النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب فضائل القرآن حينئذ يسعى في إيصال أدق المكائد المذهبة للنفس والدين فهو أدق وأعظم من التالي، وفي الثاني خص شر الموسوس في الصدور من الجنة والناس؛ لأن شره حينئذ يعادل تلك الشرور بأسرها؛ لأنها إن كانت في صدر المستعيد نشأ عنها كل كفر أو بدعة أو ضلالة أو مناوئة ترتب عليها ما تترتب على النفث والحسد وغيرهما مما مر. ومن ثم أراد التأكيد والمبالغة في جانب المستعاذ به إيذانًا بعظمة المستعاذ منه، وكأنه قيل أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بمن رباهم بنعمته وملكهم بقهره وقوته، وهو إلههم ومعبودهم الذي يستعيذون به من سواه ويعتقدون ألا ملجأ لهم إلا إياه وختم به؛ لأنه مختص به تعالى بخلاف الأولين، فإنهما قد يطلقان على غيره (رَوَاهُ مُسْلِمْ) وما أفاده أن المعوذتين من القرآن أجمع عليه الأمة. وما نقل عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ما يخالف ذلك، إما مكذوب عليه على رأي، وإما صحيح عنه كما قاله بعض الحفاظ، لكنه نفى منه باعتبار علمه ثم أجمعوا على خلاف نفیه. ٢١٣٢ - [وَعَنْ عَائِشَة - رَضِي اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَتَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدَّ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ(١). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابنِ مَسْعُودٍ لَمَّ أَسْرِي بِرَسُولِ اللهِوَّهِ فِي بَابِ المعْرَاجِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى]. (وَعَنْ عَائِشَة - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ رَِّ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ) أي: جلس أو اضطجع عليه (كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا) أي: نفخ مع بعض ريق يتطاير مع النفخ (فَقَرَأْ فِيهِمَا) عطف ثم ليرتب النفث فيهما على جمعهما ثم بالفاء ليبين أن ذلك النفث ليس المراد به مجرد نفخ مع ريق، بل مع قراءة فهي مرتبة على (١) أخرجه البخاري (٥٠١٧)، وأبو داود (٥٠٥٨)، والترمذي (٣٧٣٠)، وأحمد (٢٥٥٩٥)، ولم أجد لفظه عند مسلم. ١٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ابتدائه مقارنة لبقيته. وبهذا يندفع قول شارح ظاهره: إنه أولاً نفث ثم قرأ ولا قائل به؛ إذ لا فائدة فيه ولعله سهو من الكاتب أو الراوي؛ لأن النفث ينبغي أن يكون بعد التلاوة لتوصل بركة القرآن، واسم الله إلى بشرة القارئ أو المقروء له. انتهى. ويؤيد ما ذكرته إنا لو فتحنا باب تجويز السهو ممن ذكر لم شق بمروي قط فوجب تأويله بما ذكرته؛ إذ به يحصل المقصود المذكور ويبقى اللفظ على حاله ثم رأيت الشارح أغلظ في الرد عليه وجعل نفث بمعنى أراد على حد ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]. ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على أن التوبة مؤخرة عن القتل؛ فالمعني جمع كفيه، ثم عزم على النفث فيهما فقرأ فيهما أو لعل السر في تقديم النفث على القراءة مخالفة السحرة البطلة على أن أسرار الكلام النبوي جلت عن أن يكون مشرع كل وارد، وزعم أنه جاء في صحيح البخاري بالواو كذب، وإنما الذي فیه الفاء. انتهى ملخصًا. (﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأَ) بيان ليمسح (بِهِمَا) في مسح المستطاع بأعالي بدنه فيمسح بهما (عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ) ثم ينتهي إلى ما أدبر من جسده (يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابنِ مَسْعُودٍ لَمَّا أُسْرِي بِرَسُولِ الله ◌ِّهِ فِي بَابِ المعْرَاجِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى). (الفصل الثاني) ٢١٣٣ - [عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ثَلاثَةُ تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: القُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنُّ، وَالأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ تُنَادِي: أَلا ١٢٣ كتاب فضائل القرآن مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهِ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ(١). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)]. (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ثَلاثَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيه تلويح بأن لها من الله تعالى خصوصية وقربًا معنويًّا أكثر من غيرها، واعتبارًا عنده بحيث يجزل أجر من حافظ عليها، ويشدد نكاله على من ضيعها كما أن الواقفين تحت عرش الملك فعظم قربهم منه بحيث يقرب من تقرب بهم، ويبعد من لم يحفظ حقوقهم، واختصت بذلك؛ لأن ما به وصلة الحق ورضاه، إما يختص به تعالى أو بعموم الناس أو بخصوص القرابة. فالأول (القُرْآنُ) لأنه وصلة بين العبد وربه فهو (يُحَاجُّ الْعِبَادَ) أي: يخاصمهم فيما ضيعوا من حقوقه بالإعراض عن حدوده وأحكامه ومواعظه وأمثاله وحكمه، ويصح على بُعد وشذوذ نصب العباد على نزع الخافض؛ أي: يخاصم عنهم لما ورد من التصريح به (لَّهُ ظَهْرٌ) أي: معانٍ ظاهر يفهمها أكثر الناس الذين عندهم أدوات فهمها، وهذا يستوي المكلفون فيه من الإيمان به والعمل بمقتضاه (وَبَظْنُ) أي: معان خفية وإشارات عليه لا يفهمها إلا خواص المقربين وأفراد من العلماء العاملين، لاحتياجهما إلى مزيد نقض عنها حتى يبرز ما هو المقصود منها أو حتى يتحلى الإنسان بحقائق قربها، ويتأهل لاستجلاء شهودها، وهذه يقع التفاوت في فهمها والتحلي بمعانيها بحسب الاستعداد وحصول الألطاف والإمداد، فمن فهم ذلك وقام بحقوقه فقد أدى بعض حقوق الربوبية، وقام بأفضل وظائف العبودية. (وَ) الثاني (الأَمَانَةُ) وهي التكاليف المرادة من قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ... ﴾ [الأحزاب: ٧٢] فالدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وأمانات الله تعالى عند عباده، فمن قام بحقها وأداها كما أمر بها فقد أدى حق الله وحق الناس ومن لا فقد خان الله وخان الناس. (١) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٢٦٨/٦). ١٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع (وَ) الثالث (الرَّحِمُ) وهو عموم القرابة من جهة الآباء أو الأمهات سميت ذلك اشتقاقًا للفظها من لفظ الرحمن لعظيم اعتنائه تعالى بحقوقها وشدة تأكيده في صلتها، وزجره عن قطعها، ومن ثم جعل تعالى لها صورة تمثيلية معلقة بالعرش (تُنَادِي) تارة (أَلا مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهِ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ) وتارة أخرى: ((اللَّهُمَّ صل من وصلني واقطع من قطعني، فيقول لها الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لأصلن من وصلك، ولأقطعن من قطعك))(١) فمن راعى حقوق الأقارب بحسب طاقته وقدرته فقد أدى حق الله فيهم، وخرج عن عهدته فهو حقيق أن يفيض الحق عليه من ثمرات صلاته ما يجبر كسره ويغني فقره. (رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ)) وقدم القرآن؛ لأنه أعظمها قدرًا مع أن القيام بحقه والعمل بما فيه يتضمن العمل بالآخرين، وأخر الرحم؛ لأنه أخصها وأفرده بالذكر مع اشتمال الآخرين عليه إعلامًا بأنه أحق بالحفظ وأولى بالمراعاة من سائر الحقوق وبأن صلته وقطيعته بهذه المرتبة الأكيدة من الوعد والوعيد. قيل: ويصح عود ضمير يتأدى يعجل من الثلاثة، وفيه تكلف وإنما المتبادر فيه وفي نحاج أن كلا خبر عما يليه أو حال منه تقدير الخبر محذوف؛ أي: منها القرآن حال كونه نحاج العباد وكذا الآخر، وعلى الخبرية فحمله له ظهر وبطن خير بعد خير وعلى الحالية هو جملة مستأنفة بيان لسبب مخاصمته لهم بأنه اشتمل على أمرين عظيمين رعاية ظواهره وبواطنه، وهما مظنة التفريط فيه المؤدي إلى مخاصمته لمن لم يقم بذلك. وهذا أولى مما قيل: إن هذه حال من ضمير نحاج بلا واو؛ أي: القرآن نجاح العباد مستنبطًا منهم هذا بعيد من حيث المعنى أيضًا، وأما جعل نحاج إلخ اعتراضًا فهو بعيد من السياق، وأيضًا فهو خلاف الأصل؛ لأنه ما يؤتى به بين أثناء الكلام أو بين (١) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (١١٣٧٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٧٠٢٥) إلى قوله: ((قطعني». ١٢٥ كتاب فضائل القرآن كلامين منفصلين في المعنى لمجرد التأكيد فلا يصار إليه إلا إذا لم يمكن غيره، وإنما لم يذكر للأمانة نظير ما قبلها ولا ما بعدها من نحاج أو يتأدى لفهم ذلك من ذكرهما أو استغناء بما للقرآن عما لها لما مر أنها داخلة في ضمنه بمحاجته محاجة عنها. ٢١٣٤ [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقٍ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَقِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَفْرَؤُهَا(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ والنَّسَائِيُّ]. (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ِ: يُقَالُ) عند دخول الجنة وتوجه العاملين إلى مراتبهم على حسب أعمالهم كما دل عليه السياق (لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ) أي: حافظه أو حافظ بعضه الملازم لتلاوته أو لتدبره، والعمل به والتأدب بآدابه وأصل الصحية للشيء حيوان أو جماد الملازمة له بالبدن وهو الأصل أو بالعناية والهمة، فالصاحب من يرافقك ببدنه ويوافقك فيما يهمك ويقاويك فيما ينفعك ويدافع عنك ما يضرك، وحينئذ فالصاحب هنا يحتمل أن يراد به الملازم للحفظ مع أدنى عمل أو العامل، وإن لم يحفظ والمراد الأول كما يأتي. (اقْرَأْ وَارْتَقِ) في درج الجنة لما جاء في الحديث الذي صححه الحاكم لكنه شاذ أنه *** قال: عدد درج الجنة عدد آي القرآن، ومن دخل الجنة من أهل القرآن فليس فوقه درجة؛ أي: إن كان من أهله حقيقة لا حفظًا فحسب وإلا كان المراد أنه ليس فوقه درجة لغيره من الحفاظ فلا ينافي ذلك ما يأتي أن فيها درجًا أعلى من درج الحفاظ. قال الداني: أجمعوا على أن عدد آي القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد فقيل: ومائتا آية وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة، وقيل: وتسع عشرة، وقيل: وخمس وعشرون، وقيل: وست وثلاثون وفي حديث عند الديلمي في ((مسنده)) كذاب خبيث (١) أخرجه الترمذي (٣١٦٢)، وأبو داود (١٤٦٦)، وأحمد (٦٩٧٤)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٥٢٣)، ولم أجد لفظه عند النسائي. ١٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ((درج الجنة على قدر آي القرآن، بكل آية درجة))(١) فتلك ستة آلاف آية ومائتا آية وست عشرة آية بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض. واستفيد من حديث المتن هنا، وحديث الحاكم أن من استوفى قراءة جميع آي القرآن استولى على أقصى درج الجنة، ومن لا كان رقيه إلى قدر منتهى قراءته هذا كله إن أريد بالصاحب المعنى الأول، وهو الذي يدل عليه السياق، بل يصرح به قوله: (وَرَتِّلْ) في قراءتك في الجنة التي هي لمجرد التلذذ والشهود الأكبر كعبادة الملائكة؛ إذ لا تكليف ولا عمل في الجنة (كَمَا كُنْتَ تُرَقِّلُ) في قراءتك (فِي الدُّنْيَا). ويؤخذ من هذا أنه لا ينال هذا الثواب الأعظم إلا من حفظ القرآن، وأتقن أداءه وقراءته کما ينبغي له، وأصل الترتيل مخارج حروف الإنسان وتحسينها، ومنه ثغر مرتل؛ أي: مفلج مزين يسطع نوره وبريقه ويشفى مسه ورتقه، وهذا أعلى ما يوجد من المحاسن الظاهرة فلذا طلب في نظم القرآن الكريم أن يزين بالترتيل الذي هو الثاني في القراءة على ما رسمه وبينه أئمتها حتى يكسبه ذلك أبهى رونق وأعظم حسن وزينة. فإن قلت: ما الدليل على أن الصاحب الحافظ دون الملازم للقراءة في المصحف؟ قلت: الأصل فيما في الجنة أنه يحكي ما في الدنيا صريح في ذلك على أن الملازمة له نظرًا لا يقال له: صاحب القرآن على الإطلاق، وإنما يقال ذلك لمن لا يفارقه القرآن في حالة من الحالات. وأيضًا ففي رواية عند أحمد يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه فقوله: معه صريح في أنه حافظه، وفي حديث عند الرامهرمزي: فإذا قام صاحب القرآن فقرأه آناء الليل وآناء النهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه وهو صريح في أن صاحب القرآن حافظه لا غير. وروى ابن النجار وغيره: ((من قرأ القرآن ثم مات قبل أن يستظهره أتاه ملك (١) أخرجه الترمذي (٣١٦٢) وأبو داود (١٤٦٦)، وأحمد (٦٩٧٤)، والبيهقي في «سننه» (٢٥٢٣)، ولم أجد لفظه عند النسائي. ١٢٩ كتاب فضائل القرآن في الجوف بأن حفظ هو أو بعضه يكون عامرًا مزينًا بحسب قلة ما فيه وكثرته، وإذا خلى عنه الجوف بأن لم يحفظ منه شيئًا يكون شعثًا مسودًا كالبيت الخرب الخالي عن الأمتعة التي قوامه بها. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ صَحِيحٌ) وفيه أكد الحث على حفظ القرآن والدأب فيه، وما ذكرته أن الحديث في حفظ القرآن وعدمه لا غير هو الظاهر الذي يدل عليه سياق المؤلف وأصله، وأما قول شارح في وجه التشبيه: إنه مثل خلو جوف الإنسان عما لا بد له منه من التصديق والاعتقاد الحق، والتفكر في آلاء الله ومحبته لله وصفاته ببيت خال عما يقومه من الأمتعة فبعيد، وإن كان صحيحًا في نفسه ولو كان الأمر كذلك لما ناسب ذكر الحديث في هذا المبحث. ٢١٣٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: يَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللّه عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: يَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ) أي: تحفظه والتدبر في معانيه والعمل بما فيه (عَنْ) الإكثار من (ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي) الخارجين عن القرآن (أَعْطَيْتُهُ) بسبب ذلك من الثواب الذي من جملته قضاء المآرب وإجابة المطالب (أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ) أي: أفضل الثواب الذي أعطيه للسائلين؛ لأن المشغول بذلك قائم بما يوجب رضا الله عنه. وذكره له بأن يفيض عليه من مزاياه ما لم يكن في حسابه، وكان القياس في الذاكرين وكان وجه الاستغناء عنهم بالسائلين أنهم من جملتهم من حيث أنهم سائلون بالفعل أو القوة؛ إذ لسان كل مخلوق ناطق بالسؤال والافتقار إلى نعم الحق وتفضلاته، (١) أخرجه الترمذي (٢٩٢٦)، والْبَيْهَقِيُّ في ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (٢٠١٥)، والدارمي (٣٣٥٦). ١٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ثم بين وجه تميز القرآن على غيره من الأذكار والدعوات بقوله: (وَفَضْلُ كَلَامِ اللّه عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ الله عَلَى خَلْقِهِ) ظاهره أن الفضل في المشبه والمشبه به بمعنى واحد وهو كذلك؛ إذ هو التميز بالوصف الأعلى. فإن قلت: الظاهر أن المراد بالقرآن ألفاظه؛ لأن المفضل عليه كذلك وبالكلام الكلام النفسي، وحينئذ فكيف يلتئم سبق قوله: ((وفضل كلام الله ... إلخ)) دليلاً لما قبله؟ قلت: أما كون المراد من القرآن الألفاظ فواضح، ومن الكلام النفسي، فمحتمل ويحتمل أن المراد به الألفاظ أيضًا، فعلى هذا لا إشكال وعلى الأول؛ فوجه الدلالة أن القرآن بمعاني الألفاظ دال على الكلام النفسي، والدال يعطي شرف المدلول. فكما أن الكلام النفسي متميز على غيره بالوصف الأعلى الذي هو كونه صفة من صفات الحق القديمة القائمة بذاته العَلى؛ فكذلك الدال على هذه الصفة من الألفاظ القرآنية متميز بكونه دالاً على تلك الصفة العالية فيثبت له شرفها. وفي الحديث تصريح بأن القرآن أفضل من سائر الأذكار، ومحله في الذكر المطلق أما المقيد بوقت أو محل أو حال مخصوص بالاشتغال به في ذلك الوقت أو المحل أو الحال المخصوص أفضل من الاشتغال بالقرآن؛ لأن الشارع لما قيده بذلك الخصوص كان طلبه فيه أكد من طلب غيره لحكمة يعلمها قد تظهر لنا وقد لا. وفي حديث مرسل رجال سنده ثقات، ورواه الحاكم في ((تاريخه)) موصولاً عن علي - كرم الله وجهه - القرآن أفضل من كل شيء دون الله، ثم قال: فمن وقر القرآن فقد وقر الله ومن لم يوقر القرآن فقد استخف بحق الله، وحرمة القرآن عند الله تعالى كحرمة الوالد على ولده، القرآن شافع مشفع وما حل مصدق فمن شفع له القرآن شفع ومن محل به القرآن صدق، ومن جعل القرآن إمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار. حملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله الملبسون نور الله المتعلمون كلام الله ١٣١ كتاب فضائل القرآن من عاداهم فقد عادى الله ومن والاهم فقد وإلى الله، يا حملة كتاب الله، استجيبوا لله استجيبوا لله بتوقير كتابه يزدكم حبًّا ويحببكم إلى خلقه يدفع عن مستمع القرآن سوء الدنيا، ويدفع عن تالي القرآن بلوى الآخرة ومستمع آية من كتاب الله خير له من صبر ذهبًا، وتالي آية من كتاب الله خير له مما تحت أديم السماء، وأن في القرآن لسورة تدعى العظيمة عند الله يدعى صاحبها الشريف عند الله تشفع لصاحبها يوم القيامة في أكثر من ربيعة ومضر وهي سورة يس (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)) وَقَالَ التَّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ). ٢١٣٧ [وَعَنِ ابْنَ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾: مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: ((الم)) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفُّ حَرْفُ وَلَامُّ حَرْفُ وَمِيمٌ حَرْفُ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ، غَرِيبٌ إِسْنَادًا]. (وَعَنِ ابْنَ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾: مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ الله) الظاهر أن المراد كما أفهمه قوله من كتاب الله: أن يقرأ حرفًا بنية كونه من القرآن، ثم يعوقه عائق عن أن يصم الله منه ما يصيره جملة مفيدة بخلاف من نطق بالقاف من ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] مثلاً ولم يضم إليها بقية الآية من غير عائق، فإن الظاهر أنه لا يثاب على ذلك، وإن نوى بذلك الحرف أنه من تلك الآية، ويحتمل أنه مع النية يثاب ويدل له ما ذكره بعض أئمتنا أن نطق الجنب من القرآن بنية كونه منه قائم به، وعلى الأول يفرق بأنه يحتاط لتعظيم القرآن مع الجنابة المنافية له ما لا يحتاط له من حيث الثواب (فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ) عظيمة (وَالْحَسَنَةُ) من حيث هي كما أفادته الآيات والأحاديث (بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) لا تتوهمون أني (لَا أَقُولُ: ((الم))) كلها (حَرْفُ) واحد. - - (١) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢١٦/١)، والترمذي (٢٩١٠)، والْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)» (١٩٨٣)، والدارمي بنحوه (٣٣٧٨). ١٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع (وَلَكِنْ أَلِفُّ حَرْفٌ وَلَامُ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ) قد يستشكل هذا بأن القياس أن كل واحدة من هذه الثلاثة ثلاثة حروف؛ لأن قارئها ينطق بثلاثة حروف متغايرة، فلم جعلت كل واحدة حرفًا واحدًا، وقد يجاب بأن المراد من كل واحدة منها مسماها، وهو حرف واحد؛ إذ هو ((الم)) وهذه المسميات هي الحروف. وأما ألف لام إلى آخره فهي أسماء لتلك الحروف فإطلاق الحروف عليها مجاز من إطلاق المدلول على الدال، ثم رأيت شارحًا ذكر نحو ذلك فقال: قوله: وميم حرف؛ يعني: مسمى ميم وهو مه تقرر أن لفظ ميم اسم لهذا المسمى فحمل الحرف في الحديث على المذكورات مجاز؛ لأن المراد منه في مثل ضرب في ضرب الله مثلاً كل واحد من صدوره وبه، فعلى هذا إن أريد بـ ((الم)) مفتتح سورة الفيل يكون عدد الحسنات ثلاثين، وإن أريد به مفتتح سورة البقرة وشبهها يبلغ العدد تسعين. انتهى. وإنما يتجه ما ذكره إن كان لفظ الحديث ﴿الم﴾ [البقرة: ١] المحاكية لأول (سورة الفيل)) أما إذا كانت لفظة (الم﴾ المحاكية لأول ((سورة البقرة)) مثلاً وهو ما يصرح رواية ابن أبي شيبة والطبراني: ((من قرأ حرفًا من القرآن كتبت له به حسنة، لا أقول ﴿الم * ذَلِكَ الكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢] ولكن الألف واللام والميم والذال واللام والكاف)) (١). وفي رواية للبيهقي: ((لا أقول: ((بسم الله)) ولكن باء وسين وميم، ولا أقول: ((الم)) ولكن الألف واللام والميم))(٢) فلا يكون ما قاله من أنها بتسعين موافقًا للفظ الحديث؛ لأنه مصرح بأن مجموع ألف حرف واحد، وكذا الباقي لكن المعنى يؤيد ما قاله إلا أن يلاحظ ما قدمته أنه ليس المقصود من المقر وحروف لفظ ألف، بل مسماه وهواه بدليل أن من تكلم في معاني تلك الحروف جعلها كذلك كقول بعضهم: الألف (١) أخرجه البخاري في (التاريخ الكبير)) (٢١٦/١)، والترمذي (٢٩١٠)، والْبَيْهَتِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)» (١٩٨٣)، والدارمي بنحوه (٣٣٧٨). (٢) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (١٩٨٣)، والطبراني في (الأوسط)) (٣١٤). ١٣٣ كتاب فضائل القرآن من الله، واللام من له، والميم من الملك. وحينئذ يتضح الحديث ويكون ﴿الم﴾ من أول البقرة بثلاثين لا بتسعين (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ صَحِيحٌ، غَرِيبٌ إِسْنَادًا). ٢١٣٨ - [وَعَنِ الْخَارِثِ الأَعْوَرِ قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِىِّ ◌َهُ فَأَخْبَرَتَهُ فَقَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، قُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: كِتَابُ اللهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَّكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ، وَهُوَ حَبْلُ الله الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيعُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١ - ٢] مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ مَجْهُولُ، وَفِي الْحَارِثِ مَقَالُّ]. (وعَنِ الْحَارِثِ الأعور قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ) بناس جالسين (فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ) أي: في الكلام فيها بما لا ينبغي، والظاهر أن المراد أحاديث الصفات المتشابهة، وأصل الخوض المرور في الماء، ثم استعمل غالبًا في الاشتغال بما لا ينبغي (فَدَخَلْتُ عَلَى عَلي ) خصه إما لكونه الخليفة؛ إذ ذاك أو لتميزه بقوله وحمله في حقه في الحديث الحسن خلافًا لمن قال: موضوع، ولمن قال: ضعيف إلا أن يريد أنه باعتبار إفراد طرقه ((أنا مدينة العلم وعلي بابها»(٤). (١) أخرجه الترمذي (٢٩٠٦)، وابن أبي شيبة (٣٠٠٠٧)، والدارمي (٣٣٣١)، والْبَيْهَِيُّ فِي («شُعَبٍ الْإِيمَانِ)) (١٩٣٥). (٢) أخرجه الترمذي (٣٧٢٣)، والحاكم (٤٦٣٩). ١٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع (فأخبرتُهُ) بخبرهم (فَقالَ أ) يقع منهم مثل هذه الخصلة القبيحة، وهي الخوض في الأباطيل، أو ما انطوى عنهم علمه (وَقَدْ فَعَلُوهَا؟) فالهمزة لإنكار ما قدر به بعدها الدال عليه واو العطف (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا) حرف استفتاح كـ ((ألا)) ليقبل السامع على ما بعده بكليته (إِنَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَل﴿ يَقُولُ: أَلَا إِنَّهَا) أي: القصة المبينة بقوله: (سَتَكُونُ فِتْنَةٌ) عظيمة منها بما يتعلق بأصول الاعتقاد، فالمراد بها الجنس لا خصوص هذه القضية. (قُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ) بفتح الميم اسم مكان أو مصدر (مِنْهَا) أي: السبب المانع للوقوع في الضلالات الناشئة عنها (يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: كِتَابُ الله) حصر للمخرج من غير تقدير مضاف قبله، كما علم من تفسيري له بما ذكر؛ لأن كون القرآن سببًا لذلك هو الواقع ولذا وصف فيما يأتي بأنه الحبل المتين، والحبل لغة السبب فتأويل شارح له بقوله: أي التمسك به غير محتاج إليه، وإنما كان القرآن كذلك؛ لأن كل من تأمل ما فيه من الأدلة والبراهين المتعلقة بأصول العقائد الدينية وفهمها على قوانينها العربية. ومن ثم قال الشافعي : ما ضل من ضل من الفرق الضالة إلا لجهلهم بلسان العرب، فقد هدي إلى سواء السبيل، وسلم من سائر طرق البدع والتضليل ولم لا و(فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ) عابر بينهما نفسًا (مَا بَعْدَكُمْ) أي: خبر ما كان وما سيكون (وَحُكْمُ مَا) وقع أو يقع (بَيْنَكُمْ) من الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أن يحتاج إلى علمه من حيث الإجمال أو التفصيل بحسب المراتب والمواهب. ثم رأيت شارحًا فرق بين البناء، والخبر بأن البناء خبره، وفائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن فلا يقال: للخبر في الأصل بناء حتى يتضمن هذه الأشياء، وأما الأحوال الآتية من المغيبات كأمارات الساعة وأحوال القيامة فهي مناسبة للخبر؛ لأنه يقال: أخبر عن الغيوب، ولا يقال: أنبأ والحال يناسبها الحكم والقضاء، وأخبر بال ١٣٥ كتاب فضائل القرآن خص النبأ بالأخبار الماضية، والخبر بالأحوال الآتية والحكم بالحال حصرًا للأزمنة كلها، وأوصاف كلاً من الألفاظ إلى ما يناسبه، فإن البناء فيه معنى الإخبار الذي ينبه السامع على أمر خطير ذهل عنه السامع قال تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَلٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] فإذن ناسب أن يضاف إلى الأخبار الماضية. انتهى، ودعواهما الفرق بين البناء والخبر بما ذكراه يحتاج إلى سند من اللغة، بل لا سند لهما فيه، وأما ما ادعياه فأكثره قابل للمنع فتأمله. (هُوَ الْفَصْلُ) مقتبس من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُّ فَصْلُ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣ - ١٤] أي: هو مقصور على كونه فاصلاً بين الحق والباطل، وأثر المصدر للمبالغة كرجل عدل (لَيْسَ) شيء منه ملتبسًا (بِالْھَزْلِ) بل هو جد کله، فلا یتساهل لشيء منه؛ لأن جميع أجزائه معرب عن أمر خطير، وأي خطير من نظم بديع ومعنى غزيز وتحقيق منيع وبرهان جلي وتبيان علي. (مَنْ تَرَكَهُ) إعراضًا عنه (مِنْ) بيانية (جَبَّارٍ) حال من ضمير تركه إعلامًا بأن سبب إعراضه تجبره وكبره الغير اللائق بذلته وعبوديته، ومن ثم صحَّ ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني واحدًا منهما قصمته))(١). (قَصَمَهُ اللهُ) أي: أهلكه يحتمل الإخبار والدعاء، وأصل القصم الكسر والإماتة، وإنما كان تركه كذلك فيه هذا الوعيد؛ لأن المراد ترك ما يجب العمل بذمته أو ترك تعظيمه بأن استهزأ أو احتقر لشيء منه، فإن الأول فسق أو يؤدي إليه، والثاني كفرًا اتفاقًا. (وَمَنِ ابْتَغَى) أي: طلب (الهُدَى فِي) سببية (غَيْرِهِ) أي: بسبب تمسكه (بغيره) الذي ليس مأخوذًا منه، ولا من السنة ولا من الإجماع ولا من القياس، بل في الحقيقة هذه كلها مأخوذة منه فهي ليست غيرًا له (أَضَلَّهُ اللهُ) عن طرق الهدى وأدحضه في سبل الردى (وَهُوَ حَبْلُ الله الْمَتِينُ) أي: المسبب القوي إلى الوصول إلى قربه، ورضاه (١) أخرجه الحاكم (٢٠٣) وقال: صحيح على شرط مسلم. ١٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع تعالى فهو الوصلة التي لا يسع مزيد الترقي إلى معارج القدس أن يعتمد إلا عليها. (وَهُوَ الذِّكْرُ) قيل المراد المذكور والأحسن أن يراد المذكور بكل نافع وضار مع حثه على تحري الأول، وتجنب الثاني (الْحَكِيمُ) أي: المحكم بوصول لفظه إلى أعلى غاية الفصاحة، ومعناه إلى أكمل نهاية في البلاغة، فلذلك لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما أراد أحد معارضته إلا استعجل قواصم حتفه أو ذوا الحكمة العلمية والعملية لاشتماله على الحقائق الأهلية والدقائق العرفانية. (وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ) أي: الطريق القويم الذي من سلكه نجا، ومن زاغ عنه غوی. (هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ) أي: يميل عن الحق (بِهِ) أي: بسبب اتباعه والعمل بما فيه، وقيل: يحتمل أنها للبعدية؛ أي: لا يميله أهل الأهواء الباطلة إلى ما يؤدونه من تبديله وتحريفه، وفيه (الأَهْوَاءُ) أي: بل تستمر جارية الأداء على سن الاستقامة سالكة لسبيل السلامة فلا يتطرق إليها بدعة ولا ضلالة، وإنما يترادف عليها أنوار الإرشاد والهداية، وزعم شارح أن المراد أهل الأهواء غير محتاج إليه لما علمت من صحة ذلك في الأهواء نفسها. (وَلَا تَلْتَبِسُ) أي: تختلط (بِهِ الأَلْسِنَةُ) أي: لا يمكنها أن تنطق بغيره معه لعلمها بأن كل سامع يقضى بتميزه عن غيره بالبديهة والسلاقة؛ ولأن الله تكفل بحفظه إلى رفعه من المصاحف قرب الساعة، قال عز قائلاً: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَخَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أو لا يتعسر عليها قرابة، وإن كان أهلها عجمًا؛ لأن الله تعالى تكفل بتيسيره قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]. (وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ) لأنهم وإن ارتقوا في سائر العلوم إلى غاياتها لا يمكنهم أن يحيطوا بكنهه، وما احتوى عليه من المعاني والإشارات حتى يقفوا عن طلب غوره، والبحث عن دقائقه وقوف من أحاط بشيء وشبع منه، بل هم لا يزالون يترقون ١٣٧ كتاب فضائل القرآن في فهم ما اشتمل عليه من الحقائق، وأشار إليه من الدقائق لا يظهر لهم غامض ولا ينكشف عنهم ساتر إلا ورأوا أن ما أحاطوا به قطرة من بحر، ونقرة من نهر كيف، وقد اندرج فيه بيان الموجودات بأحكامها والمغيبات خاصها وعامها ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]. (وَلَا يَخْلَقُ) أي: لا يبلى ويسمج ويمج (عَن) أي: مع (كَثْرَةِ الرَّدِّ) أي: ترداده وتكراره على الألسنة والأسماع، ككلام المخلوقين المقول فيه جبلت النفوس على معاداة العادات، بل هو مع ذلك باق على باهر رونقه ولذة قراءته وسماعه، بل كلما ازداد العبد من تكرار قراءته أو سماعه ازدادت حلاوته عنده، وإن لم يفهمه فكيف بمن يفهمه؛ لأنه ما من مرة إلا ويظهر له فيها من المعلومات الكثيرة والعجائب البديعة ما لم يظهر له في التي قبلها كما قال: (وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ) فإنه اشتمل منها على ما لا نهاية له. (هُوَ الَّذِي) لاشتماله على هذه الصفات العلية (لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ) أي: لم يتكففوا وقت سماعهم له عنه، بل أقبلوا عليه لما بهرهم يبادروا إلى الإيمان به وبالغوا في مدحه (حَتَّى قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾) شأنه (﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾) وهو ضد الغي (﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾﴾ [الجن:١ -٢]. (مَنْ قَالَ) قولاً ملتبسًا (بِهِ) بأن يكون على قواعده ورونق أدلته (صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ) أي: بما دل عليه (أُجِرَ) أجرًا عظيمًا؛ إذ هو لا يحث إلا على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال (وَمَنْ حَكَمَ بِهِ) أي: بما دل عليه القرآن في الوقائع التي تطلب من القضاة والعلماء الحكم أو الإفتاء فيها (عَدَلَ) في حكمه لنا؛ لأنه لا يكون إلا بالحق (وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ) أي: إلى حفظه والعمل به (فَقَدْ هُدِيّ) يصح بناؤه للفاعل وللمفعول (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ، وَفِي الْحَارِثِ) الراوي له عن علي (مَقَالُّ) أي: مكان قول وطعن فيه، وفي (شرح مسلم)) للنووي عن الشعبي أنه روى عن الحارث الأعور، وشهد أنه كاذب. ١٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ٢١٣٩ - [وَعَنْ مُعَاذٍ الْجُهَنِيّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ مَنْ قَرَّأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟(١) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ ◌َّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ) أي: حفظه عن ظهر قلب (وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أَلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: أعطيا ملكًا عظيمًا في ذلك اليوم؛ لأنه مما يكنى به كما يكنى عنه أيضًا يقعد على السرير كذا، قيل: فإن كان عن توقيف وإلا فلا وجه لصرفه عن ظاهره الذي يصرح به قوله: (ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ) أثره على أنور وأشرق (مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ) حال كونها (فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا) إعلامًا بأن تشبيه التاج مع ما فيه من نفائس الجواهر بالشمس ليس لمجرد الإشراق والضوء، بل مع رعاية ما فيه من الزينة والحسن، وبأن هذا من باب التتميم منعًا من رعاية ما فيها من الإحراق، وكلال النظر بسبب أشعتها كما أن قوله: (لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ) تتميم للمبالغة، فإن الشمس مع ضوئها وحسنها لو كانت داخل بيوتنا كانت أبين وأتم مما لو كانت خارجة عنها، وإذا كان هذا جزاء والديه لكونهما تسببا في وجوده (فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟!) القرآن مع حفظه له المذكور في قوله: من قرأ إلخ؛ أي: بجزائه الذي لا يحيط به إلا المتفضل به. كما أفادته ما الاستفهامية المؤكدة للمعنى، فخبر الظان في كنه معرفة ما يفاض على القارئ العامل به مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد). ٢١٤٠ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ، ثُمَّ أَلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ(٢). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]. (١) أخرجه أحمد (١٥٦٨٣)، وأبو داود (١٤٥٣)، والحاكم (٢٠٨٥)، والْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (١٩٤٨)، وأبو يعلى (١٤٩٣). (٢) أخرجه أحمد (١٧٨٧١)، والدارمي (٣٣٧٣). ١٣٩ كتاب فضائل القرآن (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴿ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َ﴿ يَقُولُ: لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ) بفرض تجسمه إذ تجسيم المعنى جائز كما مرَّ (في إِهَابٍ) أي: جلد لم يدبغ (ثُمَّ) هي على بابها أو لتأخير الرتبة إعلامًا بأن كلاً من الجعل في الاهاب والإلقاء في النار لا يناسب رتبة القرآن، وأن الثاني أعلى في ذلك من الأول (أَلْقِيَ فِي النَّارِ مَا اخْتَرَقَ) لأن فيه من ينابيع الرحمة وأنهار الحكمة ما يخمد تلك النار ويطفئها، وإذا كان هذا شأنه مع هذا الجلد الحقير الذي جاوزه ساعة، فما ظنك بخوف الحافظ له والعامل به الذي استقر فيه أزمنة عديدة ومددًا مديدة فيكون حفظه لخوفه من نار البعد والحجاب ونار جهنم أحرى وأولى وأبلغ وأقوى هذا هو الذي ظهر لي في معنى هذا الحديث، ثم رأيت بعضهم قال: كان هذا معجزة القرآن في زمنه ﴾ كما تكون الآيات في عصر الأنبياء. انتهى. وكل ذي ذوق سليم يستبعد ذلك ويقضى عليه بالتكلف، بل وعدم الصحة كما يشير لذلك قولي بفرض تجسمه، وآخر قال: المعنى من علمه الله القرآن لم تحرقه نار الآخرة، فجعل جسم حافظ القرآن كالإهاب له. انتهى. وفيه قصور وإن أيده في ((شرح السنة)) بما روي عن أبي أمامة احفظوا القرآن، فإن الله لا يعذب بالنار قلبًا وعى القرآن، وقال لمحمد: معناه لو كان القرآن في إهاب؛ يعني: في جلد في قلب رجل لرجا أن القرآن محفوظ في قلبه ألا تمسه النار، وهو موافق أيضًا لبعض ما ذكرته، وشارحًا قال: إنما ضرب المثل بالإهاب؛ لأن الفساد إليه أسرع ولفح النار فيه أقوى لشدة يبسه وصلابته بخلاف المدبوغ للينه، والمعنى لو قدر أن يكون القرآن في إهاب ما مسته النار لتركه القرآن، فكيف بالمؤمن الذي تولى حفظه والمواظبة عليه، والمراد بالنار نار الله الموقدة المميزة بين الحق والباطل، ورجحه القاضي ورجح غيره الجنس وهو الأوفق بما قدمته. والطيبي قال: الذي في أكثر النسخ ما مسته، وهو أولى من احترق؛ لأن التمثيل وارد للمبالغة والفرض والتقدير، فلو كما في قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا ... ﴾ [الكهف: ١٠٩] أي: ينبغي ولحق أن القرآن لو كان في مثل هذا الشيء الحقير، وألقى في ١٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع النار ما مسته، فكيف بالمؤمن الذي هو أكرم خلق الله وأفضلهم؟ وقد وعاه في صدره وتفكر في معانيه، وواظب على قراءته وعمل بما فيه بجوارحه فكيف تمسه فضلاً عن أن تحرقه؟ وبهذا التأويل وقع التناسب بين هذا الحديث والذي قبله، وحسن التشبيهات في المبالغة من نيل الكرامة، والتوقي عن الخزي اللازم لمن دخل النار، فإذا المعنى من قرأ القرآن، وعمل بما فيه ألبس والداه تاجًا، فكيف به هو ولو جعل القرآن في إهاب، وألقى في النار ما مسته، فكيف بالتالي العامل. انتهى ملخصًا (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ). ٢١٤١ - [وعَنْ عَلِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَاسْتَظْهَرَهُ، فَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَحَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّاوِي لَيْسَ هُوَ بِالقَوِيِّ، يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ]. (وَعَنْ عَلِيٍّ ◌ُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: مَنْ قَرَأَّ الْقُرْآنَ فَاسْتَظْهَرَهُ) أي: حفظه عن ظهر قلبه حفظًا كاملاً، وأتقن حروفه ومعانيه إتقانًا بالغًا، ومن ثم فرَّع عليه باعتبار إتقان معانيه الحامل على العمل به قوله: (فَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ) أي: اعتقدهما مع فعله للأول وتركه للثاني (أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ) مع السابقين الفائزين (وَشَفَّعَهُ) من الشفاعة، وهي سؤال التجاوز عن الذنوب والجرائم، وإنما يشفع هذا؛ لأنه قام بنقص مراتب الأنبياء من التحليل والتحريم، ودعا الناس إلى العمل بهما. (فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) أي: إن أريد تعذيبه، وفيه رد لقول المعتزلة: إنما تكون الشفاعة في رفع الدرجات دون حط الوزر بناء على ما أقروه أن مرتكب الكبيرة، تجب خلوده في النار ولا يمكنه العفو عنه (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ الِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبُ، وَحَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّاوِي لَيْسَ (١) أخرجه الترمذي (٢٩٠٥)، وأحمد (١٢٧٧)، وابن ماجه (٢١٦)، وابن عدي (٣٨٠/٢)، والْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)) (١٩٤٧)، وابن عساكر (٩٢/١١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٥١٣٠). ١٤١ كتاب فضائل القرآن هُوَ بِالقَوِيٌّ، يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ). ٢١٤٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ لأَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَرَّأَ أُمَّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي الثَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقرآن مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعُ مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتَهُ(١). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مِنْ قَولِهِ: (مَا أَنْزِلَتْ)) وَلَمْ يَذْكُرْ أُبَيّ بْنَ كَعْبٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لأَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: كَيْفَ تَقْرَأْ فِي الصَّلَاةِ؟) أي: ما حال السورة التي تقرأ بها في صلاتك، هل هي مجزيتك لو اقتصرت عليها، وهل الفاتحة أولاً، أو غيرها، أو هل هي من مجامع السور المشتملة من المعاني الجليلة في الأخلاق والمعارف والحِكم واللطائف على ما يوجب الخشوع، وكمال المعرفة والشهود كسورة العصر والماعون والإخلاص والفاتحة. ومن ثم قال: مبينًا للمراد بكيف (فَقَرَأَ) أُبِي (أَمَّ الْقُرْآنِ) أو ليست كذلك كسورة الفيل أو تبت وتقريري هذا الاستفهام بكيف على ما ذكرته هو الوجه، فإن قلت: إن كان المعلوم من الصحابة أنهم يقرؤون الفاتحة فجواب أبي لم يفد شيئًا أو عدم قراءتها كان دليلاً لمن يقول: إنها ليست ركنًا قلت: يختار الأول وجواب أبي في غاية الدقة؛ لأنه يحتمل أنه ظن أن السؤال عن سورة جامعة، فبين أنه لا أجمع من الفاتحة وكونها ركنًا أو غير ركن لا دخل له في ذلك والثاني، وركنها إنما جاء من أحاديث آخر كلا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن. ثم رأيت الشارح حكى نحو ما ذكرته احتمالاً، وحكى احتمالاً آخر في مقابلته وهو أن يقدر يقرأ أم القرآن مرتلاً مجودًا، ولم يرجح واحدًا منهما، وقد علمت أن الوجه ما ذكرته لا سيما مع ملاحظته ما عقب به، ذكر أم القرآن مما يصرح بأن المراد (١) أخرجه أحمد (٨٦٦٧)، والترمذي (٢٨٧٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٢٠٥)، والدارمي (٣٤٣٦)، وأبو يعلى (٦٤٨٢). ١٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع الاستفهام عن حال السور الجامعة لما في معاني سور أخرى ليحمله ذلك على قراءتها بقوله: (فَقَّالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقرآن) سورة (مِثْلُهَا) أي: الفاتحة في جمعها مع قلة حروفها من المعاني ما لم يشتمل عليه سور أخرى أطول منها. ومن ثم عدلت ثلثي القرآن كما مر بتوجهه ثم بين وجه هذا المعنى بقوله: (وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتَهُ) ومر الكلام عليه مبسوطًا مما لا يستغنى عن مراجعته (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى الدَّارِيُّ مِنْ قَولِهِ: ((مَا أَنْزِلَتْ)) وَلَمْ يَذْكُرْ أَبِيَ بْنَ كَعْبٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). ومفهومه أن من القرآن ما نزل مثله فيها لم ينزل مثله غير الفاتحة وعلى أحد من الأنبياء آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة كما في أحاديث ذكر في هذا الكتاب بعضها. وأول تلك الخواتيم: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وروي عن كعب: ((أولها: ﴿لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]». و(السبع الطوال)) كما في حديث البيهقي، لكن فيه: ((وأعطي موسى منها آیتین)»(١). و﴿إِنَّاللّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] كما في حديث الطبراني: ((ومما أنزل مثله سورة سبح كلها في صحف إبراهيم)) (٢). وروي عن السدي: ((وفي صحف موسى)). وأخرج الحاكم عن أبي أمامة قال: ((أنزل الله على إبراهيم: ﴿التَّائِبُونَ العَابِدُونَ﴾ إلى ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢] و﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ إلى ﴿خَالِدُونَ .. ﴾ [المؤمنون:١ - ١١] ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ .. ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وفي (١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٣٢٦). (٢) أخرجه الحاكم (٢٨٨٢) بلفظ: ((لما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال رسول الله صل﴾: (( كلها في صحف إبراهیم وموسی)).