النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب فضائل القرآن الكلام على ذلك مستوفى، وأنه الحق الذي لا مرية فيه فمن أول أعظم؛ بمعنى: عظيم، وأفضل؛ بمعنى: فاضل كقوله تعالى: وهو أعلم بكم وهو أهون عليه؛ أي: عالم وهين فقد أبعد؛ لأن العقل في هذين يوجب تأويلهما بخلافه فيما نحن فيه، فإن أفعل فيه يصح بقاؤها على ظاهرها، فلا يعدل إلى تأويلها لشيء تخيله العقل، وقد مرَّ رده وأنه لا یتوهم. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وإنما كانت آية الكرسي أعظم الآيات وسيدتها لأمور منها عظيم مقتضاها؛ إذ الشيء إنما يشرف بشرف ذاته وهي اشتملت على إثبات الذات والصفات والأفعال ومعرفة هذه الثلاثة هي المقصد الأقصى في العلوم وما عداه مانع له، والسيد اسم للمتبوع المقدم بقوله: ﴿الله﴾ إشارة إلى الذات ﴿لَا إِلَّهَ إِلَّا هُوَ﴾ إشارة إلى توحيد الذات ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إشارة إلى صفة الذات وجلاله، فإن معنى القيوم الذي يقوم بنفسه ويقوم به غيره، وذلك غاية الجلال والعظمة ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌّ﴾ تنزيه وتقديس له عما يستحيل عليه من أوصاف الحوادث والتقديس عما يستحيل أحد أقسام المعرفة له ما في السموات وما في الأرض إشارة إلى الأفعال كلها، وأن جميعها منه وإلیه. ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّ بِإِذْنِهِ﴾ إشارة إلى انفراده بالملك والحكم والأمر، وأنه لا يملك الشفاعة عنده في أمر من الأمور إلا من شرفه بها وأذن له فيها، وهذا نفي للشركة عنه في الملك والأمر ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ إلى شاء إشارة إلى صفة العلم وتفصيل بعض المعلومات والانفراد بالعلم حتى لا علم لغيره إلا ما أعطاه ووهبه على قدر مشيئته وإرادته ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ إشارة إلى عظمة ملكه وكمال قدرته ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ إشارة إلى صفة العزة وكمالها وتنزيهها عن الضعف والنقص ﴿وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إشارة إلى أصلين عظيمين في الصفات. وحينئذ فلا تجد في آية غيرها جميع هذه المعاني حتى آية ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ ١٠٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع [آل عمران: ١٨] إذ ليس فيها إلا التوحيد و﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] ليس فيها إلا الأفعال، والإخلاص ليس فيها إلا التوحيد والتقديس، والفاتحة فيها الثلاثة لكنها مرموزة لا مشروحة نعم يقرب منها في جمعها آخر الحشر وأول الحديد؛ ولكنها آيات لا آية واحدة على أنها تميزت على تلك بالحي القيوم وهو الاسم الأعظم عند کثیرین. ومنها: إنها اشتملت على ستة عشر موضعًا فيها اسم الله لفظًا أو ضميرًا، بل إن عد المستحمل في الحي القيوم العلي العظيم، والفاعل في حفظها المضاف لمفعوله كانت أحدًا وعشرين، قيل: سورة الإخلاص تفضلها بأنها سورة دفع التحدي فيها دون الآية، وبأنها اقتضت التوحيد في خمسة عشر حرفًا؛ أي: كلمة لكن يعارضه ما قيل: إنما طلب من زائر القبور قراءة الأحد إحدى عشرة مرة؛ لأن كلماتها كذلك، ويجاب بأن الكلمات يختلف العادون فيها فبعضهم يراعي الكلمة النحوية، وبعضهم يراعي الكلمة العرفية، وبعضهم يعتبر المستقل والتابع، وبعضهم المستقل فقط. وحينئذ فلا تنافي بين عدها أحد عشر وخمسة عشر، وآية الكرسي اقتضته في خمسين حرفًا؛ أي: كلمة وبهذا يظهر القدرة في الإعجاز حيث عبر عن معنى بخمسين، ثم عن حاصله بخمسة عشر. وفي حديث عند أحمد: ((إنها تعدل ربع القرآن))(١) وإنما وصفت بأمرين كونها أعظم آي القرآن كما مر، وكونها ((سيدة آي القرآن)»(٢) كما في حديث الترمذي والحاكم، ولم توصف الفاتحة بالسيادة، بل بالأعظمية والأفضلية. قال الغزالي: لأن الجامع بين فنون الفضل وأنواعها الكثيرة يسمى أفضل، فإن الفضل هو الزيادة، والأفضل هو الأزيد، وأما السؤدد فهو رسوخ معنى الشرف الذي (١) أخرجه أحمد (١٣٦٥٥). (٢) تقدم تخريجه. ١٠٣ كتاب فضائل القرآن يقتضي الاستتباع، والفاتحة تقتضي التنبيه على معان كثيرة ومعارف مختلفة فكانت أفضل، وآية الكرسي تشتمل على المعرفة العظمى التي هي المقصودة المتبوعة التي يتبعها سائر المعارف، فكان اسم السيد بها أليق. انتهى. ٢١٢٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: وَلَنِي رَسُولُ اللهِ وَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللّه لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، قَالَ: إِنِي مُحْتَاجُ وَعَلَّ عِيَالُ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، شَكَا حَاجَةٌ شَدِيدَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا أَنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْتُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ قَالَ: دَعْنِي، فَإِّ مُحْتَاجُ وَعَلَّ عِيَالُ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَِّ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: أَمَا أَنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْتُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّتٍ، إِنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانُ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وََّ: مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ: زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللّهُ بِهَا، قَالَ: أَمَا أَنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، وَتَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ؟ قلت: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ الله ◌َِّهِ يحِفْظِ) أي: في حفظ؛ أي: فوض إليَّ ذلك فالوكالة هنا مأخوذة بمعناها اللغوي، وهو مطلق تفويض أمر للغير (زَّكَاةٍ (١) أخرجه البخاري (٢٣١١). ١٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع رَمَضَانَ) هي زكاة الفطر كانوا يجمعونها، ثم تفرق على مستحقيها وأضيفت إليه؛ لأن إدراك جزء من آخره شرط في إيجابها؛ ولأنها تجبر ما يقع خلال الصوم مما ينقصه وتمنع كماله، فهي بمعنى اللام وتجويز كونها بمعنى ((من)) كخاتم فضة بعيد، بل لا يصح؛ لأن شرط هذه أن يكون المضاف إليه نوعًا من المضاف، والزكاة مع رمضان ليست كذلك. واستفيد منه أنه يتعين على الإمام جمع الزكوات، وإقامة من يحفظها إلى أن يوصلها لمستحقيها (فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ) أي: شرع (يَحْثُو) أي: ينثر (مِنَ الطَّعَامِ) في إنائه أو ثوبه (فَأَخَذْتُهُ) أي: أمسكته (وَقُلْتُ: وَالله لأَرْفَعَنَّكَ) أي: والله لأذهبن بك (إِلَى رَسُولِ الله وَّة) لأعلمه بك، وقائمًا فوضه إلي من الحفظ المقتضي لمنع كل خائن أو رفع من سرق أو اختلس شيئًا إليه ليجده أو يعزره بحسب ما يراه (قَالَ: إِنَّ مُحْتَاجٌ) أي: وهذا للمحتاجين. (وَعَلَّ عِيَالُ) أي: نفقتهم (وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةً) إلى ما أخذته، وهو تأكيد لما قبله بوجه أقوى أو تأسيس حملاً لقوله محتاج على أنه فقير في نفسه، ولهذا على أنه محتاج لأجل عياله، وأن الحاجة لأجلهم أشد؛ لأنه يصير أكثر منهم، واقتصار أبي هريرة على الأخير في قوله الآتي: شكى حاجة شديدة يؤيد التأكيد الذي ذكرته خلافًا لما جزم به شارح من التأسيس. (قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ) هذا اجتهاد منه ظُ حمله عليه ما أشرت إليه أن هذا الطعام معدود للمحتاجين فمن أخذ منه شيئًا وهو محتاج ملكه والحراسة المفوضة إليه إنما هي من غير المحتاج، وسكوته وي لهم الآتي إقرار له على ذلك، وهو مشكل على مذهبنا أن إقرار الزكاة مع النية لا يبيح للمستحق أخذها لتوقفه على الإعطاء المفوض إلى خيرة المالك بنفسه، أو نائبه نعم إن انحصر المستحقون في ذلك المحل بأن كانوا ثلاثة من كل صنف ملكوها. وجاز لهم بعد النية والإقرار الاستبداد بأخذها، وحينئذ فواقعة أبي هريرة ١٠٥ كتاب فضائل القرآن محتملة فلا يرد علينا، فإن قلت: يمكن الجواب باحتمال أنه أخذه منه قلت: هذا بعيد من السياق كما يأتي، والاحتمالات البعيدة لا ينظر إليها (فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ الشَّيُّ وَّهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟) استفهام تقرير؛ لأن الله تعالى أطلع نبيه وَلّ على ما وقع لأبي هريرة وما سيقع له معه، فأراد إعلام أبو هريرة بذلك واختاره بأنه سیعود. (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، شَكَا حَاجَةٌ شَدِيدَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أُمَا) هي للاستفتاح على تخفيف ما بعدها (أَنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ) إذ لا حاجة به ولا عيال يحتاج لأجلهم سببًا (وَسَيَعُودُ) إليك، فكن على حذر منه (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وَّةِ: إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ) أي: راقبته يأتي ليلة لأمسكه (فَجَاءَ يَحْتُو) حال مقدرة؛ لأن الجثو عقب المجيء لا معه، ويحتمل أن التقدير فجاء وطفق يجثو (مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ قَالَ: دَعْنِي، فَإِنَّ مُحْتَاجُ وَعَلَّ عِيّالُ) زاد هنا ((دعني)) لأنه طمع في الخلاص بمقتضى ما فعله معه أولاً وحذف ولي حاجة شديدة للعلم به من الأول. (لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ) قد يستشكل تخليته ورحمته له بعد قوله وَيه له: إنه قد كذلك وقد يجاب بأنه ظن بتقرير النبي وتلاه له على إطلاقه أول مرة أن كذبه لا يوجب حرمانه بالكلية، أو ظن أنه قد كذب في مجموع الإخبار بما ذكره لا في كل جزء منه، أو أنه قد تاب من كذبه (فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ◌ِ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟) لم يقل البارحة؛ لأنه لم يمض له بعد قوله له [ .... ] بخلافه في الأولى؛ لأنه لو أطلق ولم يقيد بالبارحة لتوهم أن السؤال عما فعل في عمره أو بعضه. (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، شَكَا حَاجَةٌ شَدِيدَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: أَمَا أَنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ) وإنما أقرهِ وَلّ على إطلاقه بعد أن بين له أنه كاذب؛ لأنه علم أن له عذرًا بظنه الذي ذكرته آنفًا أو لغيره (فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ◌ِ ﴾) ثم ذكر له ما يقطع طمعه في أنه يطلقه ١٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع فقال: (وَهَذَا) المجيء الذي جئته (آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، إِنَّكَ) تعليل لما تضمنه كلامه أنه لا يطلقه (تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ) وقول شارح: إنه صفة لثلاث مرات على أن كل مرة موصوفة بهذا القول الباطل فبعيد؛ لأنه لم يقل له ولا أعود إلا مرة واحدة وهي الثانية. (قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا) ومن ذلك النفع ما في حديث البيهقي من قرأها؛ يعني: آية الكرسي حین یأخذ مضجعه أمنه الله تعالی علی داره ودار جاره وأهل دويرات حوله، وقولي: إن هذا من جملة نفعها أولى من قول شارح أن ذلك النفع المطلق مقيد بهذا؛ لأن تقييد المطلق إنما صار إليه في الأحكام ونحوها. وإما بأن الثواب فلا امتناع لذلك الحمل فيه، بل النفع محتمل لهذا أو أكثر منه فذكر هذا لا ينفي غيره (إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ) لأجل النوم (فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسيِّ) وهي ﴿﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ) وآخرها وهو العلي العظيم (فَإِنَّكَ) تعليل للأمر منه (لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ) بعد قراءتها (مِنَ الله حَافِظٌ) یحفظك في بدنك ومالك ودينك وسائر ما يتعلق بك، ومن هنا الظاهر أنها داخلة على أمر محذوف الدلالة المقام عليه كهي في قوله تعالى له؛ أي: الآدمي معقبات؛ أي: ملائكة يعقبونه من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه من أمر الله؛ أي: بسبب أمره تعالى لهم بحفظه. وحينئذ فتقديره هنا لن يزال عليك ملك واحد أو أكثر؛ إذ هو للجنس حافظ لك بأمر الله تعالى له بذلك (وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانُ) لأذى ديني أو دنيوي فهو تأكيد لما قبله (حَتَّى) غاية لما بعد لن (تُصْبِحَ) أي: تدخل في الصباح وهو طلوع الفجر (فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ) ظاهره أنه هنا وفيما قيل: لم يأخذ منه الطعام الذي أخذه وبوجه عدم أخذه منه نظير ما مر قد يستشكل تخليته له هنا أيضًا بعد قوله ◌َّ له متكررًا: إنه كذبه وأنه سيعود ويجاب بأنه لما سمع منه هذه النصيحة الباهرة في الإخبار عما لا يخبر به عن حضرة الحق إلا لأهلها جوز توبته، بل قرينة حاله تؤكد هذا التجويز أو جوز صدقه في هذا، وإن كان قد كذبه قيل: غير مرة وبما تقررهنا وفيما من يعلم أنه لا إشكال فيما اقتضاه ظاهر السياق أنه أبقى معه ما أخذه. ١٠٧ كتاب فضائل القرآن ـسـ ولم يأخذه منه وإن كان مقتضى وكالته ◌َ ل# الوجوب لولا أنه مجتهد، وقد ظهر في اجتهاده أنه لا يجب النزع منه (فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ◌ِ: مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟) لم يقل البارحة هنا أيضًا لنظير ما مرَّ قريبًا (قُلْتُ: زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللّهُ بِهَا، قَالَ: أَمَا أَنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ) فيما قاله لك في أمر تلك الكلمات؛ لأنه إما إبليس أو من جنده، وإبليس له إحاطة بالقرآن ومنافعه وفضائله بسماعه لها من جبريل أو النبي وَ﴿ ﴿وَهُوَ كَذُوبٌ) في أغلب أحواله أو بالنسبة لما طبع عليه من الشر الذي لا غاية له كتزیین الحق باطلاً وعكسه، وهذا على حد المثل المشهور قد يصدق الكذوب، فهو تتميم واستدراك لما أوهمه صدقك أنه مدح له برفعه بصيغة المبالغة المثبتة لغاية ذمه وقبحه. (وَتَعْلَمُ) بحذف أداة الاستفهام (مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ؟ قَلَت: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانُ) مقتضى الظاهر شيطانًا؛ لأن السؤال عن مفعول يخاطب، وحكمه العدول عنه إلى ذلك تشخيصه ومزيد تعيينه ليدوم كمال الاحتراز عن كيده ومكره، ويكره في الموضعين إيذانًا بتغايرهما بناء على ما هو المشهور أن النكرة إذا أعيدت بلفظها كانت غير الأولى، ووجه تغايرهما أن الأول للجنس؛ لأن القصد منه نفي قربان تلك المنافسة له، والثاني لفرد منهم من أفراد ذلك الجنس؛ لأنه في مخاطب معين ثم هو يحتمل أنه إبليس؛ لأنه كان مع الملائكة الألوف الكثيرة من السنين قلة خبرة بالوحي، وهذا هو الظاهر ولم يعرفه إعلامًا به؛ لأنه يوهم أنه هو الأول لما هو المشهور أيضًا أن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى، وأنه غيره وعلم بذلك منه أو بسماعه له من النبي ◌َّ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). وفيه من إعلام نبوته #8# الإخبار عن الغيب، وهو ما وقع لأبي هريرة مع ذلك الشيطان المرة بعد الأخرى، ويُمكن أبي هريرة من أخذه وإمساكه وعدم قدرته على التخلص منه إلا بالحيلة أولاً وثانيًا، ثم بالتقرب إليه ثالثًا وذلك أبلغ وأبهر في المعجزة والكرامة من تمكنه ول8* منه؛ إذ إكرام التابع من حيث أنه تابع إكرام للمتبوع بوجه ١٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع أبلغ وأظهر، وفيه منقبة عليه لأبي هريرة، فإنه ما نال ذلك إلا ببركة صدقه ومتابعته له ﴿ل* حتى أعطاه الله ما أعطى نبيه؛ إذ تفلت الشيطان عليه فمكنه الله منه فأمسكه وأراد ربطه في سارية حتى يصبح ولدان المدينة يلعبون به، ثم أطلقه إجلالاً لسليمان الكلي: وفيه دليل على جواز رؤية الجن. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] المراد منه إنا لا نراهم على صورهم الأصلية التي خلقوا عليها لبعد التباين بيننا وبينهم في ذلك؛ لأنهم أجسام نارية في غاية الخفاء والاشتباه. ومن ثم قال الشافعي : من زعم أنه رأى الجن عزر لمخالفته القرآن بخلاف ما إذا تمثلوا بصور أخرى كثيفة، فإنه لا استحالة في رؤيتهم، بل ولا بعد وقد وقعت رؤيتهم في تلك الصور لمن لا يحصون كثرة. قيل: وفيه جواز تعلم العلم ممن لم يعمل بما يقول: بشرط أن يعلم المتعلم كون ما يتعلمه حسنًا في الشرع، وأما إذا لم يعلم حسنه وقبحه فلا يجوز أن يتعلم إلا ممن هو صاحب دیانة. انتهى. والتخيير بأنه ليس فيه دلالة على شيء من ذلك أصلاً، إما بالنظر للحديث فواضح، وإما بالنظر الإصغاء أبي هريرة له؛ فلأنه جوز صدقه في هذا وإن كذبه كما مر ثم قوله بشرط إلخ فيه نظر؛ لأن من تعلم حسن ذلك شرعًا عالم لا يحتاج لتعلم، وألحق في ذلك أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ العلم إلا عمن عرف صدقه وعدالته بالإخبار أو الاستفاضة. ٢١٢٤ - [وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ الَُّ: قَاعِدُ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َّ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابُّ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَظُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكْ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكْ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَظُ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيُّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ١٠٩ كتاب فضائل القرآن وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: بَيْنَمَا) مرَّ الكلام عليها في حديث جبريل أول الإيمان (جِبْرِيلُ الَّهُ قَاعِدُ عِنْدَ السَّبِيِّ ◌َله) أي: بين أو قال وحال كونه عنده (سَمِعَ نَقِيضًا) أي: صوتًا مثل صوت الباب (مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ) ظاهر السياق أن الضمائر الثلاثة لجبريل واختاره شارح؛ لأن جبريل أكثر اطلاعًا على أحوال السماء وأحق بالإخبار عنها، وقيل: هي للنبي وَ ◌ّله واختار غير واحد أن الأولين له وسلّم والأخير لجبريل؛ أي: لأن الظاهر ببادئ الرأي أن جبريل إنما حضر لإعلامه النبي وتقديم الغريب الآتي؛ فالأنسب جعل ذلك النقيض تنبيهًا له وَّه ليستعلم جبريل عنه فيقع إخباره له به على غاية من التوجه والتمكن. (فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ) أي: الدنيا؛ لأن الأصح الأشهر الذي دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ جملة إلى بيت العزة في سماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزل بعد مفصلاً بحسب المصالح والوقائع في عشرين أو ثلاث أو خمس وعشرين على الخلاف في بدء آياته وَ له بمكة بعد البعثة، وكان جبريل يعارضه في رمضان ما نزل به عليه في طول السنة، ثم رتب ترتيبه المعهود في عهده ولالخير. وحكى الإجماع على نزوله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا، فما وقع للحليمي وغيره مما يخالف ذلك لا ينظر إليه، نعم جاء عن ابن عباس أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فختمه على جبريل في عشرين ليلة، وختمه جبريل على النبي ◌َّ عشرين سنة، وسر إنزاله جملة إلى السماء إعلام ملائكة السماوات السبع بفخامة أمره، وأمر من نزل عليه البدأ، أمر تعالى سبعين ألفًا من الملائكة بأن يشيع صورة الأنعام. وأنه آخر الكتب السبع بفخامة المنزل على خاتم الرسل لأشرف الأمم قرب (١) أخرجه مسلم (١٩١٣)، والنسائي (٩٢٠). ١١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع إليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجمًا بحسب الوقائع لنزل على النبي ◌َّ جملة واحدة كسائر الكتب قبله، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين إنزاله جملة، ثم إنزاله متفرقًا تشريفًا للمنزل عليه، واختلفوا هل إنزاله جملة إلى السماء الدنيا قبل ظهور نبوته أو بعده. انتهى. والمراد ببعده قربه لئلا ينافي ما يأتي عن ((فتح الباري)) قال أبو شامة: الظاهر الأول، وقال الحافظ السيوطي: الظاهر الثاني وسياق الآثار عن ابن عباس صريح فيه، وفي حديث عند أحمد وغيره أن أول ليلة من رمضان نزلت صحف إبراهيم، ثم التوراة لست ثم الإنجيل لثلاث عشرة، ثم الزبور لسبع عشرة، ثم القرآن ليلة أربع وعشرين. وفي ((فتح الباري)) هذا الحديث مطابق لوقت إنزاله في رمضان وليلة القدر فيحتمل أن يكون ليلة القدر تلك السنة كانت ليلة أربع وعشرين؛ فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل أول القرآن وهو آخر صبيحتها ولا يشكل عليه ما اشتهر أنه وَلّ بعث في شهر ربيع؛ لأنه نبئ أولاً فيه بالرؤيا، ثم استمرت ستة أشهر. ثم أوحي إليه كما ذكره البيهقي وغيره، وفي أثر أن الكتب أنزلت كاملة ليلة أربع وعشرين في رمضان، ويجاب بأن الحديث مقدم عليه أو المراد بقوله: كاملة أنها كملت بالقرآن، والتقدير أنزلت الكتب مكملة بالقرآن ليلة أربع وعشرين، فهي حينئذ مكملة لا أُنزلت فتأمله! وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْتَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر:١] إن كان من جملة القرآن الذي نزل جملة، فما وجه صحة هذه العبارة؛ ((إلا اليوم)) لما نزل جملة واحدة؛ لأن معنى أنزلناه في تلك الليلة حكمنا بإنزاله فيها، وقضينا به وقدرناه في الأزل أو أنه ماض لفظًا مستقبل معنى؛ أي: ينزله جملة في ليلة القدر. وسر نزوله على النبي والر منجمًا ذكره تعالى بقوله: كذلك؛ أي: أنزلناه مفرقًا لتثبت به فؤادك؛ أي: لتقوي به قلبك فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة تردد الملك إليه، وتجديد ١١١ كتاب فضائل القرآن العهد به ومما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فتحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة. ولهذا كان أجود اكوانه في رمضان إذا لقيه جبريل ثم قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] فأشار إلى سر آخر للإنزال مفرقًا، وهو أن منه ما أنزل جوابًا بالسؤال أو إنكارًا على قول قيل أو فعل فعل، وأيضًا منه الناسخ ومنه المنسوخ ولا يأتي ذلك إلا فيما نزل مفرقًا، وزعم بعض المتأخرين أن الكتب نزلت مفرقة كالقرآن مردود بأنه خلاف الصواب من نزولها جملة واحدة. واعلم أنهم اختلفوا في كيفية إنزال القرآن بعد اتفاق أهل السنة على أن كلام الله منزل، فقيل: إنزاله ظاهر قراءته، وقيل: إلهامه تعالى كلامه لجبريل وتعليمه قراءته، ثم جبريل أداه لنبينا الچ. قيل: فإن الخلع من صوره البشرية إلى صورة الملكية، ثم أخذه من جبريل. وقيل: بل جبريل هو الذي انخلع من الملكية حتى أخذه منه النبي وَلاه ورجح. وقال الطيبي: يحتمل أن جبريل يلقنه من الله تلقنًا روحانيًّا أو حفظه من اللوح المحفوظ، ثم نزل به إلى النبي وَليم وألقاه عليه. وقال القطب الرازي: ما حاصله استعمال الإنزال في القرآن فيه تجوز، فمن قال: القرآن معنى قائم بذات البارئ تعالى، فإنزاله إثبات الحروف الدالة عليه في اللوح المحفوظ، أو إثباته في السماء الدنيا بعد إثباته في اللوح المحفوظ، قال: والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يلقنها الملك من الله تلقنًا روحانيًّا أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقنها عليهم. وحكى بعضهم في المنزلة عليه # ثلاثة أقوال: أحدها: اللفظ والمعنى وجبريل حفظ اللفظ من اللوح ونزل به. ثانيها: إنه إنما نزل بالمعاني خاصة، ونبينا وليس علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤]. ١١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع وثالثها: إن الذي نزل على جبريل المعنى فعبر عنه بلغة العرب، ثم نزل بتلك الألفاظ على النبي لة. (فُتِحَ الْيَوْمَ) أي: الآن (لَمْ يُفْتَحْ قَطُ إِلَّ الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكُ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكُ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطْ إِلَّا الْيَوْمَ) اختصاص ذينك النورين بهذين الأمرين اللذين لم يقعا في غيرهما للدلالة على تميزهما وأفضليتهما واختصاصهما بما لم يوجد في غيرهما (فَسَلَّمَ) ذلك الملك (فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنٍ) أي: لأن كلا منهما يكون لصاحبه نورًا يوم القيامة يسعى أمامه لإجلاله وتعظيمه، أو في الدنيا بالتأمل في معانيهما كناية عن هدايته بسبب ذلك إلى الصراط المستقيم. (أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَيَّ قَبْلَكَ) إن قیل: القرآن کلہ کذلك فما وجه اختصاص هذين بذلك؟ قلت: لعل وجهه أنهما اشتملا من المعاني الجامعة المتعلقة بالألوهية وتوابعها مع وجازة لفظهما وبداعة نظمهما على ما لم تشتمل بقية كتب الله على مثله (فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) وهو ﴿آمَنَ الرَّسُولُ ... ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. (لَنْ تَقْرَأَ) الخطاب له وَّ والمراد هو وأمته؛ إذ الأصل مشاركتهم له في كل ما أنزل عليه إلا ما اختص به (ٍحَرْفٍ) الباء زائدة للتأكيد، ويجوز أن يكون لإلصاق القراءة به؛ إذ قراءة الحرف التلفظ به (مِنْهُمَا إِلَّا أَعْطِيتَهُ) أي: ثوابه الأعظم من ثواب نظيره في غير هذين أو المراد به هنا الظرف؛ إذ حرف الشيء طرفه. وكنى به عن كل جملة مستقلة بنفسها؛ أي: أعطيت ما تضمنته، وإن كانت دعائية ((كاهدنا)) و((غفرانك)) الآيتين أو ثوابها أو لم يتضمن ذلك كالمشتملة على الثناء والتمجيد، وفي الحديث الصحيح: («قسمت الصلاة - أي: الفاتحة فيها - بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل))(١) أي: صنفين إذ أوائلها ثناء محض، وأواخرها دعاء محض. (١) تقدم تخريجه. ١١٣ كتاب فضائل القرآن وكذلك أواخر البقرة؛ إذ من ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى ﴿وَقَالُوا﴾ [البقرة: ٢٨٥] ممهد لبيان التصديق الحق والاعتقاد الجازم. ومنه: إلى ((غفرانك)) ممهد لبيان الامتثال لأوامر الشرع ونواهيه. ومنه: إلى ((آخرها)) دعاء بالفلاح الأبدي والنعيم السرمدي، كما أن دعاء الفاتحة كذلك؛ إذ هو الهداية المطلقة المتكلفة بالأنعام المطلق، والسلامة من الضلال والغضب في الدنيا والآخرة ظاهرًا وباطنًا أو الباء للاستعانة، والتقدير لن يقرأ مستعينًا بحرف؛ أي: جملة منهما على قضاء غرض لك إلا أعطيته كيف، والفاتحة هي الثناء فيه وتلك الخواتيم هي لمن قرأها في ليلة كافية (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). والظاهر أنه مستند ابن عباس في حكاية ذلك التوفيق منه 3 8* وحذفه لوضوحه، ويحتمل أن الله كشف له حتى رأى جبريل ورفع الرأس، والملك أنه نزل من السماء وسمع ذلك النقيض والقول. ٢١٢٥ - [وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةٍ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأْ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاه(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: الآيَتَانِ) الكائنتان (مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) وهما ﴿آمَنَ الرَّسُولُ.﴾ إلى آخرها (مَنْ قَرَأْ بِهِمَا) زائدة للتأكيد أو للاستعانة كما سبق آنفًا نظيره (فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاه) أي: عن قيام الليل حتى لا يبول الشيطان في الأذن ولا يقعد على الناصية كما علم من الأحاديث السابقة في فضل قيام الليل، وأنه يتكفل بمنع هذين؛ فكذلك هاتان الآيتان متكفلتان بذلك على هذا .[ ... .... الاحتمال [. وعما ورد من الأدعية الكثيرة؛ لأن الدعاء بما فيهما متكفل لخيري الدنيا (١) أخرجه البخاري (٣٧٨٦)، ومسلم (٨٠٧)، وأبو داود (١٣٩٧)، والترمذي (٢٨٨١) وقال: حسن صحيح، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٥٥٥)، وابن ماجه (١٣٦٩)، وابن حبان (٢٥٧٥)، وأحمد (١٧١٠٩)، وعبد بن حميد (٢٣٣)، والدارمي (٣٣٨٨). ١١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع والآخرة كما دفعتا عنه شر الإنس والجن، ويشهد له حديث الحاكم: ((أن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، وأنزل منه اثنين ختم بهما ((سورة البقرة)) ولا يقرآن في دار فيقربها شيطان ثلاث ليالٍ)). وقيل: من الكفاية؛ بمعنى: الإجزاء؛ أي: أجزأتاه عن فوائد قراءة (سورة الكهف)» المشتملة على الآيات العشر آخرها التي من قرأهن أمن من الدجال، وعن قراءة («آية الكرسي)) المتضمنة لقارئها عند النوم الأمن على داره الحديث السابق. ويحتمل وهو الظاهر المناسب لنظمهما أنهما كفتاه عن تجديد الإيمان؛ لأن من تأمل ما قاله، وقالوا: جعل له من الرسوخ في الإيمان والإيقان مقام خطير وحظ كبير، وعن غاية التفويض والتسليم لا قضية أوامره ونواهيه؛ لأن من تأمل قول أولئك الكُمَّل سمعنا وأطعنا حمله ذلك على التأسي بهم في هذا المقام العَلي. وعن غاية التواضع لله، وهضم النفس بعتقاد أنها ليست على شيء؛ لأن من تأمل قول أولئك الكُمَّل غفرانك ربنا، وحمله ذلك على التأسي بهم فيه أيضًا. وعن غاية ذكر الموت واستحضار البعث الحامل: أولهما: على تكثير العمل وتقليل الأمل. وثانيهما: على التبرؤ من سائر حقوق الخلق؛ لأن من تأمل رجوعه إلى الله للحساب سارع فيما يبرئه ويخلصه من ورطة المناقشة في الحساب، وعما ورد من الأدعية الكثيرة؛ لأن الدعاء بها فيها متكفل لخيري الدنيا والآخرة (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٢١٢٦ - [وَعَنْ أَبِ الَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ◌َ﴾﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، عُصِمَ مِنْ فِتْنَةٍ) أي: حُفظ من شر (الدَّجَّالِ) الذي يخرج آخر الزمان (١) أخرجه مسلم (٨٠٩)، وأبو داود (٤٣٢٣)، وأحمد (٢١٧٦٠)، والنسائي في (الكبرى)) (١٠٧٨٧)، والحاكم (٣٣٩١) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي (٥٧٩٣). ١١٥ كتاب فضائل القرآن مدعيًا الألوهية لخوارق يظهر على يديه كقوله للسماء: ((أمطري)) فتمطر لوقتها، وللأرض: ((انبتي)) فنبتت لوقتها زيادة في الفتنة، ولذلك لم توجد فتنة على وجه الأرض أعظم من فتنته، وما أرسل الله من نبي إلا حذره قومه، وكان السلف يعلمون حديثه الأولاد في الكُتَاب، وجوز على بعد صحة كون المراد به الجنس وهو يكثر منه الكذب والتلبيس، وورد: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالاً .. )(١). وفي حديث آخر: ((يكون في آخر الزمان دجالون)»(٢) وسر عصمة تلك الآيات منه اشتمالها على عجائب وآيات تمنع تدبرها من فتنته، وأيضًا ففيها ذكر أولئك الفتية الذين أنجاهم الله من جبار زمنهم فتعود بركتهم على قارئها حتى ينجيه الله كما نجاهم (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٢١٢٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقرَّأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ(٣). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: أَيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أَنْ يَقرَّأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟) وهو يحتاج إلى تدبر ما يقرؤه، وإعطاء كل حرف حقه من وجوه الأداء وقراءة الثلث مع ذلك في ليلة مشق جدًّا (قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ) قراءتها (قُلُثَ الْقُرْآنِ. رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٢١٢٨ - [وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ(٤)]. (وَرَوَاهُ الُْخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) قال النووي عن المازري: قيل: معناه أن القرآن ثلاثة أقسام: قسم يتعلق بالقصص، وقسم يتعلق بالأحكام، وقسم يتعلق بصفات الله (١) أخرجه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٢٠٣١). (٢) أخرجه مسلم (٧)، وأحمد (٨٥٨٠). (٣) أخرجه مسلم (١٩٢٢). (٤) أخرجه البخاري (٥٠١٥). ١١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع تعالى، وهي متمحضة لها وكانت بمنزلة الثلث، وقيل: أن ثواب قراءتها يعدل ثواب قراءة ثلثه فلا تضعیف. انتهى. قيل: فعلى هذا لا يلزم من تكريرها على الأول استيعاب القرآن وختمه، ويلزم على الثاني. انتهى. وبيان اللزوم على الثاني أن من قرأها ثلاثين مرة كمن قرأ القرآن مع المضاعفة؛ لأن كل ثلاث مرات تعدل القرآن كله، فمن قرأ الثلاثين كأنه قرأ القرآن عشر مرات بلا مضاعفة، وهي بمنزلة قراءته مرة مع المضاعفة، وقيل إنما قال له: إنها تعدل ثلث القرآن لاحتمال أنه لو سمع شخصًا يكررها تكرارًا تعدل قراءة ثلث القرآن، فخرج الجواب على ذلك، ورد بأنه بعيد عن ظاهر الحديث، وبأن سائر طرق الحديث ترد ذلك الاحتمال. وقال الغزالي: معارف القرآن المهمة ثلاثة: معرفة التوحيد والصراط المستقيم والآخرة، وهي مشتملة على الأول فكانت ثلثًا. وعنه أيضًا: القرآن يشتمل على البراهين العاطفة على وجود الله ووحدانيته وصفاته، وهي إما صفات الحقيقة، وإما صفات الفعل، وأما صفات الحكم، وهي تشتمل على صفات الحقيقة فهي ثلث. وقيل: معظم مطالب القرآن معرفة الله ورسوله ولقائه، وهي تفيد الأول. وقيل: القرآن إما إنشاء أو خبر إما عن الخالق أو عن المخلوق وهي أخلصت للخبر عن الخالق. قيل: وكونها تعدل ثلثه في الثواب هو الذي يشهد له ظاهرًا الحديث، والأحاديث الواردة في أن ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة] تعدل النصف وكل من ((النصر)) و((الكافرون)) تعدل الربع يؤيد ذلك وفيه نظر، بل ورد كون ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل النصف في رواية والربع في رواية کما يأتي مع بیان وجهه. يريد أن المراد غير الثواب وإلا لم يتأت اختلاف الروايتين إلا أن يجاب بما يأتي ١١٧ كتاب فضائل القرآن أنه ول* كان يخير بالقليل من الثواب ثم بالكثير كما يأتي، ورد ابن عقيل احتمال إرادة الثواب بأنه لا يجوز أن يكون المعنى، فله أجر ثلث القرآن لقوله: ((من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات))(١). انتهى. ويرده ما مر معنى ذلك له أجر الثلث بلا مضاعفة، بل أو معها؛ إذ لا بدع أن الله تعالى يجعل في الأحرف القليلة من الثواب ما لم يجعله في الكثيرة، ألا ترى أن الصلاة بمسجد مكة بمائة ألف ألف ألف صلاة فيما عدا مسجد المدينة، والمسجد الأقصى، وفي الثاني بألف في الثالث، وفي الثالث بألف فيما سواه. واختار ابن عبد البرأن السكوت عن ذلك كله أفضل وأسلم كما فعل أحمد وهو إمام السنة، وكذا إسحاق بن راهويه فإنه حمل الحديث على أن معناه أن لها فضلاً في الثواب تحريضًا على تعلمها، قال: لا إن قراءتها ثلاث مرات كقراءة ثلث القرآن هنا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة. انتهى. وسيأتي لهذا المبحث تتمة في الفصل الثاني. ٢١٢٩ - [وعَنْ عَائِشَة - رَضِي اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النبيِنَّهِ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَبِيّ ◌َّهِ، فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَِّ شَيْءٍ يصنع ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّةِ: أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللّه يُحِبُّهُ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عَائِشَةٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - أَنَّ النبي ◌َ﴿ بَعَثَ رَجُلاً) أميرًا (عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ) لأنه كان إمامًا لهم (فَيَخْتِمُ) قرأته للفاتحة، أو لما يقراؤه بعدها من القرآن غير ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدَّ﴾ [الإخلاص: ١]. (بِـ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾) تبركًا بجعلها آخر قراءته (فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ) الذي كان يفعله من اعتياده ختم قراءته بها دائمًا (لِلنَبيِّ ◌َ﴿ فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يصنع ذَلِكَ؟) أي: لأن فعله محتمل وما هو كذلك لا يتم الجواب عنه إلا إن عرف (١) أخرجه بنحوه الطبراني (٨٥٦٧)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٣٥). (٢) أخرجه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (١٩٢٦)، والنسائي (١٠٠١)، وابن حبان (٧٣). ١١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع قصد فاعله (فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ:) إنما فعلت ذلك (لِأَنَّهَا) تدل على أمر عظيم شهدته وهو (صِفَةُ الرَّحْمَنِ) الحقيقية التي هي الألوهية والتوحيد المثبت بالأحدية، وحصرهما في ((لا له إلا الله)) والصمدية المصرحة لغناه الأعلى، وافتقار سائر الخلق إليه في الآخرة والأولى لحصرها فيه كما أفادته الجملة المقطوعة عن الأولى على جهة بيان موجب تفرده بالألوهية والتوحيد؛ إذ لو فرض إله آخر أو من يصمد إليه ويقصد غيره لفسد نظام العالم هو مقرر في برهان التمانع. ثم علل هذا الحصر بنفي الدون وهو الولد والفرق وهو الوالد والمساوي وهو الكفؤ، وکأنه قيل له: انحصر فیه ذلك فقیل: لیس فوقه أحد یمنعه ولا دون یشارکه ولا مساوٍ يقاربه ففتح من ذلك التقديس المطلق الذي لم يبق تارة، ولا شاذة من النقص إلا نفاها ولا من الكمال إلا جمعها، وأثر الرحمن استشعارًا بأن شهوده لذلك سبب لسعة رحابه بترادف مظاهر الرحمة عليه. (وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَها) لذلك الشهود وما يترتب عليه من سعة ذلك العطاء (فَقَالَ الشَِّيُّ ◌ََّ: أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ) أي: يثيبه ويقربه وينعم عليه أو يريد له ذلك بناء على ما هو المشهور أن الصفات المستحيلة على الله تعالى كالرحمة والمحبة إذا أطلقت عليه المراد مبدؤها وهو الإرادة أو غايتها وهو التفضل والإنعام دون حقيقتها وهو العطف والميل النفساني. وأما محبة العبد لله تعالى فهي على حقيقتها من الميل إليه والاستقامة على طاعته والخضوع والذلة بين يديه وغير ذلك من سائر حقائقها ولوازمها، ولذا كثرت عبارات العارفين فيها فهي بالنظر لهذه لا لذاتها فإنها واحدة لا تعدد فيها (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٢١٣٠ - [وعَنْ أَنَسِ بَ﴿ه قَالَ: إِنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ﴾ قَالَ: إِنَّ حُبَّكَ إِيَّاهَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى (١) أخرجه الترمذي (٣١٤٨)، ولم أقف على لفظه عند البخاري. ١١٩ كتاب فضائل القرآن البُخَارِيُّ مَعْنَاهُ]. (وَعَنْ أَفَس ◌َه قَالَ: إِنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)) أي: لاشتمالها على ما ذكر مما يحمل كل ذي إيمان كامل على أن يشهد بقراءتها ما يكمل به إيمانه ويريد إبقاءَه (قَالَ: إِنَّ حُبَّكَ إِيَّاهَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ) أي: أنالك أفاضل درجاتها. وإنما أولته بذلك الحديث الصحيح: ((لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ... )(١) الموجب لتأويل قوله تعالى: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] على أن المراد أورثتم مراتبها، وحينئذ فهذا الحديث يطابق الذي قبله؛ لأن محبة الله تعالى غايتها إنالة الدرجات العلى كما سبق، وظن شارح أن الدخول هنا على حقيقته فأجاب بأن هذا فيه ذكر ثمرة ذلك؛ إذ إدخال الجنة ثمرة محبة الله لعبده (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى البُخَارِيُّ مَعْنَاهُ). ٢١٣١ - [وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَظُّ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَلَمْ تَرَ) أيها الإنسان الصالح؛ لأن تخاطب وهي كلمة تعجيب وتعجب (آيَاتٍ أَنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ) من بيت العزة في سماء الدنيا عليه وَل﴿ ﴿لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَط) أي: بالنسبة لما يتعوذ به لا مطلقًا لئلا ينافي ما مر وهي سورة (﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ) سورة (﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾) ولذلك كان وَيّ يتعوذ من الجان وعين الإنسان، فلما نزلتا أخذتهما وترك ما سواهما، وأيضًا لما سحره * لبيد اليهودي في مشط ومشاطة وخيط فيه عقد عقدها ذلك اللعين وبناته مع النفث في كل عقدة بنوع من أنواع السحر فمكث ◌ّله سنة مسحورًا يخيل إليه (١) أخرجه أحمد (٧٦٨٨). (٢) أخرجه مسلم (١٩٢٧). ١٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع الشيء أنه فعله، وما فعله لكنه كان محفوظًا من ذلك في طرق التبليغ فبعد السنة نزل عليه ملكان وهو نائم فقال أحدهما للآخر: وهو ◌َل﴾ - إذ رؤيا الأنبياء وحي - ما به؟ قال مطبوب؛ أي: مسحور، قال: من طبه؟ قال: لبيد اليهودي، قال: فماذا؟ قال في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة، قال: ما دواؤه؟ قال: يقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] إلى آخرها، فلما أصبح ◌َّ قرأهما على نفسه ثم ذهب إلى بئر ذي أروان، فأخرج ذلك السِّحر من "تَحْت رَاعُوفَة" ومسح الله ماءها حتى صار كنقاعة الحناء ونخلها حتى صار كرؤوس الشياطين، واختصتا بذلك لاشتمالها على الجوامع في المستعاذ به والمستعاذ منه، أما الأول؛ فلأن الافتتاح برب الفلق مؤذن بطلب فيض نوراني يزيل كل ظلمة في الاعتقاد والعمل والحال؛ لأن الفلق الصبح وهو وقت فيضان الأنوار ونزول البركات وقسم الأرزاق. وذلك مناسب للمستعاذ منه الآتي وبرب الناس ثم ملكهم ثم إلههم مؤذن بطلب تربية خاصة تقتضي الرقي إلى شهود ما فضل به الإنسان الملك مما يحمله على التحلي بكل كمال، والتخلي عن كل نقص، ثم إلى شهود حقائق الملكوت وما اشتملت عليه من البدائع والعجائب، ثم إلى شهود مقام الألوهية الذي هو الجمع الأكبر الموجب للإعراض عما سوى الله والإقبال على الله بكليته، فهو ترتيب في مراتب الترقي المناسب للمستفاد منه الآتي. وأما الثاني؛ فلأنه في الأولى ابتداء في ذكر المستفاد منه بالعام، وهو شر كل مخلوق حي أو جماد فيه شر في البدن أو المال أو الدنيا أو الدين كإحراق النار، وقيل: المستفاد بالخاص اعتنائه لخفاء أمره؛ إذ يلحق الإنسان من حيث لا يعلم كأنه يغتال به وهو القمر إذا غاب النقيض للفلق؛ لأن الظلمة التي تعقب ذلك يكون سببًا لصعوبة التحرز من الشر المسبب عنها، ثم نفث الساحر في عقدهن الموجب لسريان شرهن في الروح على ابلع وجه. وإخفاءه فهو أدق من الأول، ثم بشر الحاسة في وقت التهاب نار جسده فيه؛ لأنه