النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ كتاب فضائل القرآن أفضل؛ لأن الثمرة المحدودة المذكورة في سورة (ن)) كانت رطبًا فلما قالوا: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا﴾ [القلم: ٣٢] استجيب لهم وبدلت عنبًا. (وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) من حيث طيب باطنه؛ لثبات الإيمان فيه وعدم استراحة الناس بشيء يظهر منه، والمراد نفي قراءته لما عدا الواجب منه، كالفاتحة وزعم أنه ليس المراد نفيها بالكلية إن أريد به ما ذكرته فواضح، أو إثبات حفظه، وإنما المراد نفي ما سبق في يقرأ فبعيد جدًّا مخالف لما تقرر في التشبيه بالطعم الحلو (مَثَلُ الثَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ) باشتماله على الإيمان، كاشتمالها على الحلاوة، جامع أن كلاً أمر باطني وعدم ظهور ريح لها يستريح الناس بشمه، كعدم ظهور قراءة منه یستریح الناس بسماعها. (وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) من حيث تعطل باطنه وظاهره عن سائر المنافع وتلبسه بالمضار (كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرّ) فسلب ريحها أشبهه بسلب ريحه بعدم قراءته، وسلب طعمها الحلو أشبهه سلب إيمانه (وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) من حيث تعطل باطنه عن الإيمان، واستراحة الناس بقراءته (مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبُ وَطَعْمُهَا مُرُّ) فريحها الطيب أشبهه قراءته وطعمها المر أشبهه كفره (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). (وَفِي رِوَايَةٍ: الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأَتْرُجَّةِ) ففيها زيادة قيد لا بد منه في مشابهته للأترجة وهو عمله بما في القرآن، وإلا كانت قراءته لغوًّا لا تكسبه فضيلة يعتد بها كقراءة المنافق السابق (وَ) مثل (الْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَ) لكنه (يَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ) التي لا ريح لها وطعمها حلو، ووجه ضرب المثل بما تنبته الأرض من الحنظل والريحان وتخرجه الشجر من الأنزج والثمرة أن الأعمال ثمرات النفوس المشبهة بالأرض، وبه يعلم علو شأن المؤمن وارتفاع عمله ودوام خيره، وضيعة شأن المنافق وإحباط عمله وقلة جدواه، ثم هذا التنبيه من باب تصوير المعنى المعقول بالحسي المشاهد ليتم ظهوره ويبرز مكتوبه. ٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع وإيضاحه: إن كلام الله تعالى له تأثير؛ أي: تأثير في باطن العبد وظاهره على حسب قابليته؛ ولذا تفاوتت مراتب الناس فيه، فمنهم البالغ ذروته وهو المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به، والفاقد له بالكلية وهو المنافق الذي لا يقرأ، والمتأثر ظاهره فقط وهو المنافق الذي يقرأ رياء ونفيه، وعكسه وهو المؤمن الذي لا يقرأ، وخص التشبيه بتلك المذكورات؛ لأن الملائمة فيها للمشبه أتم وأبين مع الحصر فيها؛ لأن الناس إما مؤمن وهو قارئ وغيره، أو غير مؤمن وهو منافق صرف وملحق به، ووجه التشبيه مرکب منتزع من أمرین محسوسین طعم وريح وليس بمفرق. ٢١١٥ - [وَعَنْ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ اللّه يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ اللّه يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ) البالغ في الشرف والعلو مبلغًا لم يبلغه غيره من كتب الله المنزلة (أَقْوَامًا) في الدنيا والآخرة، وهم الذين آمنوا به وعملوا بما فيه على ما ينبغي من الإخلاص لله تعالى، وصدق الوجهة واستقامة الطريقة بأن يحييهم حياة طيبة ويفيض عليهم من أنوار قربه ما يصيرون به: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. (وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ) ليسوا كذلك عن مراتب الكمال إلى أسفل سافلين قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠] (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٢١١٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ ﴾ أَنَّ أَسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ تَ﴾ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطُ عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتْ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْتَى قَرِيبًا مِنْهَا، فَأَشْفَقَ أَنْ (١) أخرجه مسلم (٨١٧)، وأحمد (٢٣٢)، وابن ماجه (٢١٨)، وأبو عوانة (٣٧٦٢)، وابن حبان (٧٧٢)، والدارمي (٣٣٦٥)، والبزار (٢٤٩)، والبيهقي (٤٩٠٤). ٨٣ كتاب فضائل القرآن تُصِيبَهُ، وَلَمَّ أَخَّرَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَلَمَّ أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ◌َ فَقَالَ: اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ الله أَنْ تَطَأَ يَخْبَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ وَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا، قَالَ: وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَاللَفْظ للبُخَارِيِّ، وَفِي مُسْلِمٍ: عَرَجَتْ فِي الْجَوّ]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ ﴾ قَالَ:) يحكي عن نفسه أنه (بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ) أي: في بعض ساعاته (سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطُ عِنْدَهُ) جملة حالية (إِذْ) ظرف ليقرأ (جَالَتِ الفَرَسُ) أي: تحركت ودارت كالمضطرب المنزعج من مخوف نزل به (فَسَكَتَ) عن القراءة لينظر ما السبب في حولاتها (فَسَكَنَتْ) عن تلك الحركة، نظر أن حولاتها أمر اتفاقي (فَقَرَاً فَجَالَتْ، فَسَكَتَ) لذلك (فَسَكَنَتْ) يظن أنه لأمر (ثُمَّ) أراد أن يستظهر في أمره فتروى ثم (قَرَأْ فَجَالَتِ الْفَرَسُ) فعلم أن ذلك لعارض أزعجها عن قرارها. (فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْتَى قَرِيبًا مِنْهَا، فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ) فذهب إليه ليؤخره عنها (وَلَمَّا أَخَّرَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا) هي للمفاجأة شيء (مِثْلُ الظُّلَّةِ) على رأسه بين السماء والأرض (فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ الشَّيَّ ◌َاء) بذلك لفزعه منه (فَقَالَ) له مزيلاً لفزعه ومعلمًا له بعلي مرتبته، ومؤكدًا له ما يزيد به طمأنينته: (اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرِ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ) ليس المراد به مدلوله من طلب القراءة حالاً، بل التحريض والإعلام بأنه كان ينبغي له الاستمرار عليها والاستزادة منها اغتنامًا لما أتحف به من نزول تلك السكينة، واستكمالاً لسبب بقائها، أو بأنه إن وقع له ذلك بعد في المستقبل فلا يترك القراءة بل يستمر عليها استمتاعًا بها، وأثر الأمر الدال على الطلب حالاً؛ لأنه استحضر (١) أخرجه البخاري (٥٠١٨)، ومسلم (١٨٩٥)، وأحمد (١٢٠٨٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٠١٦)، والحاكم (٢٠٣٥). ٨٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع تلك الحالة العجيبة الشأن تأكد في طلبها والاستزادة منها. ويؤيد الاحتمال الأول؛ أعني: إنه كان ينبغي له ... إلخ جوابه الذي حكاه أبو سعيد عنه بقوله: (قَالَ) منعني من دوام القراءة أني رأيت شدة اضطراب الفرس (فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَطَأَ) ولدي (يَحْبَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا) عن القراءة (فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ وَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا) خوفًا منها (قَالَ) ◌َّ: (وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟) الذي رأيته. (قَالَ: لَا، قَالَ: تِلْكَ الْمَلائِكَةُ) ووجه التشبيه المذكور أنهم ازدحموا على سماع القرآن حتى صاروا كالشيء الساتر الحاجز بينه وبين السماء، وكأن تلك المصابيح هي وجوههم، ولا مانع من أن الأجسام النورانية إذا ازدحمت تكون كالظلة، ولا من أن بعضها كالوجه أضوأ من بعض (دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ) أي: استمريت في قراءتك إلى الصباح (لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى) أي: تستتر (مِنْهُمْ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ للْبُخَارِيِّ، وَفِي مُسْلِمٍ: عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ) أي: ارتفعت فيه لكونه قطع القراءة التي نزلت لسماعها، بدل فخرجت على صيغة المتكلم. ٢١١٧ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَجُلْ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌّ مَرْبُوطُ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَنَى النَّبِيَّ ◌َّهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَجُلْ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَإِلَى جَانِهِ حِصَانٌ) بكسر أوله، وهو الكريم من ذكور الخيل من التحصين والتحصن؛ لأنهم يحصنونه صيانة بمائة فلا يرونه إلا علی کریمة، ثم کثر ذلك حتى سموا به كل ذكر منها، والجملة حالية (مَرْبُوطُ بِشَطَنَيْنِ) أي: حبلين أو بقيد كونهما طويلين لجموحه واستصعابه (فَتَغَشَّتْهُ) (١) أخرجه البخاري (٥٠١١)، ومسلم (١٨٩٢)، وأحمد (١٩٠٩٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٣٤٢). ٨٥ كتاب فضائل القرآن أي: القارئ (سَحَابَةٌ) أي: ظلة كالسحابة (فَجَعَلَتْ تَدْنُو) منه قليلاً (وَتَدْنُو) فيه كذلك (وَجَعَلَ فَرَسُهُ) المربوط المذكور (يَنْفِرُ) منها (فَلَمَّا أَصْبَحَ أَنَى النَّبِيَّ ◌َِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ) أي: الملائكة، ومنه السكينة ينطق على لسان عمر وهو أولى من قول بعضهم هنا: هي السكوت والطمأنينة، وقول آخر: هي الرحمة، وآخر: هي الوقار وما يسكن به (تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) أي: بسبب استماعه والتمتع به، قيل: يستفاد من كون الملائكة يتنزلون لاستماع القرآن أنهم لا يحفظونه. انتهى. ومر ما في ذلك عن ابن الصلاح، ولكن منع استفادته من هذا لا يأخذ كثيرين يحفظونه ويحبون سماعه من غيرهم، وورد: (إني أحب أن أسمعه من غيري))(١) وبتسليم أن هؤلاء المنزلين لا يحفظونه، كيف يسوغ أن يحكم بذلك على غيرهم؟ ٢١١٨ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِي فَدَعَانِيِ النَّبِيُّ ◌َهِ فَلَمْ أُجِبْهُ حَتَّى صَلّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِّ كُنْتُ أُصَلِّ، قَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ تَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: سُورَةٍ ﴿الْخَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّ ﴾ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّ فَدَعَانِي النَّبِيُّ ◌َلِ فَلَمْ أُجِبْهُ حَتَّى صَلّيتُ) أي: فرغت من صلاتي (ثُمَّ أَتَيتُهُ فَقُلْتُ) معتذرًا له عما وقع مني من تأخر الإجابة (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ كُنْتُ أَصَلِّ) فأنا معذور في عدم إجابتك (قَالَ:) لست بمعذور، ولو علمت الحكم أو تأملت الآية (أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ (١) أخرجه البخاري (٤٥٨٢)، ومسلم (١٩٠٥)، وأحمد (٣٦٧٣)، وأبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٢٩٨). (٢) أخرجه البخاري (٤٧٠٣)، والدارمي (٣٤٣٤). ٨٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع إِذَا دَعَاكُمْ﴾) ولم يفرق بين من في الصلاة وغيرها، فاقتضى وجوب إجابته ولو على من في الصلاة المفروضة بالقول والفعل، ولا تبطل صلاة المجيب بذلك، وهذا من خصوصياته ول، وسره أنه يخاطب فيها دون غيره «بالسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)» في التشهد. فإن قلت: ليس هنا صيغة عموم فما وجه الاستدلال؟ قلت: لا يتوقف الاستدلال به على صيغة عموم؛ إذ المطلق يستدل به أيضًا غاية الفرق أن العموم ثم شمولي، وهنا بدلي على أن هنا صيغة عموم؛ إذ الفعل في حيز الشرط للعموم. (ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ) وهي طائفة مخصوصة من القرآن، وهو بمعنى قول من قال: هي قرآن يشتمل على أي ذوات فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات، ومن قال: هي طائفة مسماة باسم خاص من النبي ◌َّر تهمز من إشارت؛ أي: أفضلت من السور وهو ما بقي من الشراب في الإناء كأنها قطعة من القرآن، ولا تهمز من إشارت أيضًا، لكن سهلت، ومنهم من شبهها بسورة النبأ؛ أي: القطعة منه؛ أي: منزلة بعد منزلة، وقيل: من سور المدينة لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور، ومنه السوار لإحاطته بالساعد. وقيل لارتفاعها؛ لأنها كلام الله والسورة المنزلة الرفيعة. وقيل: لنزلت بعضها على بعض من التسور بمعنى التصاعد، ومنه: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]. (فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ) وإنما قال له ذلك ولم يعلمه بها ابتداء؛ ليكون ذلك أدعى إلى تفريغ ذهنه لتلقيها وإقباله عليها بكليتها (فَأَخَذَ بِيَدِي) بعد أن قال ذلك ومَشَيَنا (فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ تَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ) نعم يفرغ ذهنك لها هي (سُورَة) الفاتحة المسماة أيضًا سورة ((الْحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ﴾) يؤخذ منه أنه لا يكره كما قاله ٨٧ كتاب فضائل القرآن الجمهور أن يقال: سورة كذا، ومن ثم صح إطلاق سورة البقرة وغيرها عنه وليه، وأما ما صح عن ابن عمر من كراهة ذلك، وإنما يقال: السورة التي يذكر فيها كذا، فهو رأي له والاحتجاج له بحديث في ذلك مردود بأنه ضعيف، بل قال ابن الجذري: موضوع. ووجه تسميتها بذلك أن الحمد الذي هو فاتحتها أعلى مقامات العبودية، ومن ثم أوتي وَليّ لواء الحمد يوم القيامة؛ لأنه أحمد الحامدين ولا منزلة فوق ذلك اشتق منه اسمه، وفيه فتح كتابه وختم حاله ووصف مقامه، فهو صاحب المقام المحمود الذي لا يقوم به غيره، وإنما كانت أعظم سورة؛ لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن، ولذلك سميت بأم القرآن كما يأتي، ولا ينافي هذا حديث البقرة أعظم السور؛ لأن المراد به ما عدا الفاتحة من السور التي فصلت فيها الأحكام، وضربت الأمثال وأقيمت الحجج؛ إذ لم تشتمل سورة من ذلك على ما اشتملت عليه البقرة، ولذلك سميت فسطاط القرآن، ولعظيم فقهها أقام ابن عمر كما في ((الموطأ)» ثماني سنين على تعلمها، وحكى ذلك عن أبيه أيضًا، رضي الله عنهما. ثم هذا الحديث كالحديث الصحيح: ((أفضل القرآن الحمد لله رب العالمين))(١). والحديث الصحيح أيضًا: ((آخر سورة في القرآن الحمد لله رب العالمين))(٢). وفي حديث: ((إنها تعدل ثلثي القرآن))(٣) صريح في أن بعض القرآن أفضل من بعض، وقد كثر اختلاف الناس في ذلك، فمنعه الأشعري والباقلاني وابن حبان، قيل: وسبقهم إليه مالك؛ لئلا يتوهم التفضيل نقص المفضل، قيل: ولأجل ذلك كره مالك أن يكرر سورة دون غيرها. قال ابن حبان: ((أعظم)) في الحديث بمعنى: أكثر أجرًا، ولا يلزم منه الأفضلية، (١) أخرجه بنحوه ابن حبان (٧٧٥). (٢) لم أقف عليه. (٣) ذكره العجلوني في ((كشف الخفاء)) (٨٢/٢). ٨٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ويرده التصريح بالأفضلية في الحديث المذكور حديث: ((الفاتحة أفضل سور القرآن)) (١) الآتي على أنه ليس المراد بها إلا زيادة الأجر ونحوه مما يأتي، وأجازه آخرون، وصوبه القرطبي ونقله عن جماعة من العلماء والمتكلمين لظواهر الأحاديث المذكورة وغيرها، كحديث أنس: ((قلب القرآن يس)»(9). («آية الكرسي سيدة آي القرآن»(٣). (قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)) (٤). ((في المسبحات آية هي خير من ألف آية))(٥) قال ابن كثير: هي: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ ... ﴾ إلى: ﴿عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]. ((إذا زلزلت)) تعدل نصف القرآن ((العاديات)) كذلك سورة ((ألهاكم)) تعدل ألف آية ((قل يا أيها الكافرون)» تعدل ربع القرآن ((إذا جاء نصر الله)) كذلك. واقتضى كلام الغزالي التشنيع على الأولين حيث قال ما حاصله إن قلت: كيف يكون البعض أشرف من بعض والكل كلام الله؟ قلت: إن كان نور البصيرة لا يرشدكم إلى الفرق بين آية ((الكرسي)) وآية ((المداينات)) وسورتي ((الإخلاص)) و((تبت)) بل بقيت على التقليد فقلد صاحب الرسالة ﴿﴿ في تصريحه بالتفضيل وهو أعلم به من غيره، وكان ابن عبد السلام أخذ منه قوله: كلام الله في الله أفضل من كلامه في غيره (فالإخلاص)» أفضل من (تبت)). انتهى. وشنَّع عليهم أيضًا ابن الحصار فقال: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة بالتفصيل، ثم اختلف في المراد به، فقيل: الفضل راجع إلى عظم (١) تقدم تخريجه بنحوه. (٢) أخرجه الدارمي (٣٤٧٩)، والقضاعي (٩٦٣)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٢٣٥٩). (٣) أخرجه الترمذي (٢٨٧٨)، والحاكم (٣٠٢٧). (٤) أخرجه البخاري (٦٢٦٧)، وأحمد (١١١٩٧)، وأبو داود (١٤٦١)، والنسائي (٩٩٥)، وابن حبان (٧٩١). (٥) أخرجه الترمذي (٢٩٢١). ٨٩ كتاب فضائل القرآن الأجر ومضاعفة الثواب بحسب انتقالات النفس وحيثيتها وتدبرها وتفكرها. وقيل: بل إلى ذات اللفظ ومادل عليه من المعاني العجيبة وكثرتها؛ إذ ما تضمنته آية: ﴿ وَإِلَّهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] وآية ((الكرسي)) وآخر سورة ((الحشر)) وسورة («الإخلاص)) من الدلالات على وحدانية الله وصفاته ليس موجودًا في (تبت)) ونحوها، كذا ذكر بعضهم هذا اختلافًا، وعند التأمل ليس خلافًا، بل الثاني راجع للأول؛ إذ انتقالات النفس وما بعدها إنما هي بحسب تلك المعاني العجيبة وكثرتها. وقال البيهقي عن الحليمي: معنى التفضيل يرجع إلى أشياء: أحدها: كون العمل بأنه أولى منه بأخرى، وأعود على الناس فآيات الأمر والنهي والوعد والوعيد والإنذار والتبشير، ولا غنى بالناس عن هذه الأمور، وقد يستغنون عن القصص، فكان ما هو أعود عليهم وأنفع لهم مما يجري مجرى الأصول خيرًا لهم مما يجعل تبعًا لما لا بد منه. ثانيهما: كون ما يشتمل على تعديد أسماء الله وبيان صفاته، والدلالة على عظمته أفضل بمعنى أن مخبرًا بها أسنى وأجل قدرًا. ثالثها: كون قارئها يتعجل له بقراءتها فائدة سوى الثواب الأجل، ويتأدى منه بتلاوتها عبادة كقراءة آية ((الكرسي)) و((الإخلاص)) و((المعوذتين)) فإن قارئها يتعجل بقرأتها الاحتراز مما يخشى والاعتصام بالله، ويتأدى بتلاوتها عبادة الله لما فيها من ذكره سبحانه بالصفات العلى على سبيل الاعتقاد لها، وسكون النفس إلى فضل ذلك الذكر وبركته بخلاف آيات الأحكام، فإنه لا يقع بتلاوتها إقامة حكم بل علمه فقط، ثم وجه أفضلية القرآن على بقية كتب الله بآية تعيد بلفظه، ففيه الثواب وجعلا حجة لمن بعث به بخلاف غيره لم يتعبد بلفظه فلا ثواب فيه، ولم يكن حجة لمن جاء به كانت الحجة غيره، وأفضلیة بعض السور على بعض یتضاعف ثوابها، وإن لم ندر ما سبب ذلك، كما أن زمنًا أفضل من زمن ومكانًا أفضل من مكان، كالحل والحرم بالنسبة لبقاع العبادة والذنب. ٩٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ثم أشار إلى ما تميزت به الفاتحة على غيرها من بقية سور القرآن حتى صارت أعظم منها بقوله: (هِيَ) الآيات (السَّبْعُ) كما أخرجه الدارقطني عن علي - كرم الله وجهه -، وقيل: لأن فيها سبعة آداب، في كل آية أدب واستبعد، وقيل: لأنها خلت عن سبعة أحرف: الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء، وردَّ بأن الشيء إنما يسمى بما فيه دون ما فقد منه (الْمَثَانِي) أي: المسماة ذلك، جمع: مثناة، من التثنية؛ لأنها تثنى في الصلاة في كل ركعة كما جاء عن عمر بسند حسن قال: ((السبع المثاني فاتحة الكتاب))(١) مثنى في كل ركعة، أو تثنى بسورة أخرى؛ أو لأنها نزلت مرتين؛ لأنه جاء أنها مكية وأنها مدنية، ولا يمكن الجمع بينهما إلا بذلك، ومثلها في ذلك خواتيم سورة ((النمل) وأول سورة ((الروم)) وآية ((الروح)) ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَِ النَّهَارِ﴾ [هود:١١٤] قال العلماء: قد يتكرر نزول الآية تذكيرًا وموعظة، وتعظيمًا لشأنه وتذكيرًا عند حدوث سببه خوف نسيانه، وأيضًا قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية، وقد نزل قبل ذلك ما تضمنها فيوحى إليه * تلك الآية بعينها تذكيرًا لهم بها، وبأنها تتضمن جواب ذلك السؤال أم تلك الحادثة. قيل: ويحتمل في ((الفاتحة)) أنها نزلت أولاً بقراءة واحدة، ثم ثانيًا ببقية قراءتها أو لاشتمالها على قسمين ثناء ودعاء، أو اجتمع فيها فصاحة لمناسبة وبلاغة المعاني؛ أو لأنها تثنى على مرور الزمان، وتتكرر فلا تنقطع [ ..... ] أو لأن فوائدها تتحدد حالاً فحالاً؛ إذلا منتهى لها، ومن ثم جاء في حديث: ((ما من آية إلا ولها ظهر وبطن))(٢). زاد علي، كرم الله وجهه: ((ومطلع ومنقلب)) أو جمع مثنية من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى، فكأنها تثني عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ أو لأنها أبدًا تدعو بواسطة وضعها المعجز لقراءته النظم وغزارة المعنى إلى الثناء عليها، (١) أخرجه الحاكم (٣٣٥١) وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. والطيالسي (٢٣١٨)، وابن جرير في (التفسير)) (٥٤/١٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٣٥٣)، والضياء (٢٣٨). (٢) أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٣). ٩١ كتاب فضائل القرآن ثم على من يتعلمها ويعمل بها أو من الثناء؛ لأن الله استئناها؛ لهذه الآية، ولا ينافي قوله: ((السبع المثاني)). ﴿سَبْعاً مِّنَ المَثَانِي﴾ [الحجر:٨٧] الذي في الآية؛ لأن ((من)) للبيان، أو للتبعيض، ولا مانع أن القرآن كله يسمى مثاني أيضًا. وكان وجه إيثار التعريف في الحديث والتنكير في الآية أن المراد هنا بيان الحصر؛ لأنه برهان للأعظمية المذكورة، وتم إعظام المنة عليه ◌َّه وذلك حاصل مع التنكير، على أن التنوين فيه للتعظيم أو التفخيم؛ أي: ولقد أتيناك هذا العظيم الشأن ((فلا تطمح عيناك إلى ما متع به أعداؤك من الحقير الزائل)) فساوى التعريف في الحقيقة وإن [فرَّق] بينهما في اللفظ إشارة لما ذكرته. ومن ثم قيل: إن هذا للعهد الذكري، والمعهود ذاك الذي في الآية، ثم العطف فيها من عطف العام على الخاص تنزيلاً للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات بخلاف العطف هنا، فإنه من باب عطف أحد الاسمين أو الوصفين المتغايرين على الآخر. فإن قلت: قضية قوله: اللآتي الذي أوتيته أن المراد بالقرآن العظيم هنا ما أريد به في الآية، وحينئذٍ فينافي كونه هنا من عطف المرادف، وثم من عطف الأعم الذي تقرر. قلت: لا ينافيه؛ لأن القرآن العظيم، ثم باقٍ على عمومه، وهنا أريد إطلاقه على الفاتحة باعتبار مقاصده المقررة فيها كما يأتي بقوله هنا الذي أوتيته، المراد به أنها اشتملت على جميع مقاصد القرآن الذي أنزل عليه. (وَ) هي (القُرْآنُ العَظِيمُ) أي: المسماة بذلك أيضًا (الَّذِي أُوتِيتُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وبقي لها أسماء أخر تزيد على العشرين، وهو مما يدل على شرفها فيما جاء منها في الأحاديث فاتحة الكتاب؛ لأنه يفتتح بها في المصاحف وفي التعليم وفي القراءة في الصلاة، وقيل: لأنها أول سورة نزلت أم الكتاب وأم القرآن، وكراهة الحسن وغيره ٩٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع لذلك مردودة بصحة ذلك في الأحاديث سميت بذلك؛ لأنه يبدأ بها ما مر؛ إذ الأم مبدأ الولد؛ أو لأنها أمته؛ أي: تقدمته في النزول؛ أو لأنها أصله لا نطوائها على جميع ما فيه؛ أو لأنها أفضله كما يقال لرئيس القوم: أمهم الكنز، الرقية والشفاء والشافية الصلاة لحديث: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي)) (١) أي: الفاتحة. ثم تسميتها بالقرآن العظيم في هذا الحديث جاءت في غيره، كحديث أحمد: ((هي أم القرآن وهي السبع المثاني وهي القرآن العظيم))(٢) ووجه ذلك الأئمة بما حاصله أن الله تعالى كما أخرجه البيهقي عن الحسن البصري أودع علوم الكتب السابقة في القرآن، ثم أودع علوم القرآن الفاتحة في علم تفسيرها كان كمن علم جميع الكتب المنزلة، ووجه اشتمالها على علوم القرآن أنها مشتملة على الثناء على الله بما هو أهله، وعلى التعبد بالأمر والنهي، وعلى الوعد والوعيد، وعلى قصص الماضين والآتين، وآي القرآن لا تخلو عن أحد هذه الأربعة، وأيضًا المقصود الأعظم من القرآن كله تقرير أمور أربعة: الإلهیات: كـ((الْخَمْدُ لله)). والمعاد: كـ((مَالِكِ یَوْمِ الدِّينِ)). وإثبات القضاء والقدر الله: كـ((إِيَّاكَ ... )) إلخ فإنه يدل على نفي الخبر، وأن الكل بقضاء الله وقدره. وإثبات العفوات: كـ«اهْدِنَا)) إلخ، وأيضًا هي مشتملة على الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم والاطلاع على مراتب السعداء ودركات الأشقياء، وأيضًا هي مشتملة على علوم أربعة هي مناط الدين، علم الأصول وغايته معرفة الله وصفاته. (١) أخرجه مسلم (٣٩٥)، وعبد الرزاق (٢٧٦٧)، وأحمد (٧٨٢٣)، وأبو داود (٨٢١)، والترمذي (٢٩٥٣) وقال: حسن. والنسائي (٩٠٩)، وابن ماجه (٣٧٨٤)، وابن حبان (١٧٨٤). (٢) أخرجه أحمد (١٠٠٤١). ٩٣ كتاب فضائل القرآن وقد استفيدت من (الله)) ... إلخ والنبوات. واستفيدت من: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)) والمعاد، واستفيد من: ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) وعلم الفروع، وبداياته العبادات، ونهايته الاستقامة، واستفيد من: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ ... )) إلخ، وعلم الأخلاق الذي هو مناط كمال الباطن والظاهر، وأجلُّه الوصول إلى الحضرة الصمدانية والالتجاء إلى جناب العناية الفردانية، والسلوك لطريقها والاستقامة فيها. واستفيد من: ((إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ)) علم قصص الماضين السعداء والأشقياء، ووعد محسنهم، ووعيد مسيئهم. واستفيد من: ((أنعمت ... )) إلخ، وأيضًا مقاصد القرآن ستة: ثلاثة مهمة تعريف المدعو إليه. واستفيد من صدرها وتعريف: ((الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ)) وقد ذكر فيها، وتعريف الحال عند الرجوع إلى الله في الآخرة. واستفيد من: ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) وثلاثة متمة تعريف أحوال المطيعين، وأحوال ضدهم. واستفيد من: ((أنعمت عليهم ... )) إلخ وتعريف منازل الطريق. واستفيد من: ((إياك نعبد وإياك نستعين)) ولا ينافي تسميتها بالقرآن لما تقرر الحديث السابق: ((إنها تعدل ثلثي القرآن))(١) إما لأن دلالات القرآن العظيم إما بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام، وهي تدل على جميع مقاصده بالأخيرين فقط، وإما لأن الحقوق إما الله على عباده وإما عكسه، وإما لبعض العباد على بعض وهي مشتملة على الأولين، وحديث: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)» (٢) شاهد لذلك. ٢١١٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عُه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. ٩٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ قَالَ: لَا تَجْعَلُوا) ذكر كثيرون عن الحسن البصري أن الله جمع علوم الأولين والآخرين في الكتب الأربعة، وعلومها في القرآن وعلومه في الفاتحة فزادوا، وعلوم الفاتحة في البسملة وعلوم البسملة في بابها، ووجه بأن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب، وهذه الباء باء الإلصاق فهي تلصق العبد بجناب الرب، وذلك كمال المقصود، وذكره الفخر الرازي وابن المسيب في تفسیریھما. تنبيه: أخرجا عن - علي كرم الله وجهه - قال لو شئت أن أوقر سبعين بعيرًا من تفسير أم القرآن لفعلت. انتهى. وهو صحيح لما علمت أن الفاتحة جمعت سائر ما يتعلق بالموجودات دنيا وأخری وأحكامًا وعقائد، وتفصیل کل ذلك وتوابعه على وجهها يستغرق ذلك وزيادة (بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ) أي: لا تكونوا كالموتى وبيوتكم كالمقابر بخلوها عن القرآن والذكر والطاعة الموجب لكون الشيطان يجدها مبيتًا ومقيلاً يقوتكم ويضلكم، بل اجعلوا لها نصيبًا من ذلك لا سيما الصلاة (إِنَّ) استئناف كالتعليل للنهي المتضمن للحث على الطاعة التي من أفضلها قراءة القرآن، مع تأمل معانيه والعمل بما فيه (الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ) نفورًا من باب نصر ينصر، ونفورًا بضم الفاء. ولا ينافي ذلك أنه ينفر من كل بيت يقرأ فيه غير سورة البقرة (مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) ليأسه من إغوائهم وإضلالهم بركة قراءة تلك السورة وامتثالهم لما فيها، لما مر أنه ليس في سورة من القرآن ما فيها من تفضيل الأحكام والحكم وضرب الأمثال، وإقامة الحجج والبراهين وبيان الشرائع والقصص والمواعظ، والوقائع (١) أخرجه مسلم (٧٨٠)، والترمذي (٢٨٧٧) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٧٨٠٨). ٩٥ كتاب فضائل القرآن الغريبة والمعجزات العجيبة، وذكر خالصة أوليائه والمصطفين من عباده، وتفضيح الشيطان ولعنه، وکشف ما توسل به إلى تسویل آدم وذريته. ومن ثم قيل فيها ألف أمر وألف نهي، وألف حكم وألف خبر، وفي الحديث تصريح بالرد على من كره أن تقال سورة البقرة، ومر ما فيه في الحديث الذي قبل هذا (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٢١٢٠ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوِيْنِ: الْبَقَرَةَ وَسُورَة آلَ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانٍ، أَوْ غَيَابَتَانِ، أَوْ فِرْقَانٍ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةُ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةُ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ يُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِیعًا لأَصْحَاپهِ) أي: القائمين بحقوقه وبالعمل بأحكامه وآدابه وحكمه ومواعظه والحديث على ظاهره؛ إذ لا مانع أن المعنى يجسم في ذلك اليوم ويصير شفيعًا ومتكلمًا محاجًّا، ونظيره تجسيم الموت ثم ذبحه بين الجنة والنار وتجسيم الأعمال بصورة حسنة وسيئة ثم وزنها (اقْرُؤُوا الزَّهْرَاويْنِ) تثنية زهراء تأنيث الأزهر وهو المضيء، ويقال للنيرين الأزهران، وإنما شبههما بهما ليبين أن مكانهما مما عداهما من سور القرآن مكان القمرين من سائر النجوم (الْبَقَرَةَ وَسُورَة آلَ عِمْرَانَ) أبدلهما من الزهراوين تفسيرًا، وإيضاحًا وإيذانًا بأنهما علتان في الإشراق والإضاءة. ومن ثم كان قولك: أعلم أهل البلد فلان أبلغ من عكسه؛ لأنه أن الأول أن كونه أعلمهم صار كالعلم عليه؛ ولأن فيه ذكره مجملاً وتفصيلاً وكونهما علمين لما ذكر المخرج لهما عن الاستعارة إلى التشبيه كما في: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ (١) أخرجه مسلم (١٩١٠). ٩٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أفاد أنه أبلغ منها بادعاء أنه مفسر ومبين للمبهم، وذكر السورة في الثاني مع حذفها في الأول لبيان جواز كل بلا كراهة ردًّا على من كرههما (فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بتجسيمها جسمين عظيمين (كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانٍ) أي: سحابتان وهذا لكونه أدنى من المرتبتين الآتيتين لمن قرأهما ولم يفهم معناهما، لكنه تحلى بأدنى مراتب التقوى وإلا كانتا حجة عليه كما علم من بقية الأدلة. (أو) للتنويع؛ إذ لا يجعل للشك المخالف للأصل إلا حيث لم يظهر للتنويع وجه، وهنا ظهر وجهه بل تعين؛ لأن المراتب الثلاث متفاوتة بحسب تفاوت سببهما وهو العمل كأنهما (غَيَابَتَانِ) تثنية غيابة بمعجمة فتحتية ثم تحتية، وهي الظلة التي تكون فوق الرأس كما يفعل بالملوك، وهذا لكونه أعلى وأظل من السحابة العامة لكل أحد، والبعيدة عن الرأس فيمن أتقن اللفظ فحفظه ودرى المعنى فعمل به. (أَوْ فِرْقَانٍ) تثنية فرق بكسر الفاء، وهو كالفريق والفرقة القطعة (مِنْ طَيْرٍ صَّوَافَّ) جمع صاف؛ أي: باسطات أجنحتها متصلاً بعضها ببعض جماعة، وهذا لكونه أبهر من الأولين؛ إذ لا نظير له في الدنيا إلا بما وقع لسليمان - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - فيمن ضم إلى المرتبة الثانية تعليم المستفيدين وإرشاد الضالين، والرد بما فيهما من بدائع الحجج وقواطع البراهين على المخالفين والمعاندين (تُحَاجَّانٍ) أي: يخاصمان عنهم من يطعن في كمالهم إن فرض، أو من له عليهم حقوق بأن يسألا الله لهم أن يرضى عنهم خصماؤهم (عَنْ أَصْحَابِهِمًا) وأريد بهم هنا لما علمت من تفاوت المراتب ما يشمل حافظ اللفظ فقط بقيده السابق، وما أوهمه كلام شارح أن يحاجان راجع إلى الطير فقط فيه نظر، بل هو راجع للكل كما علم بما قررته وكونها كالغمامتين أو الغياتين لا يمنع كونهما يحاجان؛ لأنه لا مانع أنهما يجسمان مظلين، ثم محاجين كما أنه لا مانع أيهما يمثلان طيرًا فواف ثم محاجين. ٩٧ كتاب فضائل القرآن واستفيد من جعلهما غمامتين أو غيايتين مع كونهما زهراوين المستلزم لغاية إشراقهما وسطوع أنوارهما أن تينك المظلتين لما فيهما من الإشراق والإضاءة المانعين لكل كرب وحر على غير المتعارف في نظيرهما في الدنيا من السواد الذي لا يخلو عن نوع كدورة، وكرب لصاحبهما، وإن كانت الأولى لدفع الحر والثانية له وللإكرام (اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ) تخصيص بعد تخصيص؛ لأنه جعل الشفاعة عامة للقرآن، ثم خص الزهراوين بدفع كرب القيامة مع المحاجة عن صاحبها ثم البقرة فقوله: (فَإِنَّ أَخْذَهَا) أي: حفظها (بَرَكَةٌ) عظيمة. لما علمت مما تميزت به على سائر سور القرآن (وَتَرْكَهَا) أي: عدم حفظها (حَسْرَةُ) على صاحبه لما يرى من عظيم حر أقاربها (وَلَّا تَسْتَطِيعُهَا) أي: حفظها (الْبَطَلَةُ) أي: السحرة سموا بذلك؛ لأن ما يأتونه باطل، وإنما لم يستطيعوها لزيغهم عن الحق وانهماكهم في الباطل، أو أصحاب البطالة والكسل؛ لأن قراءة ألفاظها وتدبر معانيها والعمل بما فيها يحتاج إلى أعلى همة وأصدق وجهة. وقيل: سحرة البيان أخذًا من الحديث، ((وإن من البيان لسحرا))(١) أي: لا يستطيع محاكاتها الفصحاء، وإن بلغوا من غايات الفصاحة ما بلغوا وخصت؛ لأنه تحدى فيها بقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. انتهى. وهو بعيد على أن غيرها ذكر فيه التحدي بذلك كسورة (يس)) فلا وجه لتخصيصها بذلك ولو سلم، فهو موهم قصر التحدي على مثلها أو مقاربها وليس كذلك؛ لأنهم عجزوا عن أقصر سورة منه (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٢١٢١ - [وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيّ ◌َّهِ يَقُولُ: يُؤْنَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلْ عِمْرَانَ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانٍ بَيْنَهُمَا شَرْقٌّ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ (١) أخرجه الطيالسي (٢٦٧٠)، وأحمد (٢٧٦١)، وأبو داود (٥٠١١)، والطبراني (١١٧٥٨)، وأبو يعلى (٢٣٣٢)، وابن حبان (٥٧٨٠). ٩٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع عَنْ صَاحِبِهِمَا(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. (وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَقُولُ: يُؤْنَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: بعد تجسمه بصورة جليلة جدًّا بحيث يراه الناس ويعرفونه، ثم تلك الصورة مشتملة على صور لما علمت من تميز البقرة وآل عمران بصورتين مضيئتين كالقمرين كما مرَّ (وَأَهْلِهِ) عطف على القرآن (الَّذِينَ كَانُوا) في الدنيا (يَعْمَلُونَ بِهِ) أي: بما فيه من الأوامر والنواهي والآداب والمواعظ والأحكام والحكم بحسب الإمكان. وفيه تقييد لإطلاق شفاعته لقارئه في بقية الأحاديث بأن محل ذلك أن عمل به وإلا كان حجة عليه كما في أحاديث أخر. (تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ) وكان حكمة ذلك مع كون الفاتحة أفضل منهما أن البقرة وآل عمران تبع لها أفضل سورة بعد الفاتحة مع ما في حرمهما من الكبر والجلالة المناسبين للتقدم على البقية، ثم رأيت شارحًا أشار لذلك بقوله: قيل يقدم ثوابهما ثواب القرآن. وقيل: تصور القرآن بصورة كما تصور الأعمال فليقبل المؤمن هذا ويعتقده بإيمانه؛ لأنه لا سبيل للعقل إليه، وفي تقدمهما دليل على أنهما أعظم من غيرهما؛ لأنهما أطول والأحكام فيها أكثر. انتهى. وقوله: من غيرهما المراد به ماعدا ((الفاتحة)) لما مر أنها أفضل سورة على الإطلاق، وأن ((البقرة)) أفضل سورة بعدها، ولكن ألحقت بها ((آل عمران)) في ذلك لاتصالها بها لا لما ذكره ذلك الشارح من كثرة أحكامها كالبقرة؛ لأن النساء أكثر أحكامها منها كما هو مشاهد (كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانٍ) مر الكلام علیه. (أَوْ) مرَّ أنها للتنويع (ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانٍ) أي: متكاثفتان بحيث يريان من بعيد كالسواد، وإن كانا في ذاتيهما في غاية الإضاءة والإشراق فلا تنافي بين وصفهما بالسواد (١) أخرجه مسلم (٨٠٥)، وأحمد (١٧٦٧٤). - ٩٩ كتاب فضائل القرآن هنا وبكونهما (زهراوين)) فيما مر بفتح الراء وإسكانها وهو الأشهر رواية ولغة (بَيْنَهُمَا شَرْقُ) أي: فرجة مشرفة كضوء الشمس وفضلاً لتتميز كل عن الأخرى، ثم رأيت شارحًا أشار لما ذكرت من الجمع بقوله وصفهما بالسواد والظل؛ لكثافتهما بعضهما على بعض؛ وذلك أحمد ما يكون من الظلال في الأمر المطلوب منها، ثم بيَّن ◌َّ إنهما مع کثافتهما لا یستران الضوء ولا یمحوانه. انتهى. وما ذكرته أوضح وأبين كما يعلم بتأمل ذلك (أَوْ) للتنويع (كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا) مرَّ الكلام على ذلك قريبًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٢١٢٢ - [وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللّه تَعَالَى مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللّه تَعَالَى مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قُلْتُ: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ (١). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. و (وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: قَالَ) لي (رَسُولُ اللهِ وَ﴾: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ) اسم استفهام معرب ملازم للإضافة، وعند إضافته مؤنث كما هنا يجوز تذكيره وتأنيثه (آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله تَعَالَى) حال كونه (مَعَكَ) أي: مصاحبًا لك واحتج لذلك؛ لأنه عظته ممن حفظ القرآن كله في زمنه * وكذا ثلاثة من بني عمه، ومن مزاياه التي لم يشارك فيها أن النبي ◌َلّم قرأ عليه سورة لم يكن كما يأتي. (أَعْظَمْ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) فوض هنا وأجاب فيما بعد كناية؛ لأنه جوز أن يكون حديث أفضلية شيء من الآيات غير التي كان يعلمها، فلما كرر عليه السؤال المعاد بقوله: (قَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله تَعَالَى مَعَكَ أَعْظَمُ؟) ظن أن مراده وَّ طلب الإخبار عما عنده فأخبرته بقوله: (قُلْتُ: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ (١) أخرجه مسلم (١٩٢١). ١٠٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)) أي: آية الكرسي، ثم رأيت شارحًا أجاب بنحو ذلك وهو أنه إنما فوض أولاً وأجاب ثانيًا؛ لأن سؤال النبي ◌ّ للصحابي في باب العلم إما للحث على الاستماع لما يلقى إليه، أو للكشف عن مقدار فهمه ومبلغ علمه فراعى الأدب أولاً بتفويضه، فلما رآه لم يقنع منه بذلك علم أنه يريد استخراج ما عنده فأجابه وشارحًا قال: يحتمل أنه ما علم أولاً تفوض فشرح الله صدره فأجاب، ومن ثم هنأه والر بالعلم. انتهى. وأوضح منه أن يقال: يحتمل أنه لا يكون عنده علم ذلك ففوض فلما رأى وله حسن تفويضه ألقى الله من أنوار علومه ومنحه من مكنون معارفه ما علم به الجواب فسأله ثانيًا ليظهر عليه سر ذلك الإلقاح والإمناح فأجابه فزاده تثبتًا وإمدادًا فضربه في صدره، وهنأه بما منحه كما (قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي) عداه نفي مع تعديه بنفسه على حد ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] أي: أوقع الصلاح الكامل فيهم حتى يكونوا محلاً له فكذا هنا (وَقَالَ: لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ) من هناني الطعام يهنيني ويهناني وهنأته؛ أي: تهنأت به؛ أي: جاءني من غير مشقة ولا تعب. والقصد من ذلك الدعاء له بتيسير العلم ورسوخ قدمه فيه وحقيقته الإخبار على طريق الكتابة بأنه راسخ في العلم لإجابته بما هو الحق عند الله تعالى، وأبرز ذلك في صورة أمر العلم بأن يكون هو هنيئًا له، مبالغة في البشارة والمنة، وإعلامًا بما قدمه أنه سي﴾ إذ فوض أمده من علوم الإلهية بما هنأته وأزالت عنه مشقة التعلم فأجاب فورًا بالحق، وفي هذا منقبة جليلة حسنة له، ودليل ظاهر على كثرة علومه وتتابع منته ټ﴾ علیه. وأنه خصه من إمداداته الإلهية بما لم يخص به نظراءه وتكرمه له بالكنية، وجواز بل ندب مدح الإنسان في نفسه إذا أمن عليه الإعجاب لرسوخه في التقوى وعدم نظره إلى شيء من حظوظ نفسه، وكان فيه مصلحة إظهار علمه للآخذين منه والمنتفعين به، وفيه أيضًا دليل على تفضيل بعض القرآن على بعض، وقد سبق قريبًا