النص المفهرس
صفحات 61-80
(باب الاعتكاف) هو لغة: اللبث والحبس والملازمة على الشيء ولو شرًّا، ومنه ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] من عكف يعكف بضم كافه وكسرها لا غير يستعمل لازمًا ومتعديًا کرجع ورجعته، وأعکفه بالکسر لا غیر. وشرعًا: استقرار لبث أو غيره كالتردد لمسجد فوق طمأنينة الصلاة بشروط مقررة في الفقه منها النية فيحددها كلما دخل ما لم يخرج عازمًا على العود؛ لأن عزمه عليه حينئذ بمنزلة بيته إذا عاد ولا يبطله تكلم بمحظور ولا عمل صنعة ولو محرمة بخلاف نحو الجماع، وهو من الشرائع القديمة، ومن السنن المتأكدة لا سيما في رمضان، ویسن کونه يومًا وليلة وقع الصوم خروجًا من خلاف من لم يجوز دونه، ومن أوجب فيه الصوم وأن ينويه كلما دخل المسجد ولو مارًّا؛ أي: تقليدًا للقائل بحصوله للمار إذا نواه. (الفصل الأول) ٢٠٩٧ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ وٍَّ: كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ (١) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - أَنَّ الشَّبِيَّ ◌َِّ: كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ) كذلك (أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) ومن ثم كان سنة متأكدة في ذلك اتباعًا له وَلّ ثم اعتكافهن لا دليل فيه على ندبه للمرأة مطلقًا؛ لأنهن وزمنهن لا يقاس بهما غيرهما، ومن ثم لا يشرع عندنا للمرأة إلا إن وجدت فيها شروط الخروج للجماعة بأن تكون عجوزًا في ثياب بذلتها من غير حلي عليها، (١) أخرجه البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (٢٨٤١)، وأبو داود (٢٤٦٤)، والترمذي (٧٩٥)، وأحمد (٢٥٣٥٠)، والدارقطني (٢٣٨٩). ٦١ ٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع وقد أمنت الفتنة بخلاف الشابة مطلقًا، والعجوز المتزينة بحلي أو لبس أو بخور، والخائفة على نفسها أو غيرها الفتنة فيكره لها إلا في الأخيرة، فيحرم عليها إن ظنت حصول تلك الفتنة. ٢٠٩٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ جَبْرَيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َِّ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جَبْرَيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ(١) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ) لأنه طبع على غاية الجود فجاد بكل ما وجد، وإن لم يسأل ووعد إن لم يجد ولم يخلف واستغنى بما منحه الله من حقائق قربه عن كل فان، وإن كثر فلم يلتفت إليه إلا لضرورة بذله وإنفاقه (وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ) أي: أكوانه (فِي رَمَضَانَ) أي: كان أجود أوقاته وقت كونه في رمضان على حد نهاره صائم؛ إذ فيه من المبالغة ما هو مشهور وذلك؛ لأنه كان يظهر فيه من آثار جوده ما لا يظهره في غيره؛ لأنه موسم الخيرات ومحل تفضل الله على عباده فيه بمجامع الصلات. وكان ◌َلّ يتبع سنة الله تعالى في عباده في إصداره وإيراده، وعليه فيه بأن سأل الروح الأمين إليه بغاية البشرى ونهاية السرور كما قال: (وَكَانَ جَبْرَيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ الْقُرْآنَ) على جهة المدارسة كما في رواية أخرى وهي أن تقرأ على غيرك مقدارًا معلومًا، ثم يقرؤوه عليك أو يقرأ قدره مما بعده، وهكذا (فَإِذَا لَفِيَهُ جَبْرَيلُ كَانَ) لما يأتيه على بدئه من خوارق الإمدادات وبدائع الكرامات (أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) بالبشرى بالغيب بين يدي رحمة الله تعالى، وهي حينئذ طيبة الروح عامة النفع شبه نشر جوده بالخير في العباد بنشر الريح العطرة في (١) أخرجه البخاري (١٩٠٢)، ومسلم (٦١٤٩)، وأحمد (٣٤٨٧)، والنسائي (٢١٠٧)، وابن حبان (٢٢٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٨٧٧٨). ٦٣ تتمة كتاب الصوم/ باب الاعتكاف البلاد، وسيان ما بين النشرين وكيف وأثر الثاني نبت الأرض بعد يبسها، وأثر الثاني إحياء القلوب بعد موتها مع ما ينضم لذلك من بذل الأموال الطائلة وإدرارات الأرزاق الهائلة، وسد خلة كل قاصد وشفاء علة كل وارد. وبما تقرر علم أن قوله: كان جبريل تخصيص بعد تخصيص على سبيل الترقي، وهو من عظيم علم ابن عباس وإحاطته بكمالات جمة من كمالاته وَ ل* حيث فصل أولاً جوده والر المطلق على جود سائر الناس، ثم ثانيًا جود كونه في رمضان على جوده في سائر أوقاته، ثم ثالثًا جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جوده في بقية رمضان، ثم بالغ مبالغة أخرى، فشبهه بالريح في لطفها العجيب وإنعاشها للأبدان والأرواح وإزالتها عنها سائر الكدورات، ثم زاد في المبالغة فوصفها بالمرسلة؛ أي: التي أرسلها الله لإحياء الأراضي بعد موتها، كما أرسله لإحياء أراضي النفوس بعد موتها، فله در كلام ابن عباس هذا وما انطوى عليه من بدائع الإشارات التي تقصر عنها العبارات (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). فإن قلت: ما وجه مناسبة ذكر هذا الحديث لهذا الباب؟ قلت؛ لأن غاية الأجودية فيه إنما حصلت في حالة الاعتكاف؛ لأن أفضل أوقات مدارسة جبريل له العشر الأخير وهو فيه كان معتكفًا كما مر في الحديث الأول، فكان المصنف وأصله يقولان بتأكد الاعتكاف في العشر الأخير؛ لأن له غايات عليه ألا ترى أن غاية جوده * إنما كانت تحصل وهو معتكف، فأبدى شارح لذلك مناسبة بعيدة جدًّا. فقال: قلت: من حيث إتيان أفضل ملائكة إلى أفضل خليفة بأفضل كلام من أفضل متكلم في أفضل أوقات، فالمناسب أن يكون في أفضل بقاع. انتهى. وقوله: من أفضل متكلم لا ينصرف إلا إلى الله تعالى، وهو حينئذ خطأ قبيح؛ إذ لا يوصف تعالى بأنه أفضل فكيف من أفضل؟ ٢٠٩٩ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َهِ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، ٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامِ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنٍ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ) فيه، عبَّر بهذا مع أنه ◌َّ هو الذي كان يعرض القرآن على جبريل مرتين عام وفاته، ومرة كل عام قبله ليزداد تجويده للفظه وإتقانه المخارج حروفه، وليتأسى به التلامذة في القراءة على المشايخ إما؛ لأنه أورده من باب القلب المشهور لعرضت الناقة على الحوض، والأصل عرضت الحوض على الناقة. وكان هذا هو مراد شارح بتفسيره العرض على النبي بقراءته على جبريل أو؛ لأن جبريل كان يقرأ تارة والنبي تسليم أخرى فاعتبر قراءة جبريل على النبي ◌َّ فأخبرتها؛ لأنها التي تحتاج للبينة عليها دون عكس ذلك؛ لأنه المعلوم المستمر من أول البعثة؛ إذ هو المعلم للنبي وَله والنازل بالقرآن عليه أو؛ لأنه أراد أن العارض غير جبريل لما ورد أن زيد بن ثابت قرأ على رسول الله وَله في عام وفاته القرآن مرتين وفيه نظر؛ لأن هذا إنما يصلح جوابًا عن قوله: فعرض عليه مرتین فليس الكلام في هذا فحسب، بل في قوله: كل عام مرة ولم يعلم أن زيد بن ثابت ولا غيره كان يعرض على النبي ◌َّه القرآن كل عام مرة، وإنما الذي ورد أنه شهد العرضة الأخيرة التي عرضها النبي تيه على جبريل، وأن قراءته هي القراءة التي قرأها وسر على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه. (وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا) من رمضان والذي استقر أمره عليه أنه العشر الأخير (فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ) فيه (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وحكمة التضعيف في العام الآخر من العرض والاعتكاف إعلامه بقرب وفاته، وإعلام أمته أنه يتأكد على كل إنسان في أواخر حياته أن يستكثر من الأعمال الصالحة، وأن يكون (١) أخرجه البخاري (٤٩٩٨). ٦٥ تتمة كتاب الصوم / باب الاعتكاف على غاية التهيؤ والاستعداد للقاء الله تعالى، والوقوف بين يديه. ٢١٠٠ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِهِ إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى إِلَّ رَأْسَهُ وَهَوَ فِي المَسْجِدِ فَأَرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّ ◌ِحَاجَةٍ الإِنْسَانِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى إِلَّ رَأْسَهُ وَهَوَ فِي المَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ) أي: أسرحه (وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ) وهو معتكف (إِلَّ ◌ِحَاجَةِ الإِنْسَانِ) وهي البول والغائط، وقيس بهما ما في معناهما مما يضطر إليه كأكل وشرب (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) واستفيد منه أن الاعتكاف يبطل بالخروج من المسجد لغير ضرورة، ومنه أنه يخرج نحو رجله أو يده أو رأسه فقط ويعتمد ببقية البدن على الخارج وحده بخلاف ما إذا لم يعتمد عليه كالذي في الحديث، فإن اعتمد على الخارج والداخل معًا ضر على نزاع فيه، وقيس بهذا من حلف لا يدخل دارًا ولا يخرج منها فلا يحنث بإدخال أو إخراج ما لم يعتمد عليه، وأن الاعتكاف خاص بالمسجد فلا يجوز في غيره ولو للمرأة. وقيل: يجوز لها في مسجد بيتها وهو المحل المعتزل المهيأ للصلاة، وأنه يباح للمعتكف تسريح رأسه وحلقه وتقليم أظفاره وتنظيف بدنه وسائر ما يباح فعله لغیر المعتكف نعم الأولى له أن يخرج نحو رأسه حال التسريح، ويده حال التقليم من المسجد إتباعًا له وَّ واحترامًا للمسجد ما أمكن، ومن ثم قال بعض أئمتنا: لو كان برأسه وسخ فأراد حلقه خرج إلى منزله وإن بعد؛ لأنه نهى عن حلق الرأس في المسجد حرم كإلقاء كل مقذر فيه وإلا كره للخلاف في نجاسته. ٢١٠١ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: كُنْتُ (١) أخرجه مالك (٦٩٣)، والبخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٧١٠)، وأبو داود (٢٤٦٩)، والترمذي (٨٠٩)، وأحمد (٢٦٢٢٨)، وابن حبان (٤٣٠). ٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع نَذّرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: فَأَوْفٍ بِنَذْرِكَ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) وهي ما كان عليه العرب قبل بعثته ◌َ﴿ ومن فسر هاهنا بما قبل ظهور الإسلام زاعمًا أن نذر عمر إنما كان بعد إسلامه، لكنه لا يتمكن منه لشدة شوكة قريش، ومنعهم منه فقد أبعد وإن كان عليه لا يحتاج إلى حمل الأمر لعمر بالوفاء على أنه للندب (أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟) لا ينافيه كونه في الجاهلية؛ لأنهم مع ذلك كانوا يعرفون أشياء من دين إبراهيم الكّه وكانوا يتدينون بها، وقد مر أن الاعتكاف وكونه في المسجد من الشرائع القديمة (قَالَ: فَأَوْفٍ بِنَذْرِكَ) أي: ندبًا لا وجوبًا لاستلزامه الصحة ونذر الكافر لا يصح وإذا لم يصح نذر الكافر مع كونه مكلفًا بالفروع ومخاطبًا بالشريعة فأولى ألا يصح نذر الجاهل؛ لأنه حال النذر لم يخاطب بشرع ولا قصده. وأما قول شارح فيه تقليدًا للكرماني شارح البخاري فيه من الفقه أن نذر الجاهلية إذا كان على وفق حكم الإسلام عمل، ووجب الوفاء بعد الإسلام وأن الكافر ینعقد یمینه، ويصح ظهاره ويلزمه الكفارة. انتهى. فهو ضعيف في مذهبهما بالنسبة لمسألة النذر، وغير صحيح فيما بعدها؛ لأنه لا يؤخذ إلا بالقياس على مسألة النذر على ذلك الضعيف وعلى الأصح الفرق بين النذر والأجر من أنهما ليس من العبادات فصحا منه بخلاف النذر، فإنه عبادة لم تصح منه وفيه أن من عنى في نذره المسجد الحرام تعین علیه الاعتكاف فیه، ولم جزه غيره ولو مسجد المدينة؛ لأنه مفضول وهو لا يقوم مقام الفاضل، ودليل مفضوليته ما صح عن عمره ومثله لا يقال من قبل الرأي أن صلاة المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في (١) أخرجه البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (٤٣٨٢)، وأحمد (٢٦١). ٦٧ تتمة كتاب الصوم/ باب الاعتكاف مسجد النبي ◌َّله وفي أمره ◌َّ له باعتكاف ليلة ندبًا أو وجوبًا على ما مر أوضح تصريح بأنه لا يشترط في صحة الاعتكاف صوم. ومما يصرح بذلك أيضًا ما صح على شرط مسلم مرفوعًا وهو مقدم على من وقفه وعكسه شاذ لا يعول عليه ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه؛ أي: بالنذر وخبر: ((لا اعتكاف إلا بصوم))(١) موقوف على عائشة ورفعه ضعيف جدًّا، وعلى التنزل فمعناه لا اعتكاف كامل (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). وفي رواية للبخاري: ((أوف بنذرك))(٢) اعتكاف ليلة. وفي رواية لمسلم: التعبير بيوم فلعله نذر يومًا وليلة فأمر بوفائهما، وقد صح عن أبيه عبد الله أن أباه نذر أن يعتكف ليلة بالمسجد الحرام، فقال له وَ لهن: ((أوف بنذرك)) فاعتكف ليلة (٣). (الفصل الثاني) ٢١٠٢ - [عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ(*). رَوَاهُ التِّرْمِنِيُّ]. (عَنْ أَفَّسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ ◌َهِ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا) الظاهر أنه إنما تركه فيه لعذر؛ لأنه وَل﴿ كان إذا عمل عملاً داوم عليه (فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ) عشرة أداء كعادته، وعشرة قضاء لما فاته في العام السابق إعلامًا بأن النوافل المؤقتة تقضى إذا فاتت كما تقضى الفرائض (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). (١) أخرجه الحاكم (١٦٠٥)، والبيهقي (٨٣٦٣)، والدار قطني (١٩٩/٢). (٢) أخرجه البخاري (٢٠٤٣). (٣) تقدم تخريجه. (٤) أخرجه الترمذي (٨٠٨). ٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ٢١٠٣ - [وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه عَنْ أُنِيّ بْنِ كَعْبٍ(١)]. (وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَابْنُ مَاجَه عَنْ أُبيِّ بْنِ کَعْبٍ). ٢١٠٤ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهُ]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ﴾ِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ) أي: محله الذي تهيأ له ثم يستر بحصير ليستتر فيه عن أعين الناس ويتفرد بنفسه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه) واستدل به جماعة من السلف على أن من نوى؛ أي: أو نذر اعتكاف شهر أو العشر الأخير من رمضان مثلاً دخل عقب أول فجر الشهر أو العشر فيدخل في الثانية عقب فجر الحادي والعشرين. وقال الأكثر ومنهم الأربعة الأئمة: يدخل عقب الغروب لدخول ليلة أول يوم في مسمى الشهر أو العشر، وأولوا الحديث أن ابتداء دخوله في الاعتكاف كان من الغروب، وأما دخوله في المعتكف لينقطع عن الناس فكان عقب الفجر. ٢١٠٥ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهَ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُُّ كَمَا هُوَ فَلَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وََّ) إذا خرج لحاجة كما يدل عليه بقية الحديث (يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا) أي: مرورًا مثل الهيئة التي (هُوَ) عليها بألا يميل إلى جانب من جوانب محل مروره ولا يقف. ومن ثم فرعت على قولها كما هو قولها: (فَلَا يُعَرِّجُ) لتبين به ذلك المجمل؛ إذ التعريج يشمل الإقامة والميل إلى جانب الطريق فنفيه نفي لهما (يَسْأَلُ عَنْهُ) بيان لتعود المريض على سبيل الاستئناف (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) لكن فيه من اختلفوا في توثيقه (١) أخرجه أبو داود (٢٤٦٥)، وابن ماجه (١٨٤٢). (٢) أخرجه الترمذي (٧٩٦)، وأبو داود (٢٤٦٦)، وابن ماجه (١٨٤٣). (٣) أخرجه أبو داود (٢٤٧٤)، والبيهقي في (سننه)) (٨٨٥٧). ٦٩ تتمة كتاب الصوم/ باب الاعتكاف وبتقدير ضعفه هو ◌ُجبر بما في ((مسلم)) عن عائشة إن كنت لا تدخل البيت للحاجة، وفيه المريض فما أسأل عنه إلا وأنا مارة. ومن ثم أخذ به أئمتنا فقالوا: إذا خرج المعتكف اعتكافًا منذورًا متتابعًا لنحو قضاء حاجة فعاد مريضًا أو زار قادمًا في طريقه أو في داره التي خرج لقضاء الحاجة فيها، ولم يقف ليؤذن له أو صلى على ميت ولم ينتظرها ولا أزور عن طريقه لم يبطل اعتكافه بخلاف ما إذا اختل شرط من ذلك كأن طال زمنه عرفًا أو عدل لشيء مما ذكر عن طريقه أو عن داره السابقة بأن أزور عن طريقه لذلك، أو فعله بغير داره وإن لم يزر أو انتظر نحو الإذن أو الصلاة وإن قل زمن ذلك على ما ذكره البغوي. وبحثه النووي أن اليسير عرفًا لا يضر، أو قيل مارًّا بشهوة فأنزل بطل اعتكافه كما لو تباطأ في مشيه فوق عادته، ونقل النووي عن الإمام والغزالي أنهما جعلا الوقوف بقدر صلاة الجنازة ممن خرج لنحو قضاء الحاجة معفوًّا عنه لكل غرض، وإن لم يجز الخروج له وبه يعلم أن الطول والقصر السابقين إنما يعتبران بعد مضي قدر صلاة الجنازة؛ لأنه إذا عفي عنه لم يحسب عليه. ونقل شارح أن الوقوف للعبادة، وصلاة الجنازة أكثر من قدر صلاة الجنازة مبطل للاعتكاف عند الأئمة الأربعة خلافًا للحسن والنخعي. ٢١٠٦ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ) أي: الطريقة اللازمة (عَلَى الْمُعْتَكِفِ) اعتكافًا منذورًا متتابعًا (أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا) أي: ألا يخرج لعيادته وإلا بطل اعتكافه؛ لأنه لا ضرورة إلى الخروج إليه. ومن ثم قال جماعة من أئمتنا: لو كان المريض منقطعًا ضائعًا لا ممرض له لم (١) أخرجه أبو داود (٢٤٧٥)، والبيهقي في (سننه)) (٨٨٥٦). ٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع يبطل الخروج إليه لوجوبه عليه عينًا حينئذ، لكن كلام النووي مصرح بانقطاعه مطلقًا؛ لأن تعين ذلك نادر (وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً) أي: لا يخرج لنحو الصلاة عليها وإلا بطل اعتكافه، وإن تعينت الصلاة عليه على المعتمد؛ لأنه يمكنه فعلها في المسجد بإحضار الميت فيه (وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا). ومنه أخذ أئمتنا قولهم: يحرم على المعتكف العامد العالم بالتحريم المختار، ولو خارج المسجد كأن خرج لقضاء الحاجة، وكان في اعتكاف وأحب الجماع والمباشرة من غير حائل لشهوة كقبلة أو مس ويفيد الاعتكاف بالجماع، وإن لم يترك وبالمباشرة بشهوة والاستمناء إن أنزل ولا حائل وإلا فلا نظير ما مر في الصوم، وإطلاق شارح في التقبيل والمباشرة فيما دون الفرج عدم البطلان ليس في محله، كقوله: إنه أظهر قولي الشافعي والعجب منه أنه ساق عبارة الرافعي، ولم يدرك منها أنها مصرحة ببطلان ما قاله. ومن الطيبي أنه تبعه على ذلك ولم يتأمل أيضًا العبارة التي ساقها المبطلة لما ذكره ثم حمل الآية وهي ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] على الجماع لمجرد مناسبة لفظية ذكرها، ومثلها لا يعول عليه أئمة النقل، والحاصل أن أظهر قوليه ما ذكرناه من التفصيل كما أفاده مجموع كلامه في كتبه ((الإملاء)) و((الأم)) وغيرهما، وبه قال الليث وأبو حنيفة وأحمد ﴾. ونفي أقوال أخر، أحدها: إطلاق الإفساد بأنها إطلاق عدمه، وبه قال مالك والخلاف في غير الجماع (وَلَا يَخْرُج) أي: المعتكف (لَحَاجَةٍ) فإن فعل بطل تتابعه ووجب الاستئناف بنية جديدة (إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) وهو ما يضطر إليه كقضاء حاجة البول أو الغائط؛ لأنه لا غنى لأحد عنه، ومن ثم أجمعوا عليه ولا يكلف دخول ببقائه بالمسجد مثلاً لقضائها إلا إذا كان لا يحتشمها ولا يضر تكررها لعارض نحو إسهال، ولا يكلف الصبر إلى وقت اشتدادها؛ لأن كتمها مضر وله الوضوء الواجب بعد الاستنجاء منها تبعًا لها، وكالأكل إذا كان المسجد مطروقًا وإن أمكن فيه؛ لأنه قد يشق عليه، فيستنجي فيه، بخلاف الشرب من ماء فيه، وكالغسل من جنابة نحو احتلام أو من نجاسة وكالعطش أو الوضوء الواجب ولا ماء في المسجد إلا في نحو قربة ٧١ تتمة كتاب الصوم/ باب الاعتكاف إن لم يجد مُعِينًا. وإنما قيدت ما مرَّ بالاعتكاف المندور المتتابع؛ لأن غيره كالتطوع له الخروج منه ولو لغير حاجة واختلفوا هل الأفضل عدم الخروج منه لنحو عيادة مريض وتشييع جنازة أو الخروج لذلك أو هما سواء. والأصح عند أصحابنا الأخير ولو نوى اعتكاف مدة مقدرة غير مشروط فيها التتابع كشهر وخرج لنحو بول أو غائط فقط خلافًا لمن زعم إلحاق ما في معناهما بهما ذكر لم يجب تجديد النية؛ لأنه لما كان لا بد منه كان كالمستثنى عند النية أو وجب لغيرهما وجب تجديدها (وَلَّا اعْتِكَافَ) كامل (إلَّا بِصَوْمٍ) خروجًا من خلاف من جعله شرطًا فيه، ولم ينظر إلى ما مر من الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه ليس بشرط فيه. ومن ثم وجب تأويل هذا النفي بحمله بتقدير صحة الحديث، وسيأتي ما في ذلك على نفي الكمال جمعًا بين الأحاديث (وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّ فِي مَسْجِدٍ) خالص وهو ما وقف كله مسجدًا وقفًا صحيحًا سواء أسفله وأعلاه اتفاقًا، فلا يصح في غيره إجماعًا؛ ولأنه وَّل وأصحابه حتى نساؤه لم يفعلوه إلا فيه ولقوله تعالى: ﴿وَلَّا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إذ ذكرها ليس شرطًا في منع مباشرة المعتكف لمنعه منها ولو خارج المسجد كما مر، ولمنع غيره منها أيضًا فيه فتعين أنه لإفادة كونها شرطًا لصحة الاعتكاف ولا يفتقر عبادة للمسجد إلا تحيته، والاعتكاف والطواف وخرج به نحو المدرسة ومصلى العيد إذا لم يوقف مسجدًا أو مصلى البيت وهو المعتزل المهيأ للصلاة. وبناء وقف مسجد لكن أرضه مستأجرة ما لم يبن فيه دكة أو يبلط بأحجار وتوقف تلك الدكة، أو ذلك البلاط مسجدًا على المعتمد وأرض وقف بعضها شائعًا مسجدًا؛ لأن من فيها ليس في مسجد خالص ولو اعتكف فيما ظنه مسجدًا أو هو غير مسجد باطنًا أثيب على مجرد قصده؛ لأنه هم بحسنة دون اعتكافه لفوات شرطه كما لو صلى صلاة بشروطها في ظنه دون باطن الأمر، وأفهمت الآية لإطلاقها المساجد أنه لا فرق بين مسجد (جَامِع) وهو ما تقام فيه الجماعة، والجمعة وغیره وبه قال أکثر أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم. وقال جمع مجتهدون وأومأ إليه الشافعي في ((القديم)) وعليه كثيرون من ٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع الصحابة يتعين ما يصلي فيه الصلوات كلها، وتقام فيه الجماعة أخذًا بظاهر هذا الحديث، وبحديث ((كل مسجد له مؤذن وإمام))(١) فالاعتكاف فيه يصلح وأجاب الأولون بأن ذكر الجامع للأولوية خروجًا من خلاف من أوجبه ولكثرة جماعته، وللاستغناء عن الخروج منه للجمعة، وبأن الحديث الأخير مرسل ضعيف. وقد يكون المسجد أفضل من الجامع لكثرة جماعته أو طيب مال بانيه أو عدم الشهرة بالاعتكاف فيه، ووجودها في الجامع أو كون إمامه كاملاً، وأيام الجامع خلافه وكذا لو عين في نذره غير الجامع فهو أولى ما لم يحتج للخروج إلى الجمعة، وقد يتعين الجامع إن نذر اعتكاف مدة متتابعة فيها يوم الجمعة، وهي ممن تلزمه ولم يشرط الخروج لها؛ لأنه لها يقطع التتابع وإن وجب لتقصيره بالاعتكاف في غير الجامع (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) بسند فيه من اختلف في توثيقه، والأكثرون على عدم توثيقه والاحتجاج بحديثه، لكن يؤيد الاحتجاج به أن مسلمًا روی له. وقد قالوا: من روى له الشيخان أو أحدهما لا ينظر للطاعنين فيه وإن كثروا، نعم رواية قولها: ((السنة على المعتكف ... إلخ)(٢) مطعون. قال أبو داود وغيره: لا نقول: قالت السنة، بل يجعله من كلامها. وقال الدار قطني: يقال: إنه من كلام الزهري فمن أدرجه في الحديث فقد وهم. وأما قول شارح: إنه أراد يكون هذه المذكورات السنة إضافتها إليه ◌َله فهي نصوص لا يجوز مخالفتها أو الفتيا بما عقبه من السنة، فقد خالفها بعض الصحابة في بعض تلك الأمور، والصحابة إذا اختلفوا في مسألة كان سبيلها النظر. انتهى. فهو غفلة عن القاعدة المقررة أن قول الصحابي: السنة كذا في حكم المرفوع إلى النبي ◌ُّل﴿ فلو صح عنها قولها: ((السنة على المعتكف ... إلخ)) لما علمت، وإنما الذي صح عنها ((على المعتكف ... إلخ)) وهذا موقوف عليها بلا نزاع، وحينئذ فالمحقق هو (١) أخرجه أبو داود (٢٤٧٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٨٨٥٦). (٢) أخرجه أبو داود (٢٤٧٥)، والبيهقي في ((سننه)) (٨٨٥٦). ٧٣ تتمة كتاب الصوم/ باب الاعتكاف الوقف عليها والرفع مشكوك فيه، وهو لا يثبت مع الشك. (الفصل الثالث) ٢١٠٧ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ نَِّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِرَاشُهُ، أَوْ يُوضَعُ لَهُ سَرِيرُهُ وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ الثَّوْبَةِ(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ]. (عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ وَهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِرَاشُهُ، أَوْ يُوضَعُ لَهُ سَرِيرُهُ وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ) وقد بينتها ووجه تسميتها بذلك في كتابي (الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم)) الذي لم يصنف في بابه مثله (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) واستفيد منه أن للمعتكف وضع نحو فراشه وسريره الذي لم يضيق على الناس في المسجد، ومن ثم قال أصحابنا: له الاحتراف فيه والأكل والأولى كونه على سفرة إلا إن قذر المسجد تركها فتكون واجبة حينئذ، وغسل اليد فيه والأولى أن يكون بنحو طست. ٢١٠٨ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ فِي الْمُعْتَكِفِ: هُوَ يَعْتَكِفُ الذُّنُوبَ، وَيُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ كُلّهَا(٢). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ فِي) شأن ومدح (الْمُعْتَكِفِ: هُوَ يَعْتَكِفُ الذُّنُوبَ) أي: ينحبس عنها، فهو منصوب بنزع الخافض شذوذًا بين بذلك أن شأن المنحبس في المسجد الانحباس عن تعاطي أكثر الذنوب. ومن ثم اختص الاعتكاف بالمسجد؛ لأن الإقامة فيه أدعى للتوقي من الشر والاستكثار من الخير المشروع لأجلهما الاعتكاف (وَيُجْرَى) أي: يقضى ويكتب (لَهُ مِنَ) ثواب (الْحَسَنَاتِ) التي فاتته بالاعتكاف كعيادة المرضى وتشييع الجنائز (كَـ) ثواب (عَامِلٍ) تلك (الْحَسَنَاتِ كُلَّهَا) لأنه لم يعوقه عنها إلا الاشتغال به مع عزمه على فعلها لولا الاعتكاف، وهذا جار على المختار في المتخلف عن صلاة الجماعة لعذر أنه يكتب له ثوابها (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه). (١) أخرجه ابن ماجه (١٨٤٦). (٢) أخرجه ابن ماجه (١٨٥٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٨٠٤). كتاب فضائل القرآن (كتاب فضائل) جمع: فضيلة؛ بمعنى فاضلة وهي صفة، والأغلب أن تكون محمودة توجب تميز من قامت به على غيره وضدها الفضول، فإن أكثر استعماله في المذموم كذا ذكره شارح، والذي في ((القاموس)): الفضل ضد النقص جمعه فضول، ثم قال: والفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل والاسم الفاضلة. ثم قال: والفواضل الأيادي الحميمة أو الجميلة. انتهى. وعلى هذا اصطلاح المحققين فإنهم يستعملون الفضيلة في الصفة القاصرة والفاضلة في المتقدمة كالكرم. (القرآن) يطلق على الكلام القديم القائم بالذات العلى، وعلى الألفاظ الدالة على ذلك الكلام، والمراد هنا العالي كما يعلم مما يأتي قال جماعة: وهو اسم علم غير مشتق وهو خاص بكلام الله، فهو غير مهموز کما قرأ به ابن کثیر. وروى جماعة عن الشافعي: إنه كان يهمز قرأت وزن القرآن، قال: لأنه اسم علم لكتاب الله ليس مأخوذًا من قرأت ووافقه على عدم همزه جمع منهم الأشعري، لكنهم قالوا: إنه مشتق من قرنت الشيء بالشيء لقران السور والآيات فيه، وقال قوم: هو مهموز وقد يترك الهمز فيه تخفيفًا ونقلاً لحركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وعليه فأصله أنه مصدر لقرآن بمعنى اسم المفعول أو صفة على فعلان من القراءة بمعنى الجمع لجمعه السور أو أنواع العلوم كلها. قال الجلال السيوطي: المختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الإمام الشافعي. انتهى. والحق أنه يجوز همزه وعدمه كما قرئ بكل، ولعل كلام الشافعي في الأفصح أو الأشهر، فهو بحثًا وترك الهمز، وغيره بحثًا والهمز وحينئذ، فالخلاف ليس له كبير جدوى لكن قول الشافعي: إنه اسم ليس بمهموز ولا مأخوذ من قرأت يقتضي خلاف ما ذكرته متأيد بجواز الهمز وعدمه في السبع. (الفصل الأول) ٢١٠٩ - [عَنْ عُثْمَانَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَيَّةَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ - ٧٤ - ٧٥ كتاب فضائل القرآن وَعَلَّمَهُ (١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (عَنْ عُثْمَانَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: خَيْرُكُمْ) معشر القراء، بل الناس بالاعتبار الآتي، وفي رواية: ((إن أفضلكم)(٢). (مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآن) هو يطلق على بعضه وكله ويصح إرادة البعض هنا باعتبار أن من وجد منه ما يأتي ولو في آية كان خيرًا ممن لم يكن كذلك (وَعَلَّمَهُ) مخلصًا في كل من الأمرين مبتغيًا به وجه الله تعالى عاملاً بما فيه من الأخلاق والآداب والأحكام. ووجه خيريته تعلم من الحديث الصحيح: «من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير ألا يوحى إليه)»(٣). والحديث الصحيح أيضًا: ((أهل القرآن هم أهل الله وخاصته))(٤) فإذا جاز خير الكلام ثم تسبب في أن غيره يكون مثله فقد التحق ببعض درجات الأنبياء، وكان من جملة الصديقين القائمين بحقوق الله وحقوق عباده على أقصى الطاقة وأكمل الإتباع، واستفيد من ربط التعلم والتعليم بالقرآن أن المراد به هنا كلام الله لا النفسي القائم بذات الحق تبارك وتعالى، بل اللفظ المتعبد بتلاوته المنزل على محمد مج للإعجاز بأقصر سورة منه؛ إذ أقل ما وقع الإعجاز به ثلاث آيات على الأشهر، وقال جمع: بل وقع بأقل من ذلك، بل قيل: كل جملة منه معجزة؛ أي: باعتبار النظر فيها بالنسبة لما قبلها ولما بعدها؛ إذ لا يقدر أحد أن يوجد جملة أخذه [ ..... ] ما قبلها وما بعدها كما في القرآن، وهذا وإن كان ظاهرًا لكن الإعجاز فيه عرضي لا ذاتي، والكلام ليس إلا في (١) أخرجه البخاري (٤٧٣٩)، وأبو داود (١٤٥٢)، والترمذي (٢٩٠٧) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٥٠٠)، وابن ماجه (٢١١)، وابن حبان (١١٨)، والطيالسي (٧٣). (٢) أخرجه البخاري (٥٠٢٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٨٧٩). (٣) أخرجه الحاكم (٢٠٢٨) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٥٩١). (٤) أخرجه الطيالسي (٢١٢٤)، وأحمد (١٢٣٠١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٠٣١)، وابن ماجه (٢١٥)، والدارمي (٣٣٢٦)، والحاكم (٢٠٤٦)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٦٣/٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)» (٢٦٨٨). ٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع الذاتي وهو لا يوجد في أقل من ثلاث آيات، فاتضح أنه لا خلاف في المعنى، ثم إطلاق القرآن على اللفظي ليس من محل الخلاف بيننا وبيَّن المعتزلة له في أن كلام الله قديم أو حادث؛ لأنه بهذا المعنى حادث اتفاقًا، وإنما الخلاف في النفسي فهم نفوه لقصور عقولهم الناقصة القاصرة أنه لا يسمى كلامًا إلا اللفظي وهو محال عليه تعالى، وبنوا على هذا التعطيل قولهم: معنى كونه تعالى متكلمًا أنه خالق للكلام في بعض الأجسام، ونحن أثبتناه عملاً بمدلول الأسماء الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، وبما هو المعلوم من لغة العرب: إن الكلام حقيقة في النفسي وحده أو بالاشتراك، ولا يلزم على ذلك محال ولا نقص. ومن ثم قال الشافعي : ((ما ضل من ضل من الضلال والهواء إلا لجهلهم بكلام العرب)) أي: مع قصور تصورهم وفساد فكرهم وسبق شقاوتهم فرق، وقد جاء في القرآن إطلاق كلام الله تعالى على كل من المعنيين والنفسي قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم ◌ُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]. ﴿ وَكَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] واللفظ محال عليه تعالى، وخلق الكلام في الشجرة مجاز لا ضرورة إليه، وسيأتي حديث: ((أنزل القرآن على سبعة أُحرف)»(١) ما له تعلق بذلك فراجعه (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). ٢١١٠ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِر ◌َ﴾ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَتَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَو الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرٍ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمِ؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نُحِبُّ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمَ أَوْ يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَةٍ أَوْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعُ خَيْرٌلَهُ مِنْ أَرْبَعِ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (١) أخرجه أحمد (٢١١٢٩)، والترمذي (٢٩٤٤) وقال: حسن صحيح. والطبراني في ((الأوسط)) (٥٢٥٠)، وابن حبان (٧٤٢). (٢) أخرجه مسلم (٨٠٣)، وأحمد (١٧٤٤٤)، وابن أبي شيبة (٣٠٠٧٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤١/١). ٧٧ كتاب فضائل القرآن (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِر ◌َه قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَشَحْنُ فِي الصُّغَّةِ) وكانت في مؤخر المسجد معدة لفقراء أصحابه الغير المتأهلین، وكانوا يكثرون تارة حتى يبلغوا نحو المائتين ويقلون أخرى لإرسالهم في الجهاد وتعليم القرآن (فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ) من الغدو، وهو السير أول النهار، وقد يراد به مطلق السير كما هنا (كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ) بضم الموحدة وسكون الطاء، اسم وادٍ بالمدينة، سمي بذلك لسعته وانبساطه من البطح، وهو البسط (أَو الْعَقِيقِ) أي: الأصغر، وهو وادٍ على ثلاثة أميال، وقيل: ميلين من المدينة عليه أموال أهلها وخصا؛ لأنهما أقرب موضع إليها يقام فيه أسواق الإبل. (فَيَأْتِيَ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنٍ) بفتح الكاف، وبعضهم بضمها؛ أي: مشرفتي السنام عاليتهما لفرط سمنها وخصا؛ لأنهما من خيار أموال العرب (في) للتنبيه نظير: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]. ﴿لُمْتُنَِّي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]. (غَيْرِ إِثْمِ) أي: بسبب غير موجب لإثم كسرقة أو غصب، وسمي موجب الإثم إثمًّا مجازًا (وَلَا قَطْعِ رَحِيمٍ؟) صرح به مع دخوله فيما قبله اهتمامًا بشأنه لفظًا عنه وشدة عقوبة مرتكبه. (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله تُحِبُّ ذَلِكَ) لا ينافي ما كانوا ﴾ عليه من الورع والزهد؛ لأنهم إنما أحبوا ما به الكفاية لا أزيد من ذلك، وهذه المحبة لا تنافي الزهد فضلاً عن الورع (فَقَالَ: أ) إذا كنتم كذلك (فَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمَ) بفتح فسكون كما صححه في ((جامع الأصول)) أي: يتعلم (أَوْ) شك (يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ الله) هما (خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَةٍ أَوْ نَاقَتَيْنٍ، وَثَلَاثُ) من الآيات (خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ) من النوق (وَأَرْبَعُ) من الإناث (خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَع) من النوق أكثر من أربع خير (وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ) فخمس خير من خمس وست خير من ست وهكذا وقيل أن هذا راجع للكل أي الإتيان بفضلان عددهما من النوق وعددها من الإبل وهكذا. انتهى. وهو بعيد من السياق، وعلى كلٍ فهو تقريب؛ إذ قراءة حرف من القرآن خير من الدنيا وما فيها كما في الحديث؛ لأنهما فانيان زائلان لا ينفعان في الآخرة بخلاف قراءة الحرف، فإن فيها ثوابًا عظيمًا باقيًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ٢١١١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَثَلَاتُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِهِ: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ) أي: في أهله؛ أي: محلهم (ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ) جمع خلفة بفتح فسكون؛ أي: حامل من النوق والعشراء التي أتى على حملها عشرة أشهر، وعبارة ((شرح مسلم)) توهم خلاف ذلك (عِظَامِ سِمَانٍ؟) من أي أنواع، تنكير للتعظيم والتفخيم (قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ:) فإذا كنتم تحبون ذلك (فَثَلَاتُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامِ سِمَانٍ) والتنكير هنا للتفخيم، وفيما قبله لبيان الشيوع إشارة إلى أنهم إذا أحبوا تلك، وإن خلت عن التفخيم فما بالهم بحصول هذه التي فيها من الفخامة ما ليس في تلك، قلنا: أثر تنكير الثاني المفيد لذلك على تعريفه؛ لأنه لا يفيده (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٢١١٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ فَلَهُ أَجْرَانِ(٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لِهِ: الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ) أي: المجيد لحفظه على ما ينبغي بحيث لا يشتبه عليه متشابهه، ولا يتوقف في قراءته (مَعَ) الملائكة (السَّفَرَةِ) أي: الرسل؛ لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات ربهم، أو الكتبة؛ لأنهم بكتابتهم سفرة بين الله وخلقه. وفي ((القاموس)): السفرة: الكتبة، جمع سافر، والملائكة يحصون الأعمال (الْكِرَامِ) لعصمتهم ونزاهتهم عن دنس المعصية (الْبَرَرَةِ) أي: المطيعين من البر، وهو (١) أخرجه مسلم (٨٠٢)، وابن ماجه (٣٧٨٢)، وأحمد (٩١٤١)، والْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)» (٢٢٤٢)، وابن أبي شيبة (٣٠٠٧٣). (٢) أخرجه البخاري (٤٦٥٣)، ومسلم (٧٩٨)، وأبو داود (١٤٥٤)، وابن ماجه (٣٧٧٩)، وأحمد (٢٤٧١١)، وعبد الرزاق (٤١٩٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٦٤٦)، وعبد الرزاق (٤١٩٤). ٧٩ كتاب فضائل القرآن الطاعة والإحسان؛ أي: معهم في منازلهم في الآخرة؛ لأنه مثلهم في حمل كتاب الله تعالى، أو في نفع المؤمنين بإسماعهم القرآن وهدايتهم إلى ما فيه، كما أنهم معهم بالحفظ والبركة. (وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ) أي: يتردد في قراءته (وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌ) بثقله على لسانه لضعف حفظه (فَلَهُ أَجْرَانٍ) أجر لقراءته وأجر لتعبه، ومع ذلك الأول أكمل منه كما دلت عليه تلك المعية لمزيد اعتنائه بالقرآن، وكثرة درسه له وإتقانه لحروفه حتى مهر فيه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٢١١٣ - [ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: لَا حَسَدَ إِلا عَلَى اثْنَيْنِ: رَجُلُّ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلُّ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منه آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: لَا حَسَدَ) أي: لا غبطة ومر الحديث لشرحه مستوفى في باب العلم (إِلا عَلَى اثْنَيْنِ: رَجُلُ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ) أي: من عليه بحفظه له كما ينبغي (فَهُوَ يَقُومُ بِهِ) أي: يصلي به، أو يجتهد في العمل به ويتحلى بآدابه (آنَاءَ) جمع أناء وإناء وأنى وأنو (اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ) أي: ساعاتهما فلا يغفل عنه إلا في قليل من الأوقات (وَرَجُلَ آتَاهُ اللهُ مَالاً) من وجهٍ حلال (فَهُوَ يُنْفِقُ منه) في سائر وجوه الخير (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٢١١٤ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهْ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبُ وَطَعْمُهَا طَيِّبُ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الثَّمْرَةِ لَّا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلٍ الْخَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحُ وَطَعْمُهَا مُرُّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبْ وَطَعْمُهَا مُرُّ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ (١) أخرجه البخاري (٧٠٩١)، ومسلم (٨١٥)، والترمذي (١٩٣٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٤٥٥٠)، وابن ماجه (٤٢٠٩)، وابن حبان (١٢٥). ٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع كَالأُتْرُجَّةٍ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ (١)]. (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) على ما ينبغي؛ أي: صفته من حيث طيب قلبه؛ لثبات الإيمان فيه واستراحته بقراءة القرآن واستراحة الناس بصوته، وثوابهم بالاستماع إليه والتعلم منه، وعبر بـ((مثل)) لإفادة تكريره لها ومداومته عليها حتى صارت دأبه وعادته، كفلان يقري الضيف (مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبْ وَطَعْمُهَا طَيِّبُ) فيستلذ الناس بطعمها ويستريحون بريحها. قيل: خصت؛ لأنها أفضل ما يؤخذ من الثمار في سائر البلدان، وأجدى لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها والخواص الموجودة فيها؛ لكثر حرمها وحتى منظرها وطيب طعمها، وليس مثلها تأخذ الأبصار صنعة ولونًا: ﴿فَاقِعُ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] تتوق إليها النفس قبل التناول تفيد آكلها بعد الالتذاذ، بذوقها طيب نكهة ودباغ معدة، وقوة هضم اشتركت الحواس الأربع في الاحتظاء بها، البصر والذوق والشم واللمس، ثم إنها في أجزائها تنقسم على طبائع: فقشرها حار يابس، ولحمها حار رطب، وحماضها بارد يابس، وبزرها حار مخفف، وفيها من المنافع ما هو مذكور في الكتب الطبية، وأية ثمرة تبلغ هذا المبلغ في كمال الخلقة وشمول المنفعة؟! انتهى. ويتعين أن المراد لكونها أفضل ما يوجد من الثمار أنها أفضل الثمار المأكولة التي يقصد منها الريح الطيب لا مطلقًا؛ إذ أفضلها كذلك العنب أو التمر قولان، وقيل: شجرة النخل أفضل؛ لأنها خلقت من فضلة طينة آدم التكليف كما في حديث، ومن ثم سماها ◌َ﴿ عمتنا وأمر بإكرامها، فقال: (أكرموا عماتكم النخل))(٤) وثمرة العنب (١) أخرجه البخاري (٥١١١)، ومسلم (٧٩٧)، وأبو داود (٤٨٣٠)، والترمذي (٢٨٦٥) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٩٦٣٠)، والنسائي (٥٠٣٨)، وابن ماجه (٢١٤)، وابن حبان (٧٧١)، والبزار (٢٩٨٤)، والطيالسي (٤٩٤)، وعبد بن حميد (٥٦٥)، وأبو يعلى (٧٢٣٧)، والدارمي (٣٣٦٣)، والروياني (٤٣٨). (٢) ذكره العجلوني في ((كشف الخفاء)) (١٧٢/١).