به للرواية السابقة: ((يجهر به))(٥) وهي كما مر
معينة لحمله على ما ذكرناه مانعة لحمله على الاستغناء؛ لأن الأحاديث كالآيات يفسر
بعضها بعضًا.
(١) هكذا في الأصل.
(٢) أخرجه البخاري (٧٠٨٩)، وأحمد (١٥٤٩)، والدارمي (١٤٩٠)، وأبو داود (١٤٧٠)، وابن حبان
(١٢٠)، والحاكم (٢٠٩١)، والبيهقي (٢٠٨٣٦)، وعبد الرزاق (٤١٧٠)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٤٢)،
والطيالسي (٢٠١)، والضياء (٩٧١).
(٣) أخرجه ابن عساكر (٤٩/٥٣)، وابن عدي (٣٥/٤).
(٤) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٨٥)، والبيهقي (٢٠٧٥٤)، والطبراني في «الأوسط)) (٤١٣).
(٥) تقدم تخريجه.

١٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
فزعم شارح تعين الحمل على الاستغناء؛ لأن هذا وعيد وهو يمنع حمله على
تحسين الصوت؛ لأن هذا لا وعيد في تركه غفلة عما ذكرته من أن هذه الصيغة قد ترد
فيما لا وعيد فيه، كالمثال الذي مر في الاستنجاء من الريح، وأما قوله: «هو مثاب مأجور
على قراءته وإن لم يحسن صوته)» فكيف يقال فيه ذلك؟ يرد بأن الجهة منفكة؛ لأن
النهي من جهة تركه لتحسين الصوت والثواب من جهة قراءته، ألا ترى أن من صلى
مرتكبًا مكروهًا في صلاته فتوجه إليه النهي من جهة ارتكابه للمكروه، ويثاب على
أفعاله من جهة كونها صلاة، فكذا هنا جاءت على ذات القراءة وإن ذم من حيث تركه
لصفتها الكاملة.
وبتأمل هذا الذي ذكرته في الجواب تعلم أن جواب الشارح بقوله: يمكن
الحمل على معنى النفي؛ أي: ليس منا معشر الأنبياء ممن يحسن صوته بالقرآن
ويستمع الله منه، بل يكون من جملة من هو نازلاً عن مرتبتهم مثاب على قراءته
كسائر المسلمين، لا على تحسين صوته كالأنبياء ومن تابعهم فيه. انتهى.
فهو بعيد بل فاسد؛ لأن مفهومه حينئذٍ أن من تغنى يكون من الأنبياء، وأيضًا
فحمل النفي على ما ذكره لا يفيد؛ لأن من المعلوم أن غير الأنبياء لا يتوهم أنه منهم،
وبتسليم صحة النفي فهو لا ينسخ قوله: ((فيثاب ... إلخ)) لأن من المعلوم أن من أتى
بعبادة أثيب عليها، ومن تركها لا يثاب عليها فقوله: ((لا على تحسين صوته كالأنبياء)»
إن أراد أنه لا يثاب عليه، وإن أتى به فغير صحيح، أو وإن تركه فغير مفيد؛ لأن كل
أحد يعلم أن من ترك شيئًا لغير عذر لا يثاب عليه فتأمل ذلك كله فإنه مهم.
٢١٩٥ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ:
اقْرَأْ عَلَّ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إِنِّ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ
سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أَمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ
عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قَالَ: حَسْبُكَ الآنَ، قَالَ: فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ

١٩٩
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
تَذْرِفَانٍ(١). مُتَّفَقُّ عَليهِ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َهُ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ: اقْرَأْ عَلَّ،
قُلْتُ: آقْرَأُ) أي: أَأقرأ (عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أَنْزِلَ؟) القرآن فالناس إنما يسمعونه من
حضرتك ويتلقون عنك؛ لأنك الوعاء الأعظم له وغيرك إنما يستمد منك (قَالَ) اقرأ
علي وإن كان أنزل علي (إِنَّ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) لأني أشاهد فيه حينئذٍ من
عجائب الملك والملكوت والرهبوت والجبروت ما يستغرق وجودي ويترقى فيه شهودي؛
لأن عجائبه لا تحصى وعلومه وحكمه لا تستقصى (فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ
إِلَى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أَمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا﴾ قَالَ:
حَسْبُك) أي: کافیك ما قرأته (الآن) فإني أخذت من سماعه غرض.
(قَالَ: فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانٍ) أي: تجري دموعهما رحمة على أمته؛ فإن
الشاهد لا يكتم شيئًا، فإذا كلف الشهادة عليهم وهو لا يحب لهم إلا غاية الكمال،
ومن لازم الشهادة أن يذكر ما فعلوه من النقائص خشي عليهم أن يحل بهم العذاب،
بسبب شهادته فرق قلبه حزنًا وخوفًا عليهم حتى جرت دموعه، لعل الله سبحانه
بواسطة ذلك أن يشفعهم فيهم، فكان ذلك البكاء غاية الرأفة بهم والرحمة لهم قال تعالى:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ .. ﴾ [التوبة: ١٢٨] قصده
من الشفقة عليهم ما ليس عند نبي على أمته، ومن ثم لما أتى الله كل نبي دعوة
مستجابة دعا كل منهم لدعوته لنفسه، وخباً ل﴾ دعوته لأمته.
ثم رأيت شارحًا تكلم على معنى، كيف ولم يتكلم على حكمة جريان الدموع؟
فقال: معنى فكيف حال الناس في يوم تحضر أمة كل نبي، ويكون نبيهم شهيدًا بما
فعلوه من قبولهم النبي وردهم إياه، وكذلك يفعل بك يا محمد وبأمتك. انتهى.
والشارع اعترضه بأنه ينافي قوله تعالى: ﴿لَّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
(١) أخرجه البخاري (٤٧٦٨)، ومسلم (٨٠٠)، وأبو داود (٣٦٦٨)، وأحمد (٣٦٠٦)، والترمذي
(٣٠٢٥)، والبيهقي (٢٠٨٤٦).

٢٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] شهيدًا به؛ أي: حفيظًا عليكم ومزكيًا لكم،
فالشهادة لهم لا عليهم، فكيف يفسر هذا بما يناقضه؟ بل المعني بهؤلاء أشخاص
معينون من الكفرة، وقال الزمخشري في ((الكشاف)): كيف يصنع هؤلاء الكفرة من
اليهود وغيرهم ﴿إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] يشهد عليهم بما فعلوا وهو
منهم. انتهى.
ويجاب بأن الآية لا تنافي كلام ذلك الشارح، بل الذي أفاده مجموع الآيتين أن
كل أمة يؤتى بشهيد منها وهو نبيها، فيشهد عليها بأنه بلغهم وبأن فلانًا أطاع وفلانًا
عصى، وهكذا حتى يفرغ فيقول الله له: من يشهد لك بما قلت فيقول: محمد وأمته،
فيؤتى بهم فيشهدون للأنبياء على أممهم فيقال لهم: كيف تشهدون بما لا تحضرون؟
فيقولون: إن نبينا أخبرنا بذلك فشهدنا به.
والحاصل أن كل نبي يشهد على أمته، وأمة نبينا يشهدون للأنبياء على أمهم،
ونبينا يشهد على أمته مزكيًا لبعضهم ومحرجًا لبعضهم، وقول الشارح: إنه مزك للكل
المراد منه أمة الإجابة، وإنما لم يحتج إلى من يشهد عليه؛ لأن غاية كماله اقتضت
استغناءه عن ذلك، وأيضًا فنحن حَيينًا بعدهم وقضى علينا أخيارهم، فنحن نعلم
ذلك، وأما نحن فلم تتأخر عنا أمة حتى تشهد علينا كل ذلك ببركته ول# وشرف وكرم
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
قال النووي فيه: إنه يسن استماع القراءة والإصغاء لها والبكاء عندها
والتدبر فيها، واستحباب طلب القراءة من الغير ليستمع له، وهو أبلغ في التفهم
والتدبر من قراءته بنفسه، وفيه التواضع لأهل العلم والفضل والرفع من منزلتهم.
انتهى.
وفيه أيضًا ندب بكاء القارئ من باب أولى، ومن ثم قال أئمتنا: يسن البكاء
عند القراءة وهو صفة العارفين وشعار الصالحين، ومما يحمل عليه تأمل تهديد القرآن
ووعيده الشديد ومواثيقه وعهوده وقصص الناجين والهالكين، مع استحضار تقصيره

٢٠١
كتاب فضائل القرآن/ باب في توابع لما سبق في الفصول الثلاثة
وتفريطه الذي قد يصيبه بسبب ما أصاب أولئك الهالكين، قال النووي: وليحرص على
ذلك فقد بات جماعات من السلف يردد أحدهم الآية ليلة أو معظمها، وَصعق جماعات
منهم عند القراءة، ومات جماعة بسببها، ولما حكي في ((التبيان)) عن جمع إنكار
الصياح والصعق، قال: والصواب عدم الإنكار إلا على من اعترف أنه يفعله تصنعًا.
انتهى.
قالوا: فإن لم يحضره عند ذلك التأمل حزن فلم يبكِ بكى على نفسه بسبب
فقده للبكاء في محله، فإن ذلك من المصائب قال في ((الأذكار)): فإن عز عليه التباكي تباكى
لخبر أحمد والبيهقي: ((إن هذا القرآن نزل بحزن وكآبة وإذا قرأتموه فابكوا فإن لم
تبكوا فتباكوا وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا)»(١).
٢١٩٦ - [وَعَنْ أَنَس ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّه ◌ِأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ اللّهَ أَمَرَنِي أَنْ
أَقْرَأُ عليكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ
الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأْ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة:١] قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَبَكَى(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَنَّس ◌َ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِأَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ اللّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَفْرَأ
عليكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: آللَّهُ) بالمد فلا حذف فيه، وتعبيره بأصله أالله بتحقيق الهمزتين
حذفت الأولى تخفيفًا، وهي للتعجب هضمًا لنفسه؛ أي: أنى لي بهذه المنزلة أو
للاستلذاذ بهذه المنزلة الرفيعة (سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) تعجبًا بعد تعجب
واستلذاذًا بعد استلذاذ مبالغة في كل من المقامين أوقع ذلك (وَ) الحال أني (قَدْ ذُكِرْتُ
عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟) الذي رباني بجلائل نعمه ودقائقها حتى تأهلت لهذا المقام الذي لم
يتأهل له غيري؛ وذكر ((عند)) هنا كناية عن مزيد القرب والشرف على حد إن الله
(١) أخرجه ابن ماجه (١٣٣٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٠٥١)، وأبو يعلى (٦٨٩).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٧٦)، ومسلم (٧٩٩)، والترمذي (٣٧٩٢)، والنسائي في ((الكبرى) (١١٦٩١)،
وأبو يعلى (٢٩٩٥)، وأحمد (١٣٦٣٢).

٢٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
كتب كتابًا، فهو عنده فوق عرشه: ((إن رحمتي سبقت غضبي))(١) وهذا أولى من قول
الشارح، وإن أمكن رجوعه إليه، و((عند)) هنا كناية عن الذات وعظمته كقوله تعالى:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٦] أي: عظمته وجلاله.
(قَالَ: نَعَمْ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ) أي: جرى دمع عينيه فرحًا بما أمنَّ الله به ربه عليه
أو خوفًا من ألا يقوم بحق هذا المقام الرفيع فيسلبه، ثم رأيت ما يأتي عن النووي من
اقتصاره على الأول، وما ذكرته من احتمال كل منهما أولى فيسلبه، ووجه تخصيصه
بذلك أنه بذل جهده في حفظ القرآن وما سعى له حتى صار أقرأ الصحابة، كما في
الحديث فأتحف بذلك ليصير إمام الأقراء ومقتدى القراء، ومن ثم أخذ عنه بشر
كثيرون من التابعين، ثم عنهم من بعدهم، وهكذا فسرى فيه تلك القراءة عليه حتى
سرى سره في الأمة إلى الساعة.
(وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ اللّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ:
وَسَمَّانِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَبَكَى. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وهي المراد من القرآن في الرواية الأولى؛ إذ
لم يؤثر أنه لو قرأ عليه غيرها، وفي ذلك تأييد لما قاله الشافعي ﴾ أن القرآن
يطلق حقيقة على الكل وعلى البعض، وكان حكمة تخصيصها أن فيه غاية البشرى
للنبي وَله ولأصحابه مع غاية المدحة له وَلّ، ولما أنزل عليه بسبب ما أخبرهم
به من أن الكفار ستضمحل شوكتهم وينقطع دابرهم لمجيء السنة الكبرى والمحجة
البيضاء، وهي رسول الله إلى كافة الخلق يتلو تلك الصحف الموصوفة بأكمل
الصفات وأعلاها، ومن أن الإخلاص في العبادات كلها هو الأمر الحتم الواجب على كل
متعبد.
وكذلك الميل عن كل المذاهب والطرق إلى المذهب الحق والطريق المستقيم، وأنه
يجب تقديم ذلك كله المؤذن بتطهير القلب عن كل دنس وهوى على العبادات الظاهرة،
وأن المكلفين فرقتان فرقة هي شر الخلق حرقها نار البعد والمخالفة فلم يرتفع لها رأس
(١) تقدم تخريجه.